معكم معكم يا علماء

"معكم معكم يا علماء" بجرح الكأس المكسورة

في 14أغسطس1995 كان الشيخ عبد الأمير الجمري يلقي كلمة في مكتب وزير الداخلية بحضور بعض رجال السلك القضائي وبعض الوزراء والوجهاء، وهم وزير العمل عبدالنبي الشعلة، ورئيس محكمة الاستئناف العليا الشرعية الجعفرية الشيخ منصور الستري، وعضومحكمة الاستئناف العليا الشرعية الجعفرية الشيخ سليمان المدني، ورجل الأعمال وعضو مجلس الشورى الحاج أحمد منصور العالي.

معكم معكم يا علماء تلخص هذه الكلمة ما عرف في التسعينيات بـ(المبادرة) والمقتطف التالي يلخص أهم ما جاء في هذه الكلمة:

"وأحب أن أذكر لحضرات أصحاب الفضيلة والسعادة بأننا قدمنا إلى الحكومة الموقرة بجهود خيرة لخدمة هذا الوطن العزيز، وأود أن أذكر أهدافها الأساسية وهي كالتالي:

1. إعادة الهدوء والاستقرار للبلد.

2. معالجة الآثار التي خلفتها الأزمة التي عصفت بالبلاد.

3. تعزيز العلاقة الطيبة بين الشعب والحكومة.

على أن نقوم أنا وأخواني الأربعة: الأستاذ حسن مشيمع والأستاذ عبدالوهاب حسين والشيخ خليل سلطان والشيخ حسن سلطان، بالتعاون مع المخلصين من أبناء الشعب بالدعوة والسعي الحثيث لتحقيق هذه الأهداف، وتتفضل الحكومة الموقرة بتقديم الدعم والمساندة وخلق الأرضية الصالحة لإنجاح الجهود وتحقيق الأهداف"([1]).

§ 70000 مواطن

في 1نوفمبر1995م كان هناك سبعون ألف مواطن أمام منزل الشيخ عبد الأمير الجمري، يستمعون إلى البيان الختامي لاعتصام أصحاب المبادرة، وقد حمَّل هذا البيان الحكومةَ مسؤولية الإخلال ببنود المبادرة "غير أن الحكومة لم تمض كما ينبغي فيما يتعلق بالإفراج عن المعتقلين غير الحكوميين، وقد أدى ذلك إلى استياء أبناء الشعب وتحول إلى تذمر عام، ثم جاءت المحاكمات التي شملت حتى الأحداث الذين سبق الإفراج عنهم لتخلق مزيدا من الاستياء في الشارع تحول إلى توتر يدق ناقوس الخطر لا سيما وأن وزير شؤون مجلس الوزراء والإعلام قد صرح ثلاث مرات لإذاعة لندن بأنه لا اتفاق ولا حوار مع أحد لا في الداخل ولا في الخارج، ووصف القائمين على المبادرة بأوصاف غير لائقة...

أيها الشعب العظيم المسالم:

كان بودنا أن ننهي هذه الخطوة، نحن القائمين على المبادرة، الاعتصامَ والإضراب عن الطعام بكلمة نعم من حكومة البحرين الموقرة لمطالب شعبها العادلة…

معكم معكم يا شعبنا حتى نحقق كامل أهدافكم ومطالبكم العادلة"([2]).

كان جواب السبعين ألف مواطن:(معكم معكم يا علماء)، لم يكن جواباً، بل كان حدثاً، شكَّلت هذه المعية، معية أصحاب المبادرة(معكم معكم يا شعبنا)، ومعية السبعين ألف مواطن (معكم معكم يا علماء) عقداً حديدياً، ختم تسعينيات البحرين، وختم العلاقة بين التيار الشيعي والحكومة، وختم جدل القيادة في التيار الشيعي.

كان الشعار إعلان مرحلة، وإبراز قيادة، وحسم بلبلة، هو بمثابة بيعة من الشارع كي يتولى أصحاب المبادرة مهمة القيادة التي حاولت الحكومة عبر تيار شيعي موال لها النيل منها عبر ما عرف برسالة الاعتذار التي استخدمت للنيل من أصحاب المبادرة. لقد شكَّلت (المبادرة) حدثها السياسي، وأبرزت رجالات الساحة، وحددت شكل العلاقة التسعينية بين الحكومة والتيار الشيعي، واتخذت من شعار المعية استراتيجية لتنظيم قيادتها.

