سوق جنة صفاء الناصر

دمه المسرطن يجري في روحي.. وروحي تجري في دمه

سوق جنة  صفاء الناصر

New Picture

”قال لي أحد المى: ما الجدوى من آلامي؟ لست شاعرا حتى استثمرها أو أفتخر بها” ليس الشعراء وحدهم الذين يستثمرون آلامهم أو يفتخرون بها، كل من يتألم يمكنه أن يستثمر ألمه في جنة تروي بفخر سيرة مرضه. في هذه الجنة تروي صفاء الناصر بفخر سيرتها مع مرض ابنها ماجد علي إسماعيل بسرطان الدم.

 

أرشيف المرض

* بداية ظهور عوارض المرض في الأسبوع الأخير من أكتوبر/ تشرين الأول 2004

* لم يتمكن من المشي تماما في الأسبوع الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني 2004

* اكتشاف المرض رسمياً وتشخيصه (لوكيمياء) 25 أبريل/ نيسان 2005

* عاود المشي مع عرج في رجله اليمنى في أبريل/ نيسان 2006

* إنهاء العلاج الكيماوي في يونيو/ حزيران 2007

* عودة المرض في أكتوبر/ تشرين الأول2007

* علاج الكيماوي للمرة الثانية من أكتوبر/ تشرين الأول2007 إلى يناير/ كانون الثاني 2008

* المغادرة إلى الأردن في 8 فبراير/ تشرين الثاني 2008

* إجراء عملية زراعة النخاع في 21 سبتمبر/ أيلول 2008

* في 8 فبراير/ تشرين الثاني 2009 يكمل عاما من رحلة العلاج بالخارج.

طاقة الطفولة

طاقة الطفولة، تكمن في الرجلين، لا تهدأ رجل الطفل من الحركة حتى يكون رجلا، الطفل يكبر حين تعقل رجلاه، حين تُضبط حركتهما.

بدأت حكاية ماجد من رجليه، كانت طاقة طفولته قد توقفت عن الحركة يوماً، الحركة المشاكسة التي لا تعرف الهدوء ولا الضبط. كم تسلقت من جدران، وكم 1224articles_imagesاشتكى منها الجيران، وكم قفزت مسافات، وكم أشعلت أماكن الطفولة بشقوتها المبهجة.

فجأة توقفت، ليس لأنه صار رجلا برجلين عاقلتين؛ بل لأن حكاية جديدة في فصل طفولته ستغير مسار حركته من جدران الجيران وملاعب الطفولة إلى جدران الغرف المعقمة والأسرة البيضاء وروائح الكيمياء، كيمياء المرض لا كيمياء المحبة.

صارت رجلاه التي لم تمر بالمستشفى إلا يوم ولادته، محل تأويلات واجتهادات، الجميع راح يؤول طاقتها المفقودة، أحد الأطباء قال هي حالة نفسية سببها غيرته من أخته الصغرى مريم، أراد أن يلفت الانتباه إليه بالعضو الأكثر تميزاً فيه. بعضهم ممن لا يحسن الإصغاء إلى رهافة طاقة الرجل قال إنه كاذب ويجب أن يعاقب في رجليه.

رحنا نبحث عن تأويل يقنع قلوبنا المشدودة لطفولة رجله، ألفنا زيارة المستشفيات الخاصة، ولم تكن مختبراتها قادرة على تفسير لغز طاقة رجله، نتائجهم لا تشير إلى أمر غير اعتيادي، الحالة غريبة والنتائج مألوفة، وضاعف الاستغراب أن رجله كانت قادرة على ركوب الدراجة الهوائية ببراعة، لكنها لا تستطيع المشي.

سرّ الدم

هل هناك سرّ؟ المختبرات تعرف الأسباب، لكنها لا تعرف فك الأسرار، ذهبت إلى مفككي الأسرار، أخذته إلى شيوخ الأسرار، وقد أجمعوا على أنها حالة مس من جان. صار الجن في رؤوسنا، وظل السرّ لا يكشف بل صار يتمادى في اللعب برؤوسنا المجنونة.

