حكم الطائفة

«الدين يَحْكُم ولا يُحاكَم، والدولة تَحكُم وتُحاكَم[1]» متى صارت الدولة تحكم ولا تُحاكم، صارت ديناً، وفقدت فكرة الدولة ومنطقها، وكذلك الجماعة السياسية، تَحكُم وتُحاكَم، ومتى صارت تحكم ولا تُحاكم، صارت طائفة دينية، وفقدت فكرة الجماعة السياسية ومنطقها القائم على المحاسبة والفوز والهزيمة.
يبدو أن الحكم باسم الطائفة وممارسة السياسة باسم الطائفة، قد غدا بديلاً رابحاً للجماعات السياسة، وملجأ آمنا لها، وقد فتح سوق السياسة على جنات لا نهاية لصورها وتداولاتها. الحكم باسم الطائفة وممارسة السياسية باسم الطائفة يأتي في صيغ عدة تبريرية: استنهاض الطائفة، الدفاع عن ظلامة الطائفة، استرداد حقوق الطائفة، مواجهة طائفية الطوائف الأخرى، استنفاد الحلول السياسية، تحصين الطائفة، مقاطعة أنظمة الجور، طائفية النظام السياسي.
ويبدو أن خصوبة التداول قد جعلت الحديث عن الطائفية، يدخل في مرحلة الفوضى الدلالية، فلم نعد نعرف ماذا تعني الطائفية، أو صارت تعني الشيء ونقيضه، أو لنقل صارت تستعمل في أغراض سياسية بين خصوم متباينين، من دون أن تعني شيئاً مناقضاً عند طرف من دون الطرف الآخر. باختصار، فقدت كلمة الطائفية قدرتها على أن تدل، وفقدت قابليتها على أن تُكذّب. هل تستطيع أن تكذّب أحداً أو جماعة تتبرأ من الطائفية؟
من هنا يأتي الحديث عن الطائفة لا عن الطائفية من أجل تجنّب هذه الفوضى الدلالية، محاولة للدخول عليها من زاوية تؤمن قدراً من الوضوح والتحديد. وقد اخترت أن أدخل على مفهوم الطائفة من خلال فؤاد إسحاق خوري، وذلك لما يتوفر عليه هذا الباحث من معالجة جديدة ودقيقة وحصيفة في قراءة الواقع الميداني.
من جانب آخر يبدو أن الحديث عن الطائفية قد صار بديلاً عن الحديث عن الطائفة، مع أنها مشتقة منها، فلا يمكننا أن نفهم هذا المشتق إذا لم نفهم المشتق منه، أي لا يمكننا أن نفهم الطائفية إذا لم نفهم مفهوم الطائفة. من هنا تأتي أهمية الدخول أو الرجوع، الدخول على موضوع الطائفية من خلال الطائفة، أو الرجوع إلى مفهوم الطائفة لفهم الطائفية.
الطائفة نظام اجتماعي وديني ودنيوي مركب، وما يفعله إسحاق خوري يتمثل في أنه يقدم مادة علمية لفهم هذا التنظيم المركب، وكيف يشتغل في المجتمع. وإذا كان الخطاب الاجتماعي والسياسي والديني قد جعل من الطائفة كياناً مقدساً لا ينبغي ذكره إلا بعبارات التبجيل والاحترام، فنقول الطائفة الكريمة، ونقول الطائفتين الكريمتين، ونقول مقدسات الطائفة، واحترام الطائفة، وحقوق الطائفة، ومصالح الطائفة، ودفع الضرر عن الطائفة، واستنهاض الطائفة.
تشتغل هذه التعبيرات كمسلمات في خطابنا الاجتماعي والسياسي، وهي توحي بأن كل ما يضاف إلى (طائفة) يصبح محصناً عن النقد. وحدها الطائفية فقط الشيطان الذي يتبرأ منه الجميع، وتبقى الطائفة وحدها التي يتحصَّن بها الجميع ويتذرعون. حتى إنها غدت وفق التعبير الانجليزي ملجأ للنذل. أي ملجأ يلتجئ إليه كل من يقومون بأعمال تخدم مصالحهم الشخصية وجماعتهم الحزبية ومرجعياتهم المسيسة، وهم بهذا اللجوء يسترون أفعالهم الشنيعة وفسادهم الأخلاقي، وكأنهم يخفون فسادهم بها.
الإضافة إلى الطائفة صارت آلية تبرير في تقرير المظنونات وإسكات الاعتراضات وتحويل الآراء إلى بديهيات غير قابلة للنقض.
وإذا كنا سنقبل على مضض مؤقت أن الطائفة أمر مقدَّس، والطائفية أمر مدنَّس، فإننا لن نقبل أن يكون تنظيم الطائفة أمر مقدس. ونعني بالتنظيم هنا الآليات التي تحكم بها الطائفة وتدير من خلالها جماعتها، وتنشئ سلطتها عليهم، وهذا المدخل هو ما أرى من خلاله مفهوم الطائفة، ومنه يأتي اشتقاق الطائفية، وفيه تتقاطع إرادات القوة والهيمنة والمصلحة والانفتاح والانغلاق والرغبة في التسلط والاستئثار.
الطائفية ليست مشتقا لغويا من الطائفة فقط، بل مشتقاً فكرياً منها، من نظام سلطتها الدنيوية، وحكمها وأمرها. فليست الطائفة مجموعة من المعتقدات الدينية البريئة من صراعات التاريخ والحاضر، بل هي تشكيلة من الآليات المركبة في هيئة سلطة تعمل على تثبيت هذه المعتقدات في جماعتها والدفاع عنها والترويج لها وتجسيدها في الواقع، فليس مضمون المعتقدات بريئاً من التورط في هذه الممارسة الدنيوية.
هناك «ما يجري في الحاضر من التاريخ[2]». (ما يجري) من صراعات سياسية وتنظيمات اجتماعية وسياسية للجماعات المتصارعة في التاريخ. قدرة هذه الصراعات وأشكال التنظيم على أن يستمر جريانها في الحاضر في صيغة طوائف كريمة، هو ما يُعطي للطائفة سلطتها في أن تَحكم، ولا تُحاكم.
[1]،[2] فؤاد إسحاق الخوري، إمامة الشهيد وإمامة البطل: التنظيم الديني لدى الطوائف والأقليات في العالم العربي. بيروت: مركز دار الجامعة، ط، .198

 

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=8645