شعار(معكم معكم ياعلماء) أحد إنتاجات حدث (المبادرة)، وهو يحمل سياقها وجدلها ومآلاتها، وهو من جانب آخر يحمل صك بنية الذهنية الشيعية في موقفها السياسي القائم على المعارضة والمهموم بفكرة الإمامة. لذلك يمكن قراءة هذا الشعار بما هو مُنْتَج حدث المبادرة، وبما هو علامة على بنية فكرية ضاربة في التاريخ.

يحمل هذا الشعار آثار الكأس المكسورة حسب تعبير رئيس المخابرات، أيان هندرسون في إحدى جلسات الحوار مع أصحاب المبادرة "لقد استطعتم هزَّ الكأس فلا تكسروه.لقد وصلنا إلى قناعة أن القمع لن يخدم الشارع العام بالصورة التي نحب، كما أن الوجهاء الذين اعتمدنا عليهم لم يستطيعوا حل المشكلة"([3]).

§ الشعار

في المعجم العربي، الشعار يعني العلامة، والإشعار: الإعلام، وشعار القوم: علامتهم. وأشعر القوم: نادوا بشعارهم. الشعار إذن نداء وإعلام وإعلان وعلامة. بِمَ يُعلم شعار (معكم معكم يا علماء) وعمَّ يُعلن وعلامَ يُنادي.

إذا ما أخذنا بمفهوم الفيلسوف (فتجنشتاين wittgenstein) للمعنى بأنه الاستعمال وسياقه، فسيكون سياق هذا الشعار واستخدامه، هو ما يحدد معناه، ويحدد إعلامه وإعلانه ونداءه.

حين يكون سياق الشعار يجري في الساحة السياسية، فإن المعنى حينها يتحدد بمجريات اللعبة السياسية أي أننا نفهم الشعار بالإحالة إلى اللعب وسياقاته، وليس بالإحالة إلى المعجم ودلالاته. والإحالة إلى اللعب إحالة إلى مقتضياته، من الصراع والتنافس والهجوم والدفاع والكسب والخسارة والربح وتسجيل الأهداف.

اللعبة كما يحدِّدها (بيار بورديو) نوع من العلاقات أو نوع من علاقات التجاذب بين عناصر حيث المنافسة والتعاون والتناقض والهيمنة، وتقوم هذه العناصر ضمن هذه العلاقات بأدوار أو بنشاطات ووظائف. واللعبة السياسية موجودة في كل الظواهر السياسية، وهي تتسم بالمنافسة والصراع([4]).

حين يعلم الجمهور أو يعلن أو ينادي، فإنه يقوم بفعل، والشعار بما هو إعلام وإعلان ونداء، فهو فعل، هو فعل كلامي يُنجز (بمعنى يؤدي، يحقق، يعمل performatives) أشياء، حسب نظرية أفعال الكلام (Speech act theory ) لجون أوستن الذي عنون كتابه الهام بـ (كيف ننجز الأشياء بالكلام؟)

كيف نفهم (معكم معكم يا علماء) بما هو فعل كلامي؟ الفعل كما يحدده عالم النص، فان ديك" هو كلُّ حدث حاصل بواسطة الكائن الإنساني. الحدث هو التغيير. كلُّ تغيير يستلزم اختلافاً بين العوالم، الأحوال أو المواقف" ([5]).

وفي المعجم العربي "الفعل: كناية عن كل عمل متعدٍ أو غير متعدٍ. وقد عَمِلَ الشيءُ في الشيء: أَحْدَثَ فيه نوعاً من الإِعراب" والإعراب هو التغيير والبيان.

كل ما يحدث إعرابا أي تغييرا هو فعل. هذا الشعار أحدث إعراباً سياسياً، بدليل ما نتج عنه من آثار وأعرب عنه من تغييرات، وما خلقه من اختلاف بين العوالم، عالم السياسة وعالم الدين، عالم الحكومة وعالم المعارضة، عالم التيار الشيعي وعوالم التيارات الأخرى، عالم علماء الدين وعالم علماء الدنيا، عالم التسعينيات وعالم ما قبلها وما بعدها. وما خلفه من مواقف، مواقف الموالين للسلطة والمعارضين للسلطة، ومواقف المعارضين للأحداث والمنخرطين في الأحداث، ومواقف المتضررين من الأحداث والمستفيدين من الأحداث.