توقفت رجلاه، لكنه لم يتوقف، في البيت كان يحبو كطفل في شهره التاسع، وحين تعبت ركبتاه أخذ يزحف، لم يكن يتوقف، فقد ظل متوهجاً بحركة روحه. لم يكترث بالخجل، ولا بالآخرين، كنا نحمله إلى صفه بالمدرسة، ونجلسه كطفل لم تستوِ رجلاه بعد. كان الضعف الذي أصاب رجله، قد عوضه في روحه التي ظلت قوية ولم تعرف الخجل أبداً رغم الحرج الذي كان توقعه فيه رجلاه. وربما هذا ما ساعده في هزيمة المرض في حربه الأولى قبل أن يعود ثانية بضراوة أشد. أراد رؤية بيت لله، فأخذته على كرسي متحرك فكان كالمشلول الذي استطاع أن يصل إلى أعلى قمة في العالم بصموده وصبره. بعد ستة أشهر من المعاناة العمياء التي لم تشكف لنا عن سبب يرينا علة المرض، بدا جسمه يضعف وظلت حرارته مرتفعة مدة شهر كامل. في العلاج الطبيعي، فرض عليه أن يمارس المشي بطريقة قاسية، فأصيب بعدة كسور، وفقدت رجلاه استواءهما، وكانت هذه أول خسائر الحرب، وحتى اليوم لم تعد رجلاه لميزانهما الطبيعي.

بعد يوم من حادثة الكسر أصيب بالسلمونيلا التي تصيب الجسم الضعيف، فتقضي عليه، وأثناء علاجه بالمضادات والتغذية عبر الوريد، اكتشفنا الكارثة الكبرى الكامنة في دمه منذ ستة أشهر، إنه مصاب بلوكيميا الدم، وهي نوع من السرطانات الشائعة.

باشر العلاج الكيماوي وهو على سريره برجليه المكسورتين، فكانت قروح جسده من جهة وقروح دمه من جهة أخرى، الأمر الذي جعل من حالته استثنائية بكل المقاييس.

who is Majed?

أ1226articles_images عشق التدريس بالفطرة، كأني خلقت معلمة، هذا ما أشعر به، وربما هذه الفكرة هي التي استطيع أن أفسر بها جزءا كبيرا من سيرتي واختياراتها المتعبة. الفطرة تجعلك دوما مشدودا إلى صوتك الداخلي الخاص، وفي التدريس تكون مشدودا أكثر إلى هذا الصوت، وبه تصنع شخصيتك الخاصة. أجد في الكتاب المدرسي أداة للذين لا يحسنون التدريس، أولئك الذين فطرتهم غير مفتوحة على موهبة التدريس.

تسألني طالباتي دوما متى نفتح الكتاب؟ أقول لهن الكتاب ليس في الورق، الكتاب ما يعبر بيني وبينكم، في هذه المنطقة أجد متعتي الخاصة، وتجد طالباتي كتابهن الخاص الذي نصنعه معا. ذات يوم أحضرت لهن قصة عنوانها ”ماجد الطفل الشجاع يهزم السرطان” كانت القصة منشورة في إحدى الجرائد المحلية باللغة العربية، كانت دهشتهن تقول: لماذا القصة باللغة العربية؟ والمادة لغة انجليزية ومعلمتنا المفطورة على الخروج عن الكتاب، لا تخرج لغتها عن الإنجليزية في حصتها. ما الذي تضمره لنا من مفاجأة؟ كنَّ مشدودات لقراءة القصة من أجل اكتشاف سرّ هذه المغامرة الجديدة على حصة اللغة الإنجليزية. بمجرد أن بدأن قراءة القصة راح يسيطر عليهن حزن عميق، وصمت رهيب أخذ يحكم أجواء الصف الذي لا يعرف الهدوء، لفرط حيوية طالباتي. كنت أتجلد وأنا أقرأ صمتهم، وخشية تتملكني من أن يثيرهم اسمي الوارد في القصة، كنت لا أريدهم أن يسألن:

Teacher: your name is written. who is Majed?

