سقاية الثقافة.. ساقية الصاوي الثقافية

IMG_1104

سقاية الحجيج، كانت المهمة المقدسة التي يتنافس على تقديمها أشراف مكة، من يحظى بشرف هذه المهمة يصبح علماً يشار إليه. هناك في وسط مكة حيث الجدب يهدد حياة الناس، تصبح السقاية ضمان حياة، لكن حين يكون لديك النيل وثقافته الضاربة حضارتها في التاريخ، لن تحتاج أن تسقي أحداً ماء، لكن ستحتاج أن تسقي جيلا ثقافة في وسط كل ما فيه يهدد العقول بالتحجر والقلوب بالغلظة والنفوس بالكراهية. هذه هي مهمة ساقية الصاوي، مركز ثقافي يقدم سقايته ليست السنوية ولا الأسبوعية، بل اليومية لآلاف من الشباب والشابات بالدرجة الأولى والأطفال والكبار.
ليس مكاناً لصناعة الوجاهة، بل هو مكان لصناعة الوجوه المقبلة على الحياة بتعدد في الألوان والأفكار والفنون والاتجاهات. تقرأ في ملصقات المكان ما يشير إلى أنه في الساقية ليس أحد أفضل من أحد أو مقدم على أحد أو لديه واسطة لأحد، من أكبر مسؤول إلى أصغر عامل، هناك فقط، خلايا تعمل، وفق إيقاع حركة الساقية، من غير تراتبيات.
أنشأ الساقية محمد الصاوي نجل الأديب المصري عبد المنعم الصاوي في العام 2005 واستقى الاسم من خماسية الساقية التي تعتبر العمل الأشهر لوالده. تمّ اختيار المكان تحت كوبري 15 مايو بشارع 26 يوليو أمام سنترال الزمالك. تعتبر أول المراكز الثقافية الخاصة في مصر وأوسعها انتشارا وتطمح في مئوية الصاوي في 2018 أن يكون لها مائة فرع، وتعد نموذجاً للكيانات الثقافية في عصر ما بعد الثقافة الحكومية، أو يمكن القول بعد ثقافة «ما لا يُعول عليه».[1]
حين دخلت الأسبوع الماضي لأول مرة المكان، كنت أتلفت بحثاً عن آثار ساقية قديمة قد تكون الساقية قد أقيمت عليها، عرفت لاحقاً أن المكان كان خربةً وكاد أن يصبح مزبلة قمامة، قبل أن يهتدي المعماري المهندس محمد الصاوي إلى فكرة استثماره في مشروع ثقافي يخلّد فيه اسم أبيه الذي تولى وزارة الإعلام والثقافة في السبعينات، وكان مؤسس أول وكالة أنباء عربية وهي وكالة أنباء مصر.
ترتبط الساقية في الذهن بالزراعة والحقل والأرض والفلاحة، والثقافة في معانيها اللغوية والانثروبولوجية ترتبط بالزراعة والحرث والتشذيب والتقليب والتقويم والاستثمار في الأرض. لم يبتعد مدير الساقية وقلبها النابض بحركتها المهندس محمد الصاوي عن حقل الزراعة في مشروعه ساقية الصاوي، لكنه هذه المرة، سخّر أدوات الحقل للاستثمار في الإنسان، زراعة الإنسان وتقويمه وإثراء تربته بأقصى ما تسمح إمكاناته. الماء يرمز دوماً للحياة، يسقي كل ما هو حي، والساقية قرينة الماء، لذلك صارت الساقية تبعث الحياة في جيل متعطش لماء جديد.
وتكريماً لسقايتها للثقافة فقد حصلت الساقية على وسام الاستحقاق الألماني جائزة يمنحها الرئيس الألماني للأشخاص الذين يساهمون في توصيل الثقافة الألمانية للشعوب، كما حصلت على جائزة مؤسسة الفكر العربي في حقل الإبداع.
