ديوانية الجمعة

http://www.awan.com/las/20080711

ديوانية الجمعة يكتبها هذا الأسبوع: علي الديري

الجمعة, 11 يوليو 2008 – العدد 235

 

http://www.awan.com/node/90060

مرسم عشتار ومئوية العريض

قال لي عباس يوسف: كن غدا في مرسم عشتار، فسنبدأ العمل في ورشة مئوية إبراهيم العريض. ورشة «عشتار» هي محترف الصديقين عباس يوسف وجبار غضبان. أشعر بحميمة في أجوائها المبعثرة في كل شيء.. هي مدرسة أكاديمية من  غير م ناهج مدرسية.. أعلام من التشكيليين مرّوا من هنا. 2ومنارات من المبدعين والمثقفين مازالوا يمرون من هنا. مرّ ضياء العزاوي، مارسيل خليفة، محمد عمر خليل، منير إسلام، علي طالب، نوري الراوي، عالية ممدوح، رافع الناصري، عبدالرسول سلمان، عادل السيوي، أسعد عرابي، شربل داغر، بشار العيسى، علي السوداني، فيفيان برنس.

قطع من نصوص قاسم حداد وأمين صالح صارت ألواناً وحروفاً محفورة هنا، ساحرة قاسم حداد مرّت من هنا، وموانئ أمين صالح رست هنا، ومعارض جابت العالم، أبحرت من هنا.. وهنا يحضر قاسم حدّاد أصدقاءه الذين يضيئون له ما يلي. كلما مروا ببحر من فلك سديمنا.

هنا دوماً مكان وشيء آخر.. وفي هذا الشيء الآخر يكمن الفن والإبداع.. يأتي مرة على صورة لون، ومرة على صورة حفر، ومرة على صورة وجه، ومرة على صورة حرف، ومرة على صورة صوت.. المكان لا يتسع لأكثر من بعثرة خمسة أشخاص لكنه بالشيء الآخر يتسع، بما يخلقونه من بعثرات لون أو حرف أو صورة. فيصير المكان عالماً يسع الكون. حين جاء الدكتور عبدالهادي خلف ذات غرة سريعة للمكان، قال: هل هذا هو المكان نفسه الذي تتحدثون عنه في أعمدتكم الصحفية بطريقة خرافية؟ وهل هو نفسه المكان الذي أنتجتم فيه معرضكم التشكيلي الذي رأيته في شتاء السويد؟ قلنا له اجلس قليلاً وستكتشف الشيء الآخر الذي يجعل من هذا المكان خرافة لا يمكن لعلم الاجتماع الذي تدرِّسه في السويد أن يكتشف سرَّه.

والشيء الآخر في هذا المكان الذي يجعله متسعاً، يكمن في خبرة الفن، التي تحدث عنها يوماً جون دوي، بأنها خبرة تخرجك من فرديتك وتصلك بالآخرين. وهذا ما يجعلني أقول إن «عشتار» خبرة تصلني دوماً بما يتجاوز فرديتي ويتجاوز خبرتي بالحرف، ليصلني بخبرة الآخرين باللون والصورة والصوت والأنوثة.

في هذا المكان، شكَّلتُ كثيراً من مقالاتي، ولخبرة المكان أثرها في صياغة الكلمات أحياناً صياغة تحضر معها ظل اللون. حتى إني في أحايين كثيرة، أشتهي لبعض المقالات أن أكتبها هنا، كي أحتفظ بظلها مقروناً بخبرة اللون.

كان إميل سيوران يقول «لو كان لي أن أتخلص من ولعي بالفنون، لما تخصصت في غير العواء».

خبرة الفن دائماً تقيك من العواء، فالفن يروّض فيك الإنسان، ويؤنسن توحشك، ويجعل صوتك يغني بدل أن يعوي.

عشتار.. مكان آمن للجمال.

http://www.awan.com/node/90068

شامات لبنى الأمين

خبرة مرسم (عشتار) فتحت أفقي على مساحات جمال صرت أراها تتجلى في كل محل في هذا الكون، كان مرسم الفنانة التشكيلية لبنى الأمين، مساحة تجربة جمال لتجلي هذه الخبرة.

