أن تكون عربياً في أيامنا «1-2»

 

جانب من ندوة كتاب  آن  تكون عربيا

17467_1347109721448_1342458236_31001914_4734988_n

 

هل القومية فكرة فاشية بالضرورة؟ هل هي فكرة يمينية؟ هل هي أيديولوجيا عرقية؟
في خطاب عزمي بشارة هي ليست كذلك، هو يعمل على تحريرها من الفاشية واليمينية والأيديولوجيا العرقية والثقافية. وهو يقرّ أن المشروعات السياسية التي قامت على فكرة القومية في العالم العربي، كان مصيرها الفشل، وأنها لم تستطع أن تخلق لها مناخاً ديمقراطياً، وهذا ما جعل القومية قرينة الدكتاتورية، وهذا ما جعل من القوميين ديناصورات آيلة للانقراض.
يضع عزمي بشارة القومية على طريق الديمقراطية، منطلقاً من يقين صارم، أن الديمقراطية هي الإكسير الناجع لجعل القومية ممكنة الحياة بفاعلية في المجتمع السياسي والمدني. في طريق الديمقراطية ليس هناك يقين مطلق، والقومية حين تكون في هذا الطريق تتخلى عن مطلقاتها ويقينياتها ووثوقياتها، تغدو طريقة من طرق تكوين المجموعات. كيف يضعها عزمي بشارة على هذا الطريق؟
بإعادة فهمها بالاستعانة بالعلوم الإنسانية الحديثة لتخليصها من يقين الأيديولوجيا، وبإعادة إنتاجها وفق مقاس الدولة الوطنية لتخفيف نبرتها الرومانسية المتخيلة، وبإعادة صوغها ضمن مفهوم أمة المواطنين لتخليصها من الشمولية والاستبداد. بهذه الإعادات الثلاث يمكن الحديث اليوم عن القومية لا كتاريخ منقضٍ، بل كجواب لما يحدث اليوم من تشرذمات طائفية وعشائرية، هي تشرذمات وليست تعدديات.
في الحلقة النقاشية التي نظمها شباب «كلنا نقرأ» عن كتاب عزمي بشارة «ماذا يعني أن تكون عربياً» طرحت مشكلة لغوية تتعلق بالاشتقاق اللغوي لمفاهيم: أمة وقومية وجنسية. قلت إنها مشتقة من مواد لغوية مختلفة في لغتنا، وهذا سبب من أسباب اضطراب هذه المفاهيم في تصوراتنا الأيديولوجية المركبة لها. في مقابل ذلك هناك مادة لغوية واحدة تشتق منها هذه المفاهيم الثلاثة في اللغة اللاتينية «Nation» (أمة) و«Nationalisme» (قومية) و«Nationalite» (جنسية).
بسهولة نسبية يمكن للذهن أن يركّب علاقة أو أن يتخيل علاقة بين هذه المفاهيم منسجمة، كأنها تصدر عن شيء واحد، فالأمة مكونة ممن ينتسبون لقومية واحدة وحقوقهم الوطنية القومية مشتقة من هذه الرابطة الوطنية المجسدة في أرض جغرافية واحدة تحكمها هيئة سياسية واحدة.
كان اعتراض عضو مجلس الشورى سميرة رجب، يذهب إلى أن اللغة العربية ثرية في مفرداتها، ولسنا بحاجة لفهم هذه المفاهيم للغة أخرى، وتكفينا لغة القرآن، وقد ورد ذكر القوم في القرآن عشرات المرات. خالد الخاجة، وهو أحد الشباب النابهين من أمة «كلنا نقرأ» أجاب على اعتراض سميرة بأن اللغة ليست مجموعة من الكلمات فقط، كما أن القومية ليست مجموعة من الأفراد فقط.
الخطاب الذي تنطلق منه سميرة، هو نفسه الذي يراجعه عزمي بشارة ويدعونا لتجاوزه، كي نعيد فهمنا لمفهوم القومية بشكل آخر، يخرجها من مآزقها الأيديولوجية المغلقة والسياسية الفاشلة بامتياز.
