خرائط عبد الوهاب المسيري التفسيرية (2-4)

 

النماذج المعرفية

ما هي النماذج المعرفية أو الخرائط الإدراكية؟

هي مفاهيم ومقولات مجردة، يشتغل من خلالها العقل لفهم الواقع وما يقع فيه من أحداث، وما يجري فيه من علاقات، وما يتضمنه من كائنات وشخصيات وأماكن وجغرافيا، يدرك كل ذلك عبر المقولات المجردة. ماذا نعني بمصطلح المقولات؟

خارطة المقولات العشر

المقولة هي اصطلاح منطقي خرائط المسيري 2-4فلسفي موغل في القدم، وقد وضع أرسطو ما يعرف بالمقولات العشر، وهي مقولات الكم والكيف والزمن والمكان والإضافة والجوهر..الخ. هذه المقولات لعبت دوراً كبيراً في تاريخ المعرفة الإنسانية. في الحضارة الإسلامية مثلاً لا تجد فيلسوفا يتجاوز هذه المقولات العشر،لا بد أن يعرض لها ويفصلها، وكأنما أصبح عقل هؤلاء الفلاسفة والمناطقة مبرمجا بهذه المقولات العشر المصاغة وفق المنطق الأرسطي.

مقولة الكيفية في حدود المنطق الأرسطي مثلا، تمثل النموذج الذهني الذي يتيح لك أن تعرف كيفية شيء ما إنسان أو نبات أو ظاهرة طبيعية أو اجتماعية، وما حالاته وتغيراته التي تطرأ عليه، لكي تدرك وتفهم هذا الشيء، لكن مقولة الكيفية مع (أورغانون) فرنسيس بيكون الذي تحدثنا عنه، صارت نموذجاً معرفيا مختلفا، فقد صارت تتيح لك فهم كيفيات الأشياء في الواقع فهماً أكثر تجريبية. وهكذا بقية مقولات المنطق الأرسطي كلها تمثل نموذج إدراكي لفهم الأشياء والإنسان والواقع، والحقيقة أن الحداثة الغربية بدأت بالقطيعة مع مقولات هذا المنطق الذي فقد في القرن السادس عشر أن يرينا الواقع، فقد صار يعمينا عن أن نرى الحياة بشكل مختلف.

خارطة المقولة

لكن ما فكرة المقولة؟

في اللغة العربية حين نقول، قال بكذا أي اعتقد به، وكان هذا الاستخدام مرتبطاً بأصحاب المذاهب العقائدية في تراثنا. وتجد في كتب الملل والنحل أبواب عناوينها القائلون بكذا، القائلون بالتجسيم، القائلون بالتجريد، القائلون بالعدل، القائلون بالإمامة.القائلون هنا بمعنى المعتقدين.

المذهب يعرف بمقولاته المركزية، والمقولة أشبه بالاعتقاد، فالقول بالشيء هو الاعتقاد به. والمقالة مشتقة من الفعل قال، وهي تحمل فكرة أو اعتقاداً أو رأياً، ولدينا كتاب "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين"لأبي الحسن الأشعري، وهو من أشهر الكتب في تاريخ العقائد، وقد حققه عبد الرحمن بدوي. وهذا الكتاب يعرض للأفكار المذهبية (العقائدية) التي شغلت الفضاء العقائدي في الحضارة الإسلامية وانقسم حولها المسلمون مثل المعتزلة والأشاعرة.. إلخ.

المقولة إذا مشتقة من القول. أنت حين تقول بشيء يتحول إلى مقولة، أي إلى فكرة وعقيدة ورأي وأيديولوجيا. وأنت حين تقول بشيء، فأنت تقول جملة مكونة من مبتدأ وخبر بحسب تعبير النحاة أو قضية مكونة من موضوع ومحمول حسب التعبير المنطقي، أو خبراً مكونا من مسند ومسند إليه بحسب تعبير البلاغيين.