قبل أن أعرفها كنت مفتوناً بأبوابها القديمة المعتقة بلون الخشب، التي قدمتها في معرضها في العام 1999على صالة جمعية الفنون التشكيلية. وقد شكّلت لبنى 3لوحاتها بخبرتها العميقة بأبواب المحرق المفتوحة.. كل ما هو مفتوح يقدم لك خبرة في التواصل والخروج من ذاتيتك، أبواب المحرق المفتوحة درس بليغ في التعايش المفتوح على المختلف في العرق والطائفة والدين، ورشة قاسم حداد عن هذه المدينة (ورشة الأمل.. سيرة شخصية لمدينة المحرق)، كانت مادتها الأساسية هذه الأبواب، لو كانت الأبواب مغلقة، ما كانت ورشة قاسم قد كتبت شيئاً من سيرتها. كان انفتاح الأبواب علامة تشير إلى انفتاح قلوب أبناء بيوتات هذه المدينة التي تكاد تفقد اليوم أبوابها.

حين مررت قرب بيت المناضل الستيني عبدالرحمن النعيمي (عافاه الله من استراحته)، كان باب بيته مفتوحا، على عادته. وهو بالمناسبة أحد أهم الأبواب التي عبرت منها (لبنى) للعالم للحلم بتغيير العالم. عند هذا الباب، سألني ابني باسل (9سنوات): هل هذا الباب مفتوح دائماً، وهل سيكون بيتنا الجديد مفتوحا بابه؟ قلت له هو مفتوح دائما، لكن الناس الذين بالخارج صاروا مغلقين.

لبنى رسمت هذه الأبواب وهي تستبطن خبرة انفتاحها الجميل، الأبواب المفتوحة شامات الأرواح المفتوحة. ولأن الشامة علامة، فليس أجمل من اللوحة التشكيلية شامة نقرأ فيها تأويل الروح المفتوحة.. هكذا قرأت أبواب لبنى علامات تدل على انفتاح روح مدينتها التي كانت.

وليست لوحات لبنى أبواباً مفتوحة فقط، فكل ما في مرسمها باب يفتحك على روح متفردة، في ليلة من ليالي مرسمها، فيما كانت هي تفتحنا بأبواب ألوانها على سيرة إبراهيم العريض استعداداً لاحتفالية مئويته.. كانت مكتبتها الموسيقية النخبوية تفتحنا لأول مرة على صوت (لينا شاماميان) وهي تغني «شامات»، وهو عنوان ألبومها الثاني الذي صدر في 2007 ويضم مجموعة من الأغاني الشعبية في تاريخ الأغنية الشامية:

شآم أنت فتاتي وأمي

حضنت صبايا

فهل فيك أكبر؟

فها قطعة من رخام

تعشق رائحة الياسمين فأزهر

جوري وريحان

مسك وعنبر

فاح بصرح

تلون أخضر…

كل ما في مرسم لبنى شامة من شامات الجمال، الأناقة التي تؤثث المكان، والمكتبة الصوتية ذات الحساسية الفائقة التي تحتفي بالأصوات الجميلة والنادرة، والكتب المجاورة للوحات مجاورة تصيبك بحيرة تصنيف المكان، هل هو مكتبة أو مرسم أو استوديو أو جنّة الأصدقاء؟!

يمكنك أن تقول هو مكان.. وشيء آخر يجعل منه شامة من شامات الجمال.

http://www.awan.com/node/90064

خرائطي الفكرية

 

كان غوته يقول «إن مشقة قراءة كتاب جيد تضاهي مشقة كتابته».. لهذه المقولة وقعها الخاص بالنسبة لتكويني، فأنا لم n816474055_1034379_1184تتوافر لدي فرصة للدراسة بالخارج، ولم أتوفر في تكويني على أساتذة شاقين آخذ عنهم مباشرة، لذلك ظلت الكتب وطرقها الشاقة أداتي الوحيدة -تقريبا- في تكوين معرفتي، وفي تكثير الأصوات التي تنطق في داخلي.. وقد أشعرني هذا دوماً بالإحساس بالمديونية لمؤلفيها، وأنا هنا لا أتحدث عن مرحلتي الجامعية، ولا ما قبل الجامعية، فتلك سنوات التحصيل العام، لكني أتحدث عن التكوين ما بعد الجامعي، وهو التكوين الذي حدد مساري الفكري وشكل كتابتي وعلاقتي بالعالم.. المرحلة الجامعية، بجامعة البحرين، لم تكن بالنسبة لي، أكثر من مرحلة دراسية، عبرتها دون صدامات فكرية أو تحولات معرفية أو تكوين أكاديمي صلب، لقد دخلت الجامعة أحمل تكويناً دينياً أصوليا مغلقاً، وخرجت منها أحمل التكوين نفسه بمعرفة تخصصية في اللغة العربية تقليدية.

