مثل مكتبـة تشبه الكـون.. مثـل كتب لا نهايــة لهــا

أستحضر «لا نهائية» أبي في مكتبته، حين أدخلها أشعر به حياً بين هذه الكتب الباقية، تفتّح وعيي على مكتبته، وأرى تضاعف مكتبتي اليوم بفضل مكتبته، كأن في مكتبتي أضواء من مكتبته ومرايا أضواء كتبه. حلمت به مرة قادماً عليّ ببشاشة واشتياق، وأنا أهيئ كتبي للانتقال إلى مكتبتي الجديدة، كانت تساعدني جدتي التي لا تعرف القراءة ولا الكتابة. ولدي الأكبر باسل، حلم به أيضاً بعد وفاته بشهرين، في هيئة نورانية شديدة البياض، كان يزور مكتبتي وقد ملأها بأضوائه اللامتناهية.مكتبة
ما الذي يجعل المكتبة لا نهائية؟
يتخيل بورخيس المكتبة في صورة اللانهائي، تغدو في قصته «مكتبة بابل» كوناً لانهائيا، تتكون من أرفف وممرات وطوابق ومرايا ولغات وكلمات وأوراق. تستحضر صورة اللانهائي الله، فهو الواحد غير المحدود، وكماله يكمن في لا نهائيته، والفلسفة تقوم على إدراك سرّ هذه اللانهائية التي هي في معنى من معانيها الخلود والبقاء المطلق. يعرّف أخوان الصفاء الفلسفة بأنها التشبه بالإله في كماله بقدر الطاقة. يبدو الكتاب هو الكائن الأكثر قدرة على التعبير عن كمال الإنسان، وفي هذا الكمال يقترب الإنسان من التشبه بالإله، الكتاب هو المنتوج اللانهائي. اكتب لتبقى، لتكسر قانون الموت والنهاية. يشبه الكون مكتبة، ليس لأنه متعدد فقط، بل لأنه لا نهائي أيضاً، في المكتبة تبدو الكتب مرايا لبعضها، نور كل كتاب يضيء لكتاب آخر، كما نور الكواكب والنجوم تنير لبعضها بعضاً، بشكل لا نهائي. ليس للمكتبة حد أو نهاية، فكل كتاب يصدر عن إضاءة كتب تسبقه، وهو يحمل في كلماته ولادات لكتب أخرى تمتد بنوره. الكتب تتضاعف بسرعة وبكثرة انعكاس النور في المرايا، إنها تفيض، فتخلق في إفاضاتها ما لا يتناهى من الكائنات، وقد فسّر فلاسفة الأفلاطونية المحدثة الكون من خلال نظرية الفيض التي تنتج الكثرة غير المتناهية في العالم. هناك مادة كونية تفيض بشكل لا نهائي، هي المفسرة لسر الحياة الدائمة. الكتب كذلك تفيض من بعضها على بعضها، فتجعل من الحياة لا نهائية.
العصور التي لا تتضاعف فيها الكتب عن العصور التي تسبقها، هي عصور موت ونهاية، هكذا يمكننا أن نقيس الحياة بما يتضاعف من الكتب، لذلك فالمكتبة علامة حياة دوماً. في فيلم «أجورا» يرصد مخاضات القرون الوسطى بحادثة تحول مكتبة الإسكندرية إلى حضيرة أغنام، بعد أن تمّ تدمير مخطوطاتها العالمية وحرق كتبها وتحطيم تماثيلها وحرق فيلسوفتها هيباتيا عاشقة الفلك اللانهائي.
لقد وصف بورخيس قصته «مكتبة بابل» بأنها كافكوية، استحضر عندي هذا الوصف، كافكا بطل رواية «كافكا على الشاطئ» لقد هرب كافكا من العالم المتناهي ووجد في المكتبة بيته الثاني، يقول «لعلها كانت بيتي الحقيقي أكثر من المكان الذي عشت فيه» حين ضاق بسلطة أبيه المتناهية الإحكام فرّ إلى عالم لا متناهٍ، وجد في مكتبة كوميورا التذكارية ملاذاً آمناً لخيال شاطئ وعيه الواسع الامتداد، هناك أغرم بخيال ألف ليلة وليلة وقدرتها العجيبة للامتناهية على توليد قصص تفيض قصصاً أخرى. لم يجد في المدرسة مكاناً للامتناهي فقرر «لن أذهب إليها أبداً، المكتبة أفضل بديل». المكتبة ملتقى خيال حضارات وثقافات وحقب تاريخية وعقول استثنائية وآفاق لا متناهية. كما اللغات لا نهائية وتتبلبل وتتكثر، كذلك المكتبة. يتحدث بورخيس في قصته «كتاب الرمل» عن اللانهائي بقوله: يتألف الخط من عدد لا حصر له من النقط، والسطح من عدد لا حصر له من الخطوط، والحجم من عدد لا حصر له من الأسطح. ويقول إنه اشترى من بائع شعبي كتاباً اسمه كتاب الرمال، لأن الكتاب والرمل كلاهما لا مبتدأ لهما ولا نهاية، وتبدو أن صفحات هذا الكتاب تنبجس بشكل لا نهائي، وهذا ما يجعل عدد صفحات هذا الكتاب لا نهاية لها، فلا صفحة منه الأولى ولا صفحة منه الأخيرة. هكذا تبدو المكتبة، تنبجس من أضوائها كتبٌ لا نهاية لها، كأن صفحات كتبها مرايا تعكس نفسها في مرايا لا نهاية لانعكاساتها

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=199105