هل كان «هيبا» مثقفاً أم راهباً؟

على خلفية جدل بشأن شخصية المثقف وعلاقته بسلطة الجماعة السياسية والعقائدية، انتفاعاً وانتماء، قالت لي الصديقة سماح: بالأمس وأنا أقرأ عزازيل كنت أفكر أن هذا الراهب يشبه الكثير من مثقفينا. تفكيرها جعلني أعيد قراءة شخصية(هيبا) طارحا السؤال التالي: هل كان (هيبا) في رواية عزازيل راهباً؟
نعم في شخصيته الظاهرة كان راهباً، لكنه في شخصيته الباطنة كان يحمل مشروع Hypatia_%28Charles_William_Mitchell%29 ولادة مثقف. لقد وجدت في الصراع الدرامي الذي تكوّنت منه شخصية (هيبا) الروائية، تضاداً بين شخصيته الرهبانية وشخصيته الثقافية، كان هيبا راهباً قبطياً مصرياً يقصد المراكز الكبرى (الإسكندرية، أورشليم، القسطنطينية، حلب..) للكنيسة بغرض التعمق في فهم اللاهوت والتخصص في صناعة الطب ”كنت أحضر دروس الطب واللاهوت بانتظام”[1]. لكنه في رحلة البحث يصل إلى ما لم يكن يقصده. إلام يصل؟
يصل إلى ما يخرجه من رهبنته، ويقينه المطلق. في فضاء الخروج هذا، تتولد شخصية المثقف بمعناها الحديث الذي يتضمن اللايقين، والاحتجاج، والنقد، والخروج من سلطة الجماعة ومطلقاتها. ما الذي في شخصية هيبا من هذا المعنى للمثقف؟
فيه معنى الارتحال. الارتحال في الجغرافيا، في جغرافيا الأرض وجغرافيا الأفكار. فهو بدأ رحلته من أخميم في مطلع شبابه الباكر ومنها إلى ليكوبولس ثم إلى الإسكندرية ومنها إلى القدس، ليستقر به المطاف في (الدير السماوي) شمال حلب. إنها رحلة شاقة على مستوى جغرافيا الأرض، وشاقة حدّ الحيرة على مستوى جغرافيا الأفكار. لم يستقر هيبا في أي من هذه الجغرافيات على معنى يقيني ”نعم لقد تابعت سيري شرقاً، مسلوب الروح، كنت مسرعاً نحو غاية لا أعرفها، في لحظة ما أدركت أنني لا أعرفني… أنا آخر، غير هذا الذي كان، ثم بان”[2]
كان يملأ روحه القلق، والقلق إحدى حالات المثقف. هيبا لم يكن متيقناً على معتقد واحد عن المسيح وطبيعته وسلطته في الأرض والسماء. هل هو الإله أم الإنسان؟ وهل أمه أمُّ الإله (ثيو توكوس) أم أمُّ الإنسان؟ وهل الأقانيم الثلاثة هي تجليات لذات واحدة أم هي تجسدات لذوات مختلفة؟ هذا على مستوى اللاهوت. وعلى مستوى الناسوت، في علاقته بعزازيل وعلاقته بالفضيلة وعلاقته بجسده وبالأنوثة، كان يعيش توترات حادة لم يحسمها يقين الرهبانية لديه. كان يسترجع كلام الراهب (خريطون) حول اليقين، بشك المثقف ”إن اليقين لن يكون إلا بإخماد الشكوك، ولن يخمد الشك إلا بتفويض الأمر إلى الرب، وتفويض الأمر إليه لن يكون إلا بمعرفة معجزاته في الكون، ومعرفة المعجزات لن تكون بالإقرار بتجسد الله وظهوره في المسيح”[3]. ويواجه يقين المعجزة بتأويل معناها، وذلك حين يسترجع كلام الراهب نسطور له: ”لا ينبغي لنا العيش في المعجزة ذاتها، وإنما في الطريق الذي رسمته، وإلا فقدت معناها”[4]
لم يعش هيبا ليقينه على مستوى التجربة الذهنية فقط. بل عاشها كمثقف على مستوى سلوكه اليومي وحياته الشخصية وعلاقاته بمراكز القوة التي كانت تمثلها سلطات الكنائس الكبرى، وهنا سنعثر على جنبة أخرى من جنبات المثقف في شخصية هيبا. هي جنبة الاستقلال. فهو لم يكن تابعاً، لأي سلطة من السلطات المتصارعة حول معنى اللاهوت. وهو وإن كان قريباً بفكره من لاهوت النسطورية التي تؤمن أن العذراء ليست أماً للإله بل أم يسوع المسيح، إلا أنه قرب كانت تمليه عليه قناعته العقلية، وليست مصلحته الشخصية، أو يقينه العقائدي، أو تحزباته الدينية أو قرارات المجامع الكنسية.