أحد هذه المآزق، يكمن في تصورها اللاهوتي للغة، التصور اللاهوتي يقوم على الأفضلية، فهناك دين أفضل من دين، ومذهب أفضل من مذهب، ولغة أفضل من لغة، وعرق أشرف من عرق. ليست اللغة العربية بعدد كلماتها ولا بعراقتها، بل بالمحمول الذهني الذي ترينا من خلاله العالم، وهذا ما أردت أن أبينه في بداية مداخلتي للدخول على كتاب «معنى أن تكون عربياً اليوم». فليس اشتقاق اللاتينية لثلاثة مفاهيم من جذر واحد نقصاً فيها، وليس اشتقاق العربية لثلاثة مفاهيم من ثلاثة جذور لثراء فيها. ليست المسألة هنا في الأفضلية، بل في اختلاف تجربة اللغة مع الواقع أو لنقل مع واقع الناس الذين استعملوها. فالناس في اللغة اللاتينية عرفوا في واقعهم المدينة والقانون الذي يحكم المدينة وحقوق من يعيشون في المدينة في مجموعة مدنية، فجاءت لغتهم حاملة تجربة هذا الواقع. ولغتنا العربية لم تعرف هذا الواقع. وحين أهلها عرفوا هذا الواقع في عصر النهضة من خلال تجربة الآخر، أرادوا للغتهم أن تترجم واقع الآخر، ليستفيد منه واقعنا، فاجتهدوا من خلال ثلاثة جذور لغوية. وكل جذر له تجربته في الواقع الذي عاشه العربي مع قومه وجنسه وأمته.
ونحن حين نعرف تصورات اللغات لمفاهيم الأمة والقومية والمواطنة، إنما نتعرف على تصورات اللغات للعالم، وكيف يبني ناسها تصوراتهم لأمتهم «الناس لا يُولدون أمة، الأمة تُبنى»[2]، ولا نبحث عن أفضلياتها، فكل لغة ناقصة للغات الأخرى؛ لأنه لا يمكنها أن تكتفي بتصورها. من هنا فالترجمة تلبي حاجة إلى فتح نافذة رؤية للعالم، وليس لسد نقص في معلومة فقط أو معرفة مقابلات الكلمات ومرادفاتها في اللغات.
التصور القومي العربي في صورته المتصلبة، ظن أن جميع اللغات مدينة للغته، ومشتقة من لغته وهو ليس بحاجة لبقية اللغات ليكتشف ما لم تمكنه لغته من رؤيته. وإحدى علامات التصلب لجوء الخطاب إلى الإحالات اللاهوتية لتثبيت حججه، كما هو الأمر مع «خطاب سميرة» الذي يعتقد أن آدم وحواء نزلا من الجنة إلى أرض العراق، ومن هناك تبلبلت اللغات عن اللغة الأم التي نزل بها آدم العراقي، وستبقى اللغات المبلبلة (من برج بابل) جميعها ناقصة، وهي دون اللغة الأم التي نزل بها آدم التي هي اللغة العربية.
إذا كان الفقيه ابن حزم الظاهري تجاوز ذلك، ورفض أن تكون اللغة العربية لغة الجنة واعتبر ألا تفاوت بين اللغات، فإن التصور القومي في صيغته الطفولية (على صيغة اليسار الطفولي) لم يتجاوز ذلك. من هنا الحاجة إلى المراجعة العميقة التي يقدمها عزمي بشارة لمفاهيم القومية والأمة والعروبة.
في مراجعته الناضجة، يقول عزمي «سوف يضطر الفكر القومي إلى تجديد نفسه في الشأن الديمقراطي ومسألة المواطنة كعضوية في الدولة لا عضوية في القومية» [3]ما الفرق بين العضويتين؟
للحديث بقية.
[1] انظر: وجيه كوثراني، بين فقه الإصلاح الشيعي وولاية الفقيه: الدولة والمواطن، دار النهار، ص.25
[2]، [3] عزمي بشارة، أن تكون عربياً في أيامنا، ص,58 ص.16

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12645