إنه السؤال الذي فطر قاعة الدرس، حتى فطرتي لم تسعفني لحظتها لمواجهة هذا السؤال، كنت أريدهم أن يترجموا القصة بلغتهم الخاصة، لكنهم بللوها بدموعهم المفطورة على ماجد، صار ماجد موضوعاً لحكاية مفتوحة على مفاجآت لا أعرفها، وأحزاناً أنتظر وجوهها، وشمعة أتوجس أن تفقد شيئا من وهج تألقها، وحرب انتصاراتها أن تقبل الخسائر ولا تنكسر.

لقد أعطتني طالباتي قلوبهن كلها، وقلبي الذي ادخرته فيهن صار قلوباً ناصعة بياضها، صار قلبي قوياً، لكن ليس بالفطرة هذه المرة، بل بالقلوب المفطورة.

كيمياء المرض

كل من عرف ماجد، تلمس كيمياء دمه الموزون وفق مقاسات الفرح والبهجة وحب الحياة، لم يفقد ماجد هذه الكيمياء رغم عنف الخلايا السرطانية التي تلعب بكيمياء دمه بشقاوة لا تشبهها إلا شقاوة مرحه.

في ليلة سفرنا نحو رحلة العلاج الأخيرة ضمن سلسة رحلات سابقة، ليلة 8 فبراير/ تشرين الثاني ,2008 احتفلنا مع مجموعة من الأصدقاء في إحدى مطاعم المنامة، اخترنا مكاناً لا ينـــام طــــوال 24 ساعة، فطاقة المرح التي يختزنها دم ماجد لا تكفيها ليلة كاملة. إنها تفيض على ساعات الصباح.

أخرج أحد الأصدقاء كاميرا الفيديو ليسجل مع ماجد لقطة مرح يحتفظ بها لزمن ربما لا يعود، استطالت اللقطة لتكون ساعة ونصف الساعة، كانت شاشة الكاميرا كلها وجه ماجد، وهو يروي بسخرية لاذعة سيرة دمه والمرض ومن تعاقب عليه من أطباء وممرضات. كان يبتكر صيغه اللغوية الساخرة من أبيه وأمه وجدته وإخوته وكل من حوله. كانت حفلة مبهجة لم يوقفنا فيها ماجد لحظة لاسترداد أنفاسنا الذاهبة معه في رحلته الطويلة.

من يتوفر دمه على كيمياء هذا المرح، كيف تتجرأ خلايا تدمير بهجة الحياة من الاقتراب منه؟ سألت ماجد ذلك، فنظر إلى كتاب كان يقرأ فيه أبيه منذ أسابيع، كان الكتاب رواية (جاك المؤمن بالقدر) لديدرو. حفظنا جميعاً عنوان هذه الرواية؛ لفرط ما كان ماجد يردده بسخرية لاذعة من جاك ومن أبيه ومن مرضه. كان ماجد مؤمن بالفرح الذي هو قدره الوحيد، وما عداه عرض زائل، وقد مكنته كيمياء هذا الإيمان من مواجهة أشدّ لحظات آلام العلاج الكيماوي الذي أخذ كل شيء في جسده، لكنه لم يتمكن من أخذ مرحه. لقد لعبت أدوية بنسب كيميائية مختلفة بدمه، لكنها لم تتمكن من اللعب بنسبة كيمياء مرحه، حتى صار يسخر من أدويته:

6 septrinprednisolon=

,prograf,syclosporin,tidilor,chemo theraphy"flag",mycosat,t=

,morfen,hexetidine,ezilax,)

كلها أسلحة كيماوية فتّاكة، مرة تفتك بلونه ومرة بوزنه ومرة بشعره ومرة بصلابة عظامه ومرة بشكله، ومرة بعينه اليمنى، لعبت بخلقته حتى لم يعد له شكل ثابت، ومع كل ذلك بقيت عاجزة عن أن تفتك بروحه العصية على الهزيمة.