شعار "معكم معكم يا علماء" فعل كلامي، لأنه لا يصف ولا يخبر ولا يوصل معلومة مجردة، أي أنه ليس جملة محايدة تتضمن محتوى مجرداً من أي توظيف، كما في جملة الشمس مشرقة، بل هو جملة مغرضة (أي لها غرض) ومستخدمة ومستعملة وموظفة ضمن لعبة (لعبة حسب مفهوم بورديو، وليس بمعنى القدح السياسي) وهذا الاستخدام يخلق أو ينشئ مجال لعب كلامي، وينجز اللاعبون السياسيون في هذا المجال باللغة أفعال اتصال وانقطاع واستفزاز وتسلط وتوعد وتخوين وتهديد…إلخ، وبهذه الأفعال يعمل الشعار على إدامة اللعبة بين الفاعلين في مجال التداول السياسي.

ولعل مظاهر إدامة هذه اللعبة، نجدها في كم الأحداث التي أنتجها هذا الشعار، والفاعليات التي اتخذته شعاراً لها، والحجاجات التي وظفته في الدفاع عن مواقفها أو رغباتها أو مصالحها أو رؤاها، والتأويلات التي خضع لمعانيها، والاستخدامات التي جرى فيها، والأفعال وردود الأفعال التي أثارها، حتى إنه أصبح لهذا الشعار إرشيفه الخاص الذي يضم مدونته.

§ الشعار قصيدة

كان (معكم معكم يا علماء) شعار الجمهور الشيعي وشعره، فالشعار قصيدة الجمهور، قصيدته لأن مادته من شعوره وجسده، كما أن مادة القصيدة من شعور شاعرها وجسده، والشعار الناجح تماماً كالقصيدة الناجحة، بقدر ما تكون مختومة بمشاعر شاعرها وجسده يتحدد نجاحها. الشعور الذي هو مادة الشعر والشعار، إدراك من غير إثبات، وكأنه إدراك متزلزل، وهذا ما يجعل من الشعار والشعر إدراك متزلزل للعالم، وليس أكثر من هذا الإدراك قدرة على تغيير العالم.

والشعار والشعر مشتقان من المادة المعجمية نفسها، كما هما مشتقان من التجربة الوجودية نفسها، ففي المعجم "شَعَرْتُ لفلان أَي قلت له شِعْرا، وأَشْعَرْتُه: أَلبسته الشّعارَ، وأَشْعَرَ القومُ: نادَوْا بشعارهم، وأَشْعَرَ الهَمُّ قلبي: لزِقَ به كلزوق الشِّعارِ من الثياب بالجسد؛ وأَشْعَرَ الرجلُ هَمّاً: كذلك. وكل ما أَلزقه بشيء، فقد أَشْعَرَه به"

ما يلزق بنا هو شعارنا الذي يُعبِّر عن شعورنا، ويُعْلِم عما بنا، ويقول ما يعتمل فينا، والشعار علامة علينا، متى كان مُعْلِماً بحالنا ومُلَبيا لندائنا ومُحقَّقا لمطلبنا، متى كان هويةً ناطقةً عن جماعتنا. وشعار (معكم معكم يا علماء) ناطق بكل ما يعتمل في جماعة التيار الشيعي من ظلامات ومطالب ونضالات وأحلام وتعويلات ورؤى وشظايا الكأس المكسورة.

وتتحقق شعرية الشعار وشعرية الشعر بقدر ما يشق الشعار أو الشعر عمَّا يعتمل فينا من أحاسيس ومشاعر، أي يكون الشعار فعلاً له قوة الحدث، بقدر ما يكون قادراً على تمثيل جرحنا، والكلمة في اللغة تعني الجرح، والشعار الذي لا تكون كلماته جرحاً لا يكون فعلاً. بل يصير الشعار شعاراً بقوة تمثيله لهذا الجرح، وبقوة قدرته على أن يشق عن جرحنا الداخلي، ويُعلن عنه ويُعلم به، وفي المعجم يحيل الشعار على الجرح الذي يترك علامة "وأَشْعَرَ البَدَنَةَ: أَعلمها، وهو أَن يشق جلدها أَو يطعنها في أَسْنِمَتِها في أَحد الجانبين بِمِبْضَعٍ أَو نحوه"

حين يفقد الشعار شعريته التي هي قوته الإنجازية في أن يكون فعلاً يصنع حدثاً، يفقد قدرته التي يُعلم بها ويُعلن وينادي ويطلب، يفقد قدرته على أن يحفر علامة تدل على جماعته. لا تستطيع أن تقترب من شعار يُدمي، من شعار يملك قوة أن يُحدث ويُعلم، من كان يملك القدرة على أن يقترب من شعارات (وحدة الطبقة العاملة(البروليتاريا) والكفاح ضد الإمبريالية، وأينما تنطق الألمانية تمتد الأمة الألمانية، والإسلام هو الحل، والوحدة العربية) أبَّان قوتها وقدرتها على تشكيل خارطة العالم.

