إسطرلاب العارف

جريدة أوان الكويتية

السبت 21/11/2009 العدد:728

http://www.awan.com/pages/culture/253334

«الإنسان إسطرلاب الحق، والإسطرلاب لا محالة يحتاج إلى منجم عارف كي يستعمله، ألم تر البقال يعرض الإسطرلابات في دكانه، إلا أنه لا يستفيد منها. إذن الإسطرلاب مفيد في يد المنجم فقط»

جلال الدين الرومي

الإسطرلاب مقياس السماء، أو لنقل مقياس الأرض للسم اء. فالإسطرلاب يقيس زوايا النجوم ومسافاتها ويحدد اتجاهاتها، ويدل الإنسان على جغرافيا الأرض من خلال خارطة السماء. الإسطرلاب دليل السماء. هو مرآة السماء في الأرض، بمعنى السماء تُعرف بهذه المرآة، هو يرصد Astrolabe_planisf%C3%A9riqueالسماء كي يصل الإنسان إلى أماكنه في الأرض. من السماء نرى الأرض رؤية مركبة غير مباشرة، فالإسطرلاب ليس مرآة مسطحة، هو مركب من صفائح ودرجات ومؤشرات شديدة التعقيد، والإنسان هو الكائن الوحيد الذي لديه القدرة على التركيب ورؤية الأشياء من خلال أشياء أخرى.

قيل إن الإسطرلاب كلمة يونانية الأصل تتألف من مقطعين: أسترون astron وتعني نجماً، ولامبانين lambanein وتعني «الأخذ»، أي هي «أخذ النجوم» star taking. وقيل إنها لفظة فارسية عُرِّبت، «ستاره ياب» ومعناها مدرك النجوم. أطلق عليه القدماء اسم (آخذ النجوم)، ويمكننا أن نتأول هذه التسمية وفق ما نريد ونقول: هو يأخذ النجوم إلى الأرض، يقربها من الأرض، ويصلها بها، ويجعلها تتمرأى فيه، كي يمكن رؤيتها.

الإسطرلاب يأخذ السماء إلى الأرض، السماء البعيدة المتعالية الأخّاذة، يجعلها الإسطرلاب في متناول تصرف الأرض، في متناول حركتها وحركة إنسانها، وحركة ملاحته البحرية، وأعماله في المساحة والتثليث الخاصة بقياس الأرض، السماء المجهولة الغامضة وغير المدرَكة، يجعلها الإسطرلاب في متناول معرفة الأرض، كأن الإسطرلاب حاسة الأرض التي تُدرك بها السماء، ولأن الإنسان منجذب إلى السماء بطبعه، فقد أوجد الإسطرلاب، ليكون مرآتها، فهو أَخْذُها وهو إدراكها وهو صورتها.

بكل ما يتوافر في الإسطرلاب من هذا، وجد المتصوفة فيه صورة الإنسان، فأطلقوا على الإنسان إسطرلاب الحق، لأن ما وراء السماء، لا يمكننا أن نراه أو نعرفه أو ندركه إلا بهذا الإسطرلاب (الإنسان).

وقد أدرك السفسطائيون ما في الإنسان من إسطرلاب فقالوا: الإنسان مقياس الأشياء كلها، أي مقياس حقائق الأشياء، فالأشياء لا نعرفها حين تكون مجردة من ذات الإنسان، بل نراها عبر مقاييس فهمه الذاتية (إسطرلابه) للحق والحقيقة والجمال والعدل والألوهية، هكذا نعرف ربنا وعالمنا وحقائق كثرته، عبر إسطرلاب الإنسان. ويقول الرومي «إن الإنسان الذي يتعرف إلى ربه ويسعى باستمرار إلى معرفته يمكنه من خلال إسطرلاب وجوده أن يرى تجلي الخالق عز وجل وجماله الذي لا مثيل له لحظة بلحظة، ولن تخلو مرآته بتاتا من ذلك الجمال». الإنسان يأخذ جمال الخالق يأتي به إلى الأرض، فيجعله مُدرَكاً بالحواس. يعدد لحظاته ويعدد تجلياته ويعدد وجوداته ويعدد مراياه من خلال إسطرلاب وجوده (تجاربه وتجلياته وحكاياته). من يأتي إلى الأرض بغير الجمال، فهو لا يأتي به من السماء، وهو في غير ما فيه من إسطرلاب الحق، بل في كتاب الرومي (فيه ما فيه) يقول: «الإسطرلاب مرآة الأكوان»، أي أن الإنسان بما فيه من أكوان تتجلى في إسطرلاب وجوده.

الإسطرلاب يرسم من يستخدمه، وهو لا يكون مرآة الأكوان ما لم يكن في يد منجّم أو منجِّمة تعرف كيف يمكنها به أن ترى وتحسب وتقيس وترصد وتراكم وتدرك وتأخذ. من هنا فالفلاسفة منجمو حقائق العالم. يحسنون استخدام تجارب الإنسان وقصصه مقياساً لتشييد حقائق العالم. الفلسفة ضرب من ضروب التنجيم، أو فن من فنون استخدام الإسطرلاب. لقد طوّرت البشرية بحضاراتها المختلفة أنواعاً كثيرة من الإسطرلابات، لتدلها على العالم وسمائه، كذلك ابتكر الفلاسفة مقاييس كثيرة للإنسان لرؤية العالم بأرضه وسمائه بمقاسات مختلفة وزوايا مختلفة.

من لا يحسن استثمار تجارب الإنسان وحكاياته لرؤية العالم، يشبه بقّالاً لا يحسن استخدام الإسطرلابات المصفوفة في دكانه.

لهذا كان الإنسان إسطرلاب المتصوفة والفلاسفة والعرفاء والعلماء، وخارج هذا الإسطرلاب لا يمكنك أن تدرك سماء أو تهتدي إلى أرض أو تأخذ حقيقة.