مـــــــريم

”أعرف أنكم تواجهون صعوبات مع مريم، تتعلق بعنادها وسلوكها العنيف أحياناً، وعدم استجابتها لm24 توجيهاتكم، أرجو أن تتفهموا أنها تعاني من مشكلة في الاتصال العاطفي مع الآخرين، لم أستطع أن امنحها من أمومتي ما يشبع طفولتها، والسبب في ذلك أن أخاها الذي يكبرها بخمس سنوات يعاني من مرض لوكيمياء الدم منذ ولادتها، لقد أخذ كل شيء فينا، وأنا روضت مريم قبل مغادرتي إلى رحلة العلاج بالخارج التي تدخل اليوم شهرها الثالث عشر من دون استراحات توقف. جاءت مريم في 2003 وجاء مرض ماجد وهي للتو بدأت تدخل عامها الثاني.

فأخذني ماجد في رحلة مرضه، ومازالنا في أعماق هذه الرحلة منذ الأسبوع الأخير من أكتوبر/ تشرين الأول .2004

اعتادت في سنوات حضانتها مع أمي أن ترفع يدها بعد كل صلاة وتدعو لماجد بالسلامة. كانت تتحدث إلى السماء، لكنها لم تتمكن من أن تتحدث إليّ. الأمومة لغة حوار، وحين فقدتها مريم، أخذت تبتكر لها حيلاً تعويضية، ظلت تتحدث مع نفسها كثيرا، كما لاحظها الكثيرون، تتخيل شخصيات تحاورها، لست أدري ماذا تفعل في هذا العالم المتخيل، لكنها حتما كانت تخاطبني وتبحث عني وتوبخني، وتعوض عن فقدي.

أستحضر دوماً قصة الأولاد الثلاثة الذين أزعجوا أحد ركاب القطار لفرط حركتهم، فاضطر إلى أن يوجه كلامه إلى الأب الذي كان لائذا بصمته وحزنه: ألا يسكت أحد هؤلاء الأولاد. فقال له الأب: ماذا تريدني أن أٌقول لأولاد للتو عادوا من دفن أمهم؟!! ماذا أقول أنا إلى صبية فقدت أمها حية، لم تعد لها أمها بعد، أشعر كأن مريم تناديني دوما بحركاتها وأصواتها وعنادها وتصلبها، كأنها تحتج على أمومتها المفقودة، كأنها تلفت من حولها إلى أن من يفقد حنان الأمومة يفقد السكينة. هي لم تفقد أمومتي فقط، بل فقدت أمومة الوطن وأمومة اللغة وأمومة صديقاتها، فقد اضطرت إلى أن تغادر الوطن وروضتها وصديقاتها ولهجتها المحلية، لتلتحق بنا في رحلة العلاج، حيث ماجد في المركز وهي في هامشه تتحرك بلغة الاحتجاج التي لم تتقن أكثر منها لغة. صار احتجاجها يحمل تهماً وإدانات قاسية، كانت تقول لي: أنت حرمتني من ربعي، أنت لا تحبيني، أنت لا تريديني أن ألعب. كأنها كانت تقول لي أنت لست أمي. أرادت الرجوع إلى البحرين، ولم نستطع أن نقنعها أن تبقى في روضتها الجديدة إلا بعد أن تمكنت من أن تألف لهجتها غير المألوفة على طفولتها.

المرض تجربة في التوغل

”المرض منفذ لا إرادي إلى ذواتنا، يجبرنا على التوغل في العمق” المرض تجربة بقدر ما يتيح لنا التوغل في أعماق ذواتنا، مرض ماجد، كان تجربة حقيقية لذاتي وذاته، أو لأقل ذاتنا؛ لأننا فعلا لم نعد في هذه التجربة نعرف حدود ذواتنا، أين تنتهي حدود ماجد فيّ؟ وأين تنتهي حدودي في ماجد؟ على المستوى الفيزيولوجي كنا نعرف حدود أجسادنا، لكنا لم نكن نعرف حدود الألم، كان دمه المسرطن يجري في روحي، وكانت روحي تجري في دمه. كنا معاً في التجربة، وحتما نحن معا في عمق التوغل الذي ما زال المرض يجبرنا عليه.

صارت طاقة رجل ماجد في قلبي، المرض أخذ العضو الفيزيولوجي، لكنه وهبني الطاقة، أحسست في أعماق قلبي بشجاعة لم أعرفها من قبل.

