حوار مع عصام عبدالله

حاورته « الوقت » في سياق ندوة بجمعية المنتدى.. المفكر عصام عبدالله:

«تنويريونا» لم يرفعوا الوصاية عن العقل.. وحين الحسم لم يحسموا

 

من منا لم يردد مرة واحدة على الأقل في حياته كلمة ”عولمة” و”حداثة”، دلالة على مفاهيمية عصر جديد أخذ يكتسح. لكن هل سألتم أنفسكم أين نقف بالضبط على رقعة هذا العصر* اسمعوا الدكتور عصام عبدالله، أستاذ الفلسفة الحديثة بجامعة عين شمس والمتخصص في علم تاريخ الأفكار، ماذا يقول. ”نعيش النسخة الثانية، المزيدة والمنقحة من النقد الكانطي” نسبة إلى آخر فلاسفة عصر التنوير الألماني عمانويل كانط. لكن ماذا يعني ذلك؟ اسمعوا إليه مرة أخرى. ”إنها مرحلة نقد النقد، حيث غدا السؤال ما هو قدر التعددية والاختلاف داخل التعددية والاختلاف” بحسب تعبيره. كلمات شائكة ما من شك، لكن في هذا الحوار الذي أجرته معه ”الوقت” بواسطة البريد الإلكتروني قبيل مجيئه إلى البحرين بمناسبة مشاركته يوم أمس الأول في ندوة بجمعية المنتدى ذات التوجه الليبرالي، يجيب عصام عبدالله إسكندر عن كل الإشكالات التي ترافق طرح هذا النوع من الأسئلة. وهذه مقتطفات:

New Picture (6)

دعني أدخل على سيرة تكوينك الفلسفي، كيف صرت مختصاً في الفلسفة؟

– نشأت يتيماً محملاً بكل الأسئلة الميتافيزيقية، عن معني الموت والحياة والوجود وما بعد الوجود، وعلاقة الأرض بالسماء واستكشاف المجهول والخفي (البحث عن الحقيقة)، فقد عرفت فيما بعد أن كلمة ”الحقيقة” باللغة اليونانية، كما أضاءها هيدجر هي (انكشاف الخفي والمحتجب).

في المدرسة الابتدائية وكانت (إنجليزية) درست في الصف الثاني قصة بعنوان ”الغواص” تدور أحداثها في البحرين حول غواص ماهر اسمه ”حامد” أحب بنت شيخ الصيادين وكانت رائعة الجمال، وطلب أبوها مهرا عبارة عن لؤلؤة نادرة غالية الثمن، وقد لاقى هذا الحامد المسكين أهوالا في أعماق الخليج، لكنه نجح في النهاية في اقتناص هذه اللؤلؤة وتزوج من محبوبته. ولك أن تتخيل ما تركته هذه القصة في نفس وعقل ووجدان طفل عمره سبع سنوات (وكانت مقررة على كل المدارس الإنجليزية في مصر وقتئذ). لقد عرفنا معني الحب والتضحية والمثابرة والمغامرة والإرادة والتنوع والتعدد والاختلاف.. من دون كلمة إنشائية واحدة تشرح هذه المعاني أو تنظر لها!.

تعرفنا على أنواع وألوان وأحجام للأسماك واللآلئ، وكيف نبحر إلى أعماق الأشياء ولا نقف فقط عند سطوحها، وأن الحياة هي رحلة مليئة بالتحديات والأهوال والانتصارات أيضا، وأن الحب قيمة سامية تتطلب التضحية والعطاء وركوب الصعاب.

كل القضايا الفكرية سياسية

المهم أنني اكتشفت موهبتي في الرسم بسبب هذه القصة، فقد كان علينا أن نلون بعض الرسومات للأسماك وقوارب الصيد. وفي الصف الأول الثانوي قررت أن أدرس الفلسفة وأتخصص فيها بعد أن اكتشفت عصر النهضة الأوروبية من خلال منهج التاريخ المقرر علينا، وهو العصر الذي اكتشف فيه الإنسان الأرض والسماء معاً، عصر الكشوف الجغرافية والثورة الكوبرنيقية والنزعة الإنسانية، وعظماء التاريخ: ليوناردودافنشي، مايكل انجلو، ميكيافيللي، مارتن لوثر، جوردانو برونو، بومبوناتزي، جاليليو، مونتيني، إرازموس، سرفانتيس، وغيرهم.

