عزازيل الوفاق والتحرك الجديد

الأهم فيما يحدث من خلافات بين التحرك الجديد والوفاق، هو الخطاب الذي يبرر به كل طرف مواقفه ويشرعن به أفعاله، يستند الطرفان إلى مرجعية دينية واحدة تقريبا في أفقها، وإلى مرجعية حركية مختلفة في تشخيصها، لكن كليهما يستخدمان النصوص الدينية نفسها في تقرير حجية سياستهم.

حادثة قرية الدير [1] التي منع فيها أحد قيادي التحرك الجديد -الشيخ عبدالجليل المقداد- من الخطابة فيها استندت إلى مجموعة من التبريرات الشرعية المتعارضة في تشخيصها للواقع، وقد بدأت الحادثة بخطاب ديني يحمل سياقا سياسيا، وهو خطاب الشيخ حمزة الديري النائب البرلماني وأحد أهم الآباء المؤسسين للحركة الدينية في القرية منذ نهاية السبعينات، وأحد أعضاء مكتب أئمة الجماعة بالقرية، وهي تسمية جديدة لم تكن معروفة.

DSC_1111 يقول في خطاب صلاة الجماعة «نحن في مكتب أئمة الجماعة ومن منطلق المسؤولية الشرعية لا نملك الحق في اختيار إمام للصلاة بالناس من يحمل فكراً منحرفاً عن الإسلام كأهل البدع أو أهل الملل والنحل الأخرى، ولا من لا نتيقن عدالته، وكذلك من يعمل على فصل الأمة عن مراجعها وقياداتها الدينية، سواء بقصد أو غير قصد ولا من يؤدي اختياره إلى حدوث فتنة في المجتمع وخلاف وشقاق… من ينال رموزنا وقياداتنا وأعني سماحة الشيخ عيسى أحمد قاسم وسماحة السيد عبدالله الغريفي بالتوهين والتشكيك ويعتبرهما قادة خط المسايرة وهو نعت يحمل الكثير من التخوين لا يسمح لنا التزامنا الديني بتقديمه للصلاة».[2]

هو ناطق هنا باسم (المسؤولية الشرعية) الدينية، لا المسؤولية الشرعية السياسية باعتباره ممثلا برلمانيا، وباسمها يمكنه أن يحكم بالمنع على كل من: من يحمل فكراً منحرفاً، من لا نتيقن عدالته، من يعمل على فصل الأمة عن مراجعها وقياداتها الدينية، من يؤدي اختياره إلى حدوث فتنة في المجتمع وخلاف وشقاق، من ينال من رموزنا وقياداتنا.

إنه فصل الخطاب، النطق باسم هذه المسؤولية لا يتيح مكاناً للتداول، بل للفصل في المسائل، في حين يتيح النطق باسم المسؤولية الشرعية السياسية، مجالا للتداول وإدارة الخلاف والتوصل إلى تسويات.

لم يستخدم الشيخ، مرجعيته السياسية باعتباره ممثلاً شرعياً للمجتمع الذي يخطب فيه، وذلك لأن هذا التمثيل لا يمنحه القوة التي يمنحها له تمثيله للشرعية الدينية، وتلك هي إحدى معضلات الخطاب الديني السياسي، لا يُعمّق من أدوات السياسة وتداولها في المجتمع، بقدر ما يُغرق المجتمع في خلافات دينية تشتغل فيها الفتاوى والنصوص الدينية والأحداث التاريخية. وهو يكثّر من الناطقين باسم الدين، ويقلل من الناطقين باسم السياسة. لو نطق النائب فيه (في الشيخ حمزة) وسكت الشيخ، لأتاح لجمهوره درساً بليغاً في ممارسة حقه السياسي في اختيار الحجج التي على أساسها يحاكم الخطابات السياسية واختلافات توجهاتها وشخصياتها. وتلك مهمة على الوفاق أن تعيها جيدا، أن تتيح للناس أن يمارسوا السياسية ويختلفوا في تقديراتهم للمواقف، لا أن يلجأوا للنصوص الدينية لإسكات بعضهم وإثارة الفتنة بين بعضهم.

استخدام النصوص الدينية والحجج الشرعية في الساحة السياسة فتنة، هذا الاستخدام في حد ذاته فتنة، وقد وقعت الأطراف المتخاصمة فيها، ولن تكف عن الوقوع فيه.

