خرائط عبد الوهاب المسيري التفسيرية (3-4)

 

الدولة المطلقة

من المفاهيم التي عمل عليها عبد الوهاب المسيري في موسوعته في سياق فهمه للعلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية، مفهوم الدولة المطلقة، وحاول عبر هذا المفهوم أن يفسّر ظاهرة الجماعات اليهودية والصهيونية . فما العلاقة بين هذين الاثنين؟ كيف يمكن أن نفسر تاريخ الجماعات اليهودية من خلال مفهوم الدولة المطلقة؟ وما علاقة ذلك بمفهوم العلمانية الشاملة؟

العقل الرشيد

يسمى المسيري الدولة المطلقة تسمية أخرى وهي الدولة الرشيدة. ويعني بها ما يعنيه بالعقل الرشيد، ومفهوم الترشيد وضعه (ماكس فيبر) ليفسر به ظهور الرأسمالية في الغرب وتاريخ تطورها. كما هو معروف خرائط المسيري3في ثقافتنا، الرشد هو العقل، والعقل هو ما يهديك إلى الطريق الصحيح الرشيد في السلوك والتفكير واتخاذ القرار وتنفيذ المهمات. لكن لكل ثقافة رشدها في تحديد هذا الطريق، ولها إطارها المرجعي في تحديد الرشد والغي.

الرشد في المفهوم الغربي الحديث مستمد من إطار مرجعي وهو إطار مرجعية الواحدية المادية التي سبق لنا أن فسرّناها. بمعنى أن رشد العقل هنا يتمثل أنه يبحث عن الوسائل الناجعة التي تدرّ عليه ربحاً من دون النظر إلى غاية أخلاقية سماوية أو إلى هدف متجاوز للإنسان ومصلحته، أو اعتبار يتعلق بالإله أو الغيب أو بقيمة مطلقة.

الترشيد يعني أن نحوسل العقل أي نحوّل علاقتنا بالأشياء إلى علاقة وسائل من أجل المنفعة الدنيوية الصرفة، لذلك فهو عقل أدواتي، كما يطلق عليه هابرماس ومدرسة فرانكفورت الألمانية التي وجهت نقداً للحداثة الغربية وعقلها الأداتي بعد الحرب العالمية الأولى، فقد وجدوا أن هذا الرشد الأداتي المحوسل، قد أوصلهم لحرب كونية راح ضحيتها الإنسان نفسه، وملايين من بني جنسه المحوسلين، أي الذي تمّ تحويل إلى أدوات ووسائل في صراع مصالح القوى. ورواد هذه المدرسة بالمناسبة، يمثلون مرجعية أساسية للمسيري.

هابرماس يدعو إلى عقل تواصلي، يتجاوز مأزق هذا العقل الأداتي الذي يحسب حسابه للوسائل والنتائج، وهي وسائل مادية محسوبة القيمة، والعقلية الرشيدة تبحث عن أيسر الطرق والوسائل التي توفّر لها مصلحتها المادية بأكبر قدر من الأرباح. والعقل الصناعي الذي نقل الحضارة الغربية من الحضارة الزراعية إلى الحضارة الصناعية الرأسمالية، هو هذا العقل الرشيد. لقد تمّ نقل الرشد من إطار البحث عن الدين الحق والطريق الصحيح للآخرة، إلى البحث عن الدنيا الحقيقية والطريق الذي يقود إلى إنتاج أوفر للإنسان في هذه الدنيا، بل صار الرشد يكمن في تجاوز ذاك الطريق الذي يقودك إلى الخروج من الدنيا. لقد تمّ إذن تحرير العقل أي إطلاقه من أي غاية أو هدف يتجاوز الدنيا، هذا هو الرشد.

الدولة الرشيدة

وهذا هو معنى الدولة الرشيدة أيضاً، ولكي تحقق ذلك، فإنها تحتاج لأن تكون دولة مطلقة من أي مرجعية متجاوزة. أي أنها تطلق نفسها من مرجعيات الإله والغايات البعيدة المتجاوزة للإنسان، وهي الغايات التي لا يمكن أن تكون مقاسة ومحوسلة، بهذا تتحول إلى دولة مطلقة من كل ما هو متجاوز للدنيا، وبهذا تكون الدولة دولة دنيا لا دولة آخرة، ولتحقيق ذلك لابد أن تطلق نفسها من الدين، ولا تشغل نفسها بالبحث عن طريق الرشد الأخروي، فتلك ليست مهمتها، فرشدها يكمن في الدنيا. لقد تمّ ذلك في إطار الواحدية المادية، لقد خلصنا المادة من أي مرجعيات متجاوزة تفسرّها، فأنتجنا العلوم الطبيعية الحديثة، كذلك خلصنا العقل والدولة، من أي مرجعية متجاوزة تحكمهما، فأنتجنا العقل المادي التجريبي الحديث والدولة الحديثة المطلقة.