وبالفعل كانت رسالتي في الماجستير حول ”الفكر اليوتوبي في عصر النهضة الأوروبية” أو قل ”المدن الفاضلة” من خلال علم اجتماع المعرفة عند كارل مانهايم، وكل يوتوبيات النهضة عند توماس مور، فرنسيس بيكون، كامبانيللا، ورابليه هي جزر نائية رائعة الجمال توجد في أعالي البحار، وهي تشبه الجزر التي كان يغطس حولها حامد ويصطاد اللؤلؤ.

ثم تخصصت في الدكتوراه في علم تاريخ الأفكار وما بعد الحداثة، ودارت أبحاثي بعد الدكتوراه حول ”الآخر”، ”التسامح”، و”الرشدية اللاتينية في إيطاليا”، و”العقيدة المجردة”، فضلا عن مؤلفاتي الفلسفية الخالصة حول أعلام الفكر الفلسفي المعاصر: ”جاك دريدا : ثورة الاختلاف والتفكيك”، ”يورجن هابرماس”، ”إيمانويل ليفيناس”، و”الأسس الفلسفية للعولمة” وهو أحدث كتاب لي صدر في يناير/ كانون الثاني ,2009 عن المجلة العربية بالمملكة العربية السعودية.

في معظم كتاباتي أمزج الفلسفة بالعلوم الإنسانية الأخرى كعلم الاجتماع، علم النفس، والتاريخ، ولم تغب عنها السياسة قط، فكل القضايا الفكرية هي قضايا سياسية داخل الفكر كما يقول ألتوسير.

الاختلاف هو الهدف

كيف تصف المشهد الفلسفي اليوم على مستوى العالم؟

– لأنه يتطلب إلماما واسعاً وعميقاً بالمياه الجوفية المحركة لعالم اليوم، إن إحدى التحولات الفكرية الأساسية، هو التحول من ”الوحدة” إلى ”التعدد”، وصار التعدد والاختلاف هو الهدف، أما الوحدة فيعترف بها فقط من خلال النظر إلى الاختلافات أو من خلال وضع التمايزات في الاعتبار، وهذا يبدو فيما احتلته ”الهوية” من أهمية متزايدة ومتنامية، وما يتعلق بها من مفاهيم مثل: ”الآخر”، ”الخصوصية”، ”الكونية”، ”الحوار”، ”التواصل”، ”الصراع”، ”الاعتراف”، ”التسامح”، ”الديمقراطية”، ”الليبرالية”، ”التعدد”، ”الاختلاف”، و”العولمة”.. الخ.

ديمقراطية الأخ

الأمر الثاني انتفت صفة القداسة عن الكلمات، في عصر العولمة وما بعد الحداثة، ولا يوجد مفهوم مطروحاً للتداول والنقاش على بساط البحث لا يطاله النقد أو غير قابل للنقد، فنحن نعيش الموجة الثانية من ”النقد” الكانطي أو النسخة الثانية (المزيدة والمنقحة) وهو ”التفكيك” الدريدي، ويتميز عن النقد بأنه ”نقد للنقد”، كما أنه التطبيق العملي ”للنقد المزدوج” حسب صديقنا عبدالكبير الخطيبي، فأصبح السؤال هو: ما قدر التعدد والاختلاف داخل التعددية والاختلاف؟.. ماذا تعني كلمات مثل ”تعدد”، ”تنوع”، و”اختلاف” أساسا؟.. وماذا يعني الانتخاب اليوم بعد أن كبلت الدول الديمقراطية بالاتفاقيات الدولية؟.. هل نحن على أبواب ”ديمقراطية الأخ” التي حذرنا منها فلاسفة الاختلاف؟

