سيرة العم حجي عباس في جنة أصدقائه

سوق جنة خادم الإمام الحسين الحاج عباس فضل

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=192777

     هناك شخصيات لا تفقدها مرة واحدة، بل مرات تظل تشعر أنك فقدتهم أكثر من مرة لأنهم يحضرون بقوة في أكثر من موقف، الحاج عباس فضل(1932-2009) الذي ارتبط اسمه واسم جده بمأتم حجي عباس بالمنامة، من صنف هذه الشخصيات، عاشوراء هذا العام هو الأول الذي مرّ من دون أن يتقدم الحاج عباس موكبه. كانت لافتات صوره في وسط المنامة هذا العام تعبر عن حجم فقده في قلوب من أحبوه في هذه الأجواء. في هذه الجنة، يروي أصدقاؤه ملامح من سيرته فيهم، وهي جزء من كتيب سيصدر قريباً عن سيرته.

حجي عباس

– عزة النفس

«عزة النفس» هي الكلمة التي يمكنها أن تعبر عن شخصية الحاج عباس فضل. يقول الدكتور عبدالهادي خلف: قبل سنوات سمعتُ نقلاً عن الخال الحاج عباس بن فضل كلاماً. وفي كلام الحاج عباس حكمة جيل سبقنا ولكنه يعايش ما نعايش. فلقد أجاب على كل الأسئلة (أسئلة الصمود) في عبارة من كلمتيْن: «عزة النفس». فمن لا يحافظ على عزة نفسه أو يستخف بها لا يستطيع أن يرفع رأسه في وجه صاحب سلطان، سواء أكان هذا يحمل سيفاً أم صرة ذهب. ومن دون عزة النفس يباع التاريخ والمستقبل وتنكسر الأعين وتمتد الأيدي ذليلة تطلب العطايا بدل أن تطالب بالاستحقاقات. لقد عبّر مجايلوه ورفقاء دربه عن عزة نفسه بعبارات العصامية والاتساع والثقة والعفة وكلها تحيل إلى عزة النفس.

– بنيان القلوب

كيف تصف شخصاً، هو ذاتك نفسها، هذا لسان حال القريبين من أصدقاء الحاج عباس فضل، من أمثال الحاج عبدالوهاب خمدن والسيد علي سيد ماجد لا تكفّ قلوبهم تردد: كان الحاج عباس، شقيق روحي، كأنه قطعة من ذاتي، لا نكاد نغادر بعضنا، ولا يغادرنا فريق الحمّام، في هذا المكان توحدت قلوبنا، وتكونت مصائر طفولتنا، تعلمنا من احترافنا مهنة البناء أن تكون قلوبنا بنياناً مرصوصاً، فكانت كالبنيان المرصوص أو أشدّ قوة.

حين بدأت يدي الحاج عباس تشكيل الأسمنت والحجر، لم تكن صناعة الطابوق قد عرفت بعد، فقد كانت الأحجار هي مادة تشييد البيوت، الصبي ورفقته يتشكلون على أساتذة البناء في ذلك الوقت: الأستاذ خدادة الذي بنى مأتم المديفع والصفار وغيرها من بنايات المنامة، والأستاذ زاير حيدر والأستاذ كَلْ محمد.

مع دخول عصر صناعة الطابوق، سيصير الصبي أستاذاً، وسيشاركه الأستاذية السيد علي. وسيمارسان هذه الأستاذية مع رفاقهم بجمعية ذو الفقار، في تشييد مأتم الحاج عباس، كان ذلك في الخمسينات، المأتم قد هُجر والماء تمكن من إغراق جزئه السفلي حتى صارت أبوابه لا تفتح. لكن بقي يحمل لافتة اسم مؤسسه، ظل وفياً لهذا المؤسس الحاج عباس الكبير الذي كان يعمل في بيت الدولة، وهو جد الحاج عباس فضل. سيأخذه هذا الجد نحو الحلم بإعادة إحياء هذا المأتم، لم يكن الحاج عباس يملك غير يديه الماهرتين في هندسة الحجر والأسمنت، وسيعوض عوز اليد بغنى القلب، إنه غنى رفقته في جمعية ذو الفقار، فهؤلاء الرفقة المجتمعة على قلب واحد، كانت تحمل نبضاً شبابياً تحرّكه روح الفزعة المحلية، ولشدة طغيان هذا النبض صاروا يعرفون بجماعة الشباب، وظل هذا الاسم لصيقاً بهم، ومازالت بقايا هذا الاسم حاضرة في موكب عزائهم «موكب شباب مأتم حجي عباس». كما أنهم عرفوا بالتعبير الشعبي «الملحان»، وذلك لأنهم كانوا خارج الأسر الكبيرة المسيطرة على إدارة المآتم، وهم ينتمون إلى طبقات العمال المشتغلين في البناء والمراكب.