المطلقات الدنيوية

وتجربة الدولة الغربية قامت على التخلص من هذه المطلقات، وتاريخها يتحقّب لا بالخلاص بل بالتخلص، فالخلاص ارتبط بالحركات الدينية، والتخلص ارتبط بالحركات العلمانية، لقد أطلقت نفسها من الدين، فلم تعدّ الكنيسة هي المرجع الذي يحكم الملك أو الدولة. لقد تخلصت من ذلك بعد تاريخ طويل من الحروب الأهلية والدينية ونضالات فكرية عميقة استغرقها القرن الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر. الفلاسفة في هذه المرحلة جاءوا ليحرروا الدولة من هذه المركزيات المتجاوزة. ولعل الثورة الفرنسية تمثل النموذج الأبرز في هذا البعد حينما حطمت الكنيسة، وثارت على الملك، وأحرقت آلاف الرهبان والراهبات، وتخلّصت من كل ما يمت بصلة إلى هذا المتجاوز الذي كان يتحكم في الدولة.

بعد أن تمكّنت الدولة من تحقيق مطلقيتها، أصبحت هي الإله، هي المرجع، هي صاحبة السيادة العليا، هي التي لا يمكن تجاوزها، ولا يمكن تجديفها، ولا يمكن الهرطقة تجاهها، أصبحت هي المطلق، وكان هيجل من أبرز الفلاسفة المتحمسين للدولة المطلقة التي تحكم قبضتها على كلّ شيء، ولا تغادر الإنسان في أي جزء من جزئياته، حتى شبهها هوبز بالتنين، الكائن الوحشي الذي يستطيع أن يلتهم الجميع في فمه دون أن يخرج أي شيء على سلطته. أصبحت هي السلطة المطلقة، أصبح الإله ليس في السماء، بل في الأرض، مجسّداً في الدولة، لكن لا ليحكمها هو باسمه. أصبح الإله دولة. لم يعد الاله سماء، صار الإله أرضاً تحكم، لكن لا يحكم هنا باسمه المتجاوز، يحكم باسمه المحايث. هذه القوة المطلقة حين كانت في السماء كانت تسمى الله، الغيب، لكن لما صارت في الأرض، صارت تسمى القوة المطلقة والدولة المطلقة التي يرجع إليها الجميع، هي التجسيد الأبرز لهذه القوة.

الدولة الضابطة

هناك ثلاث تشبيهات استخدمها عالم الاجتماع الهولندي (باومان) ويستحضرهما المسيري في موسوعته ليوضح لنا فكرة الدولة المطلقة، كان يشبه (باومان) الدولة التي بدأت تتأسس منذ الثورة الفرنسية وصولاً إلى شكل الدولة القومية، يشبهها: بالبستاني، والمهندس، والطبيب.

مجازات (باومان) الثلاثة، تفسر لنا بطريقة مكثقفة فكرة الدولة المطلقة. فالبستاني يقلم من الحديقة (الدولة)، العناصر غير المفيدة، يرعاها، يضبط أشجارها، يخلصها من السموم، فهو يعمل كآلة ضابطة للحديقة. والدولة المطلقة كيان صناعي يضبط الإنسان. هذا الكيان الصناعي قوة محايثة في الأرض، وليست إلها في السماء. وهذه القوة الضابطة (البستاني) تخلص الدولة من سموم المرجعيات المتجاوزة وتدخلها، وتجعل الدولة محكومة بمرجعيات مادية بسيطة واضحة، يمكن قياسها وحسابها برشد مادي.

التشبيه الثاني، هوالطبيب، الذي يرشد الناس إلى الطرق السليمة في التغذية وإلى كيفية العناية بأجسادهم، ويرشدهم إلى الوسائل الناجحة التي تضمن لهم نتائج أفضل وصحة أقوى، فالناس في الدولة يرجعون إلى هذا الطبيب ليضبطوا كلّ شيء فيهم بدقة ومقدار واحد، وهو يصدر لها شهادات فحص تثبت صلاحيتهم. بهذا يمثل الطبيب هذا الكيان الصناعي الذي نسميه دولة.

كذلك المهندس يضبط الدولة، إذا ما أعتبرنا أن فضاء الدولة هو المدينة، فالمهندس يضبط شوارعها، يحدد نقاط المرور فيها، ويحدد أرقام الشوارع ومساحاتها وحجومها، المهندس أيضاً يعمل كآلة ضبط، يجعل بناء المدينة كله مضبوط وفق ومقاس واحد. نلاحظ أن المجازات الثلاثة تشترك في الضبط. يتحول الإنسان في هذه الدولة إلى جهاز مضبوط بعمل هذا الكيان الاصطناعي (عمل البستاني والطبيب والمهندس).