ما أبرز الفاعلين على مستوى هذا المشهد؟

– فلاسفة ما بعد الحداثة، أو قل فلاسفة الاختلاف في فرنسا، ميشيل فوكو، جيل دولوز، جاك دريدا، وجاك لاكان وغيرهم، بالتوازي أحيانا والتقاطع أحياناً أخرى مع الألماني ”يورجن هابرماس” شيخ الفلاسفة في العالم، وتكشف جهودهم الفلسفية المهمة عن أن الأمور ليست كما تبدو لنا، وإنما هي تمضي من دون توقف نحو ”التماثل” و”التشابه” لا التعدد والاختلاف، وهنا مكمن المفارقة، وإن شئت المراوغة، فهي تقر وتعترف بالتعدد والاختلاف والتنوع، ولكن من أجل إلغائه ودمجه في ”وحدة ” هي ”وحدة معنى” أو ”هوية مبنى”، حسب تعبير عبدالسلام بن عبدالعالي.

العالمية إلغاء للغيرية

إن ”منطق الشبيه والمثيل” The Same – Exemplar إذا استعملنا لغة دريدا في ”سياسات الصداقة” هو منطق شمولي استعلائي يرفض الآخر وينبذ الاختلاف. وقد دشن فيلسوف الغيرية إيمانويل ليفيناس النقد الجذري لفكرة الشبيه، ذلك أن تحويل الذات إلى موضوع أو في التعامل مع الآخر كموضوع يعد عملاً تعسفياً. وسبق لإدوارد سعيد في كتابه ”الاستشراق” الصادر العام 1978 أن نبه إلى أن تحويل الذات إلى موضوع يحط من إنسانية الآخر، وهو رفض لحقه في الوجود كانسان له تاريخه وثقافته وطريقته الخاصة في الحياة.

ويري أنه إذا ما كانت هناك من أخلاق خالصة فهي تلك الأخلاق التي لا تبغي امتلاك الآخر لأن كل معرفة هي سيطرة. وهي الفكرة نفسها التي دافع عنها ”ليفيناس” حين تحدث عن ضرورة الحفاظ على مسافة أو قطيعة بين الأنا والآخر، فكل معرفة سلطة وكل سلطة عنف.

من هنا دعا إلى أخلاق تتأسس على المسؤولية تجاه الآخر، أو ما يسميه ليفيناس بعلاقة ”وجه – لوجه” وليس ”كتف – لكتف” التي تسود المجتمعات الشمولية. وهي فكرة أو تقليد لا يسود الفلسفة الغربية وحسب ولكن أيضاً كل المجتمعات القبائلية والعشائرية والأبوية، التي تمجد ”الأخ” وتعلي من شأن ”الأخوة”.

فقد حذر دريدا في كتابه ”سياسات الصداقة” وفي كتابه ”مارقون” من الديمقراطية المقبلة، ودعا إلى نبذ منطق الأخ والشبيه. يقول ”لا خطر على الديمقراطية المقبلة إلا من حيث يوجد الأخ، ليست بالضبط الأخوة كما نعرفها، ولكن حيث تصنع الأخوة القانون، وتسود دكتاتورية سياسية باسم الأخوة”.. فالدعوة إلى الأخوة العالمية اليوم، على سبيل المثال، قد تلغي الغيرية وكل حق في الاختلاف، وهو ما تنبهنا إليه الفلسفة.

مرت على مصر تيارات فلسفية كبرى، وتمثلتها شخصيات ثقافية وسياسية هي اليوم جزء من تاريخ الثقافة العربية. كيف تؤرخ لهذه التيارات والشخصيات؟

– أغلب القضايا الفكرية المثارة اليوم، كان يفترض أن يكون النزاع حولها قد حسم منذ عهد مضى، وهذه المجموعة البسيطة من الأفكار والمفاهيم المتناثرة في كتابات المثقفين الجذريين، كان ينبغي أن تكون قد استقرت لدينا منذ ما يقرب من القرن، علي الأقل.

