خرائط عبد الوهاب المسيري التفسيرية (1-4)

* هذه المادة التي تنشر على أربع حلقات، تم تفريغها من نص محاضرة علي الديري في 17يوليو 2008، التي أقامتها جمعية مقاومة التطبيع البحرينية، في قاعة فلسطين، في جمعية وعد.

خرائط عبد الوهاب المسيري التفسيرية (1-4)

عنون المسيري سيرته الذاتية التي أخرجها في عام 2000 بُعيد ابتداء محنته مع مرض السرطان، عنون هذه السيرة، بـ"رحلتي الفكرية، البذور والجذور والثمار"، وجعل لها عنواناً فرعياً، وصفها فيه بأنها "سيرة غير ذاتية غير موضوعية".

أجد أن الدخول على خارطة المسيري يبدأ من هذا العنوان الفرعي، الذي يمثل متن سيرة المسيري نفسها. فماذا يعني المسيري حين يصف سيرته بأنها سيرة غير موضوعية وغير ذاتية في الوقت نفسه؟

الثالث المرفوع

كأنه يوقعنا في محنة الثالث المرفوع الذي عرفته الفلسفة، وعرفه المنطق اليوناني، وقد اشتغل هذا الثالث المرفوع في الفلسفة اليونانية اشتغالاً كبيراً، وكان محل تطبيقات جدلية في الثقافة الإسلامية، خصوصا في علم الكلام. فما معنى الثالث المسيريالمرفوع؟

حين نحدد لون الورقة، فإنها إما أن تكون بيضاء أو لا بيضاء، كذلك السماء، إما زرقاء أو لا زرقاء، ليس هناك لون ثالث، اللون الثالث مرفوع، وحين نصف المسيري بأنه عربي أو لا عربي، ليس هناك وصف ثالث يخرج عن هذين الوصفين، فهو إن كان عربياً فهو لا عربي، وإن كان لا عربي، فهو ألماني أو إنجليزي أو فرنسي أو أي شيء يقع غير عربي، الصفة الثالثة مرفوعة أي غير موجودة.

إما وإما

في المنطق الأرسطي الذي سيطر على مجمل العقل اللاهوتي الإسلامي، كان الثالث المرفوع ركناً ركيناً من هذا المنطق، إضافة إلى ركن الهوية الذاتية للأشياء وركن عدم التعارض، هذه المكونات الثلاثة، جعلت العقل متأثر بالمنطق الأرسطي متصفا بالأحادية والحدية وعدم قبول إمكان تعدد وجهات النظر وتعدد الحقيقة، فالأشياء إما كذا وإما كذا، إنه منطق (إما وإما).

كان المتصوفة من أشد المعارضين معرفياً لسيطرة هذا المنهج في التفكير، وقد اعتبروا العقل قيداً حين يشتغل بهذا المنطق الحدي، وكان ابن عربي يقول العقل قيد، وهذا جعله يفضل المعرفة التي تقوم على القلب، لأنه حية ومتقلبة الوجوه وفاتحة لإمكانات تأويل.

خارطة أرسطو

يعتبر كتاب على الوردي (منطق ابن خلدون) من أكثر الكتب أهمية في نقد هذا المنطق ودعوة إلى تجاوزه، ولا بأس أن أذكر، هنا، بأن عصر النهضة الأوربية قد دشنه فرنسيس بيكون(1561 – 1626) بكتاب ” الأورغانون الجديد“، لقد نقد منطق أرسطو (الأورغانون القديم) واعتبره صنماً نظرياً يعيق العلوم، وألف منطقاً جديداً سمّاه (الأورغانون الجديد) وهو يشكل جزءا من موسوعة علوم جديدة، لكن هذا الجزء الصغير صار هو الأهم وصار اسم للموسوعة كلها.

لقد وجد أن أورغانون أرسطو القديم، يبعدك عن الواقع ويحجرك في قوالب جامدة ومتعالية على الحياة، ولم يكن يتيح لك أن تجرّب، كان منطقاً صوريا نظريا صرفا، وفتح المعرفة التجريبية، قد بدأ بعد كسر قفل منطق أرسطو.بهذا الكسر، صارت خارطة إدراك الواقع مفتوحة على إمكانات جديدة، لم تكن خارطة أرسطو تسمح باكتشافها.

خارطة المسيري

يبدو أني قد أغرقتكم في مقدمتي بتفاصيل أبعدتنا عن المسيري، لكن لا بأس، فالمسيري، كان من أشد المبشرين بنهج تفكير جديد، يقوم على النماذج المعرفية بدلاً من المنهج الكمي، وهو بذلك يبشر بـ(أورغانون) تفكير جديد، وليس بمعلومات جديدة.وبهذا أنا أبرر هذه المقدمة الطويلة، لأنها تتحدث عن منهج تفكير جديد، وهي التي تجعل من المسيري مشروع تفكير جديد.

