مدينـــــــة أبـــــــــي

على قبر الوالد في مقبرة بهشت ثامن الأئمة (2009)

على قبر الوالد في مقبرة بهشت ثامن الأئمة (2009)

مشهد مدينة أبي، هذا ما كنت أعتقده، واليوم هذا ما أتيقنه، اليقين يتحقق في لحظتين، لحظة الحب ولحظة الموت، وقد جمع أبي اللحظتين في هذه المدينة، أحبها ليس فقط حد الموت، بل حد أن مات فيها. كانت روحه تسكن حيث سرها المقدس، والمقدس لا يعرف غير اليقين، وروح أبي لم تعرف غير هذا اليقين، يقين دونه الموت والحب.
كانت رهبة الموت تقف بي في صباح جمعة بهشت رضا (مقبرة أو جنة الإمام الرضا) حيث جسده المسجى في كفن الموت، كان مسؤول الموتى يفك رباطة الرأس بحياد الموت وببرودة ثلاجة الموتى، كان قد مضى على راحته 36 ساعة وعلى شقائنا آلاف من ساعات الحزن. ما إن قرأت في وجهه نداوة الحياة الذي توفر عليه بفضل يقين الحب، حتى استحال كل حزني يقين فرح، ذهبت رهبة الموت وحل بياض الأبدية، وصرت أشتاق رؤية طراوة وجهه أكثر، طلبت أن ندخله على الوالدة في غرفتها، لتقرّ عيون قلبها بقين فرح وجهه، حين رأته قالت لم أره شباباً أكثر من هذا اليوم، لن أبكي إلا فراقه، لن أبكي موته. قرت عيوننا بيقين حبه، وحين وضعناه حيث تراب سر المدينة المقدس، لم نعد بحاجة إلى فرح يجيء، فقد وجدناه في وجه أبي.
كنت في الصيف الماضي برفقته طوال شهر أغسطس/ آب في هذه المدينة، كان يقلقني سؤال كيف تكون المدن مقدسة؟ فالمدن مكان الشك والقرى مكان اليقين. كيف صارت مشهد مدينة بعد أن كانت مجرد قرية صغيرة تابعة لطوس القديمة؟ كيف صيّر هذا المقدس (مرقد الإمام الرضا) القرية مدينة فيها مكتبة )مكتبة الأستانة الرضوية) تعد من أهم أربع مكتبات في العالم الإسلامي وتضم 78000 مخطوطة؟
لم أسأل أبي، لم أكن أريد أن أقلق لذة يقينه بلذة شكي، اكتفيت أن أسمع مروياته عن هذه المدينة، وسيرة يقينه فيها. حدثني عن طفولتي التي لا أتذكرها فيها.
كان يحدثني عن عمرانها، فقد كان شاهدا عليه طوال ما لا يقل عن خمسة عقود. فأبي يجد في العمران دوماً ميدان اختصاصه، فالبحرين حين بدأت تدخل ورشة العمران الحديث، كان هو واحدا من الذين انخرطوا في هذه الورشة عبر شركة أحمد منصور العالي، ويحفظ في ذاكرته وأرشيفه مشروعاتها الكبرى التي دخلتها.
هذا الرقم (33567) لن ينساه أبي، إنه رقمه في شركة بابكو التي سيغادرها باكراً بعد سبع سنوات، حاملاً درس هذا الرقم الذي علمه معنى النظام والتخطيط، معنى أن يكون لكل عمل خطة زمنية وخطة تنفيذية وخطة مالية مجدولة.
ظل عمله دوماً في الإنشاءات، كانت البلاد مقبلة على عهد جديد، جيوش الموظفين والمهندسين الغربيين التي ستبني إنشاءات البلاد الجديدة. تريد من يهيّئ لها فللها ومساكنها على مقاس خرائط العمران الغربية، هكذا جاءت مدينة عوالي، كان مازال حتى لحظته الأخيرة يصف لي مواقع البيوت التي أشرف على إنشائها في عوالي. رسم لي جدول العمل، وقال هكذا علمتنا بابكو أن نحسب الوقت بدقة ونضع خطة العمل بوضوح.
أمي تنظر إلى مقتنياته التي تسلمتها من المستشفى بعد وفاته وهي تقول: ”لا يمشي إلا بقلمه وساعته وخاتمه” يجدول الوقت بساعته، ويكتب أحداثه بقلمه، ويحفظه من السوء بخاتمه، هكذا كان يرى الوقت بحاجة إلى جدولة وتدوين وحفظ. في مكتبته أرشيف غزير يحكي قصص إنشاءات أشرف عليها، ومشروعات انخرط فيها، ومراحل كان شاهداً عليها. إنه أرشيف العمران.
يحتوي دفتر دائريه السنوي، كل تفاصيل يومياته، تواريخ سفره ورجوعه وأرقام الاتصالات والأماكن التي يزورها، وفي هوامش الدائري الطرائف التي تمره في قراءاته، وشيء من الفوائد الصحية والنصائح وأسعار السكن، والشيكات المدفوعة والمستلمة والأشخاص الذين يمرون به والذين يتدينون منه.