وهنا يبدو المأزق الحقيقي الذي تعرض له أكبر مشروع ثقافي للتغيير الاجتماعي في القرن العشرين، الذي لم يتوافق أبرز فرسانه – الدكتور فؤاد زكريا تحديدا – مع حركة التاريخ في المجتمع العربي، ومع هذا، أصر في شجاعة علي الإمساك براية العقلانية والتنوير، والإبقاء عليها مرفوعة عاليا، رغم عواصف المتعصبين وسطوة المتعملقين.

ففي بداية القرن العشرين، كانت العلمانية مشروعا متكاملا، يقف في مواجهة مشروع إسلامي آخر، كان موجودا بصورة أكثر تواضعا، وأقل عنفا وعدوانية. وتركت العلمانية أثرها في أجيال عدة (لطفي السيد، سلامة موسى، وطه حسين، لويس عوض، زكي نجيب محمود، وفؤاد زكريا وغيرهم)، وهو أثر ضمني، بل إن جزءا كبيرا من الثقافة العامة لمصر طوال الثلاثة أرباع الأولى من القرن العشرين كانت تصطبغ بالصبغة العلمانية، ولا يكاد يوجد مفكر مهم في تلك الفترة إلا وكان له نصيب منها، ولم تكن هناك حاجة للمجاهرة بالعلمانية على اعتبار أنها موجودة ضمنا، لأن المواجهة الحادة بينها وبين التيارات الإسلامية لم تكن قائمة حتى أوائل السبعينات.

البحث عن مخرج

أما الصيغ الفكرية التي كانت مطروحة آنذاك، فقد تمثلت (عمليا) في صيغتين أساسيتين – وهاتان الصيغتان كانتا موجودتين أصلا منذ نهاية القرن التاسع عشر. الصيغة الأولى عرفت بالتوفيقية، أما الصيغة الثانية فهي الابنة الشرعية للأولى، وهي صيغة ”إما.. أو”.

غير أن هذه التوفيقية، لم تكن – في التحليل الأخير – توفيقا متوازنا أو متكافئا بين طرفين، وإنما كانت في حقيقتها، انحيازا وتغليبا وترجيحا لطرف على حساب الطرف الآخر، كما يقول الأنصاري في كتابه العمدة السالف الذكر، وإخفاء هذا الانحياز والترجيح خلف قناع توفيقي ظاهري، ناهيك عن التوتر الخفي الذي ظل كامنا داخل الصيغة التوفيقية، حتى حانت الفرصة، وبرز في العلن ذلك الانشطار الحاد بين عنصري المعادلة.

بيد أن التكوين الفلسفي لفؤاد زكريا ومزاجه النقدي، فضلا عن حسه التاريخي، كان يأبى الصيغتين معا، ومن ثم كان لابد من البحث عن مخرج: لا هو توفيقي، ولا هو (إما.. أو). وهنا تحديدا سنعثر على أهم ”لحظة” من اللحظات المضيئة النادرة في منتصف القرن العشرين، لحظة لم ندرك بعد ”أبعادها” ودلالاتها، لأننا ببساطة لم ندرسها بما فيه الكفاية، كما أن الأحداث اللاحقة طمست معالمها!

فقد كانت هناك صيغة أخرى طرحت على المستوى السياسي والاجتماعي، هي صيغة ”التحرر والاستقلال”، سعى فؤاد زكريا إلى تأصيلها على مستوى الفكر والثقافة، التي ظلت على مختلف المستويات الأخرى مجرد ”شعار”.. وكأنه عليى موعد مع ”نيتشه” الذي لم تبق من أقواله في أذن فؤاد زكريا سوى عبارة ”كن نفسك”.

