الأب وشدائد الترك

”أن يكون لك أب تفتقده، فتلك حالة طبيعية، وأن يكون للجماعة أب تفتقده، فتلك حالة ثقافية”. ما الفرق بين شعور ولا شعور حالتي الطبيعية حين أفقد أبي، وبين شعور ولا شعور حالة الجماعات الأصولية والدينية التي تحس بأنها فقدت أبوَّتها الرمزية، وتعيد استعادتها؟
arton2319 حين فقدت أبي في أبريل/نيسان الماضي كنتُ في محنة شخصية، خرجتُ منها بالتسليم باستحالة استعادته، واستحالة أن أكون نسخة طبق الأصل منه، آمنتُ بأبوَّته الروحية الجامعة للعائلة، ولم أحوله إلى سلطة قاهرة تفرض عليّ التماثل معها. الأمر في حالة الجماعات الأصولية على العكس من ذلك تماماً، تستميت في الرغبة استعادة الأصل والتطابق معه وتحويله إلى سلطة قاهرة تقسّم الجماعة إلى جماعات متحاربة. من هنا تحتاج هذه الجماعات إلى مقاربة التحليل النفسي.
في كتابه ”الإسلام والتّحليل النّفسيّ” يدعونا المحلّل النفسانيّ أستاذ علم النّفس العلاجيّ، عميد وحدة التّكوين والبحث في علم النّفس السّريريّ والمرضيّ بجامعة باريس 7 (فتحي بن سلامة) إلى وقفات تأمّل في ”هذيان اللّجوء إلى الأصل”، وما قام عليه من عمليّات مخبّلة.
يفتح بن سلامة أرشيف الأب الذي نرجع إليه كرد على وضعنا الحضاري المأزوم، يفكك ما في هذا الأرشيف من قصص وأحداث وأوامر كانت مخابر لبناء الأصل وتخييله. الأب يأتي في صورة أصل، نبي، إمام، ولي، زعيم مؤسس، شريعة، قانون، أمر، لحظة ولادة. ويمتد هذا الأب في الزمان في شكل سلطات تمثله وتنطق باسمه، وتؤوِّل كل الأشياء وما يحدث إليه، وهي كسلطة تؤول في البداية والنهاية إليه.
ما علاقة الأب بالأصل؟
الأب يفسر الأصل، الأصل أبونا الذي نعود إليه، لنؤكد وجودنا وهويتنا وأصالتنا وصحتنا وحقيقتنا، فنحن لسنا خطأ، نستميت في الدفاع عن أصلنا وإثبات صحته وأبوَّته السابقة على الجميع. الحاجة إلى الأب ليست حاجة فردية فقط، هناك حاجة جماعية، تمر بها جماعة ما في لحظات حضارية ما. كما هو الأمر مع الجماعات الأصولية التي تعاني من (شدائد الترك)، وهي معاناة نفسية تخشى فيها الذات الجماعية فقد وصاية الأب الذي يمنحها الحماية والطمأنينة وسط هذا العالم المضطرب. هناك قوة جبارة تصلنا بالأب، وهي قوة الوهم، والوهم ليس هنا الخطأ أو التزييف أو نقيض الواقع، الوهم قوة لها قدرة على أن تنشئ واقعها، ويخبرنا (فرويد) أنه لا مثيل للأديان في خلق هذه القوة والتخويف من فقدها.
”تتمثل فرضية فرويد في أن القدرة على الإيهام هي أحد المصادر التي تستمد منها الأديان نجاعتها، الوهم قوة، قوة مرتبطة بشوق قديم يطمح إلى الإشباع، زاهداً في كل تصديق يمكن أن يأتيه من الواقع، ويعود أصل هذه القوة إلى الجزع الطفولي من شدائد الترك، وهي معاناة لا بد أن يذوقها كل شخص في حياته، كما يعود إلى إرادة الوقاية منها باستنباط سلطة ذات وصاية، شبيهة بتلك التي ننسبها إلى الأب”.[1] نحتاج إلى شيء من الصبر كي نفهم فرضية فرويد التي سأحاول تبسيطها.
أن يكون لك أب تفتقده، فتلك حالة طبيعية. وأن يكون للجماعة أب تفتقده، فتلك حالة ثقافية. (الجزع الطفولي من شدائد الترك) حالة طبيعية بالنسبة للشخص، وحالة ثقافية بالنسبة للجماعة، فالجماعة تتكون حين تكون لها ثقافة تجمعها من قيم وعادات ومنظورات وتشريعات، وهي كي تعطي لما يجمعها أهمية استثنائية، فإنها تسبغ عليه مشاعر الأب، وتعتبره الأصل الذي تعود إليه، والسلطة التي تحرسها من الضياع والشتات، وكلما واجهت شدة أو محنة وجودية أو حضارية لجأت بجزع إلى هذا الأب، وحمَّلته ما يواجهها، هي تخشى أن يتركها هذا الأب الذي هو أصل قيمها وتشريعاتها وعرفها، لذلك تزداد أصوليتها، بمعنى يزداد تمسكها بالأصل وإعادة تأصيله، كطفل جزع يخشى أن يتركه أبوه فيتمسك به، ويسبغ عليه مشاعر القوة التي تحميه، والمكان الذي يأمن فيه، والسلطة التي لا يمكنه الاستغناء عنها. الجماعة حين ترتد بها حالتها الثقافية إلى الطفولة تحتاج إلى عيادة التحليل النفسي.
أبوَّة الأصل لديها القدرة على الإيهام، إيهام الجماعة بقدرة هذه الأبوَّة على أن تمنحهم الثقة والحماية والأمن والتمكن من مواجهة ما يستجد في حياتهم ويهددها. الحركات الأصولية تواجه شدائد الحاضر وقوته التي تفوق واقعها باستحضار هذه الأبوَّة والنطق باسمها.
حين تختل علاقتنا بالأب لسبب ما نحتاج إلى عيادة نفسية تفتح أرشيف أبوَّتنا، بما فيه من أحداث وتحولات ووقائع وأوامر ونواه وبدايات. هذا ما يفعله فتحي بن سلامة في كتابه الصعب (الإسلام والتحليل النفسي). يفتح عيادته النفسية ليضع الحركات الأصولية على سرير هذه العيادة؛ ليتفحص أرشيف أبوَّتها، ويرينا حالات لا شعورها وهي تحاول استعادة أبوَّتها المستحيلة.
الجاهلية في مفهوم الحركات الأصولية، هي حالة جهل بالأبوَّة، والخروج من الجاهلية يتمّ بالتعرف على الأب، وصحوتها تتحقق بالتعرف على هذا الأب وإعادة إحيائه ”اللجوء إلى الأصل أملا في إعادة بناء سور الوهم الديني، إلا أن هذا السور داخلته الثقوب والشروخ بفعل محنة العالم التاريخي والعلمي المعاصر [2].
إنه السور الفاصل بين هذه الحركات وبين العالم وما يحدث فيه، الأب يبني أسوارا تفصل وتقسّم ولا تصل.

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=11851

هوامش
[1]،[2] الإسلام والتحليل النفسي، فتحي بن سلامة، ترجمة رجاء بن سلامة، ص,60 ص63