كانوا يضعون كل حجرة بأرواحهم ويرصونها بقلوبهم، طوال سنوات ثلاث، حين استوى هيكل المأتم احتاجوا إلى جسر حديدي (بيم) طوله 42 قدماً، لم يكن المال متوافراً والتبرعات قد استنفدها البناء، هنا اقترح عليهم (أحمد عوافي) الرجل القادم من الإحساء والمتحول إلى التشيع حديثاً، الذهاب إلى مقهى الفارة، بحسب ما تروي ذاكرة سيد علي، هناك ستكون التبرعات بقدر طول الجسر، كانت الفكرة مغامرة شبابية، ومغامرات الشباب جسور وصل بين الأجيال، هكذا تمّ لهم ما أرادوا، فصار الجسر حقيقة تنجزها مغامرة.

كانت تجربة مشروع المأتم مدرسة تعلمَتْ من خلالها رفقة الشباب مهارة تعجز المدارس اليوم عن إكسابها لطلابها، كان بناؤهم للمأتم في الخمسينات بمثابة مشروع تخرجهم على أيدي أستاذة البناء حينذاك، شعروا بأنهم أساتذة بناء حقيقيين حين تمكنوا من تشييد المأتم، وسيحمل الحاج عباس هذه الخبرة معه حتى منتصف الثمانينات حيث تقاعده، عن البناء لا عن خدمة الإمام الحسين، وسيثير معمار مأتم الحاج عباس، مأتم بن سلوم، وسيطلب منه أن يعيد بناء مأتم بن سلوم على منوال مأتم حجي عباس.

لقد تعلموا في هذه المدرسة، بناء ذواتهم بقيمها التطوعية، كان عنوان خدمة الإمام الحسين، تعني خدمة المجتمع المحلي الذي يحيط بهم، وتعني تعلم قيمة أن تعطي من روحك وجهدك وراحتك ومالك من أجل العمل في المجتمع. وتعني تعلم العمل كفريق واحد.

-الخروج من مأتم مدن

الحاج إبراهيم المنصور ورث رعاية مأتم مدن عن أبيه، وتمتد علاقته بالحاج عباس إلى مرحلة الشباب في الأربعينات، يقول وهو متكئ على أريكة مكتبه الصغير في وسط مدينة المنامة: هنا كان يجلس حجي عباس يومياً، يوم وفاته، خرج من هنا متوجهاً إلى المسجد، ليؤدي صلاته الأخيرة، نذكره يومياً، لا يغيب عن مجلسنا، نذكر هدوءه الرائع، واحترامه لخصوصيات الآخرين، والتزامه حدود حرمة الأشخاص، لا يدخل على ما يخص الأشخاص، وهذه ميزة نادرة في بيئة كل شيء فيها يدخل على كل شيء حد انعدام الخصوصية. حجي عباس نموذج للشخص العاف الكاف. يكتفي بمحبة الناس، ولا يطلب منهم أكثر من ذلك. لديه مفتاح مكتبي الذي صار مجلسنا اليومي في الضحى، كما لديه مفتاح قلوبنا، ينتظرنا أو ننتظره، هنا حيث تجلسين أنت الآن (يشير إلى فضاء بنت حجي عباس)، كان مكانه المفضل، تمتد علاقتي بالحاج عباس إلى الأربعينات، ولا تسألني (وهو يضحك) كم كان عمرنا، فالأعمار بيد الله وهي سرّ من أسراره، لكن تستطيع أن تقول كنا على مشارف الحلم، الحلم في العمر والحلم بالحياة، حلمنا، تشكله فرقاننا القريبة من بعضها ومآتمنا التي كانت ساحة نشاط شبابنا. كنا نعمل في مأتم مدن، بتاريخه العريق، فهو من أوائل من عرف ضرب القامة مع مأتم الحساوية، بعد مأتم العجم الكبير. وكعادة المآتم في الاختلاف والانشقاق وتوليد المآتم من خلافات المآتم، خرجت مجموعة من مأتم مدن، وكان من ضمنهن حجي عباس، لم يكن في خروجهم حرب ولا عداء، بدليل أن علاقتي الأخوية الحميمة بحجي عباس استمرت، وظل يأتي مأتمنا الذي لم أغادره قط، ونذهب إلى مأتمهم.