وتلك كانت مفارقة، تسترعي الانتباه والتأمل، بين ”الفكر والواقع” في هذا المنعطف التاريخي، إذ إن ما آمن به فؤاد زكريا وسعى إلى تأصيله بالفعل كان يتناقض عمليا مع مجريات الأمور في الواقع المصري الذي ”أبى” بدوره أن يتنازل عن الصيغة التوفيقية، بل وعاد بها إلى مكونتها الأولى وهي صيغة (إما.. أو).

ملامسة الجدار المكهرب

كيف هو وضع الدرس الفلسفي في الجامعات العربية؟

– سؤالك محرج، لأنه يلامس الجدار المكهرب لتخلف العالم العربي في قمته، يا صديقي: الفلسفة والأصالة صنوان، وأنت في مجال الفلسفة لا تملك إلا أن تكون نفسك، وليس مجرد مسخ شائه. المشكلة في العالم العربي أننا نعاني من ”التشرقية”، والمصطلح لألبرت حوراني وليس لي، وهي بكلمة واحدة (انعدام الأصالة). والفرد التشرقي هو الذي يعيش في الوقت نفسه، في عالمين أو أكثر من دون أن ينتمي إلى أي منهما. وهو الذي يتمكن من تلبس الأشكال الخارجية المشيرة إلى تملك جنسية معينة أو دين أو ثقافة، من دون أن يملكها بالفعل.

”وهو الفرد الذي لم تعدله قيمه الخاصة ولم يعد قادرا على الخلق بل على المحاكاة فحسب. وحتى المحاكاة لا يقوم بها بشكل دقيق، لأنها هي أيضا تقتضي نوعا من الأصالة. إنه إنسان لا ينتمي إلى أي مجتمع ولا يملك أي شيء خاص به”. ولتوضيح هذه الفكرة سأستعين بالدراسة الرائدة لصديقي الدكتور محمد جابر الأنصاري المعنونة بـ ”الفكر العربي وصراع الأضداد”: فما حدث منذ بواكير النهضة العربية وحتى السبعينات من القرن العشرين كان ”تلفيقا” وليس ”توفيقا”، مما أدى في النهاية إلى حالة الانشطار الحاد التي نعيشها اليوم، بين التيارات الإسلامية وأنصار المشروع العلماني (الليبرالي).

وحتى أعلام النهضة والتنوير والحداثة، من أصحاب المشروع العلماني، لم يكونوا أصلاء تماما، وحسب هشام شرابي في كتابة ”البنية البطركية، بحث في المجتمع العربي المعاصر”، فإن ”الخاصية الرئيسية للوعي ”المحدث” هي نزعته إلى تحويل النماذج إلى أصنام. وهذا اتجاه نلاحظه في المجتمع العربي من خلال الطريقة التي يتم بها تلقف العلم واللباس والإنتاج الفني وحتى النظريات السياسية كنماذج مرشدة. ويتصف هذا الوعي المنمذج بنزعتين مترابطتين ومتعاضدتين هما المحاكاة والامتثال. هكذا تثبت الأفكار والأعمال والقيم والمؤسسات أو تنقض، لا اعتمادا على نهج نقدي مستقل، (وهو جوهر الفلسفة)، بل اعتمادا على نموذج خارجي باستمرار”.

لذلك لا أستغرب تحول معظم أساتذة الفلسفة في المدارس والجامعات العربية اليوم إلى مجرد ”دعاة”، بينما تعاني القلة القليلة منهم، وتناضل من أجل البقاء، في جو خانق يكفر الفلسفة والفلاسفة، وفي أفضل الأحوال يستهزأ بهم. كما أنني لم أفاجأ بتجفيف منابع التعليم من الفلسفة في مختلف البلاد العربية.

والتفكير في حد ذاته مقلق، وإعمال العقل غير مرغوب فيه، والنقد مرفوض من الساسة ورجال الدين على السواء. والفلسفة هي كل ذلك، لأنها ضد الزيف والتفاهة والقبح والادعاء، ادعاء الحقيقة المطلقة، كما أنها ضد القهر والظلم بكل صوره. فقد دفع سقراط حياته ثمنا لقول الحقيقة ودفاعا عن حرية الرأي، ورفض ديكارت قبول الأشياء كما هي، ودافع كانط عن الكرامة الإنسانية بإعلاء قيمة العقل والنقد.. والقائمة تطول، ولكنها تخلو بالقطع من أي فيلسوف عربي، منذ ابن رشد.

