حوار محمد الجاسم2

محمد عبدالقادر الجاسم: «2-3»

أن تكون مستقلاً يعني أن تكون غامـضاً وصـاحب أجندة مخفية

 

يرى أن الدستور هو تقنين لواقع المجتمع، لذلك لابد أن نرجع إلى أصل الدولة وأصل العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية قبل وضع نصوصه. ويجد أن هناك صراعاً دائماً بين مشروع الدولة الديمقراطية في الكويت وبين مشروع الحكم القائم على توارث الإمارة. وأن تعاظم IMG_5661القوة الدينية في الكويت يعود إلى استقواء الحكومة بها وبالقبيلة لضرب حركات التحرر الليبرالي التي نشطت في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. وأن أثمان هذا الاستقواء باتت باهظة لتيار يطلب ويطلب ولا يعطي. المحامي محمد عبدالقادر الجاسم، رئيس تحرير صحيفة «الوطن» الكويتية سابقاً، ومقدم برنامج «مجلس» في قناة «الحرة» سابقاً أيضاً، ومسؤول موقع «جسر المعرفة» حالياً، وهو مشروع ثقافي متخصص في القانون، حيث يحتوي على ترجمة مجانية لمجموعة من قرارات هيئات قضائية فرنسية هي المجلس الدستوري ومجلس شورى الدولة ومحكمة النقض، إضافة إلى بعض قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

الحوار مع خلفيات الجاسم السياسية والقانونية، فتح إشكالات متعمقة بشأن ما سبق، وبشأن جوانب أخرى يبدو بعضها شديد التقارب مع الأوضاع السياسية الخليجية الأخرى، ويبدو بعضها الآخر أكثر تمايزاً..

* لماذا ارتدت الدولة على القبيلة في انتخابات مايو/ أيار 2008؟

– من الصعب تقديم سبب أكيد، لكن عن طريق التحليل يوجد احتمالان، هناك من كان يسعى إلى نقل الكويت إلى مشهد سياسي آخر، بمعنى خلق مواجهة بين الطائفة الشيعية والحكومة، فلما ظهر موضوع تأبين عماد مغنية، كان رد فعل الحكومة عنيفاً جداً، إلقاء قبض وإحالة للمحاكم. تأبين عماد مغنية يخرج عن الملاءمات السياسية في دولة مثل الكويت، لكنه لا يخالف القانون. لم يكن تأبين مغنية جريمة. هو أمر خاص بمن قاموا بعمل التأبين. من باب الملاءمة السياسية هو يلائمهم أو لا يلائمهم. قد يكون فيه جرح لشعور المجتمع، لكن هذا يرجع في تقديره لأصحاب الشأن. مع ذلك نجد أن الدولة أو الحكومة استنفرت في مواجهة تيار التأبين وافتعلت قضية نتج عنها تحفز طائفي، رغم أن الطائفية في الكويت في حالة خمول دائم. كان لهذا قدرته على عزل القبائل؛ لأنها وبحكم أسباب عدة، لن تتحرك هي والتيار السني لمناصرة الطائفة الشيعية.

بعد أن فرضت الحكومة أجندتها في مسألة التأبين، تفرغت للقبائل، فخلقت أزمة مع القبائل، فكان من الطبيعي ألا ينتصر الشيعي للقبيلة، ولا ينتصر من نسميهم «السنة الحضر» إلى القبيلة، فتم الاستفراد بالطائفة الشيعية ثم الاستفراد بالقبيلة، ثم صدر مرسوم أثناء الانتخابات، يحظر التجمعات ويتيح لرجال الشرطة الدخول إلى الديوانيات. والديوانيات في الكويت وحدة نسق سياسي. في أحد التجمعات السياسية (ندوة نسائية للانتخابات)، فوجئت بدخول رجال الأمن إلى داخل الندوة وهذا أمر خطير.

إذاً، كان هناك مخطط لخلق حالة من الفوضى في الكويت تؤدي إلى وقف الانتخابات، ثم صدور أوامر أميرية أو غيرها بتعليق الحياة في البرلمان، رد الفعل الشعبي إزاء كل هذه الحركة كانت واضحة وحاسمة، لذلك تم التراجع عن المشروع وتم الإفراج مباشرة عمن سجن في قضية التأبين، وتم وقف مداهمات القبائل ولم يوقع الأمير المرسوم المتعلق بالمداهمات. تفسيري الخاص أن ما حصل كان مخططاً للانقلاب على الدستور، وأنا غير مقتنع بأن الأمر مجرد تخبط في معالجة الأمور كما تدعي الحكومة.

