ما الذي لا نحترمه في السلطة القضائية؟

هذا السؤال، استوحيته من ظلال متابعتي لقضية الزميلة لميس ضيف، فالقضايا متى ارتبطت بأحداث تجري في الميدان العام المشترك، تطرح معها أسئلة هي أبعد من الأطراف المشاركة في صنع الحدث. والأبعد في سؤالي يحاول أن يفهم العبارة الشديدة التداول وهي عبارة ‘’نحن نحترم القضاء، ونثق فيه’’.
ما الذي نحترمه في القضاء وفي السلطة القضائية؟ هل هذه العبارة تعني فعلاً ما تقوله؟ أي هل هناك احترام يحمل درجة من القناعة الداخلية بالسلطة القضائية؟ أم هناك مراوغات خطابية؟ بمعنى هل نحن نقول هذه العبارة، لأننا نخشى من سلطة القضاء والقضاة، ونخاف أن نتورط في التفوه بجمل قد تعتبرها هذه السلطة مساساَ بها؟ أم نحن نقول هذه العبارة لأننا نثق بقضائنا وبنزاهته؟
يبدو في سياقنا، أن الأمر لا يمليه الاحترام، بقدر ما تمليه لا سلطة القضاء وهيبته بل تسلطه ونفوذه. هل علينا مثلاً أن نحترم سلطة القضاء الذي أصبح طرفاً وخصماً في قضية الزميلة لميس ضيف؟ وننتظر بفعل هذا الاحترام وما يستلزمه، رأي القضاء في قضية هو طرف فيها. لا أملك جواباً على ذلك أكثر من أسئلة أحركها من أجل فهم ما نحترمه في السلطة القضائية.
ولكي أفهم ما الذي أحترمه في السلطة القضائية، ربما من المفيد أن أفهم ما الذي لا أحترمه في السلطة القضائية.
لقد فصّل منتسكيو السلطة الكلية في الدولة إلى ثلاث سلطات. السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية، وهو بهذا الفصل قسّم الاحترام من أن يكون في رجل واحد يملك كل السلطات، صار الاحترام موزعاً على ثلاث جهات لها شخصياتها الاعتبارية. وقد خص منتسكيو شخصية القضاء باحترامها الخاص. والذي يهدد هذا الاحترام ليس الصحافة، بل السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، متى أخلتا بشيء من استقلال السلطة القضائية تحت أي ذريعة من الذرائع. خصوصا ذريعة التعاون.
يقول منتسكيو مؤلف كتاب روح الشرائع ‘’إن الحرية تنعدم ان لم تكن سلطة القضاء منفصلة عن سلطة التشريع، لأن حرية أبناء الوطن وحياتهم تصبحان تحت رحمتها ما دام القاضي هو المشرع، أما إذا كانت السلطة القضائية متحدة مع السلطة التنفيذية فإن القاضي يكون طاغياً’’
أعود إلى سؤالي المقلق، ما الذي لا نحترمه في السلطة القضائية؟
لا نحترم فيها أن تكون أداة من أدوات إعدام الحرية أو المسّ بها. لا نحترم فيها الفساد الذي يخطف منها شخصيتها الاعتبارية المستقلة. لا نحترم فيها أن تكون طرفاً يُحرِّك مؤسسات المجتمع المدني لإصدار بيانات تنتصر لها. لا نحترم فيها أن ترهن شخصيتها الاعتبارية بشخصيات غير اعتبارية تسيء إلى نزاهتها. لا نحترم فيها أن يتخطفها الخوف من صحافة تنبهها إلى ما يعتور في أطرافها من فساد ينبغي لها التخلص منه. لا نحترم فيها أن تكون نافذة فيما هو أقل منها، من أجل أن تستر عورات فتقرن وجودها الاعتباري المجرد بوجود هذه العورات المصلحي. لا نحترم فيها كل ما لا يجعلها منفصلة ومتمايزة عن أطراف التنفيذ والتشريع والنزاع. لا نحترم فيها أن تكون أداة تسلط.
متى صار ما لا نحترمه أكثر مما نحترمه، فإن الأمر يصبح بحاجة إلى مراجعة ومساءلة وإصلاح، وإصلاح القضاء مطلب تفرضه الشخصية الاعتبارية للقضاء، فالحفاظ على هذه الشخصية يحفظ للقضاء هيبته واحترامه، ويحقق للدولة استقرارها، وللدستور معناه الفعلي في حياة الناس.
أما بعد، فسنترك للقضاء أن يقول كلمته الأخيرة، ونحن نثق في القضاء وفي نزاهته وعدالته ورجاله، ونحترمه، ولا نشك في استقلال السلطة القضائية، وفي تمكنها من إقرار العدالة وتخليصنا من عار الظلم الكبير.

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=9954