بالعودة إلى وصف المسيري لسيرته، نحن نعرف الذاتي بأنه عكس الموضوعي، فإما نقول هذا البحث ذاتي وإما أن نقول هذا البحث موضوعي. فإذا قلنا إنه ذاتي فهو غير موضوعي، والعكس صحيح. فكيف يكون هو لا ذاتي ولا موضوعي في نفس الوقت؟ كأنه يوقعنا في إشكالية الثالث المرفوع، أي كأنه يقول هذه الورقة ليس بيضا وليست لا بيضاء، وهي إشكالية يوهمنا المنطق الأرسطي أن الوقوع فيها يدل على فساد التكفير وخطئه.

هذه الإشكالية، إشكالية الذاتي والموضوع، تكاد تمثل لب مسيرة المسيري الفكرية، وخلاصة بذورها وجذورها وثمارها الفكرية. يتميز المفكرون عادة يما يتمتعون به من إشكاليات، وما يخلفونه بعدهم من تناقضات وإشكالات عميقة تدفع الآخرين لمحاولة حلها، أو لمحاولة إعادة تركيبتهم الذهنية ونماذجهم المعرفية ومنطلقاتهم وفق مقترحاتها، لكي يعيدوا فهمهم لذواتهم وللعالم وللأحداث.

لو عرضت هذه السيرة أو هذا الوصف على أساتذة التربية وهم المشبعون بنماذج البحث الكمي الموضوعي، وقلت بأن هذا بحث غير موضوعي وغير ذاتي، لاتهموك بالتناقض، وبأنك تمارس نوع من العبث أو اللعبة الذي لا تنتمي إلى الكتابة الفكرية أو العلمية. ونحن لم نعرف المسيري عابثاً ولا لاعباً، بل عرفناه مفكراً جاداً. فكيف يصف سيرته بهذا الوصف؟

لكي نفهم هذا الوصف، ونستطيع الدخول على خارطة المسيري، سأستحضر نصاً من سيرة المسيري يتحدث فيه عن ثلاثة تحولات صاغت خلاصة تفكيره، وصاغت مشروعه الأهم في حياته، وهو مشروع "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد ". ما هي هذه التحولات الثلاثة التي تحدث عنها المسيري في سيرته وصاغت مشروعه الفكري؟

أورغانون الموضوعية

التحول الأول هو التحول من الموضوعية الفوتوغرافية إلى الموضوعية النسبية. يعني المسيري بالموضوعية الفوتوغرافية، أنك تتوهم، كإنسان وكباحث وكعقل، بأنك محايد تماماً، أمام الموضوعات الخارجية، الموضوعات التي هي خارجك. أنت عليك كباحث أن تأتي إلى المعلومات، وعليك أن لا تمارس تجاهها أي عمل توليدي، أنت تكون مجرد آلة فوتوغرافية فقط. فحين تأتي إلى الكم الهائل من المعلومات التي تتحدث عن الجماعات اليهودية، وكل ما يتعلق باليهود، عليك أن تكون باحثاً أميناً وموضوعياً ومحايداً وفوتوغرافياً، أن توثق المعلومات كما هي، وتوثقها، كما هي مستنداً إلى المراجع ولا تفعل شيئاً غير ذلك.

والموضوعية مشتقة من الموضوع. والموضوع شيء خارج الذات. الشيء الموضوع خارج الذات عليك أن تحضره في بحثك كما هو، دون أن تتدخل ذاتك في إنتاجه، وفي إعادة التعرف عليه، أو في إعادة تمثيله، فإنك إن قمت بذلك فقد وقعت في الذاتية، فعليك أن تحافظ على الشيء كما هو موضوع في الخارج، على مسافة من ذاتك، وتصبح أنت في هذه الحالة، موضوعياً.

هذه الموضوعية الفوتوغرافية قد تحول عنها المسيري إلى الموضوعية النسبية، وهي الموضوعية التي تدرك أن الكائنات والأشياء الموضوعة في الخارج، حين تتحول إلى علامات، وتتحول إلى لغة، وتتحول إلى مفاهيم، فإن هناك نماذج إدراكية وخرائط ذهنية، تعمل على إعادة إنتاج الخارج والمعلومات. وبالتالي علينا أن نكون موضوعيين، لكن بموضوعية نسبية، وليس بموضوعية فوتوغرافية. علينا أن نجهد على أن نخضع للنقد نماذجنا الإدراكية التي تعمل على إنتاج هذه المعلومات وهذا الواقع، بأكبر قدر من الموضوعية، لكن الموضوعية هنا هي الموضوعية النسبية وليست الفوتوغرافية.