هناك ركنان أساسيان يكوّنان فكرة المقولة. حين تقول الله مجسم أو مجرد، أو تقول القرآن مخلوق، أو القرآن غير مخلوق، أو العالم قديم، أو العالم حديث، فأنت تقول جملة مكونة من ركنين، وحين تربط بينهما يتحولان إلى معتقد. فالمقولات هي نماذج ذهنية تركيبة يضعها الإنسان بفعل معرفته وعمله المعرفي.

تخرّق المقولة

هناك جوانب غير واعية تدخل في تكوين مقولاتك ومقولات مذهبك، فهناك تاريخ طويل يسبقك ويكوّن مقولاتك، وهناك تفاعل مركّب من الثقافات والحضارات يتقاطع في مقولاتك. المقولات الفكرية التي نضعها لفهمنا للأشياء؛ لفهمنا للإلوهية مثلا، والدين، والزمن، والإنسان والكرم والشرف والعدل والمرأة . هذه المقولات يتخرّقها تاريخ طويل وجهود بشرية متراكمة، وكل حضارة من الحضارات تضع فيها نَفَسها وما يسميه المسيري تحيزها.

حين تأتي إلى تعريف الإنسان في الحضارة اليونانية مثلاً ستجد أن هذه الحضارة تعرّف الإنسان بأنه حيوان عاقل، أو حيوان ناطق. في الحضارة الإسلامية ستجد التعريف الأقرب هو الإنسان حيوان مُبين. وكلمة مبين هنا، تحيل إلى اللغة والبيان الذي عرفت به الحضارة الإسلامية. إن تعريف الإنسان على إنه حيوان ناطق أو عاقل، تعطي ما تميزت به الحضارة اليونانية من اهتمام بالعقل والفلسفة والمنطق. وتعريف الإنسان بأنه حيوان مبين، يعطي ما تميزت به الحضارة الإسلامية من اهتمام باللغة والبيان والفصاحة.

حمل المقولة

وهكذا إذاً، نجد أن المقولات التي نضعها على المستوى المجرد، فيها نَفَس كل حضارة من الحضارات، لذلك هي تحمل في نفسها تحيزاً يمثل الحضارة التي هي قادمة منها. ما نقوله عن الإنسان أو الله أو اللغة أو الشعر (وغيرها من الموضوعات) يسمى حملاً، أي إنه يحمل رأينا ومعتقدنا ووجهة نظرنا عنه.من هناك نقول إن المقولة مكونة من موضوع (نتحدث عنه) ومحمول (حديثنا الذي نقوله عن الموضوع).

مقولة الشاي

أرجع إلى تعريف المقولة، حين نقول إن النماذج المعرفية التي يتحدث عنها المسيري هي مقولات وخرائط ذهنية، فنحن نقصد هنا أنها أفكار يقولها الإنسان، ليفهم بها حياته ويصنّف من خلالها الأشياء في واقعه، لذلك هي مفاهيم، نفسّر ونفهم من خلالها الأشياء. وإذا كنت أعطيت أمثلة لنماذج من العقائد، فهناك أيضاً نماذج أخرى من المقولات، وهي نماذج معرفية تتعلق بحياتنا اليومية، بعضها يتعلق بسلوكنا اليومي المعيش، وبعضها يتعلق بالسياسة وخطاباتها، واللغة التي نتواصل بها في الشارع والبيت، ونحن نستخدمها بطريقة غير واعية، لكنها تعطي تصوراً عن نمط العقل المكوّن لمقولاتنا وأفكارنا ونماذجنا.

يتميز المسيري، بالمناسبة، بأنه دائماً يعرض لقضاياه الفكرية، بأمثلة من حياته اليومية التي عاشها في الغرب، وحياته التي عاشها في الشرق. ويحاول من خلال هذه الأمثلة التي يضربها، والمواقف التي يحكيها أن يوضح المقولات الذهنية والفكرية التي تقف خلفها. يتحدث في أحد الأمثلة، عن الفرق بين المحاضرة وحفلة الشاي. فعندما عاد من دراسته وكان مدعواً ليقدم محاضرة في جامعة عين شمس، كان مفهوم حفلة الشاي ينتمي إلى نموذج فكري معين، ومفهوم المحاضرة ينتمي إلى نموذج فكري آخر. فأنت حين تقول حفلة شاي أو تقول محاضرة، لديك في ذهنك ليس فقط تصوران مختلفان بل أربع تصورات، تصوران في الشرق وتصوران في الغرب. وليس هناك إرشادات مكتوبة توضح لك ما هو النموذج، عليك أن تدركها كما هي وتعيشها هكذا.

