حاوية الخصوصيات

مرّر مجلس النوّاب في جلسته الاستثنائية التي عقدها الخميس، وبسلاسة، الشق السنّي من مشروع قانون أحكام الأسرة، بأغلبية 18 صوتاً مقابل معارضة 3 نواب من كتلة الأصالة، فيما غادر نوّاب كتلة الوفاق قاعة الجلسة أثناء مناقشة المشروع.[1]555113
لماذا غادر نواب كتلة الوفاق الجلسة؟ ليس احتجاجاً على مخالفة الشريعة ولا تحفظاً على غياب الضمانات الدستورية ولا معارضة للحكومة، يجيب على هذا السؤال، النائب رئيس كتلة الوفاق خليل المرزوق بقوله «نحن مع احترام الخصوصية الدينية والمذهبية واختيارات المواطنين فيما يخصّ تعبدهم وشرعهم؛ لذلك فكتلة الوفاق تترك المجال للإخوة فيما يختارون».
إلى أي حد يمكن أن يكون احترام الخصوصية المذهبية مبرراً فعلاً لهذا الانسحاب؟ ولو كان هناك نائب شيعي شيوعي أو قومي أو ليبرالي أو بعثي مستقل، هل كان عليه أن ينسحب احتراماً لهذه الخصوصية؟
مبرر الخصوصية حمّال أفعال، بمعنى أن أفعالاً كثيرة تجد في الخصوصية محملاً لتبرير تصرفها، الحكومة لا تريد من المعارضة أن تتصل بمنظمات دولية حفاظاً على الخصوصية، الكتل الإسلامية لا تريد حفلات غنائية حفاظاً على الخصوصية الإسلامية، ديوان الخدمة المدنية ووزارة التربية وجهاز الإحصاء لا يريد أن يقدم كشوف بأسماء مواطنين حفاظاً على الخصوصية، كتلة الوفاق تنسحب من التصويت على قانون الأحوال الشخصية السنية حفاظاً على الخصوصية المذهبية. هكذا يمكنك أن تضيف الخصوصية لأي فعل تريد أن تقوم به، وستجد فعلك مبرراً، لقد غدت الخصوصية حاوية تتسع لكل أفعال السياسة، وإذا أردت أن تبحث عن تفسير لأي فعل سياسي، فيمكنك أن تذهب إلى حاوية الخصوصيات.
الاحترام موقف أخلاقي، وحين يستخدمه السياسيون، فعليك أن تكشف ما وراءه من موقف سياسي، والموقف السياسي هنا، يتعلق بصوغ موقف مستقبلي، وكأن كتلة الوفاق تريد أن تقول: احترمنا خصوصيتكم ولم نتدخل في قانون أحوالكم الشخصية، فاحترموا خصوصيتنا ولا تتدخلوا في قانون أحوالنا الشخصية ولا تدفعوا باتجاه إقراره، ولا تتعاونوا مع الحكومة للضغط علينا. هنا الاحترام، يغدو لا فعلاً أخلاقياً، بل فعلاً مصلحياً تمليه السياسة.
والاحترام متى كان يمليه موقف سياسي لا أخلاقي، سنجد هناك ما يكشفه، فخطاب السياسي فيه ثغرات تتيح اختراقه، في تعليقه على مسمى القانون يبدي – بثغرة كبيرة – رئيس كتلة الوفاق الملحوظة التالية «من الممكن أن أبدي بملاحظة بشأن مسمّى المشروع، حيث أقترح استبدال عبارة ”القسم الأول” بعبارة ”الدائرة الشرعية السنيّة”»، وقد عارض النائب عبدالله الدوسري هذه الملحوظة، ولم يصرّ عليه المرزوق، وعند بدء التصويت حاول النائب جلال فيروز التأكيد على مقترح المرزوق، إلاّ أن الأخير طلب منه عدم الاستمرار في الحديث، وغادر الاثنان القاعة.[2]
التسمية فعل، وهي فعل تمييزي، فأنا أسمي الأشياء كي أميزها، والتسمية التي يقترحها المرزوق (الدائرة الشرعية السنية) تضغط على شق الطائفة، وهو شق تمييزي، لقد أبدى المرزوق ملحوظته باحترام، لكن ليس بدافع الاحترام، بمعنى ليس حرصاً منه على إعطاء هذا القانون واجهة أفضل أو موقعاً أعلى أو تسمية أكثر وقعاً، بل من أجل التأكيد أن المسألة شرعية، وأن الدائرة الشرعية تقوم أساساً على التمييز، وهي تستدعي ذكر اسم الطائفة لتمييزها عن الطائفة الأخرى. فضلاً عن أن تسمية القسم الأول تعني أن القسم الثاني آتٍ آتٍ، مهما كانت المناكفات السياسية والدينية. ومادام هو آتٍ فقانون الأحوال الشخصية المتعلق بالشق الشيعي، يريد أن يحجز له تسمية تميز طائفته، ليكون (الدائرة الشرعية الشيعية).
هذا الاحترام الذي لم يظهر إلا في الفعل الذي يمثل في النائب طائفته، ليس فيه احترام للحيز العام المشترك الذي يمثله البرلمان، البرلمان مكان الإرادة العامة، ونتوقع منه أن يكون مكاناً لإظهار هذه الإرادة وتمثيلاً لها، وذلك ليس بأن يصدر البرلمان تشريعات لا تراعي خصوصيات التنوع والتعدد، لكن بأن يصدر ممثلوه عن روح هذه الإرادة. من المؤسف أن نجد أمثلة كثيرة على تمثيل الأعضاء لطوائفهم، ولا نجد أمثلة لتمثيلهم لتعدد الوطن. بمعنى لا نجد ممثلاً برلمانياً يدافع عن التعددية ممثلة في جماعات لا ينتمي إليها، بما هي تعددية تمثل هوية الوطن، لكن نجد أمثلة كثيرة يدافع فيها ممثلون برلمانيون عن طوائفهم.
في حلقة (هنّ) بقناة الحرة الخاصة بقانون الأحوال الشخصية بالبحرين، سألت في كواليس الحلقة إحدى المتضررات المتدينات من آثار غياب هذا القانون في المحاكم الشيعية، قالت: أبسطها، أنك لا تشعر بأدنى درجة من الاحترام، في هذه المحاكم. أتوقع أن القانون سيضع حداً أدنى من الاحترام لنا.

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=10612