العقل التوليدي

كان من نتائج هذا التحول عند المسيري أن قاده إلى التحول الآخر، وهو أن الخرائط الذهنية التي ندرك من خلالها الخارج، هي خرائط توليدية. وهنا ينتقل إلى التحول الآخر في سيرته، وهو التحول من العقل السلبي، الذي يمثل صفحة بيضاء، تنطبع فيها الأشياء الخارجية، وكأنه لا دخل له في تكوينها إلى العقل المُوَلِّد. والعقل المولد هو العقل الذي يعمل، عبر خرائطه الذهنية ونماذجه الإدراكية على توليد المعرفة، وعلى توليد الخارج، وعلى توليد الآخر، وعلى توليد المعلومات. هذا العقل يستخدم أحياناً نماذج إدراكية غير واعية، وينتج عبرها معرفته، ويستخدم أحياناً نماذج إدراكية واعية، وينتج من خلا لها معرفته أيضاً.

وكان من ننتائج هذا التحول في حياة المسيري، أنه لم يخضع أبداً إلى النماذج الإدراكية التي بلورها الغرب، أو التي أنتجها مفكرون ينتمون إلى ثقافة مختلفة عن ثقافته أو إلى سياق سياسي وحضاري مختلف عن سياقه. فهو أنتج نماذجه الإدراكية الخاصة، وأنتج عقلانيته المولدة للنماذج الإدراكية التي أنتجت أيضاً فهماً مغايراً، لذلك جاءت موسوعته اليهود واليهودية، في عقلها المولد، جاءت بنماذجها المولدة من عقله وابتكاراته.

هذا هو التحول الثاني في مسيرة المسيري الفكرية، وبالمناسبة، هذه التحولات كما يقول المسيري لم تحدث دفعة واحدة، بل كانت تتوضح شيئاً فشيئاً، وتتحول من منطقة العتمة إلى منطقة الوضوح والنور. وهو يصرّ على أن هذه التحولات الثلاثة مترابطة بعضها بالبعض الآخر، ويقود بعضها إلى البعض الآخر. فرفض الموضوعية الفوتوغرافية يجعله يؤمن بفكرة العقلانية المولدة. لأنك إذا لم تكن مجرد شيء محايد، وكأنك أداة كمبيوتر تستقبل المعلومات فقط، ستكون عقلاً مولداً تولد نماذجك المعرفية.

أورغانون النماذج المعرفية

أما عن التحول الثالث عند المسيري، فهو التحول إلى النماذج المعرفية الإدراكية، وهذا هو جوهر التحولين الأول والثاني. فهو بذلك أصبح الآن يدرك الواقع، وكل ما يجري فيه من معلومات وكائنات، كل ما يجري في الواقع، يجري وفق خارطة النماذج المعرفية، ولا يجري عبر الرصد الاستقصائي المعلوماتي المراكم كما تعمل المناهج التقليدية والمناهج السائدة. فهو أمام هذا الكم الهائل، يريد أن يدرك الأشياء عبر نماذج. فهو لا يستطيع أن يدرك تفاصيل كل الأشياء. لا بد أن يضع له نماذج يدرك بها، وهذه النماذج تكون غالباً موجودة بفعل ثقافته وحضارته، وتكون نماذج غير واعية، وأحياناً تكون النماذج واعية ويضعها العقل بقصد واع.

ما تميز به عمل المسيري، يتمثل في النقطة الثالثة، التي جعلته يضع نماذج معرفية للظواهر التي مرّ بها في رحلته الفكرية، وظاهرة الصهيونية، من الظواهر التي وضع لها المسيري نماذجه إدراكية ذهنية، فكانت خرائطه الإدراكية التي تستطيع أن تفسرها بعمق كبير.

هذه التحولات الثلاث تمثل مفاتيح الدخول على خارطة المسيري الفكرية. وهو لا يكفّ في بحوثه وفي موسوعته وفي سيرته الذاتية وفي مقابلاته المعرفية عن الحديث عن هذه التحولات المعرفية، وكأنه يريد أن يثبت أهمية النماذج المعرفية، في إدراك الواقع، وفي كشف التحيزات الموجودة في الواقع.

الآن، ما هي النماذج المعرفية أو الإدراكية، وكيف تصنع هذه النماذج تحيزاتنا؟ وما النماذج المعرفية التي وضعها المسيري في موسوعته المعرفية، لقراءة الحضارة الغربية، وقراءة الحداثة، وقراءة ما بعد الحداثة، وقراءة ظاهرة اليهود واليهودية؟

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=131783