1227articles_images كان ظلام الغرفة يخيفني، فصار ظلام الغربة يحرضني على المواجهة والتحدي. كان النوم وحدي في غرفة يثير أشباح الخوف، فأبحث عن بصيص ضوء يطمئني قلبي الوجل من تحرك الأشياء في الظلام، صرت الآن أضيء الظلام بقلبي، فيتبدد الخوف وأحرك الأشياء في مخيلتي بحرية المطمئن. تجربة التحدي دفعتني إلى مواجهة معوقات الغربة حتى صرت مركزا يلجأ إليه أهالي المرضى الذين يدخلون على وجوههم تجربة مرض السرطان وينسون قلوبهم، ينسون أن القلب مركز الشجاعة.

الشجاعة اختبرتها في صناعة القرار وسرعة الحسم وتحمل نتائجه، كانت أعماقي مرجعيتي التي أضاءها المرض، دافعت عن قرارات وقف ضدها الجميع، الأهل ومن يوهمونا أنهم وحدهم القادرين على التحكم في مصيرنا، والخائفون من هؤلاء. مرة حملت رسالة احتجاج وضعتني في مواجهة إدارة المستشفى الوحيد في معالجة السرطان، المستشفى الذي لا بديل له لمعالجة ماجد، تركت قلبي يدير الأمر، فكانت النتيجة، معاملة طبية غير، وخدمات صحية غير، ووضع نفسي جديد لجميع العائلات المغتربة بأمراضها.

أحد المسؤولين قالي لي إذا كنت واثقة من كفاءة العلاج من الناحية الفنية، فلم هذه الاحتجاجات على أساليب التعامل والخدمات المساندة.

قلت له أنت لا تعرف معنى أن المرض تجربة فريدة محلها أعماق النفس، والدم ليس مجموعة كريات بقدر ما هو مجموعة خليات تسكن فيها أرواح نفوسنا، وأنا سأدافع عن كريات ماجد وعن روح خلاياه حتى آخر نقطة في عمقها.

أن لا ننقص واحداً

15 فبراير هو اليوم العالمي لسرطان الأطفال، كان هناك ملصق إعلاني مكتوب عليه (سرطان الأطفال يخسر كثيرا في حربه معنا) وأسفله مسابقة تطلب من الأطفال أن يحكوا قصة سعيدة، طلm23 بت من ماجد أن يحكي لي قصة سعيدة احتفالا بهذا اليوم، قال لي: أن تجتمع العائلة. تلك هي القصة. كيف تجتمع عائلة يوزعها سرطان ماجد في أمكنة متباعدة، عائلتي تسكن في البحرين، في منطقة جدحفص التي تبعد عن قلب مدينة المنامة بمسافة بسيطة، يأخذني السرطان وجزءا من عائلتي إلى الأردن، إلى مركز الحسين للسرطان، أنا وأمي هنا منذ 8 فبراير/ تشرين الثاني ,2008 أبي الأستاذ بجامعة البحرين يدير ما تبقى من العائلة في البحرين، ويدير معها قلبه الذي ما زال على سفر بين جغرافيات العائلة المتباعدة، لا يكاد يستقرّ في مكان، كأنه ربان فقد بحر سفينته، وأخي الأكبر محمد في ماليزيا، ذهب منذ عام حاملا حلم أبي وأمي كي يكمل دراسته الجامعية، فيما نحن ذهبنا منذ عام إلى هنا، كي نحلم بسعادة الانتصار على مرض السرطان. نحن في ثلاث جهات من الأرض، أن نلتقي في جهة واحدة، فتلك قصة السعادة بالنسبة لي، وهي تستحق أن تروى وأن أتذكرها باستمرار. في أغسطس/ آب 2008 التقت الجهات الثلاث في جهة العقبة بالأردن، كأن ماء البحر قد جمعنا، وصار يغسل أجسادنا بفرح، التقينا هناك، فكانت السعادة أن لا ننقص واحداً، أمي وأبي ومحمد وميثم ومريم وأنا. صارت السعادة بالنسبة إلى ماجد في بحر العائلة كاملة.

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=153425