الشعار له دورة حياة، كما لأي كائن حي قوة وضعف من بعد قوة. كانت التسعينيات زخم حياة هذا شعار (معكم معكم ياعلماء)، والألفية الجديدة كانت بداية ضعف قوته، لكن حين يضعف الشعار لا يضعف كل شيء فيه، ربما تضعف قدرته التمثيلية للجرح الذي يدل عليه، لكن لا تضعف الحياة التي يحيل عليها، تضعف قدرته على الإحالة، لكن لا تضعف الحياة المحال عليها.

§ قدسية الشعار

في منتصف 2002 حيث مشاعر التيار الشيعي في بداية انتشائه بالإنجازات التي حققها شعاره (معكم معكم يا علماء)، كنتُ قد طرحتُ في أحد الملتقيات الخاصة، كتلة أسئلة على شعار (معكم معكم يا علماء)، كانت الأسئلة:

ما معنى هذا الشعار؟ وما مضمراته؟ ومن هم هؤلاء العلماء؟ وهل هو شعار مقدس؟ وكيف تمت صياغته؟ وكيف تم تداوله؟ وكيف يمكن قراءته وتفكيكه؟ وإلى أي حد تشكل هذه القراءة أو التفكيك خطورة على القارئ المفكك؟ وهل هو شعار المرحلة السابقة أم المرحلة الحالية أو هو شعار كل مرحلة؟ من هم جيل معكم معكم يا علماء؟ ما ملامح هذا الجيل الثقافية؟ كيف صاغ هذا الشعار ثقافة هذا الجيل؟ كيف يفكر هذا الجيل من خلال هذا الشعار؟ ما الأنساق الثقافية التي يضمرها هذا الشعار؟ ما طبيعة العلاقة بين أطراف الشعار أي ما طبيعة العلاقة بين حاملي هذا الشعار والعلماء؟ هل هناك إمكانية لإيجاد شعارات جديدة؟ إلى أي حد يمكن لقوانين أمن المجتمع أن تتسامح مع هذه الأسئلة؟

أثارت الأسئلة ردود فعل متباينة، تكشف في وجه من وجوهها شقوق المجتمع الذي صُنع فيه هذا الشعار، وتكشف عن المعاني المتعددة التي يحملها، والاستخدامات التي ينتهي إليها، والسلطات التي يمثلها.

المهندس ياسر علوي، كان يقرأ الأسئلة المطروحة على الشعار من خلال نسق المعية في ثقافتنا "موضوع جدير بالدراسة ولكن, هذا الشعار هو السائد في المجتمعات العربية منذ أيام الجاهلية إلى الآن. وما يهمنا هو جيل التسعينيات، فقد رفع هذا الشعار الماركسيون عندما هتفوا معك معك يا لينين أو معك معك ياماوسيتونغ, ورفعها الناصريون عندما هتفوا معك معك يا ناصر، ورفعها أيضا المتملقون عندما هتفوا معكم معكم يا حكام، أما هذا الجيل فهو جيل الإسلاميين فرفعوا هتاف معكم معكم يا علماء وهكذا"

أبوقاسم، الإسلامي، اليساري السابق وجد في الأسئلة تفكيكا للطائفة لا تفكيكا للشعار" لو حاولت أن تحب طائفتك حبا آخر سمّه ما شئت من المسميات، لما جالت في خاطرك هذه الأسئلة، (معكم معكم يا علماء) شعار قديم قدم الطائفة ومعاناتها ومظلوميتها. لم تفكيك الشعار؟ هل إثارتك لهذه الأسئلة يعني أن الطائفة تسير وراء العلماء دون وعي ولا تفكير،الفقراء المظلومون يسيرون وراءهم.هذا الشعار كان وسيكون لمراحل قادمة. نحتاج إلى الكثير من القراءة في فكر الطائفة المعارض وتاريخ الحركة الدينية في البحرين أليس كذلك؟"