* هل يرجع غياب روح الدستور التي هي روح المجتمع الكويتي القديم، إلى اختلاف العلاقة الاقتصادية وموازين قوتها بين الحكم والشعب؟

– هو استقلال الحكومة بمصادر الدخل. هذا الاستقلال حصل بعد تولي مبارك الصباح الحكم وليس بعد السالم. لما تمكنت الأسرة من الحصول على عوائد النخيل في البصرة، هذه العوائد منحتهم استقلالية عن التجار، وبالتالي تمكن مبارك الصباح من حكم الكويت بشكل مطلق. زادت الضرائب وتحدى التجار، ما أدى إلى هجرة ثلاثة من أشهر تجار اللؤلؤ من الكويت انتقلوا إلى البحرين. هو الاستقلال وليس الاقتصاد الريعي الذي يمثل أول انفصال لمشروع الدولة عن مشروع الحكم. الاقتصاد الريعي، ورعاية الدولة للمواطن من المهد للحد، تخلق اتكالية وحالة سلبية لدى المواطن، بحيث يفقد الاهتمام بمصيره ومستقبله. الشعب الكويتي كثير التذمر، ولكن غير مستعد لإحداث تغيير؛ لأن أموره المعيشية مضمونة ومصانة في نهاية المطاف، وبالتالي لا توجد مبررات لتشكيل لوبي أو للضغط السياسي أو الانضمام للجماعات السياسية للتحرر. الاقتصاد الريعي أثر على همّة المواطن أكثر ما أثر على العلاقة بمن يستخدم العوائد النفطية، هل الحكم هو الذي يستخدم العوائد النفطية، أم مجلس الأمة أم الكتل السياسية؟

الكتل السياسية هي التي تقرر منح المرأة حق التقاعد بعد مرور 15 عاماً بمنح راتب كامل، الكتل السياسية هي التي تدفع باتجاه إسقاط القروض عن المواطن، وهي التي تدفع باتجاه زيادة الرواتب، وهي التي تحاول أن تستغل الثروة في سبيل موازنة المواطنين، بينما تقف الحكومة دائماً ضد هذا النوع من استخدام هذا النوع من الجوانب المالية.

* ما علاقة الاقتصاد الريعي بالفساد؟

– الفساد أمر طبيعي بمعدلات ترتفع وتنخفض. مررنا بأوضاع استثنائية في الكويت فترة الصراع على الحكم قبل تولي الشيخ صباح مقاليد الحكم. هذا الصراع السياسي أوجد بيئة مواتية لخلق الحلفاء، ومن يتحالف مع الشيوخ لابد أن يكون له نصيب، وبالتالي تعددت وتعددت مراكز الفساد، وتم غض النظر عن أوجه كبيرة من مناطق الفساد بسبب الصراع على الحكم.

الآن على المستوى الآخر، الشخصية الممثلة في البرلمان هي نقابة انتقائية كويتية، وتفقد الصدقية، لدرجة أن السؤال الاستجوابي في مجلس الأمة له ثمن، والجواب له ثمن. هناك معلومات متداولة عن دور بعض أعضاء مجلس الأمة في موضوع السلاح والعمولات التي يتقاضونها. فالبرلمان نفسه صار أحد مستنقعات الفساد في الكويت لا الحكومة وحدها. الجنسية الكويتية كما يردد بعض أعضاء مجلس الأمة أنها تباع بـ 70 ألف دينار من خلال بعض النواب. من يراقب من؟ لا توجد رقابة على أعضاء مجلس الأمة مع الأسف. ممارستهم العمل التجاري فاقت الحدود، حتى أصبحت العضوية في مجلس الأمة وسيلة للاقتراض. لاحظنا في الانتخابات الأخيرة ارتفاعاً هائلاً لكلفة الحملة الانتخابية، وعليك أن تتخيل من يصرف مليوناً أو مليونين أو ثلاثة ملايين أو خمسة ملايين دينار من أجل الوصول إلى عضوية البرلمان. من الذي يملك 4 أو 5 أو 10 ملايين يصرفها في الانتخابات؟ ماذا يريد في المقابل؟ هل هي مجرد خدمة للوطن؟