شرق ومغرب

كيف تقارن الدرس الفلسفي في الجامعات المصرية اليوم بالدرس الفلسفي في الجامعات المغربية؟

– لا وجه للمقارنة، هناك حركة فلسفية نشطة في المغرب العربي، واطلاع واسع على ما يحدث في الغرب، والانتقال من مرحلة النقل والترجمة إلى التأصيل والإبداع. والسبب في رأيي يعود إلى فهم الوظيفة الجديدة للفلسفة منذ السبعينات من القرن الماضي، بينما لاتزال الفلسفة بخطابها العمومي والشمولي يطن عندنا.

ما النشاط العام الذي يمكنك أن تمارسه أنت اليوم في الميدان العام بصفتك مختصا في الفلسفة؟

– إلى جانب تدريس الفلسفة في كلية الآداب جامعة عين شمس، في أقسام: الفلسفة والاجتماع والنفس والتاريخ والإعلام، فأدير وحدة لدراسات الحضارات المعاصرة بالجامعة، كما أنني عضو بالمجالس القومية المتخصصة (شعبة العلوم الاجتماعية) وهي تتبع رئيس الدولة مباشرة. وكاتب صحافي، لي مقال أسبوعي بموقع إيلاف الإلكتروني وجريدة روز اليوسف المصرية. ومستشار ثقافي وعلمي لعدد من مراكز الأبحاث والدراسات في مصر والإمارات العربية.

أشارك أيضا في الكثير من اللقاءات الفكرية والمؤتمرات العلمية والندوات الثقافية، والفضائيات، بما في ذلك الالتحام اليومي مع قضايا الراهن وهموم الواقع، وعلى سبيل المثال: قضايا المواطنة، والدولة المدنية، والديمقراطية، والمرأة، استشراف مستقبل النظام العالمي، والتعليم والتنمية المستدامة.. إلى آخر هذه الموضوعات التي أصبحت غذاء يوميا على مائدة المثقفين العرب.

التنوير لم يلامس سوى القشرة

كيف تراجع وأنت المختص بتاريخ الفلسفة، فكر رجالات عصر النهضة العربية، اليوم؟

– يعرف كانط التنوير بأنه: ”هجرة الإنسان من حالة القصور التي يبقى هو المسؤول وحده عن وجوده فيها. والقصور (عدم الرشد) هو حالة العجز عن استخدام العقل، والإنسان القاصر مسؤول عن قصوره لأن العلة في ذلك ليست في غياب ”العقل”، وإنما في انعدام القدرة على اتخاذ القرار وفقدان الشجاعة على ممارسته، من دون قيادة الآخرين.. لتكن تلك الشجاعة على استخدام عقلك بنفسك، ذلك هو شعار التنوير”.

المغزى الأساس للتنوير إذا، هو القدرة على التفكير بشكل ذاتي مستقل. وكأن جوهر التنوير في كل زمان ومكان، هو تأهيل العقل لبلوغ (حالة الرشد) من دون وصاية اللاهوت ورجال الدين، والثورة على البنى الأبوية البطركية، بتعبير هشام شرابي.

وهذا يفسر جزئيا لماذا فشلت حركة التنوير في العالم العربي (في القرن الماضي) وحتى اليوم، لأنها ببساطة لم تحقق الهدف الأساس لبلوغ العقل العربي الرشد وهو: رفع الوصاية عن هذا العقل، وعن التفكير المستقل والإبداع الحر.

