قرار الطائفة

مازلنا مع إسحاق الخوري في مقاربته لنظام الدولة ونظام الطوائف. يصل الخوري من خلال المعطيات الميدانية، إلى مفهوم للعلمنة يقول فيه: "إن العلمنة جل ما تفعله هو أنها تعمم المشاركة في اتخاذ القرار الديني على جميع أبناء الشعب، بدلا من أن يكون هذا القرار حكراً على النخبة الدينية، أي علماء الدين فقط. وأن يصبح القرار الديني بمتناول الشعب، لا يعني أن دور النخبة أو العلماء يزول أو أن القرار يصبح قراراً لا دينياً. العلمنة تزيل نخبوية القرار الديني ولا تزيل دينيته"[1].

ماذا يعني هذا التعريف بالنسبة لنا؟ يعني إعادة النظر في آليات اتخاذ القرار، وإعادة النظر هذه تتطلب في سياقنا إعادة تشكيل نظام السلطة في الطائفة. فالطائفة تحتكم في تنظيم شأن جماعتها إلى (شرائع وشعارات ومعتقدات وعبادات) مستمدة من تراثها الفقهي الخاص (الخاص بزمن الغيبة مثلاً)، ويفترض هذا التراث في الطائفة الشيعية مثلاً أن المختص بالشأن الديني (علماء الدين)، هو المختص بالقرار، وهو القادر على تشخيص الواقع، وعلى العوام أن يقلدوه. وان تكون في الطائفة يعني أن يكون قرارك لا فيك، بل في آلة الطائفة، وآلة الطائفة يحركها ويتخذ قرارها علماء الدين. قد يكون القرار وطنياً، لكن آلية اتخاذه ليست مدنية بل دينية.

يفيدنا الخوري هنا بمعلومة ميدانية من الحالة البحرينية، فقد أجرى في السبعينيات مسحا اجتماعيا عاما في أربع قرى (الدراز وعالي وسلماباد وجدحفص) إن هناك مختصا دينيا أو عالم دين لكل أربعة عوام، أي ما نسبته 24% من علماء الدين، في الطائفة الشيعية، مقابل عالم دين واحد لكل 600 شخص عند السنة. والمختص الديني يشمل في مسحه الاجتماعي الفئات التالية: الأئمة والخطباء أو الملائية، والسادة والمجتهدون، وقضاة الشرع وأصحاب الفتاوي.

هناك تفسير لهذه الكثرة يرجعه الخوري إلى كثافة الشعائر الدينية وتلك ظاهرة انثروبولوجية خاصة بالطوائف، حتى عند الطوائف المسيحية، كما هو الأمر عند طائفة الأرمن.

علمنة الطائفة، لا تعني جعل قرارها غير ديني، بل تعني جعل قرارها غير محتكر في فئة علماء الدين. وهذا يعني تحولاً في نظام اتخاذ القرار، وهو تحول ليس يسيراً، لأنه يصطدم بتكوين بنيوي في الطائفة، ويصطدم بتاريخ طويل وتراث غزير. وتحديث هذا التراث يتطلب تحدياً معرفياً واجتماعياً وثقافياً.

ترتبط العلمنة إذاً بآلية اتخاذ القرار، لكن ذلك لا يعني أنها آلية شكلية، بل هي ترتبط بمفهومنا للقرار ومفهومنا لموضوعات الواقع التي ترتبط بهذا القرار. إن كثافة الشعائر الدينية في نظام الطائفة يجعل كل شيء دينياً. جميع الممارسات التي يقوم بها الفرد في حياته اليومية، تتخذ طابعاً دينياً بسبب كثافة الشعائر هذه.

لذلك فالفرد يسلم قراره للمختص الديني في كل ما يتصل بأفعاله اليومية، ومتى وصل الفرد داخل الطائفة إلى قناعة بأن أمراً ما ليس دينياً، فإنه يقرره بنفسه، أو يلجأ إلى مختص خارج الدائرة الدينية. من هنا، فالعيش ضمن نظام الطائفة وليس ضمن نظام الدولة، يجعل الفرد ليس فرداً بل جماعة. وكي يعيش فرديته فهو بحاجة إلى أن يعلمن قراره، وذلك ليس بأن يجعله غير ديني، بل بأن يكون هو صاحب قراره، وسيد قراره. وتلك سيادة دونها الطائفة.

