قبض وبسط الأخلاق

الأخلاق تقع ضمن المتغيرات. ليس بمعنى أن الكذب يصبح قيمة إيجابية، بعد أن كان من الثابت أنه قيمة سلبية، وليس بمعنى أن الغش يصبح من أخلاق الكرام بعد أن كان من أخلاق اللئام. الأخلاق متغيرة، بمعنى أن وصف المختلف معك في الدين بالضلال والكفر بعد أن كان قيمة دينية تحدد المهتدي والمؤمن، أصبح استخدام هذه الصفات غير مقبول في المجتمعات المتعددة الأعراق والأديان. والأخلاق المتغيرة، بمعنى أيضاً أن المبدأ الأخلاقي الذي يضع دين الشخص معياراً للقبول به، أصبح غير مقبول أيضاً. أخلاق التمييز والتفرقة وهي أخلاق تتبرأ منها الدولة الحديثة التي هي اليوم الجهة الحامية لأخلاق التعايش والقبول.
ARP_8322 هل نحتاج إلى أن نفهم مبحث الأخلاق بأخلاق جديدة؟ أقول نعم. ودعوني أوضح هذه الفكرة من خلال مؤتمر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية حول «أخلاقنا بين النظرية والسلوك»، الذي أقيم تحت رعاية الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء، في الفترة 3-4 نوفمبر/ شباط 2008 بفندق الدبلومات بالبحرين. من خلال استعراض أسماء المشاركين في هذا المؤتمر، سنلاحظ ثمة قيمة أخلاقية قد تغيرت في مفهوم المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية. وهي قيمة التقارب بين أصحاب المذاهب المختلفة، فقد شارك في هذا المؤتمر الشيخ مرتضى واعظ جوادي، والشيخ عبدالعظيم المهتدي البحراني.
إذاً ثمة تغير في أخلاق القبول بعد أن كانت أخلاق الرفض أو الاستبعاد أو الإقصاء هي التي تحكم المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وهذه الأخلاق ثابتة في مجالس الإسلام في بلدان إسلامية أخرى، لكنها حتماً ستؤول إلى التغيير. مقابل هذه القيمة الأخلاقية المتغيرة ثمة أخلاق أخرى لا تتغير بالنسبة للمجلس الأعلى، فالمجلس مثلاً، لم يشرك حقولا معرفية أخرى على صلة بمبحث الأخلاق، مثلاً أصحاب الاتجاهات الفلسفية، ومعلوم أن مبحث الأخلاق يقع ضمن مباحث الفلسفة الأصيلة.
والفلاسفة المسلمون كمسكويه وابن رشد والفارابي وابن طفيل، كانوا يستندون في مبحث الأخلاق في الفلسفة إلى الفلسفة اليونانية ممثلة في أرسطو خصوصاً وأفلاطون. والفلسفة الحديثة أيضاً لم تخرج الأخلاق من نطاق اهتمامها. بل هي تتحدث اليوم عما يسمى بالأخلاق التطبيقية، وهي الأخلاق الخاصة بالمهن وما يجب فيها من التزامات، كمهنة الطب، والصيدلة، والهندسة. وهناك أيضاً ما يسمى بأخلاق العناية وهي اتجاه فلسفي أخلاقي يركز على العلاقات بين الأفراد عوضاً عن ميولهم، وهي تضع أخلاق المحبة ضمن أهم الأخلاق التي تحدد العلاقة بين الأفراد، حتى إنها صارت تتحدث عما تسميه بعمل المحبة في الناس.
الأخلاق تندرج ضمن ما يسمى بالعقل العملي، وهي تحدد لنا الأفعال التي من الواجب أن نقوم بها والأفعال التي علينا أن نتجنبها، ليس تجاه الخالق فقط، بل تجاه أنفسنا والآخرين والبيئة والمهنة والدولة والجماعات. تجربة الأخلاق تحمل في طياتها تجربة الدولة، والتفكير في الأخلاق هو تفكير في الدولة والمجتمع، والدولة تكتسب صفة «مربية المربين» لأنها تحمل مشروع تربية وأخلاق وأدب [1].
لذلك اعتبر الفيلسوف السيد الطباطبائي الأخلاق من «سنخ المجازات» فهي في نظريته من جنس الاعتباريات، وليست حقائق نظرية قاطعة.
الدين مصدر من مصادر الأخلاق، لكنه ليس المصدر الوحيد، وليس هو المصدر النهائي. كما أن الخلاق المستمدة من الدين ليست واحدة، بل هي تتنوع وتتعدد باختلاف الناس وتغيرهم واتساعهم وضيقهم. واختلاف الجماعات الدينية يجد شيئا من تفسيره في اختلاف مفاهيمهم الأخلاقية ومفاهيمهم للأخلاق. وهذا ما تناولته في نقدي لحملة «ركاز» الأخلاقية[2]. فالأخلاق عند الجماعات الدينية، تكاد تكون محصورة في الموضوعات المتعلقة بالنهي عن الذنوب واقتراف السيئات والأمر بالطاعات وإيتاء ما يوجب الحسنات.
إن النصوص الدينية، غير كافية لوضع نظام قيمي أخلاقي يحكم الفرد الحديث الذي لم يعد مجرد عبد يطيع خالقه، كما فهمه الفقهاء. وغير كافية لوضع نظام أخلاقي يحكم الدولة الحديثة التي لم تعد «ولي أمر» مفترض الطاعة أو «ولي فقيه» واجب الانقياد.
هكذا إذاً، اتسعت أخلاق القبول في مؤتمر الأخلاق، لكنه اتساع لا يشي بتغير أخلاقي كبير، فمازالت دائرة المشاركة محصورة في دائرة الشأن الديني والشأن الإسلامي. ومازال هذا الضيق يحول دون فتح الأخلاق على الفلسفة الحديثة وعلوم الإنسان الحديثة، كما كانت في تراثنا مفتوحة على الفلسفة وبقية العلوم. وهذا ربما ما جعل من الأوراق المقدمة في المؤتمر تأخذ الطابع التقليدي والمحافظ والتكراري.
ستتسع أخلاقنا متى اتسعت رؤيتنا للأخلاق، والأخلاق تنقبض وتنبسط [3] بحسب رؤيتنا ومسبقاتنا وثقافتنا، أو بحسب معرفتنا الدينية التي هي غير الدين بحسب نظرية القبض والبسط عند سروش.

الهوامش
[1] انظر: صحيفة الوقت، «الدولة مربية المربين»، الأربعاء 21 يونيو/ حزيران ,2006 عبر الرابط:
http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=238&hi
[2] انظر: جريدة الوقت، ركاز.. «نيو لوك» أو «نيو أخلاق»، الخميس 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2007 عبر الوصلة: http://www.alwaqt.com/art.php?aid=80624
[3] انظر عبدالكريم سروش، «القبض والبسط النظري للشريعة».

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=9736