المعرفة الحقيقية التي شقّت كل خلية في تكويني، بدأت في 1993مع أول تجربة مشقة في قراءة (كتاب محمد أركون نقد العقل الإسلامي). وقد كتبت تجربة هذه المشقة في 2002 في كتاب (الخروج على الحس المشترك) بمناسبة زيارة أركون التاريخية للبحرين.

كانت قراءة أركون بمثابة العتبة التي فتحتني على قراءة كتب شاقة، وبقدر مشقة قراءة هذه الكتب التي تحملتها بصبر عسير، أحمل اليوم مديونية معرفية لمؤلفيها، وأكثرهم تسنّت لي الفرصة لألتقيهم وأحاورهم وأنشج معهم علاقة صداقة، وهنا سأسرد قائمة بهذه المديونية.

{ علي حرب، ساحر في بيانه وصياغته لأعقد الأفكار الفلسفية، ابتكر لغة خاصة في النقد والفلسفة، تتعلم منه خفة الدخول على النصوص، والعبث في مراكزها وشقوقها، بروح اللاعب الماهر، لا المعادي الباحث عن مثالب، لذلك هو يدخل على النصوص لا بقصد دحضها وبيان خطئها بل بقصد توسيعها وفتح مناطق عماها.

تعلمت منه فضيلة أن تقرّ بمديونيتك للخطاب الذي تشتغل على نقده، وأن تحبه، وأن تسمح له بأن يخترقك وتخترقه، وأن تستثمر إمكانات اللغة والبلاغة في صياغة خطابك صياغة فكرية وبيانية.

{ طه عبدالرحمن، إعجابي بكتب الفيلسوف المغاربي طه عبدالرحمن، لم يكن إعجاباً بمواقفه تجاه الغرب وتجاه الحداثة وتجاه ما بعد الحداثة، ولا تطابقاً معها، بقدر ما هو إعجاب بمفاهيمه المبتكرة في قراءة التراث الفلسفي، كمفهوم فقه الفلسفة ومفهوم التأثيل، أي إعجاب بهذه المفاهيم بما هي مفاتيح للرؤية والفهم والتحليل.إذا كانت الفلسفة هي عشق المفاهيم كما يقول جيل دلوز، فأنا مدين لمفهوم التأثيل عند طه عبدالرحمن في تمكيني من أن أكون عاشقاً لعوباً لمفاهيم الفلسفة والحياة والدين والسياسة والأدب.

كان مفتاح دخولي إلى خارطة المسيري، هو اعتماده النماذج التفسيرية بوصفها أدوات تحليل، وليس المنافحات الأيديولوجية، ولا التراكمات المعلوماتية.. وكم فرحت حين قرأت في سيرته غير الذاتية غير الموضوعية (رحلتي الفكرية.. البذور والجذور والثمار)، عن تذمره الشديد من التلقي المعلوماتي له.

إن التفاصيل الخاصة الصغيرة التي يجيد عبد الوهاب المسيري عبرها كشف خرائطنا الإدراكية، هي ما يعطي لكتاباته ألفة وسلاسة وبياناً بالغ البلاغة من غير تكلف ولا زخرفة. والدرس الذي يعيطك إياه المسيري في سيرته منذ الصفحات الأولى هو: انطلق من الخاص إلى العام. من تجربتك، من حكايتك، من سيرتك، من قريتك ومدينتك وحضارتك وثقافتك.

كما هو الأمر عند طه عبدالرحمن، فإعجابي بالمسيري، ليس نابعاً بمواقفه تجاه ما بعد الحداثة والغرب والصهيونية ونظام الحكم المصري. وإنما إعجاب بمفاهيمه التي ابتكرها في قراءة خطاب الحضارة الغربية، كمفهوم التحيز والخرائط الإدراكية والنماذج التفسيرية والعلمانية الشاملة والجزئية والكمونية والحلولية.

وتحليل الصور المجازية هو إحدى الخبرات الأدبية المهمة التي تمرس فيها المسيري من خلال تخصصه النقدي، وقد استخدمها بكثرة في دراسته للصهيونية، وأفدت منها كثيراً في تعميق فهمي لوظيفة المجازات وعملها في الخطابات، حتى صار هذا المجال ميدان تخصصي الدقيق.