كاتب العمود الصحفي الأكثر جدلا، عقيل سوار، وجد الأسئلة مُهدَّدَةً مأزق التخوين الذي يوقعنا فيه تقديس الشعار"ألا تعتقد أننا بحاجة لأن نتحدث بإسهاب عن شعار معكم معكم يا علماء, وبوصفه معادل موضوعي, لكل ما هو غير ديمقراطي, وغير متحضر. إن مأزقنا مع هذا الشعار هو نفس المأزق مع شعار البرلمان هو الحل!!. فنحن نعرف أن البرلمان ليس حلا لمشاكل البحرين حتى في أحسن حالاته, ومع ذلك لا نستطيع أن نقول هذا, دون أن نتهم بخيانة ثوابت الناس؟؟"

المصور وكاتب القصة حسين المحروس، يفرق بين مأزق الداخل ومأزق الخارج "يبدو لي هنا مآزق كثيرة، لا أتفق مع عقيل في أن مصدر المأزق واحد في الشعارين: معكم معكم يا علماء والبرلمان هو الحل! ففي حين يصدر الثاني نتيجة صراع مع الخارج( السلطة/ أمن الدولة) فإن الثاني يعبر عن مأزق مع الداخل(الناس/العلمانيين/المستقلين/اليسارين/المثقفين) لكن ربما تكون نتيجة نقد الشعارين مؤلمة.

إن تقديس العلماء يأتي من ناحيتين متعاكستين تماماً: الأولى أن الذين يرون فيهم الحل أكثر من أي شيء آخر هم مقدسون بلا شك وهي الصيغة التي أنتجت ( معكم معكم ياعلماء) لكن – الثانية – ألا يمكن أن ننعت أولئك الذين يرون العلماء هم مصدر الفتن والبلوى والتخلف مقدسون لهم أيضاً؟ بمعنى أن هذه الرؤية تصدر عن تقديس لقدراتهم وتهويل؟"

الشعار علامة، وبقدر ما تكشف هذه العلامة من وجوه ثقافتنا ومجتمعنا، تكتسب قراءتها أهمية، القراءات السابقة ألمحت -وإن كان بعضها يصدر عن منافحة لا عن قراءة- إلى وجوهٍ من الوجوه التي يتبدى فيها هذا الشعار في تداوله العام، فهو يتبدى في شكل سلطة ونسق وانتماء ومأزق وحب ومولاة وشك. وهذا ما يجعل من الشعار مركباً قابلا للتصريف في وجوه شتى.

وربما يكون كل وجه من هذه الوجوه سبباً في أن أسئلتي بقيت مكانها في محيط التداول الخاص، ولم تخرج إلى فضاء التداول العام، لم يكن السياق حينها مواتياً للتفكير فيها تفكيراً نقدياً.

§ اهتزازات الشعار

ما بين 2002 و2006 جرت مياه كثيرة على هذا الشعار، فقد فيها وجوهاً من معانيه، وظلالاً من وحيه. في ملتقى البحرين الإلكتروني، تتبدى آثار هذه المياه، كما لا تتبدى في أي مكان آخر، فهو ساحة التداول الشعبية العامة المتخففة من شروط الضبط والمراقبة التي يفرضها العُرْف والقانون والسلطة.

في هذه الساحة تتبدى دورة حياة الشعار، في 2004 مع بداية عمل اللجان الشعبية التي تولت ملفات البطالة والإسكان، بدأ الشعار يهتز، وبدت حياة العلماء معرضة للاهتزاز في هذا الشعار، لم يعودوا يُحيَون في هذا الشعار، لم يعد شعارهم، في هذه اللحظة، ولا مؤسستهم الرمزية.