لنتأمل هذه القرارات: قرار ذهاب المرأة إلى الجامعة، قرار سياقة المرأة للسيارة، قرار العمل في الحكومة، قرار عمل المرأة، قرار المشاركة في الانتخابات، قرار تولي وظيفة في القضاء، قرارات التصويت على القضايا المصيرية، قرار إعلان هلال العيد، قرارات أحكام الأحوال الشخصية، قرار السلام على أهل البدع. جميع هذه القرارات وغيرها سواء جاءت في صيغة فتوى أو رأي شرعي أو نصيحة دينية أو حكم فقهي أو استفتاء، تفترض أن وجودك في الطائفة يلزمك بقرارها الشرعي والعقائدي، وتمتاز بمدى التزامك بهذا القرار.

العلمنة تعني فصل نخبوية القرار عن المختص الديني، ففي الطائفة التي يدير سلطتها المختصون الدينيون، يبدو القرار أكثر احتكارية في طبقة علماء الدين، وحجة الاختصاص، تعد حجة دامغة لا يمكن ردها. وشعار (معكم معكم يا علماء) [2] تجسد معيتُه، معية القرار بيد علماء، فهم سور الطائفة، ووجودك مرهون ببقائك داخل هذا السور.

العلمنة تقوم على أن الوجود في العالم أو في الدولة مقابل للوجود في الطائفة. فالوجود في العالم يفترض الوجود في الدولة، فأنت تعرّف نفسك بالدولة التي توجد فيها. وكي توجد في هذه الدولة وفي هذا العالم، عليك أن توجد خارج طائفتك، أي خارج سور سلطتها الدنيوية وخارج قرار نخبوية مختصيها، وتحول انتماءك لها إلى رافد من روافدك المتعددة، وبهذا تكون خارجا منها، لا خارجا عليها.

الطائفة تربيك تربية القصور، فهي تربيك على قاعدة أنك لا تستطيع أن تفكر وحدك أو تتخذ قرارا لوحدك، لابد أن تسدّ قصورك بالرجوع إليها، أي الرجوع الواجب إلى علمائها وفقهائها ومراجعها ومدوناتها المعتمدة.

بقدر ما أنت تقلّص من مساحات هذا الرجوع، تخرج من قصورك، وتكون مثقفا. مثقفا على طريقة عصر الأنوار التي عرّفها كانط (الأنوار خروج الإنسان من قصوره الذي هو نفسه مسؤول عنه) فالمثقف أو المتنور هو القادر على الخروج من قصوره. قصوره من الفكر المهيمن عليه الذي يشعره أنه قاصر عن الخروج منه.

يتفاوت هذا الخروج بتفاوت قصورك، هناك من يخرج في المجال السياسي والاقتصادي، وهناك من يخرج في المجال الديني، وهناك من يخرج في المجال الثقافي، وهناك من يخرج في مجال الأحوال الشخصية، وهناك من يخرج في مجال الحرية الشخصية.

هناك نضالات يخوضها المثقف في سبيل تحقيق مجال أوسع من خروجاته، وهو بهذا الخروج لا يحرر نفسه فقط، بل يحرر الميدان العام المشترك بين مختلف الأعراق والطوائف والاتجاهات، هذا الميدان يتسع بالخروج من أطرنا الضيقة، يتسع فيسع الجميع.

بقدر ما تخرج تصبح قدرتك على هندسة حياتك وقراراتك بعقلك الفردي، لا بعقل جمعي يسيطر عليك باسم الطائفة أو الحزب أو أي جماعة عرقية أو دينية أو أيديولوجية.

في فيلم (The Champ) كان البطل صحفي أوقعه ملاكم في ورطة كتابة قصة بطولة وهمية، فسقط فوق منصة المجتمع حيث الميدان العام لا يقبل الكذب والزيف. الخلاصة التي وصل إليها هو تعريف للمثقف يقول فيه "الكاتب مثل المصارع يجب أن يقف وحيدا. محاولة نشر كلماتك مثل الدخول وحيدا، يضع موهبتك على المحك ولا يوجد مكان لتخبئتها"

قف وحيداً خارج طائفتك، لا تستند إليها لتعطي شرعية لقولك وفعلك، شرعيتك يعطيك إياها الميدان العام المشترك الذي هو مجال لحركة حريتك.

هوامش

[1] فؤاد إسحاق الخوري، إمامة الشهيد وإمامة البطل: التنظيم الديني لدى الطوائف والأقليات في العالم العربي. بيروت: مركز دار الجامعة،ط1، 1988.

[2] انظر:

– جريدة الوقت، إبريل 2006، علي الديري، "معكم معكم يا علماء.. بجرح الكأس المكسورة"

– مدونة هوامل الديريwww.aldairy.ws