{ (جورج طرابيشي) أستاذ النقض، لديه نفس عميق في تتبع الإشكاليات الفكرية الضمنية والظاهرة في قراءة خطابات المثقفين العرب (محمد عابد الجابري وحسن حنفي وسمير أمين وغيرهم) تتبعاً ينقض حججها التي تقوم عليها، بما يتوافر عليه من معرفة عميقة بالفلسفة والمنطق ولغة متينة البناء والبيان وموسوعية تستوعب التراث بتنوعه والحداثة بتشظيها وما بعدها بهواماتها.

http://www.awan.com/node/90062

سرمد.. والجمل الأجرب

لدى الصديق سرمد الطائي حساسية فائقة تجاه الكلمات. تمكنه من اللعب ببعض المفردات، لعباً يدخلها بمهارة في سياقات متباينة. بحيث يجعلها تتنقل بين سياق الطرافة وسياق اللعب، وسياق المفهوم الفلسفي.4

كانت بداية تعارفنا العام 2002، قد جاءت على إيقاع اللعب بمفردة «التجريب». التقط سرمد بحسِّه التجريبي كلمة «الجمل الأجرب» التي أوردتها في سياق الحديث عن تحولات تجربتي الدينية في مقالتي «أركون وحكاية الذات». كنت أتحدث عن رغبتي في أن أسترسل في سرد حياتي، بكل ما فيها من ممارسات عملية وعلاقات شخصية واختيارات وذوق وقراءات وأماكن وفاعلية ومآلات الإيمان والطقوس والعبادات والمقدسات، لكني وبسبب حساسية سياقي الثقافي والاجتماعي، التي لا يمكن أن تتقبل ما هو خارج سلطة حسها، بررت عدم استرسالي هذا على نحو مكثَّف بعبارة قلت فيها «لا أقول إنه الخوف من أن ألقى مصير الجمل الأجرب».

صارت «الأجرب» ساحة تداول بيننا، سرمد وأنا، وصرنا نتحدث عن التجربة مشتقة من مادة (ج ر ب)، وعن التجربة الجرباء والذات الجرباء والمثقف الأجرب والمعرفة الجرباء والمصير الأجرب.

وباسترسال، لا حساسية تستوقفه، صرنا نعيث في مآلات هذا الجَرَب من عقر وطلي بالقار أو القطران. وبتذوق لا إطار يحكمه، أخذنا نتمثل عدواه وبدعته على غير ما حذر منه ابن تيمية «إن صاحب البدعة تنتقل عدواه كما تنتقل عدوى الجمل الأجرب».

هكذا تحوّل مفهوم «الجمل الأجرب»، بيني وبين الصديق سرمد، إلى مفهوم، والفلسفة هي عشق المفاهيم، ومجتمع الأصدقاء منذ العصر اليوناني هو مجتمع الفلسفة والمفاهيم، بل يغدو الصديق مفهوما تعشقه بقدر طاقته على التفلسف واللعب.

http://www.awan.com/node/90066

مي.. من القرامطة إلى أركون

  القرامطة كانوا خط اتصالي الأول بميّ الخليفة. كان ذلك في العام 2000. لم تمض سوى أشهر قليلة على صدور كتابها «القرامطة من سواد الكوفة إلى البحرين». كان 1215708335561696700 ضمن برنامج أسرة الأدباء والكتاب، إقامة حلقة نقاشية حول الكتاب. وقد توليت إعداد ورقة نقدية عنوانها «القرامطة في خطاب مي الخليفة: آليات التأريخ وتمثلاتها الرمزية».

كتبتها بروح الناقد المتحمس المشحون بآليات المعرفة الحديثة.. وكأني ضمنياً كنت أريد أن أجرِّب قدرتي على تمثل هذه الأدوات، في قراءة خطاب قد أخذ حيزه الإعلامي.. فميّ أصبحت بعد سلسلة كتبها التاريخية الجريئة، شخصية تاريخية لها حضورها الإعلامي المميز. والنقد دوماً كما تعلمته من أساتذتي المغاربة هو محاولة لتفكيك سلطة حضور الخطابات السائدة، وخطاب مي في تلك الفترة، كان شاغل الساحة الثقافية، كما هي اليوم بشخصيتها الثقافية شاغلة الناس.

