إصلاح الولاية

في مراسم تنصيب الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لولاية ثانية الاثنين 3-8-,2009 توقف رئيس مجلس الشورى علي لارجاني، طويلا عند ذكرى مرور مئة عام على ثورة المشروطة (1906)، كان يشيد بنجاحها في إقرار دستور يلزم الشاه بالرجوع إلى الشعب.

تعجبت من أني لم أسمع منه إشارة إلى (النائيني) ولا إلى كتابه المهم (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) والنائيني هو مفكر المشروطة (الحركة الدستورية) وكتابه هو الأثر الفكري الأهم لها بل والباقي منها.

لقد أشار المفكر العراقي فالح عبدالجبار مرات عدة ، إلى غياب محمد النائيني مؤسس فكرة المشروطة، من الذاكرة الرسمية، وعوضاً عن ذلك هناك طوابع بريدية تحمل صورة أكبر خصوم ثورة المشروطة، الذي انتهى إلى المشنقة لشدة دفاعه عن الشاه المستبد، وهو الشيخ فضل الله النوري.

لقد بحثت في (google) عن (خيبان نائيني) فلم أجد شيئاً، وبحثت عن0b1089fad16d604c9e7d198c4c44723a (خيبان فضل الله النوري) فوجدت شارعا باسمه وميدانا باسمه، فقد أشاد به الإمام الخميني لاحقاً وأعاد الاعتبار إليه.

لقد احتفت الشهر الماضي مجلة الحكمة التي تصدر عن مكتب سماحة الشيخ حسين نجاتي، بـ (الذكرى السنوية (102) لشهادة آية الله العظمى الشيخ فضل الله النوري ”ره”) وقد جاء في هذا الاحتفاء الإشادة بموقفه المضاد للمشروطة ”كان لخطابات الشيخ النوري التوعوية وكتاباته للزعماء والرؤساء تأثير بالغ في منع الأمة التصويت على ما عرف بـ (المشروطة)”[1].. لم يرد في هذا الاحتفاء أية إشارة إلى آية الله المحقق النائيني الذي وقف ضده النوري.

أشاد (لارجاني) بحيوية الشعب الإيراني ومكانة الدستور في تاريخه وحياته السياسية. وكأنه يشير إلى أن تنصيب نجاد اليوم وفق قواعد صلاحية الدستور، هو إحدى ثمار هذه الحركة الدستورية بتاريخها العميق في نفوس الإيرانيين.

الحركة الدستورية التي كانت محل خلاف بين فقهاء ومراجع كبار، هي اليوم تراث وتاريخ قومي وديني ومذهبي، هي محل فخر واحتفاء وإن لم تكن محل إجماع بالمفهوم الذي قدمه النائيني للمشروطة. لكن الحديث عن الحركة الدستورية بشكل عام دون الحديث عن كتاب النائيني بشكل خاص، يجعل من استعادة هذه الحركة، نوعا من الاحتفاء لا نوعا من المراجعة النقدية. وأشدد هنا على المراجعة النقدية نظراً للمأزق الذي فيه اليوم نظام ولاية الفقيه.

ما الفرق بين كتاب النائيني (تنبيه الأمة) وكتاب الإمام الخميني(الحكومة الإسلامية)؟ ما الفرق بين مفهوم الولاية فيهما؟ وما الفرق بين سلطة الفقهاء فيهما؟ وكيف يرى كلاهما الدستور؟

هذه الأسئلة أثيرها من أجل فهم موقف الثورة ثورة الولاية (ولاية الفقيه) من حركة المشروطة ممثلة في كتاب النائيني؟

يمكن أن نجمل الفرق بين الاثنين في أفق الحل الذي كان يتحرك من خلاله كلاهما، كان النائيني يتحرك من أفق (الدستور هو الحل)، وكان الإمام الخميني يتحرك من أفق (الفقيه هو الحل). الأول راح ينظّر للدستور ويؤصل لشرعيته، والثاني راح ينظّر لنيابة الفقيه ويؤصل لولايته المطلقة. فقيه الإمام هو الذي سيضع الدستور من مدونته الفقهية وهو الذي سيقيم الدولة وستكون سلطته قاهرة في الدولة، وفقيه النائيني سيكون مرجعاً للتأكد من عدم معارضة الدستور للشريعة. لن يكون الدستور من الشريعة، ولن يكون معارضا لها. في حين سيكون الدستور في السلطة القاهرة من الشريعة.

في كتاب الحكومة الإسلامية يحدد الإمام الخميني مفهومه للولاية بأنها سلطة تنفيذية مباشرة”يجب إقامة الحكومة والسلطة التنفيذية والإدارية. إن الاعتقاد بضرورة تأسيس الحكومة وإقامة السلطة التنفيذية والإدارية جزء من الولاية”[2]..

