وهم الخديعة الكبرى

هناك صناعة مبدعة للأوهام، وهناك عقول جبارة تنتجها وتروجها وتدير عبرها الواقع. وحياتنا بدون هذه الأوهام تكاد تكون مستحيلة، فنحن لا يمكن أن نتخيل حياتنا من دون أوهام شركات الدعاية والإعلام، وبدون أوهام الدعاة التي تضمن لنا الجنات الخالدة وتمحنا الامتيازات المتفردة، ولا حتى بدون أوهام رجال السياسة التي تجعلنا مسؤولين عن العالم وعن تغييره وحتى لو كانت النتيجة تدميرنا. لكني لا أتكلم عن صناعة الأوهام وترويجها، بل أتكلم عن الأوهام التي تنتج عن بعض الأمراض النفسية التي يصاب بها بعض الناس، والأوهام التي يحملها صاحبها نتيجة الشطط والمبالغة في التقدير والتفكير "ثمة أوهام تنتج عن بعض الأمراض النفسية يصاب بها بعض الناس، وثمة أوهام يحملها صاحبها نتيجة الشطط والمبالغة في التقدير والتفكير"[1]

(الخديعة الكبرى) نتاج هذا النوع من الأوهام، أوهام الشطط والمبالغة في التقدير والتفكير، والوهم الأكبر أنها تعتقد أن القضية منطقيا الآن يجب أن يكون موضوعها التحقيق في دعاوي كتابها عبر لجنة يمثلها الملك والشيخ أحمد عطية الله حافظ أسرار الملك ومستودع أمانته.

هي تدعوك لتحقق في أوهامها، لا أن تحقق في مرضها، وأنا هنا لا أقصد المرض النفسي بمعناه الطبي لأني لست طبيبا، لكني أقصد المرض النفسي بمعناه الفكري، هي تدعونا للتحقيق في أوهامها باعتبارها أطروحات فكرية معقولة ومتماسكة، وإذا لم نستجب لذلك، فوهمها يصفنا بأننا نتعمد حرف الموضوع والابتعاد عن القضية الرئيسة والمهمة. هي تريد أن تقرر أين تضع الجميع وفق خارطة وهم خديعتها الكبرى.

مصدر الوهم يمكن التحقق منه ودراسته فهو يشكل موضوعا للطب النفسي ولعلم الاجتماع وكذلك لعلم تحليل الخطاب. فالوهم مادامت تنتجه ذات وتصدقه فهو مرض يختص به الطبيب النفسي، ومادام هذا الوهم يتعلق بمعتقدات جماعية ويصدر عن تصورات جماعية فلعلم الاجتماع أن يهتم فيه بوصفه ظاهرة اجتماعية، ومادام هذا الوهم مصاغ في خطاب مكتوب فلعلم تحليل الخطاب أن يدرسه ويحلل تركيبته الخطابية.

الوهم بالنسبة لهذه العلوم موضوعا للدراسة من أجل فهم الإنسان والمجتمع والجماعات الخلاصية وأمراضها. من هنا فخطاب الخديعة الكبرى يصلح أن يكون موضوعا لهذه العلوم، ولا يصح أن تتعامل هذه العلوم معه كأطروحة فكرية متماسكة وجديرة بالنقاش والرد، من هنا فدعوة الكاتبة لا تصح علميا.

كيف يمكن أن نحقق في دعاوي لا يحتملها منطق مجريات الأحداث السياسية اليومية، من مثل "حركة حق الأكثر تورطا في التعاون المباشر مع المخابرات الامريكية عبر وسطاء منهم (البندر وآخرين) وحسن مشيمع وعبد الجليل  السنكيس معروفان بتنسيقهما مع الهيئات الامريكية وسفرهم المتواصل للغرب… الحركة الشيرازييه بقيادة الشيخ محفوظ والسيد جعفر العلوي لها دور في هذا المخطط الإنقلابي وهو يتناسق مع أهداف المخابرات الامريكية التي تستهداف الجمهورية الاسلامية مع ولاية الفقيه"[2]

وفي مقابل هذا التواطئ، يبرز الشيخ أحمد عطية الله ضحية عليها أن تدلي بشهادتها لتأكيد حقيقة تواطئ هذه الشخصيات مع المخطط الأمريكي "الشيخ أحمد بن عطية الله آل خليفة هو المؤهل لتمثيل الملك في لجنة التحقيق لكشف المخطط، لقد جاء تقرير البندر لدق اسفين بين الشعب وهذه الشخصية" (انظر الكتاب، ص493)