ولعل اسم (هيبا)، يجمع في معنى حكايته، جوهر معنى استقلالية المثقف واحتجاجه، يقول بعد أن مزّق ثوب الرهبنة الذي شهد به مقتل الفيلسوفة هيباتيا ”عمّدت نفسي بنفسي، وأعطيت لنفسي في لحظة الإشراق المفاجئ هذه، اسما جديدا. هو الاسم الذي أعرف به الآن.. هيبا.. وما هو إلاّ النصف الأوّل من اسمها”[5].
اتخاذه لاسم (هيبا) كان احتجاجاً على كنيسة الإسكندرية التي سحلت جسد (هيباتيا) في شوارعها العامة. كان القتل على العقيدة يمارس حضوره العلني في ساحة المدينة العامة، ولم يجد هيبا طريقة للاحتجاج على هذه الممارسة سوى أن يتخذ من اسم (هيباتيا) إعلان ولادة جديدة وتعميد جديد يطهره من هذه الممارسة تطهيراً يجعله مستقلاً عن إثم سلطتها الدينية التي كان يمارسها رئيس الكنيسة (كيُرلُّس).
وسيعضد من قوة هذا الاحتجاج والخروج على هذه السلطة بخروجه على/ من هذه المدينة التي دخلها يوماً باحثاً عن لاهوت يسكّن روحه وطب يدله على إكسير يداوي به جراح الفقراء، وإذا بالمدينة تجرح إنسانيته جرحاً يجعله يهيم خارجها بحثاً عن دواء لروحه القلقة. أليست سيرة الخروج هذه هي سيرة كل المثقفين الخارجين من/على مدنهم الخائنة للإنسان؟!
”أفقت من ذهولي، على حيرتي في مقصدي: هل أعود للكنيسة المرقصية.. فأشارك الأخوة هناك احتفالهم بنشوة الظفر والانتصار.. أم ألقي بنفسي على الجمر الباقي حول جسد هيباتيا، فأحتضنه، علني أدرك بقية من النار التي احترقت بها، فأموت معها متطهراً”[6]
لم يعد هيبا، خرج من المدينة وعلى كنيستها، يحمل قلق التناقضات ”الواقعة بين ديانتنا القائمة على الفداء والمحبة وتلك الأفعال التي تجري باسم المسيح في الإسكندرية”[7]
كان اتخاذ اسم هيبا، إعلان ولادة جديدة، ”أنا المولود مرتين”[8] تحمل في داخلها شهادة على عصره المضطرب. والمثقف يشهد على تحولات عصره بأسمائه وسيرته التي تحكي ما يجري في مدنه. من هنا كان هيبا بسيرتها حكاية وشهادة، سيفصل شهادته في حكاية يسردها في ثلاثين رقاً.
لن تروي هذه الرقوق مقدسات السماء، بل ستكون رواية لمدنسات الأرض وهي تنطق باسم السماء. الراهب يسرد نصوص المقدس ويدفع الناس كي يحتربوا حول الحقيقة المخبأة فيها حسب ظنه، والمثقف يسرد للناس وقائع المقدس في التاريخ واحترابات الناس حوله، ليبصرنا بما يعميه المقدس وسروداته. كان هيبا مثقفاً بروايته التي جعلتنا نرى القرن الخامس الميلادي ببصيرة دنيوية نافذة وناقدة.
بصيرة نافذة ونقادة، تتيح لنا رؤية عمى صاحب القداسة البابا (كيُرلُّس) أسقف الأسكندرية، وهو يخاطب هيبا، كي يبتعد عن علوم اليونان وفلسفتهم: ”هي أيها الراهب، خزعبلات المهرطقين، وأوهام المشتغلين بالفلك والرياضيات والسحر، فاعرف ذلك وابتعد عنه، لتقترب من سبل الرب وطرق الخلاص. إن كنت تريد تاريخاً؟ إليك التوراة وسفر الملوك. أو تريد بلاغة؟ إليك سفر الأنبياء. أو تريد شعراً؟ إليك المزامير. وإن أردت الفلك والقانون والأخلاق، فإليك قانون الرب المجيد”[9]. فيما كان البابا يخاطب رهبانيته، كان عزازيل يخاطب شقه المثقف ”اكتب ولا تجبن، فالذي رأيته بعينك لم يكتبه أحد غيرك، ولن يعرفه أحد لو أخفيته.. اكتبه اليوم كاملاً، اكتبه الآن كله”[10] .

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=11261

هوامش
[1]، [2]، [3]، [4]، [5]، [6]، [7]، [8]، [9]، [10]،يوسف زيدان، راوية عزازيل، ص,150 ص,164 ص,182 ص,183 ص ,165 ص,160 ص,184 ص ,164 ص,250 ص.155