* دعوت إلى إحياء تراث عبدالله السالم، صباح السالم، وجابر الأحمد، بوصفهم الآباء النموذجيين لتحقيق مبدأ انفصال مشروع الحكم عن مشروع الدولة. ما الذي يعوق تحقيق هذا الانفصال اليوم؟

– الحكم في عهد الثلاثة كان محايدا. اليوم أصبح الحكم طرفاً في كل الصراعات السياسية في البلد. هذه هي الإشكالية. الدور الدستوري للحاكم هو حكم الدستور نفسه، هذا ما نريد عودته. لا نريد أن نلمس الحكم في العمل اليومي. رغم إخفاقات عهد الشيخ صباح السالم رحمه الله والشيخ جابر الأحمد وحتى الشيخ سعد العبدالله، إلا أن لهؤلاء الثلاثة شعبية كبيرة. هذه الشعبية لم تتحقق إلا نتيجة لوجود علاقة اجتماعية خاصة بعيداً عن المسار السياسي. اليوم هذه الشعبية غير متوافرة بسبب أن النظام لم يعد محايدا.

* لكنك حمّلت صباح السالم وجابر الأحمد جزءا من مسؤولية عدم انفصال مشروع الحكم عن مشروع الدولة؟

– نعم في مقال لي بعد وفاة الشيخ جابر الأحمد، أشرت إلى الإخفاقات في عهده. بل هناك مسؤولية أكبر إذا أردنا أن نحاكم التاريخ، فالصراع داخل الأسرة الحاكمة وترهل الدولة بدأ في عهد الشيخ جابر الأحمد. الفترة من 2003 إلى 2006 كانت الأسوأ في تاريخ الكويت. هي فترة المؤامرات والدسائس والصراع على الحكم..

* هل حدث تحول في موقف محمد الجاسم، موقف المعارض أو الموالي أو المحايد، خصوصا لو وضعنا في الاعتبار مرحلة عملك في رئاسة تحرير الوطن ومرحلة ما بعد الوطن؟

– من الخطأ توصيف الأمر في إطار المعارضة والموالاة. لنقل إن العقلية العربية بشكل عام لا تعرف الاستقلالية. لكن في الميدان السياسي دائما أنت مع أو ضد. وعندما تستقل فأنت غامض ولك أجندة مخفية. أنت تبدو مستقلاً لكنك في الحقيقة متواطئ مع أو متواطئ ضد. بالنسبة لي منذ بداية اهتمامي بالشأن السياسي أيام الجامعة، منذ كان عمري 17 سنة، رفضت الانضمام إلى أي جماعة سياسية في الجامعة. حتى أني شكلت قائمة مستقلة لخوض الانتخابات الجامعية. بطبيعتي الشخصية صعب أن أعمل تحت سيطرة جماعة. الآن استقلاليتي تعطيني المجال لانتقاد الحكم والمعارضة في الكويت والدول العربية. أن تنتقد الطرفين فأنت متقلب. لا يوجد استيعاب كونك مستقلاً وأنك تنتقد الخطأ كما تراه في صف المعارضة أو السلطة أو الحكم.

في كتابي ”المثلثة الديمقراطية”، والذي أعتقد أنه قدمني للجمهور بشكل مناسب العام .92 منحني الكتاب وصف المعارض لكني لم أسع لأكون معارضا أبداً. أنا أسعى لإبداء رأيي. لو رجعت إلى هذا الكتاب وقلبت صفحاته الأولى ستلقى أنني أتكلم عن حقي في إبداء رأيي. هذا ما أؤمن به الآن. تجبرك الظروف على ملائمات معينة. فلما عملت في جريدة الوطن لم يكن ذلك الوقت متاحا أمامي انتقاد الحكم، ليس بسبب عملي في الوطن تحديدا، وإنما لأنه لم تكن هناك أي صحيفة كويتية تجرؤ على انتقاد الحكم. مقابل ذلك أنا انتقدت وبشدة وبجرأة غير مسبوقة ما يمكن تسميتهم أو وصفهم برموز وطنية. أنا لا أقدس الأشخاص. انتقدت أحمد الخطيب والدكتور أحمد السعدون وعبدالله النيباري وأحمد الربعي، كما انتقدت غيرهم.

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=153598