لن أحتاج إلى صياغة حجج منطقية للتدليل على أن صاحبة (الخديعة الكبرى) تصدر عن وهم، وهم مصاغ في خطاب ميلودرامي، المركز فيه هو ذات الواهمة أو المتوهمة المتورمة بالشطط، يأتي هذا الشطط في تشكيلة خطابية مكونة من الأحكام والتنبؤات والاتهامات والقذوفات والتخوينات والفضائحيات التي لم تستثن جهة ولا شخصية سوى المجلس العلمائي وجلالة الملك والشيخ أحمد عطية الله، كل ذلك من أجل أن تنسج مؤامرة كبرى تزعم أنها تستهدفها وتستهدف من خلال اختراقها البحرين. بل إن الأحداث العالمية لا يمكن تفسيرها إلا من خلال تحركاتها التي لا مكان فيها للصدفة "هل من عجائب الصدف التي لا تعترف بها المخابرات الامريكية أن الكاتبة (نرجس طريف) كانت قبل يوم واحد فقط من حادثة تدمير البرجين في الولايات المتحدة الامريكية في رحلة قصيرة لإعادة إبنتها إلى البحرين"[3]

        جميع الشخصيات الواردة في الكتاب تقوم بأفعال غالباً مركزها ذات الكاتبة، وهي لن تتردد في استخدام أي شخصية استخداماً غير أخلاقي من أجل أن تحبكها ضمن سياق المؤامرة التي تستهدف اختراق جدار الكاتبة المحصن بالذكاء والوعي واليقظة والقدرة على الكشف وقلب قواعد اللعبة، لقد قادها هذا الذكاء لاكتشاف موظفين مندسين يعملون في مؤسستها "اكتشفت الكاتبة أكثر من خمسة عملاء تولوا مراقبة ورصد تحركاتها على مدى ثمانية سنوات منذ خروجها من السفارة"[4]

إن خطاب الوهم، لا يعرف حداً عقلانياً يوقف به جموحه المخترق للمكن وللمستحيل، هكذا يضرب يمينا وشمالا فـ"منصور الجمري وجريدة الوسط ضالعة في إنجاح المخطط الامريكي الانقلابي وهو يدعم السفارة إعلاميا من أجل انجاح هذا المخطط … جمعية الحور النسائية التي تديرها زوجة أحد القضاة (الشيخ حميد المبارك) احدى الواجهات السفارية غير المعلنة … زهراء مرادي احد اتباع السفارة السريين المنتسين في الوفاق"[5]

في مقالة سابقة تساءلت: هل لدى سياسينا خيال؟ وكنت أدافع عن أهمية الخيال وقدرته على أن يمكننا من فهم الواقع وكيف أنه يسمح لنا بأن نحلم بتغيير الواقع لا تغييبه. ما يغييب الواقع هو الوهم لا الحلم، فـ "الوهم حلم كاذب ، حب تكشَّف عن خيانة ،ومن يحمل الوهم لا يعرف أنه وهم ، بل يعتبره حلماً وطموحاً وسعياً مشروعاً، وبعد ذلك يأتي الانكشاف والتثبت. بين الحلم والوهم خيط رفيع ، ثمة أرجوحة تنقل الحلم الى مكان الوهم، والوهم الى مكان الحلم"[6]

الأكيد أن الخديعة الكبرى، أخذته الأرجوحة إلى مكان الوهم، هناك يسقط العقل وحين يسقط العقل، لا يعود ثمة واقع، لقد أسقط الوهم الكاتبة في خديعته الكبرى، فراحت تطلق عقلها وتطلق معه أوهامها، ووفق هذه الأوهام راحت تتخيل الحكومة الجديدة " وزيرة الاعلام في الحكومة الجديدة التي ستتولى حكم البحرين بعد تنفيذ المخطط الإنقلابي المدعوم امريكيا وصهيونيا هي باسمة القصاب التي تمثل الخلاص الامريكي  فهي لديها مؤهلات شخصية وتدريبها المهني لهذا الدور اخذ يتصاعد تدريجيا في الفترة الآخيرة من خلال بروزها الإعلامي والصحافي الذي دشنته الرواية الامريكية التي سوقتها باسمة، و الدكتورة صفية البحارنة وزيرة للتربية، ود. بتول أسيري وزيرة للمالية والاقتصاد" [6].

كل الحوادث توضع على مقياس سرير هذا الوهم، كما هو الأمر مع سرير بروكست قاطع الطريق في الأسطورة الرومانية، الحادثة التي تقصر عن طول هذ السرير تُمط بقوة الوهم، حتى تأخذ مقاس السرير، والحادثة التي تطول على السرير، تقطع بقوة الوهم لتكون بمقياس السرير بالضبط. تباً لهذا السرير الذي يفصل الوطن على مخدعه ليوهمه بالخديعة.

هكذا يفسر هذا السرير النرجسي نشر صور الملك "نشر صور عملاقة للملك في كل شوارع البحرين على غرار صور الطاغية صدام حسن، يقف وراءها رجل الدولة الأقوى رئيس الوزراء بقصد أن يحفر له خاتمة كخاتمة صدام" [7].

والآن، من كان منكم عاقلا، فليحقق في هذا الوهم.

هوامش

[1]،[6] جورج طرابشي، صناعة الأوهام.

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=32024

[2] نرجس طريف، الخديعة الكبرى، دار الإبداع (وهي دار وهمية)،ص 449 

[3] المصدر نفسه، ص436

[4] المصدر نفسه، ص373

[5] انظر المصدر نفسه، الصفحات: 448،377،251

[6] المصدر نفسه،ص448

[7] المصدر نفسه، ص241

 

 

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=10185