وبدأت لحظات تململ من ثقله، فقد أًصبح سلطة تثقل حركة الشارع الميَّال إلى الخفة والتحرر من نَفَس القنوات الرسمية والسياسية التي انخرطت فيها جمعية الوفاق وعلماؤها الذين هم الآباء المؤسسون لشعار (معكم معكم ياعلماء) بل هم أنفسهم العلماء الذين يحيل إليهم الشعار، هم من جعلوا من هذا الشعار مؤسسة يديرون بها الشارع، ومع تحول هؤلاء العلماء إلى العمل في مؤسسة يديرها قانون الدولة ونظام السلطة، بدأ الشارع عبر ساحات التداول الافتراضية يصرخ" ويش الأشياء التي سوتها الوفاق والعلماء لتحريك قضية العاطلين حتى نثق بأنهم سيتحركون على قضية العاطلين؟ هلل وردد معكم(…..) أو معكم يا ثائرين؟!"([6])

بدأت إذن لحظة تفكك المعية، وتشييد معية جديدة، لكن هل هو تفكك للمفهوم أو تفكك للمصداق؟ أي هل هو تفكك لمفهوم العلماء أم تفكك لمن ينطبق عليهم مفهوم العلماء؟

§ المعية الشيعية

المعية تضمر في داخلها مشكلة: مع من نكون؟ من يقودنا؟ من هو إمامنا؟ من هو وراث خط النبوة؟ من هو وراث خط الإمامة؟ أسئلة المعية، هي نفسها أسئلة هذه المشكلة، وهي أسئلة لا يقلقها المفهوم، بقدر ما يقلقها المصداق، أي لا يقلقها مفهوم القائد، بل يقلقها من يصدق عليه مفهومها للقائد.

المعية في ختم الذهنية الشيعية، يحددها مفهوم هذه الذهنية للعالِم (رجل الدين) ، وهو مفهوم محكوم بثلاثة شروط: العمل، ومقاومة السلطة أو الاستقلال عنها، والزهد في الدنيا. وهي ثلاثة شروط متداخلة، وبعضها يحيل إلى بعض، وبعضها يكاد يكون شرطا لبعض.

يورد ثقة الإسلام الشيخ محمد بن يعقوب الكليني (ت/329هـ) في كتاب الكافي الذي هو أحد كتب الحديث الأربعة المعتمدة عند الشيعة، مجموعة من الأحاديث التي تمثل في مجموعها مفهوم الذهنية الشيعية للعالِم "… وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأنبياء إِنَّ الأنبياء لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَاراً وَلا دِرْهَماً وَلَكِنْ وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ… ".. يعني بالْعُلَمَاءِ مَنْ صَدَّقَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْ فِعْلُهُ قَوْلَهُ فَلَيْسَ بِعَالِمٍ… إِذَا رَأَيْتُمُ الْعَالِمَ مُحِبّاً لِدُنْيَاهُ فَاتَّهِمُوهُ عَلَى دِينِكُمْ فَإِنَّ كُلَّ مُحِبٍّ لِشَيْ‏ءٍ يَحُوطُ مَا أَحَبَّ… أَوْحَى الله إِلَى دَاوُدَ (عَلَيْهِ السَّلام) لا تَجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ عَالِماً مَفْتُوناً بِالدُّنْيَا فَيَصُدَّكَ عَنْ طَرِيقِ مَحَبَّتِي… الْفُقَهَاءُ أُمَنَاءُ الرُّسُلِ مَا لَمْ يَدْخُلُوا فِي الدُّنْيَا قِيلَ يَا رَسُولَ الله وَمَا دُخُولُهُمْ فِي الدُّنْيَا قَالَ اتِّبَاعُ السُّلْطَانِ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَاحْذَرُوهُمْ عَلَى دِينِكُمْ… يُغْفَرُ لِلْجَاهِلِ سَبْعُونَ ذَنْباً قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لِلْعَالِمِ ذَنْبٌ وَاحِدٌ… وَيْلٌ لِلْعُلَمَاءِ السَّوْءِ كَيْفَ تَلَظَّى عَلَيْهِمُ النَّارُ"([7])

الكتب المعتمدة، ليست معتمدة الرواة والأحاديث فقط، بل إن مفاهيمها للحياة وتفاصيلها معتمدة أيضاً عند الجماعة التي تؤمن بها، المعتمد يمثل الكتاب الصحيح أو الكافي (Canon) الذي تعتمده جماعة معينة ضمن حقل معين، مجموع هذه الأحاديث يشكل المفهوم الشيعي المعتمد للعالِم (رجل الدين).

وهو مفهوم ظل فاعلاً في الذهنية الشيعية، بما يمثله من امتداد لخط الإمامة التي هي امتداد لخط النبوة (الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأنبياء). مجموع هذه الأحاديث يشكل أفق التوقع الشيعي لطبيعة العالم ودوره وصفاته وسلوكه وعمله، ويشتغل هذا التوقع معياراً في تحديد من هو العالم الحق؟ ووفق هذا التحديد تكون المعية، ويكون مصداقها.