ثقافتها تسقي الحواس كلها، هناك الحفلات الموسيقية والغنائية والمعارض التشكيلية والورش الثقافية والمحاضرات والندوات والمسرح والسينما والحملات والمهرجانات. كل ذلك يقدم من خلال ثلاث قاعات، قاعة الحكمة وقاعة الكلمة والقاعة النهرية المفتوحة على طراوة النيل. ستسمع في هذه القاعات، إيقاعات أبرز نجوم فرق موسيقى الجاز والموسيقى الغجرية والراب وأخرى تعرض ثقافات مختلفة من أنحاء العالم. وستجد في كتيب برامجهم الشهري الأنيق إعلانات لموسيقى نصير شمة وعمر خيرت وعلي الحجار.
الرؤية التي تعمل من خلالها الساقية، الثقافة صناعة حياة، ليست الثقافة ترفاً فكرياً أو نظرية نتباهى بها بل هي ممارسة حياة، صناعة نغير من خلاها واقعنا ونمط حياتنا، وهذا ما يتبدى في صرامة السلوك الحضاري الذي تفرضه الساقية على روادها: لا تدخين، لا تأخير في مواعيد الفعاليات، وستقابلك لافتة حمراء شديدة التحذير من سلوكيات الإزعاج أو مضايقات الآخرين أو الإساءة إلى البيئة. تمارس الثقافة في الساقية ولا أقول تقدم الثقافة، لأنها معنية بأدق التفاصيل المتعلقة بالطريقة التي تقدم بها برامجها، لا يمكنك أن تكون عضوا فيها أو مرتاداً لفاعليتها دون أن تكيف سلوكك مع طريقتها التي تفرض عليك ذوق احترام كل الأشياء.
يقول الصاوي مهندس ماء ثقافتها، إنه مع حركة دوران الساقية تطور مفهوم الثقافة في مركز الساقية، فأصبحت الثقافة هي النور؛ لأن دور الثقافة لا يخرج عن إزالة الغموض، وتوضيح الطرق المختلفة للإنسان كي يختار منها من واقع ضميره ووعيه لما يناسبه، لذلك فشعار الساقية لعام 2010 هو عام النور. بعد أن كان العام الماضي عام الكرامة. الشعارات السنوية لا تضعها الساقية للاستهلاك الإعلامي، بل تتحول إلى مشاريع عمل جدية، وتجد محاولات تطبيقاتها في ثقافة الشارع المصري.
شعار النور يستعيد في الذاكرة مشروع التنوير في الثقافة المصرية الذي لم يتمكن من أن يحافظ على وهجه فانطفأ في الربع الأخير من القرن العشرين، في حين أن التنوير الذي كان الشرارة الأولى لنهضة أوروبا، قد أنجز مهماته الأساسية التي حددها الفيلسوف ايمانويل كانط في 1784 في تعريفه للأنوار بـ«أنها خروج الإنسان من قصوره الذي هو نفسه مسؤول عنه. قصور عجزه عن استعمال عقله دون إشراف الغير، قصور هو نفسه مسؤول عنه، لأن سببه يكمن ليس في عيب في العقل، بل في الافتقار إلى القرار والشجاعة في استعمال عقلك أنت: ذلك هو شعار الأنوار».
تبقى هناك إشكالية تتعلق بطبيعة الثقافة العربية والمصرية خصوصا، وهي التوفيقية، وهي إشكالية مازالت تستقي منها ثقافتنا ما يطمئنها ويهدئ من خوفها على ثوابتها، حتى لو أدى الأمر إلى أن تمسك بتناقضاتها بيدٍ واحدة، وتلك إشكالية تحتاج إلى سقاية أخرى.
سألت صديقي الأربعيني أسامة صلاح الدين أحد أعضائها عن الساقية، فقال: أبرمج شهري وفق فعاليات الساقية، وأضبط إيقاع عملي وفق أجندتها، صارت جزءا من حياتي ورافداً من روافد غذائي الروحي. أحيانا آتي في صباحات الصيف، حيث شرفتها المطلة على النيل (طراوة) كي أستقي منها ما ينعش كلي.http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12739