– بناء مأتم بن سلـوم

للحاج أحمد بن سلوم علاقة متفردة بالحاج عباس يسترجع هذه العلاقة بحميمة وفية لسيرة الحجي، يقول: جاءت علاقتي بالحاج عباس، امتداداً لعلاقته بأبي من جانب وامتداداً لأبوته الرمزية لشعائر إحياء كربلاء من جانب آخر، حين توفي أبي كان عمري خمسة عشر عاماً، وتشرفت في 1980 بمسؤولية إدارة مأتم بن سلوم ولم أتجاوز عشرين عاماً، كنت يتيماً من الجهتين، جهة الأبوة التي فقدتها، وجهة الخبرة التي لم أتوافر بعد عليها، لقد شكل الحجي عباس أبوتي في الجهتين، احتضنني بعطفه وقلبه الكبير الذي كان يسع الجميع، واحتضنني بخبرته وحكمته في إدارة مؤسسة المأتم، مازلت مديناً لدرسه في تسيير شؤون المأتم وشؤون الموكب، وسأظل أفتخر بأبوته التي أتاحت لي قرباً خاصاً منه، وسأظل تلميذاً يقتفي خطو حكمته وحنكته.

بعصاميته المتفردة، تمكن من إعادة بناء مأتم حجي عباس، برفقة الشباب حينها الذين دفعتهم الفزعة، لبناء المأتم، ولما كان عمي معجباً ببناء مأتم حجي عباس، طلب مباشرة من الحاج عباس، أن يبني مأتم بن سلوم وفق تصميم مأتم حجي عباس، كان ذلك في العام ,1964 ومازال مأتم بن سلوم محتفظاً بهذا التصميم وبآثار أيدي الحاج عباس في جدرانه ونسب مسافاته، كما أني ما أزال محتفظاً بأثر حجي عباس في إدارتي للمأتم وموكبه. لذلك أقول كم مدين مأتمنا لهذا الرجل! وكم هو محظوظ به، لم يعد رجال المآتم اليوم يتوافرون على هذه الصفات الشخصية المتفردة التي كان عليها جيل الحاج عباس.

في كل موقف أمرّ به معه، أكبره وأرى تعاليه على صغائر الأمور مهما بدت كبيرة، لما حصل الخلاف المؤسف حول مأتم حجي عباس، لم يتمكن موكب عزاء الديه من المشاركة في المنامة في العام الذي تلا الخلاف، حينها، استأذنته بأدب من يقدر رتبة المكانة، في أن أستقبل موكب عزاء الديه في مأتمنا، فلم يخيب ظني فيه، جاءت موافقته برحابة جعلتها أقرب إلى المباركة منها إلى الموافقة، وهنا لابدّ أن أعترف بفضله في تعليمي أهمية الاحتفاظ بالمعزين، وكيفية إدارتهم بحكمة، وكسب قلوبهم قبل صدورهم، وربما قد أعطى هذا الدرس ثمرته في الموكب الذي تفرد بحجمه مأتم بن سلوم طوال فترة التسعينات الملتهبة.

– امتداد الأبوة

(أبوحسّان) الحاج علي الونان، من أبرز الشخصيات التي كانت تلازم الحجي، وتعرف تفاصيل شخصيته وسيرة مأتمه، يقول في شهادته: كان امتداداً لأبي، كأني ورثت حجي عباس عن أبي، من أجمل الأشياء التي تركها لي أبي. ولد أبي في 1920 وقد أسس مع الحجي جمعية ذو الفقار، وخاض معه السنوات الصعبة في بناء مأتم حجي عباس، كانا قريبين من بعضهما، وكنت قريباً من علاقتهما الحميمة، أبي يكبر الحاج عباس بأربعة عشر سنة تقريباً، لقد جعل فارق السن علاقتهما أشبه بالأب والابن، أبي كان أباه، ولما توفي في 1985 صار حجي عباس أبي، صار في قلبي وصرت في روحه. وجدت في كنفه أبوة حانية وأخوة ندية وصداقة متينة، لم يكن أحد غير حجي عباس قادراً أن يجمع في قلبه الواسع بين هذه الصفات، صفات الأبوة والأخوة والصداقة، يناديني أحياناً يا ولدي، وأحياناً يا (أبوحسّان) وأحياناً يا أخي. وهذا ما جعله واسطة تصل أجيالاً مختلفة ببعضها، يجد فيه الشباب متسعاً لحماسهم المفرط واندفاعهم، ويجد فيه الكبار مكاناً للحكمة والتروي، لذلك أحبه الجميع، واحترمه حتى من اختلفوا معه، وهو قليل الخلاف. لا أذكر أني اختلفت معه إلا فيما كنت فيه مندفعاً من دون حسبة لما سيؤول إليه الأمر، في هذه اللحظات، يوقفني ليردني باتساع حكمته إلى ما هو أكثر عقلانية واتزاناً. لذلك لا عجب أن أحبه بإفراط، وأثق فيه بإفراط أكثر، فروحه الشفافة البيضاء لا تترك لك مجالاً أن تسيء للحظة في ذمته أو دقته، حتى أني لم أسأله يوماً وأنا القريب منه، كم لدى الجمعية من المال؟ بل كنت أقول له: في حدود كم من المال أتحرك للقيام بهذه المهمة؟ ليست ثقتي فيه نابعة فقط من يقيني ببياض سيرته، وكفاف يده وتعفف روحه التي لم تعرف يوماً غير التعالي على صغائر الأمور مهما كانت كبيرة، بل كانت مبنية كذلك على معرفتي بطرق توثيقه للحسابات، وحرصه على بيانها بوضوح في دفاتره.