§ عمل المعية

العمل من أجل الآخرين والآخرة هو الشرط الذي تعتمده الذهنية الشيعية في تحديد مفهومها للعالم، الآخرين هو كل ما هو خارج مصلحتك الذاتية، هو الأمة وما يكون في مصلحتها، يبقى الزهد أحد متطلبات العمل، لا يمكنك أن تعمل من أجل غيرك وأنت مفتوناً بدنياك أو محباً لها أو مورِّثاً فيها أو متبعاً لها، ولا يمكنك أن تعمل من أجل الأمة وأنت تابع للسلطان، السلطان يريدك له، والعمل يريدك للناس، العمل يتطلب استقلالاً عن الدنيا والسلطان (الدنيا اتباع السلطان) لابدّ أن تعمل على الانفكاك من هذا الاتباع، وذلك بالزهد في الدنيا والسلطة والسلطان. العمل الذي يصنع معية العالم أي قيادته وإمامته وكينونته، هو العمل السياسي الذي هو مقاومة للدنيا (السلطان) بالاستقلال عن السلطة أو بالثورة عليها.

كان شعار (معكم معكم يا علماء) مؤسسة، لأن العالم في الذهنية الشيعية مؤسسة رمزية لها شروطها وقوانينها وأعرافها ومتطلباتها، وهي مؤسسة فاعلة ونشطة، ويتداخل فيها الديني بالسياسي والدنيوي بالأخروي والفعل والقول.

المعية الشيعية محكومة بأفق توقع الذهنية الشيعية للعالَم، لذلك كان شعار (معكم معكم يا علماء) يتضمن في داخله قوة وسلطة بما يملكه من شروط المعية وأفقها الذي تصنع به شارعها ومُشرِّعها (العالم) ومشروعها.

§ موت المعية

انتهت دورة حياة المصداق، لكن لم تنته دورة حياة المفهوم، انتهى استخدام شعار (معكم معكم يا علماء) بفقد قدرته وقوته التمثيلية، انتهت معيته الزمنية، انتهت سلطته، انتهى مصداق معيته، لكن مفهوم معيته سيتجدد في دورة حياة أخرى، في استخدام آخر أو في زمن آخر أو في سياق آخر، كما هو الأمر في شعار (المرجعية خط أحمر) أو في شعار مسيرة العلماء ضد قانون الأحوال الشخصية (لبيك يا إسلام).

ستعلن ساحة بحرين أونلاين الافتراضية عن انتهاء دورة حياة هذا الشعار، كما كانت هي نفسها قد أعلنت عن ولادته في ساحتها الواقعية أمام منزل الشيخ الجمري. سيكون الشعار حجة على العلماء، بعد أن كان جبهة للعلماء.

ستعلنه عبر نداءات الاستنكار واليأس " الى متى يا علماااااااااااااااااااااااااااااااء ؟؟؟؟؟ فطسناااااااااااااااااااا… الى متى يا علماء الى متى يا علماء الى متى يا علماء …؟؟

حسووووا فينـــــــاااا ..حسوووووووووووووووووووووووووووووووااا.."

صار الشعار لا يحس لا يشق عن جرح، لا يسمع لا يلبي نداء لا يحقق مطالب، وحين يفقد الشعار قدرته على أن يلبي مطالب شارعه يفقد شعريته وشرعيته، أي يفقد قدرته وقوته وإنجازه في أن يكون فعلاً كلامياً، سيكون مجرد ذبذبات صوتية، لا تعني شيئاً.

" بس ما ينفع ..لأني قاعد آآذن في خرابه ..ولا لهذا صوتي لا يصل الى آذانكم ..

واذا وصل ..فسووفه يخرج من الآذن الثانية ..وهذا نحن في دوامة الذبذبات الصوتية"


[1] ) دعاة حق وسلام، خطابات الشيخ الجمري بين الاعتقالين، سبتمبر1995- يناير1996م.ص13.

[2] ) المصدر نفسه، ص36.

[3] ) المصدر نفسه، ص6.

[4] ) البناء على بيار بورديو، علي سالم ، ص72.

[5] ) النص والسياق، فان ديك. ص228.

[6] ) ملتقى البحرين، www.bahrainonline.org

[7] ) أصول الكافي، محمد بن يعقوب الكليني، كتاب فضل العلم.