مازلت مؤمنا بملحوظاتي النقدية على كتابها، لكني لست مؤمنا بالروح النقدية التي كتبت بها ورقتي.. كان التعقيب الذي مازلت أحفظه، والذي أدلت به مي بعد تقديم ورقتي: «إذا أخذت بكل ما قلته في ورقتك، فلن أكتب شيئاً».. أما المشاركون فقد اختلفوا حول الورقة، ما بين مؤيد ومعارض. من بينهم كان الصحافي اليساري العتيق بروح النكتة عبدالله العباسي، الذي اعترض على ورقتي، وقال: «آليات…آليات، اش آلياته؟! أنا ما فهمت شي»، وقد وجّه اللوم لي قائلا: ينبغي لنا أن نشجع جرأة مي واحتفاءها بالقرامطة باعتبارهم جماعة منشقة على السلطة ومعارضة وتؤمن بمبادئ الاشتراكية والعدالة، خصوصاً وأن الشيخة مي من العائلة الحاكمة.. وكونها تتبنى هذا الخطاب، فإن ذلك يعد أمراً استثنائياً.

كنت مأخوذاً بزهو الآليات، فقلت له: «وما ذنبي أنا إذا كانت آلياتك لم تتجاوز المطرقة والمنجل؟ (في إشارة إلى المنجل والجاكوج في علم الاتحاد السوفييتي) وأنا في ورقتي ناقد ولست معارضاً سياسياً أو داعية أيديولوجياً». لقد تركت هذه الحلقة أصداء نقاشية متباينة في الصحافة البحرينية. فصار القرامطة خط انقطاع بدلا من أن يكونوا خط اتصال بيني وبين ميّ.

في يناير 2002 كانت ميّ تستعد لتدشين «مركز الشيخ إبراهيم بن محمد الخليفة للدراسات والبحوث». وقبل التدشين بشهر عرفت أن محمد أركون سيكون ضمن قائمة الشخصيات، التي سيحتفي المركز بها في بدايات افتتاحه.

كان أركون بالنسبة لي أيقونة أحمل تجاهها مديونية خاصة. لقد تعرفت على كتاباته منذ العام 1994. وقد شكلّت هذه المعرفة تحولاً في سيرتي المعرفية، من التدين الأصولي المغلق إلى العلمنة المفتوحة الأفق. لذلك فمجيئه إلى البحرين، قد أشعل فيّ حماساً، حركني لإعادة الاتصال بمي، لأقترح عليها إصدار كتاب احتفائي بهذه المناسبة.. وكان حماس مي للمشروع قد ذوّب الجليد الذي كان بيننا.. هكذا كان أركون خط اتصالي الثاني بميّ.. وأركون هو خط اتصال دوما بالروح المشرقة بالمعرفة والانفتاح، ومازالت مي تردد دوما أن زيارة أركون للبحرين كانت حدثا ثقافيا، وقد وثقه الصديق حسين المحروس في تقرير موسع حمل عنواناً لافتاً «مرّ أركون من هنا».

توثقت علاقتي بمي، وكنت شاهداً قريباً على روحها التي تنجز بها مشاريعها الثقافية التي لم تتوقف أبداً، كان كل مشروع يفتح أفقاً لمشروع يهيئ لأفق مشروع جديد.. هكذا تتالت بيوتاتها الثقافية: بيت عبدالله الزايد لتراث البحرين الصحافي، بيت محمد بن فارس لفن الصوت الخليجي، بيت الشعر (بيت إبراهيم العريض)، مكتبة الأطفال (اقرأ)، بيت الكورار.

تتصل بي مي، صباح الجمعة الفائتة، لتقول: أنا ذاهبة إلى باريس للاحتفال بمئوية إبراهيم العريض، وعلى هامش الاحتفال سأقدم ورقة عن تجربة مشاريعي الثقافية، سيكون عنوان الورقة (الرهان على الثقافة). أريدك أن ترسل لي مقولة أركون عن المثقف التي أضأنا بها كتاب (إشراقات) 2002. كتاب إشراقات هو كتاب سنوي يضم فاعليات مركز الشيخ إبراهيم بن محمد الخليفة خلال عام كامل.

رحت أبحث عن المقولة، وبدت لي طازجة، وملاذاً آمنا للمثقف من الطائفة. يقول فيها أركون معرّفاً المثقف «كل من يتحلى بروح مستقلة، محبة للاستكشاف والتحري، ذات نزعة نقدية واحتجاجية، تشتغل باسم حقوق الروح والفكر فقط».