– المبيت في الزنزانة

إنها ربما المرة الأولى التي يبيت فيها حجي عباس في ليالي محرم، خارج فريق الحمّام، في أيام عشرة محرم، لا يغادر ليالي الحي، يظل حتى ساعات الفجر الأولى يتفقد موكب العزاء واحتياجاته، ويتابع ما يستجد من أحداث، ويحل ما يتعقد من مشكلات. إنها ليالي الاستنفار، وكلما تقدمت ليلة في محرم زادت حالة الاستنفار، وارتفعت درجة القلق، فكل مراسم العزاء تتم في منطقة جغرافية صغيرة نسبياً إذا ما قيست بعدد المشاركين في الشعائر، وهناك احتقانات سياسية تجد متنفسها في المواكب العزائية.

في إحدى ليالي أحداث التسعينات، كان محرم قد هلّ، والجميع في أقصى حالات توتره، لا نعرف كيف سيكون الأمر، يقول أبوحسّان، ويدنا على قلوبنا من أن ينفجر الوضع لأي سبب من الأسباب. أتذكر في إحدى ليالي العشرة، كنا في اجتماع للهيئة في بيت منصور بن رجب، وقد اشتدّت بعض الاختلافات، وصار الوضع متوتراً في الداخل كما هو في الخارج، فالأحداث السياسية تترك آثارها على اجتماعات الهيئة. كنت والحاج عباس قد خرجنا من الاجتماع، ونحن في الطريق، أخبرونا أن الشرطة تبحث عنا، وحدثت بلبلة في الموكب بسبب توزيع مناشير. لم نرجع إلى بيوتنا، ولم يعرف أحد من بيت الحجي عن الأمر، فقد اعتادوا تأخره في ليالي العشرة، بتنا في سجن مركز شرطة الحورة، فيما كان حجي عباس، يجلس بهدوئه الجليل مستنداً إلى الجدار، كنت أنا في توتري المعهود، أذرع السجن ذهاباً وإياباً، تبرع أحد الموقوفين بقطعة بسكويت وآخر تبرع بمرتبة النوم، مع أذان الفجر، صلينا وأخذنا نترقب الصبح وما يسفر عنه، مع الساعة التاسعة، تفاجأنا بأن لغة الحوار معنا تغيرت والمعاملة الجافة صارت ترحيباً، وفناجين القهوة دارت بيننا، عرفنا فيما بعد أن الحاج أحمد منصور العالي، قد تفقدنا في اجتماع للهيئة في مبنى الأوقاف الجعفرية ولم يجدنا، وحينها أدرك أن اجتماعاً لا يحضره ممثلون عن موكب مأتم حجي عباس، سيكون ناقصاً بشكل كبير، فقد كان لموكبنا ثقله. أجرى الحاج أحمد اتصالاته، وتدخل بقوة لإخراجنا حالاً، وهذا ما كان، خرجنا من المركز في التاسعة والنصف إلى الاجتماع مباشرة.