في سفرته العلاجية للهند قبل سنتين، كتب يومياته في المصحة بطريقة تفاصيل الأرشيف البريطاني، أسماء الأطباء والممرضات والأكلات وتحركاته في المصحة وتقارير الأطباء وتعليقاتهم وأحواله الصحية اليومية. وأجواء المصحة والطقس الخارجي وأحاديثه اليومية، واستجابات جسده.
نقل درس بابكو إلى شركة أحمد منصور العالي وأسس فيها نظاماً دقيقاً، هو حصيلة السنوات السبع التي قضاها في (أكاديمية) بابكو. كان الخال الحاج عيسى الفن يأخذ مقاولات بناء من شركة العالي، لاحظت الشركة أن مناقصاته تأتي محسوبة بشكل دقيق ومجدولة وفق نظام واضح الترتيب. وحين عرفوا أن الوالد هو من يصوغها، جاءه الحاج عبدالعزيز العالي إلى مجلس بيت والده، وطلب منه شخصيا الالتحاق بشركته، كانت مجازفة كبيرة أن يترك بابكو وهو في بداية تألقه ومستقبلها المضمون ينتظره، ليراهن على شركة مازالت واعدة، أصرّ العالي عليه ووعده بمرتب يفوق بابكو، فكان التحاقه بشركة العالي بعد مشاروة والده، وهناك سيعمل مع المهندس البريطاني (إينكل). سيكون درسه امتدادا لبابكو، يقول أبي: إنه مدين لهذا الشخص بكل ما يعرفه في هندسة الإنشاءات، خصوصا عملهم في مشروع (هدم الكوري).
في رحلتنا الأخيرة، حاول ابني باسل (10سنوات) أن يحاكي جده في كتابة مذكراته، فجلس إلى يمينه وأخذ يكتب ”8/8/2008 رحلة إيمانية إلى مشهد مكونة من الجد أحمد والجدة صباح وأبي علي وعمي إسماعيل وعمتي عرفات وعمتي معصومة وعمتي زكية وعمتي زينب وأمي فضاء وابن عمتي هشام وأختي أماسيل وعمتي زهراء وعمتي صفاء.
أقلعت الطائرة من مطار البحرين الساعة الحادية عشر والنصف مساء وهبطت الطائرة في مطار مشهد الواحدة والنص صباحاً وكان باستقبالنا أبو مصطفى، وأول الأحداث هي ضياع هشام لمدة دقائق في المطار ولكن وجدناه بعد ذلك قرب الألعاب. بعد ذلك غادرنا المطار للسكن حيث سكنا في عمارة الإيمان وهنا اكتشفنا نسيان حقيبة جدي أحمد وجدتي صباح في المطار استرحنا حتى الصباح ثم ذهب أبي علي وجدي أحمد إلى المطار واستلما الحقيبة المنسية”.
قلت له: الحفيد سر جده.
وجدت صعوبة كبيرة في قراءة سورة الفاتحة على روح أبي، كنت بحاجة إلى الصلاة من أجل استحضار روحه، لا من أجل شيء آخر، كانت حروف الفاتحة تفتح ذاكرة صوت أبي وهو يقوّم قراءة الفاتحة في لساني، كنا نفترش فضاء السطح العلوي من بيت العائلة الكبير، ونتخذ صفوفنا خلف صلاة أبي، قبل أن يسلمني المهمة تالياً. كلما فتحت فمي لأقرأ انعقد بالبكاء، كأني أفتح دروس أبي التي لم تنته، دروسه حين يحلّقنا حول متن الأجرومية لنقرأه على يدي الشيخ حسين الستري، ودروسه حين كان يفاجئنا بتصحيح أخطائنا في تلاوة القرآن في ليالي رمضان وليس أمامه مصحف. كنا نتعجب كيف يعرف حركات الكلمات ويصوبها من ذاكرته حين نخطأ. كيف حفظ أبي القرآن بهذه الدقة، هو ليس رجل دين، ولم يكن يوما مدرس لغة عربية، وانشغالاته في الهندسة والنجارة والأعمال اليدوية لا علاقة لها بحركات الكلمات، بقدر ما لها علاقة بحركات اليد. لاحقا في مدينته مشهد، سيحكي لي قصته في قراءة القرآن وحفظه على يد ملا علي بن عبدالله بن جاسم.
كان هذا الدرس وحده كافيا، لأعرف البراعة اللغوية التي توفر عليها الوالد، وتقديسه للكتابة والقراءة، ولأعرف مكتبته التي كانت تضم مراجع، لم أكتشف أهميتها إلا حين دخلت الجامعة.

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=10396