الزميل لبيب الشهابي في مقالته الناقدة أمس للشيخ حمزة[3]، لم يجنبا الفتنة، بل أوقعنا فيها، لأنه أحال إلى حجج شرعية أيضا في الرد على حجج الشيخ حمزة الشرعية، بل هو قربنا من الفتنة أكثر بإحالته إلى خطاب الشيخ عيسى الذي وظفه الآخر للرد على التحرك الجديد، وكأن الشيخ نفسه أصبح حجة يستخدمها المتخاصمون، وذلك لما لاسمه من قوة في إسكات الأطراف المحتربة، استند الزميل لبيب إلى خطبة الشيخ التي يقول فيها: «والمساجد للانتفاع العبادي للمسلمين وفي مقدمته الصلاة ولتبليغ الدين الحق وعلمه وتعليمه والتمكين له والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تملكه الحكومات ولا الأحزاب والفئات، ومن منع وظيفة من وظائف المسجد فقد عطل المسجد وحارب الله ورسوله وأرصد للدين وأضر به وهو منكر شديد يجب أن يحارب».[4]

مشكلة الخطاب الديني أنه يستخدم العموميات، والسياسة تتطلب الخصوصيات، أي هي إدارة وقائع خاصة مشخصة، وحين نبرر فهمنا الخاص المشخص لحالة معينة بالاستناد إلى قاعدة عامة دينية قد لا تنطبق عليه، ندخل في الفتنة، كما هو الأمر مع تشخيص النائب الوفاقي الشيخ حمزة بأن خطاب الشيخ المقداد يخلق فتنة وانشقاقا «إذا كان الشيخ الديري قد اتخذ هذا الموقف من منطلق تكليف شرعي، وأن التحرك الجديد يمثل خطرا على الدين لا بأس أن يقف في وجهنا».[5]

ولأن هذا التشخيص (تشخيص شيخ حمزة) لا يملك حججاً سياسية وعقلية واجتماعية كافية، فهو يحيل إلى قاعدة شرعية عامة مثل الأمر بالمعروف والنهي عن ممارسة المنكر في مساجد الله، وهو بهذه الممارسة خلق فتنة مازالت تبعاتها تتالى.

ويمكن بالاستناد إلى خطاب الشيخ عيسى قاسم، أن يقول أي شخص من أطراف التحرك الجديد: إن منع الشيخ المقداد من الانتفاع بمساجد قرية الدير، من أجل نهي الحكومة عن المنكر وأمر الناس بالمعروف وفق تشخيص التحرك الجديد، هو منع وظيفة من وظائف المسجد وهو بهذا المنع قد عطل المسجد وحارب الله ورسوله وأرصد للدين وأضر به وهو منكر شديد يجب أن يحارب.

كيف يمكن أن نخرج من فتنة المسؤولية الشرعية ونصوصها الشرعية وتوظيفاتها السياسية؟ لا يمكن ذلك إلا بتحرير السياسة وميدانها العام المشترك من النطق باسم هذه المسؤولية «ما عبرت عنه نابع من تكليفي الشرعي»[6]، من أجل النطق باسمنا وتقديرنا وتشخيصنا، ومرجعيتنا في العمل السياسي وأدواته.

ليس بالإحالة إلى خطاب الأخوة الإيمانية يمكن أن تحل هذه الفتن التي لم تتوقف يوماً، كما يحيلنا خطاب الشيخ علي الهويدي «لا يجوز أن أمنع إنسانا إذا كان إنسانا مؤمنا سيصلي في مكان أو يحاضر في مكان لا يجوز لأي إنسان مؤمن أن يمنع هذا الإنسان المؤمن، مادام هو إنسان مؤمن حتى لو اختلف معه». [7]

الطرد والمنع واللعن والحرمان أحكام دينية غليظة، ميدانها ليس السياسة، والحكم على الخلافات السياسية بهذه الأحكام الغليظة، يخرج السياسة من دائرة الدنيا ويدخلها في دائرة الآخرة.

سيبقى عزازيل (الشيطان) يشتغل بين الوفاق والتحرك الجديد، مادام الدين يدخل في دائرة تفاصيل السياسة، وعزازيل يكمن في التفاصيل والدين يكمن في العموميات.

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=11322

الهوامش

[1]، [2] انظر جريدة الوقت:

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=174355

[3] انظر مقالة الزميل لبيب الشهابي، بالوقت:

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=11312

[4] خطبة الجمعة للشيخ عيسى قاسم 23 يناير 2009م

[5] انظر تصريح الشيخ المقداد لجريدة الوسط.

http://www.alwasatnews.com/2521/news/read/190308/1.html

[6] انظر تصريح الشيخ حمزة الديري لجريدة الوسط.

http://www.alwasatnews.com/2521/news/read/190308/1.html

[7]انظر منتديات قرية الدير:

http://www.aldair.net/forum/showthread.php?t=81811