وبالمناسبة لأن المسيري لم يكن يثقف متطلبات نموذج حفلة الشاي، فانخرط في مشروع موسوعته. ولتلك قصة طريفة يرويها في سيرته الفكرية، فقد وجد نفسه في إحدى حفلات الشاي التي ينظمها قسم اللغة الإنجليزية، خارج الجو النفسي لبرتوكل الحفلة، ووجد معه مصادفة فتاة خارج جو الحفل أيضا، وحين سألها عن جنسيتها، وقالت إنها يهودية، ومع تكراره السؤال، كانت تصرّ أن جنسيتها يهودية، أراد أن يفهم ماذا يعني أن تعرف جنسيتك بأنك يهودي في الستينيات في حفلة شاي ينظمها قسم أكاديمي بجامعة أمريكية. لقد وضعته حفلة الشاي هذه على طريق العمل على مشروع الموسوعة.

في الأعمال الفكرية حين نلاحظ نبدأ نكتشف فنشتغل، وقد يستغرق منا العمل سنوات طويلة كما هو الأمر مع المسيري، لقد ظل يحلل سنوات كي يكتشف ما يقبع خلف النماذج غير الواعية، من مقولات ذهنية، تسيّر عمل المفكر والفيلسوف والسياسي والإنسان العادي. وهذا هو جوهر عمل المسيري، وهذه الفكرة التي سأتحدث عنها حين نتحدث عن النماذج المعرفية التي وضعها المسيري لفهم الحضارة الغربية ولفهم الظاهرة الصهيونية.

إذا، شكلت التحولات الثلاثة: التحول من الموضوعية الفوتوغرافية إلى الموضوعية الاجتهادية، والتحول من العقل المتلقي السلبي إلى العقل المولد لنماذجه التفسيرية، والتحول من الرصد الكمي إلى ابتكار فكرة النماذج المعرفية لقراءة الواقع والعالم والانسان ومعرفته. شكلت هذه بمجموعها مسيرة المسيري الفكرية، وقد جاءت مع بعضها البعض ولا يمكن أن نفصل بعضها عن البعض الآخر، وهي قد تشكلت ليس بطريقة سهلة وبسيطة، وإنما أخذت تتفاعل وتطبخ في مسيرته شيئاً فشيء حتى اكتملت رؤيته لهذه التحولات وإدراكه لها. وهو كثيراً ما يشير على أنه في التسعينيات تقريباً استطاع أن يفهم كل هذه التركيبات التي اشتغل فيها في الموسوعة، واستطاع أن يفهم هذه التركيبات فهماً أعمق.

مقولة الواحدية المادية

الآن ما هي هذه النماذج التي وضعها المسيري لتفسير التغيرات والتحولات التي جاءت بها الحضارة الغربية والحداثة وما بعد الحداثة. وكيف أصبح الخطاب الغربي يرى الإنسان ويرى العالم عبر نموذج مادي بسيط، لا يفرق بين الطبيعة وبين الإنسان. سنبدأ بالمفهوم الذي يتكرر كثيراً في خطابه، وهو مفهوم الواحدية المادية.

الواحدية المادية هي رؤية توحد الإنسان بالكون مع استبعاد الإله تماماً، بل هي في تفسيرها للكون والإنسان والمعرفة والعلم، تستبعد ما يسميه المسيري بعناصر التجاوز، وهي العناصر التي يتجاوز بها الإنسان المادة والحس والملموس. على سبيل المثال، الإله هو واحد من عناصر التجاوز، فهو يتجاوز المادة ويتجاوز الحس، فمتى استبعدت الإله من هذا الكون، فأنت تفسر الكون بالواحدية المادية، أي تفسر الكون كمادة ذات بعد واحد فقط، وليس هناك شيء خارجها.