هذا الضبط المطلق هو ضبط رشيد، هو مرجعية نهائية، بمعنى أنه ليس لدى الطبيب مرجعية يرجع إليها غير طبه، وليس للفلاح مرجعية غير خبرته النباتية والزراعية ، وليس للمهندس مرجعية غير هندسته، ليست هناك مرجعية ترجع إلى السماء. لذلك الدولة المطلقة مرجعها مادي مضبوط. الدولة هنا طبيعية، بمعنى أنها محكومة بنفس آليات الطبيعة، وهي آليات بسيطة وواضحة ومحددة ولا تخضع إلى تفسيرات متباينة.

الدولة النازية

لهذا فالدولة المطلقة، دولة مركزية، لديها مركز، عاصمة مركزية ، حكومة مركزية، قوانين مركزية، دستور مركزي، مفهوم مركزي للإنسان لا يقبل التعدد، لذلك كان نموذجها التاريخي الأبرز، الدولة القومية، التي تنصهر فيها الأعراق كلها في نموذج واحد. ومثال الدولة القومية الأوضح في هذا الضبط هي الدولة النازية. كانت خالصة العرقية، كانت تنظر إلى ما لا يتماثل مع وحدة عرقها، أنها طفيليات زائدة ينبغي التخلص منها أو دمجها في نفس العرق وإعادة تأهيلها.

هي تشبه البستاني الذي لا يمكن أن يتسامح مع أي شذوذ في حديقته، لا بد أن يزيل أي ورقة صفراء أو أي نبات ضار، وهي تشبه المهندس الذي لا يقبل أي شذوذ يقع في خطوط مدينته، وتشبه الطبيب الذي لا يقبل أي خطأ في الجسم، فالأخطاء يراها عاهات وعيوباً خلقية، كذلك الدولة النازية لا تقبل أي شيء يقع خارجها، خارج عرقها، أو خارج مفهومها للإنسان النافع، تراه هذا الخارج كائنا ضارا ينبغي التخلص منه. لذلك كانت لا تنظر إلى المعاقين أو الذين يعانون من احتياجات خاصة، مواطنين كاملين، كانت كثيرا ما تتخلص منهم أو تتعامل معهم ككائنات تمثل عبئا عليها. من هنا فاليهود الذين لم يستوعبهم هذا العرق النازي الأحادي قد تمّ التخلص منهم بالحرق والهولوكوست والتهجير لأنهم كائنات زائدة، تضر هذا الضبط الذي بدونه تفقد الدولة مطلقيتها.

القومية المطلقة

الدولة القومية المطلقة لا تقبل الأديان المتعددة، لأن الأديان المتعددة تُعطي تفسيرات مختلفة، وولاءات مختلفة، ونماذج مختلفة، وهذا يقوض فكرة المركز. هي تريد وحدات متشابهة (من البشر والشوارع والبيوت والمصانع) يمكن قياسها والتحكم فيها، الكل ينصهر في بوتقة واحدة هي بوتقة الدولة المضبوطة.

الدولة المطلقة وجدت نفسها في نموذجها النازي لا يمكنها أن تقبل باليهود الذين لا يمكن استيعابهم ضمن الهوية الواحدة القومية المضبوطة، وينبغي لها التفكير في التخلص منهم بأي طريقة كانت بأن توجههم إلى مناطق أخرى، كما يتخلصون من نفايات أو من أي شكل لا يمكن أن يخضع لشكل الوحدة المضبوطة، وهي الوحدة التي يشتغل بها المصنع، والمصنع هو نموذج الدولة المطلقة.

يذهب المسيري، إلى أن إنشاء الصهيونية هي عملية رشيدة بمقياس الدولة الرشيدة، وذلك لأنها تأتي في سياق التخلص من هذه الزوائد الطفيلية، فقد وجدت الدولة الغربية أنها تريد أن تتخلص من الزوائد الفائضة على عرقها، فدفعت بالجماعات اليهودية التي لم يمكن صهرها إلى خارجها.

هذه الدولة المطلقة واجهت تحديات كبيرة بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، وهذه التحديات جعلتها تتخذ أشكال أخرى تتفتت فيها هذه الوحدة الصلبة التي تقوم عليها، وهذا موضوع آخر.الآن علينا أن نعرف علاقة الدولة المطلقة بالعلمنة الشاملة.