هي جزء من ولاية الفقيه، سيكون الفقيه ليس فقطاً منفذاً ومالكاً بولايته للسلطة التنفيذية بل هو أيضاً القانوني المشرع الذي يملك السلطة التشريعية ”بما أن حكومة الإسلام هي حكومة القانون، فيجب أن يكون علماء القانون، بل والأهم علماء الدين ـ أي الفقهاء ـ هم القائمون بها، والمراقبون لجميع الأمور التنفيذية والإدارية، وإدارة التخطيط في البلاد. الفقهاء أمناء في إجراء الأحكام الإلهية، وأمناء في استلام الضرائب، وحفظ الثغور، وإقامة الحدود. فيجب ألا يتركوا قوانين الإسلام معطَّلة”[3].

تتحدد هوية الحكومة الإسلامية وفقا مفهومها للمشروطة (الدستور) فالدستور في هذه الحكومة لا يخضع للعبة الديمقراطية بل لشروط الكتاب والسنة والقانون الإلهي الحاكم للناس”الحكومة الإسلامية لا هي استبدادية ولا مطلقة، وإنما هي مشروطة. وبالطبع ليست مشروطة بالمعنى المتعارف لها هذه الأيام، حيث يكون وضع القوانين تابعاً لآراء الأشخاص والأكثرية. وإنما مشروطة من ناحية أن الحكام يكونون مقيدين في التنفيذ والإدارة بمجموعة من الشروط التي حددها القرآن الكريم والسنَّة الشريفة للرسول الأكرم (ص). ومجموعة الشروط هي تلك الأحكام والقوانين نفسها الإسلامية التي يجب أن تُراعى وتنفذ. ومن هنا فالحكومة الإسلامية هي (حكومة القانون الإلهي على الناس)” [4]..

هذا الفهم للولاية التي مرجعها الفقيه ومنفذها الفقيه ومشرّعها الفقيه، يجعل من الولاية ولاية قاهرة، تملك جميع الأدوات بيدها، وتقدم نفسها بصفتها تمثيلا لحكومة القانون الإلهي على الناس، لا قانون الناس الدنيوي. في مقابل هذا الأفق المشغول بأسلمة كل سلطات الدولة لتكون وفق الضمانة الإلهية. نجد فهم النائيني للولاية لا يتجاوز غاية رفع الظلم والاستبداد عن الناس، ”أما الدستورية (المشروطة) فهي تعني فيما تعنيه استرداد الحرية من الغاصبين”[5].

المشروطة محددة برفع الظلم والجور والاستبداد، هي مجموعة من القوانين التي تحد من اغتصاب حرية الناس، لم يكن مشغولاً بأسلمة القوانين ولم يكن يعنيه من أين تأتي، كان يعنيه ألا تتعارض مع أحكام الشريعة، لم تكن تشغله فكرة أن الشريعة تغطي الدولة وفيها كل أحكامها، ”الدستور المقترح في باب السياسة والنظام بمثابة الرسالة العملية للمقلدين في أبواب العبادات والمعاملات… يكفي لصحته ومشروعيته عدم مخالفة فصوله للقوانين الشرعية. ولا يعتبر أي شرط آخر في صحته ومشروعيته”[6].

لم يكن يشغله أسلمة القوانين، بل وضع قوانين تلزم وتلجم المستبد ”وأما مع عدم إسباغ الصفة الشرعية والإلهية وعدم نسبة الحكم إلى الشارع المقدس، فإن أي لون من الإلزام والالتزام سواء على الصعيد الفردي أو الاجتماعي لا يعد بدعة ولا تشريعا. مثل النوم والاستيقاظ والأكل في ساعات محددة أو كأن يلتزم أفراد الأسرة أو القرية بتنظيم أمورهم على وجه خاص وطراز خاص”[7].

ليس للفقيه ولاية تلزم في الأحكام غير الأحكام المنسوبة للشارع المقدس، هي أمور تنظيمية لا تنتظر مطابقتها مع القانون الإلهي. الإمام الخميني كان يرى كل الأمور تحتاج إلى إلزام الشارع المقدس، ومن ثم فهي تحتاج إلى ولاية الفقيه المطلقة في كل الأمور.

هكذا، إذن ثمة فرق أو تعارض بين ولاية الفقهاء التي لا تتجاوز التأكد من عدم معارضة بنود الدستور للشريعة، كما هو الأمر مع النائيني، وبين ولاية الفقهاء التي تتجاوز مطلق الأمور.

لن تجد الثورة في المفكر والفقيه النائيني ما يعزز من مفهومها للولاية المطلقة، بل ستجد تعارضا معه، فهو لم يكن مشغولا بقضايا الحيض والنفاس في زوايا النجف كما كان يشير الإمام الخميني إلى هذا الصنف من الفقهاء، ولم يكن بعيداً عن الانشغال بالقضايا السياسية والمعارضة كما هو الأمر مع الفقهاء الذين عارضوا الإمام الخميني وانخراطه في القضايا السياسية.

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=11372

هوامش

[1]مجلة الحكمة، العدد8 ,220/7/.2009

[2]، [3]، [4] الإمام الخميني، الحكومة الإسلامية.

[5]، [6]، [7] تنبيه الأمة وتنزيه الملّة، المحقق النائيني، تعريب عبدالحسين آل نجف، ص,155ص,106 ص164