وعلينا أن نعترف بشجاعة أن حركة النهضة العربية لم تؤثر سوى في القشرة الخارجية للعقل العربي، بفضل احتكاك روادها الأوائل بالغرب، ووجود الاستعمار الغربي في المنطقة في الوقت نفسه، كما يقول نادر قريط، فما أن غادر الاستعمار عقب الحرب العالمية الثانية، وارتفع شعار – وشعور زائف – ”بالتحرر والاستقلال” على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي، حتى عادت (ريما لعادتها القديمة) واستعادت قوة الموروث سيطرتها على العقل من جديد، فيما نشهده اليوم من مختلف أشكال الوصاية على العقل باسم الدين تارة والإيديولوجيا تارة أخرى، والقانون الممتزج بالدين (الشريعة) تارة ثالثة.

شجاعة كانط

في العدد الجديد (90) من مجلة ”فكر وفن” الألمانية، مقاربة مهمة حول مفهوم القانون في العالم الإسلامي والغرب، وهو مفهوم مختلف عليه حتى الآن: فالقانون في العالم الإسلامي هو ”الشريعة”، ولا يوجد استعداد للقبول بالمفهوم العصري له، كما هو متبع في الدولة المدنية العلمانية الدستورية الحديثة، وهذا الانقسام في الرأي حول مفهوم واحد (للقانون وتطبيقاته)، يتجلى أساسا في القضاء، كما جاء في افتتاحية المجلة.

بيد أن العقل الذي بلغ (الرشد والنضج)، وأصبح عقلا مستقلا ومسؤولا، يراجع نفسه بنفسه ويقيم أخطاءه باستمرار، من خلال القوانين العقلية والدساتير المدنية، وهذا المعنى يغيب، أو يغيب عادة، عند معظم المثقفين العرب في تناولهم لفكرة التنوير، وهو: شجاعة ”كانط” وجرأته في إخضاع العقل أيضا للنقد – وليس ”تقديس” العقل وعبادته كما يفعل البعض عندنا – لدرجة أنه عنون كتابه بـ ”نقد العقل الخالص” العام ,1787 وهذه الشجاعة تحديدا هي إحدى سمات التنوير وعلاماته على مر العصور.

من هنا تحمل كلمة ”نقد” شحنة فلسفية دائما، والنقد بالمعنى الفلسفي لا يعنى فضح العيوب ولا إبراز التهافت وإنما إثبات حدود الصلاحية. والعقل الناقد (الناضج) المستقل، يمارس النقد على ذاته أولا، قبل أن يمارسه على الآخرين، أو بالأحرى، يمارس عملية مزدوجة ومتوازنة، فيما أسماه صديقنا الراحل عبدالكبير الخطيبي بـ ”النقد المزدوج”.

الحقيقة المزورة

هل تاريخ الفلسفة هو شيء آخر غير الفلسفة؟

– هيجل هو أول من رأى الوحدة بين الفلسفة وتاريخها، فالفلسفة وتاريخ الفلسفة كل منهما مرآة للآخر. ودراسة هذا التاريخ هي دراسة الفلسفة ذاتها، ذلك أن تاريخ الفلسفة لا يهتم بوقائع وأحداث خارجية، إنما هو لحظات حلول الفكر المطلق في التاريخ.

تاريخ الفلسفة ليس مجرد عرض لآراء مضت وانقضت، لأنه ببساطة لا توجد آراء في الفلسفة.. الفلسفة هي العلم الموضوعي بالحقيقة، إنها معرفة ضرورية، فهي معرفة وليست رأيا أو سردا لآراء. وحسب هيجل: ”ليس الإنسان هو الذي يصنع الفلسفة، بل إن الفلسفة من خلال الإنسان تصنع ذاتها”.

وقد زرع نيتشه الشك في عبارة (أنا أفكر) لديكارت، كما لاحظ ميلان كونديرا، حين أكد على أن: ”الفكرة تأتي عندما تريد هي لا عندما أريد أنا؛ لذلك فإنها حقيقة مزورة تلك التي تدعي أن الفاعل ”أنا” ضروري للفعل ”أفكر”. من هنا يمكننا أن نفهم عبارة ”جوته”: ”أن الفلسفة (والشعر) في الزمان وفوق الزمان”.

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=160872

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=161268