القيم والأخلاق هي أيضا من عناصر التجاوز فمتى استبعدتها وقعت في المادية الواحدية. أيضا الغايات العليا التي يضعها الإنسان لنفسه وحياته، هي من عناصر التجاوز. الواحدية المادية تؤمن أن تركيب الإنسان والكون والمعرفة، يرجع إلى مكون مادي وحيد، هي المادة التي نشهدها، هي ما نفسّر به كل ظواهر الكون، وكل القوانين التي يضعها العلم لا تدخل في أي تركيب منها شيء من عناصر التجاوز.

مقولة التجاوز

قامت هذه الواحدية المادية على فكرة فصل عناصر التجاوز عن الكون وعن الإنسان، فأصبح الكون مكتف بذاته، ومادته، لا يحتاج إلى شيء يتجاوزه، لا يحتاج إلى شيء تحته أو فوقه. من هنا يأت مصطلح الميتافيزيقا. الميتا يعني بعد أو فوق. الفيزيقا تعني المادة. فحين نتحدث عن الميتافيزيقا فإننا نتحدث عن ما بعد الكون، أو ما بعد المادة، أو ما بعد الواحدية المادية، أي عن التجاوز. الواحدية المادية تقيم قطيعة كاملة مع الميتافيزيقيا.

حين تفسر الكون بالميتافيزيقا، أي بعناصر التجاوز، فأنت هنا تتجاوز الواحدية المادية. وفي الحقيقة فإن الحضارة الغربية في حداثتها قامت على محاربة كل ما هو ميتافيزيقي. حاربت كل ما ينتمي لعناصر التجاوز في هذا الكون، ووجدت أن عناصر التجاوز تعيق فهم الانسان للكون، وتوقعه فيما لا يمكن البرهنة عليه، توقعه في الوهم والخرافة، كما ترى.

مقولة السحر

لذلك يعرّف ماكس فيبر الحداثة بأنها نزع السحر عن العالم، فحين تنزع السحر عن الأشياء فأنت تحدّث العالم والكون، فتستطيع أن تتعامل مع الكون برشد أكبر، أي بطريقة نفعية مادية تتيح لك أن تحقق بوسائل بسيطة أفضل النتائج وأفضل الأمور. نزع السحر، في جوهره يعني نزع عناصر التجاوز(الإله والغايات العليا والأخلاق).

ينتهي الأمر بالواحدية المادية إلى أنها في مراحلها المتقدمة تنكر أي ثبات، لأنها ستنكر الماهيات والجواهر، فهذه الأخيرة تنتمي إلى عناصر متجاوزة للطبيعة والمادة، وهذه العناصر لا يمكن الإمساك بها أو الاستدلال عليها، هي تريد أن تبحث عن ما هو متغير ومتحول، عما أسمته بالسيرورة حيث كل ما هو متغير ومتحول.

العناصر المتجاوزة فوق المادة ثابتة ولا تتغير، هي عناصر خالدة ثابتة أزلية لا تعرف السيرورة، لذلك تنتهي الواحدية المادية إلى إنكار كل ذلك، هنا ينفصل الكون تماماً عن كل ما هو متجاوز، ويغدو مكتفيا بذاته، يحيل إلى نفسه لا إلى شيء خارجه. ستنتج عن هذه الواحدية المادية نتائج تغير وجه التاريخ، وهذا ما سنعرفه من خلال النماذج المعرفية التي استخدمها المسيري في مشروعه، كمفهوم الدولة المطلقة ومفهوم الموضوعية الصلبة ومفهوم الدولة المطلقة ومفهوم العلمانية الشاملة والجماعات الوظيفية.وسأتناول هذه المفاهيم بما يأتي.

* هذه المادة التي تنشر على أربع حلقات، تم تفريغها من نص محاضرة علي الديري في 17يوليو 2008، التي أقامتها جمعية مقاومة التطبيع البحرينية، في قاعة فلسطين، في جمعية وعد.

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=132574#