الطلاق الشامل

يمكننا من خلال فهم كلام المسيري أن أصيغ معادلة على هذا النحو: كلما توسعت عمليات الإطلاق، ازدادت العلمنة شمولاً. وتحولت العلمانية الجزئية إلى علمانية شمولية. وأعني بعمليات الإطلاق أن تطلق العناصر المتجاوزة (الأخلاق، الغائية، الإله) من اعتبارها مراكز للمعنى والتفسير والحكم، تُطلِّقها، تتخلص منها، وبهذا الاستغناء تنفصل عن الغيب ومقتضياته الروحية، تنفصل عما كان يعبر عنه ماكس فيبر بالسحر.

بهذا الانفصال تحقق الطلاق الشامل، فتبدأ تؤسس مطلقات أرضية أخرى، مركزها كان في البداية هو الإنسان. في عصر النهضة والأنوار صار الإنسان مركزاً بعد أن كان الإله مركزاً، لكن مركزية الإنسان ستُخْتَزل في بعد مادي واحد.

بمعنى أن الواحدية المادية أصبحت هي المركز، فأصبحنا نتعامل مع الإنسان كآلة متقنة الصنع، وقد حلل المسيري مجاز الإنسان الآلة تحليلا بارعاً في مشروعه. هذه الآلة لها قوانينها، ويمكن تجريبها، والتعرف عليها بالحواس الخمس، ويمكن ضبطها ضبطاً تاماً. بالتالي أصبح الإنسان، بعد أن جردنا ما فيه من روحانيات ومطلقات وتراكيب، وكأنه وحدة متشابهة.لم يعد الإنسان هو المركز، بل جزء من الإنسان، هو الجزء الطبيعي أو الجزء المادي، والطبيعة والمادة دائماً محكومة بقوانين راشدة، لا تعرف التعاطف ولا الغيب ولا المتجاوزات ولا السحر. لا تعرف إلا موضوعها، لذلك هي موضوعية تتعامل مع وحدات متشابهة.

العلمانية المطلقة

بهذا الطلاق والتحول من إطلاقيات عناصر التجاوز إلى إطلاقيات المادة، ستتسع عمليات العلمنة بالتدريج، بعد أن كانت جزئية لا تتجاوز فصل السلطة السياسية والشأن الإداري عن السلطة الدينية ورجالها، وهذا الأمر كان في تجربة الدولة الغربية في بداياتها قبل أن تصبح غولا يلتهم كل شيء بما تتيحه لها وسائل السيطرة. مع اطراد الإطلاقيات المادية ستتحول العلمنة الجزئية إلى علمانية شاملة، سيموت الإله والإنسان والغايات الخلاصية والإنسانية، وسيكون المجتمع والإنسان والدولة وكل شيء في الحياة بلا مركز متجاوز. ستكون العلمنة مطلقة من كل شيء يتجاوز المادة والدنيا.

إطلاق اليد الخفية

سيمكننا أن نسيطر على كل شيء في الإنسان وفي الطبيعة بهذا الإطلاق، وسيكون لدينا مراكز تحكم قوية بالحياة، ومضبوطة جداً، يمكننا استعمالها ببرود من دون حس أخلاقي. عملية التحول إلى هذه العلمانية الشاملة المركزية المطلقة سنجدها تعبر عن نفسها بعدة صور، عبر عنها فلاسفة ومفكرون غربيون، وهي صور تعبر عن نفس المفهوم لكن بزوايا مختلفة. نأخذ مثلاً تعبير "اليد الخفية وآليات السوق" لآدم سميث، "وسائل الإنتاج" عند ماركس، "الجنس" عند فرويد، "البقاء للأقوى" عند دارون، "إرادة القوة" عند نيتشة، "الروح المطلقة" عند هيجل. كل هذه المصطلحات ترتد في النهاية إلى مركزية الإنسان التي هي في النهاية مركزية المادة والطبيعة، كل هذه التحولات ستقود لهذه المركزية كما نشهدها اليوم في الحضارة الغربية.

بذلك تتحول الدولة باعتبار الجهاز الأكثر ضبطاً، إلى الإله الجديد الذي سيحكم الإنسان بآلياته الضخمة. ستتخذ الدولة صيغة العلمنة الشاملة التي لن تبقي على جزء دون جزء، ستشمل الإنسان كله، ستتوغل في كل شيء، ستكون غولاً وتنينا يكتسح كل شيء في الإنسان، لن تصبح هناك مساحة للإنسان كي يتحرك وقد ضبطته الدولة ضبطاً متقناً.

* هذه المادة التي تنشر على أربع حلقات، تم تفريغها من نص محاضرة علي الديري في 17يوليو 2008، التي أقامتها جمعية مقاومة التطبيع البحرينية، في قاعة فلسطين، في جمعية وعد.

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=132665