بيت أم عاشور

بيت أم عاشور، هو أول وقف يسجل باسم مأتم حجي عباس، وحالياً هو مطبخ جمعية ذو الفقار التي تدير أمور موكب العزاء، ولأم عاشور حكاية تمتزج فيها الحقيقة بالأسطورة، لقد عايش الكثير من أهل الفريق أم عاشور، ورأوها امرأة فارعة الطول بيضاء متأنقة في لباسها، قبل أن يباغتها الحزن ويضع عصابة سوداء على جبينها، كأنها شامة لا تغادرها، صار لا يغادرها السواد ولا الحزن، زوجها عبدالرضا المسكتي جاء من لنجة، وهي جاءت من العراق، غادرت ديانتها اليهودية مبكراً، على يدي زوجها، عشقت حب الإمام الحسين من خلال زوجها، وشاركته إحياء عاشوراء، يقال إن زوجها هو أول من عرّف الناس بطبخة البرياني، فقد كان بخير ويسهم من أيام الجد الكبير حجي عباس فضل في طباخ مأتم حجي عباس، ترك لها الصبي عاشور بعد وفاته، وحين بلغ مبلغ الرجال، وحانت ليلة زفافه، فجع أمه بوفاته صبيحة أيام عرسه، فلبست الحزن الكربلائي، وظل عاشور عاشوراءها اليومي. لم تجد وفاء لزوجها وابنها غير أن تهب بيتها للإمام الحسين، ونحن اليوم هنا بفضل هذه المرأة.

يقال فيما يشبه الأسطورة، إن عاشور جاءها ذات يوم من أيام طفولته، يخبرها أنه لمح أخواله اليهود في الطريق، فوضعت جمرة في يده، ليتعلم درساً قاسياً في النسيان، نسيان اليهودية وأهلها الذين غادرت ديانتهم، وليتذكر أنه يجب أن ينسى. أتذكر اليوم، طعم «الآجار» اللذيذ الذي كانت تصنعه وتبيعه في الفريق لتبقى بكرامتها من دون أن تمد يدّ المساعدة لأحد، كما أنها كانت تبيع من شجرتها (لصبار) بطعم حموضته اللاذعة. يتذكرها اليوم الناس بمحبة بالغة، ولقد تركت لها ما يبقيها حية في قلوبنا وفي حيّنا.

– أم حـسن

أم حسن في السبعينات من عمرها اليوم، ارتبطت ذاكرتها بحجي عباس من خلال إقامتها في بيت أم عاشور وقيامها على شأن مطبخ مأتم حجي عباس، تستقبلنا بحرارة من غير مقدمات، لتقول: البارحة رأيت أباك )تخاطب فضاء بنت حجي عباس) في منامي يقول لي: ستأتيك ابنتي غدا ومعها طفلها فاستقبليها. فإذا بك الليلة هنا، أحلامي يحضر فيها من أحبهم، وأعرف في الأحلام ما سيحدث، لقد رأيت الأئمة كلهم في أحلامي، ولم أعرف من أحد موت حجي عباس، بل رأيته في الحلم قبل شهرين من وفاته، كان يطمئنني بأنه أوصى أبناءه بي خيراً، ويقول لي لا تخافي، فأبنائي هم أبناؤك وسيكونون سنداً لك. (لم يغال علي شيئاً في حياته) يستقبلني بتحيته دوماً وابتسامته التي لا تفارقه وحنانه الذي غمرنا به، بكيته بكاء العزيز في وفاته، وسأظل وفيةً لذكره حتى وفاتي، أوصي أبنائي دوماً بقراءة الفاتحة على روحه وزيارة قبره. لقد عرفت حجي عباس، منذ جئت إلى هذا البيت الذي كانت تسكنه أم عاشور، فبعد أن وهبته وقفاً للإمام الحسين لصالح مأتم حجي عباس، صار مكاناً للإيجار، فانتقالنا إليه بإيجار رمزي، وحين أراد أصحاب المأتم أن يستخدموا ساحته للطبخ، قلت لهم أنا سأكون طباختكم، وسأجعل من أبنائي وبناتي خدماً للمأتم، وهذا ما كان فكان الأولاد في المطبخ والبنات يتولين فرش السجاد وتنظيف المأتم بعد العزاء. كنا نطبخ على الحطب، ويتم جمع الأخشاب قبل شهرين، وتذبح الذبائح أمام الموكب والنساء تتولى تنظيف الرز وتحضير البصل وتنظيف اللحم إضافة إلى الطبخ قبل أن يصبح مهمة للرجال. لمّا كان حجي عباس في صحته وقوته كان يتولى بنفسه إدارة القدور، ولم تكن تفتح أغطيتها قبل أن يحضر الحجي بنفسه. نحن في هذا البيت منذ أربعين عاماً، تغيرت خارطة البيت حسب تغير مطبخ المأتم، في كل مرة يتم فيها تطوير المطبخ، يتغير تبعاً له بيتنا، تزداد غرفه أو حواجزه أو طوابقه.