خارج ضمير الجماعة

 

ما الذي يجعل رواية صغيرة لا تتجاوز225 صفحة من الحجم المتوسط، مكتوبة بأسلوب بسيط ومن غير تقنيات روائية عالية، منشورة في,1957 قابلة للقراءة بل قابلة لأن تكون من الروايات الأكثر مقروئية؟
إنها «قرية ظالمة» الرواية الوحيدة لطبيب الجراحة المصري محمد كامل حسين (1901-1977) وقد أعادت طباعتها دار الشروق ثلاث مرات بين (2007-2009) وترجمت إلى لغات عديدة كالإنجليزية والفرنسية والإسبانية والهولندية والتركية، واستحق من أجلها unfair-villageجائزة الدولة في الأدب العام .1957
أعتقد أن السبب يكمن في قدرتها التفسيرية للسلوك الإنساني الذي يتجلّى في أفعال الفرد والجماعات على مرّ التاريخ، إذا تمكنت الرواية من تفسير جانب من هذا السلوك تفسيراً صالحاً لقراءة ما حدث في التاريخ وما زال يحدث اليوم، فإنها ستكون جديرة بالقراءة والخلود. فما الذي فسرّته هذه الرواية؟ لقد فسّرت ضمير الجماعة.
تقع أحداث الرواية في أورشليم «القرية الظالمة» في يوم الجمعة الذي صُلب فيه المسيح، تبدأ أحداثها في هذا اليوم الذي أجمع فيه بنو إسرائيل في دار الندوة على أن يطلبوا من الرومان صلب السيد المسيح. الرواية قائمة على جدلية أن الجماعة التي يقودها رجال المال والتجارة والصناعة وذوو النفوذ الدنيوي تريد صلب المسيح، فهو يهدد «حياة بني إسرائيل، شعبا وديانة ونظاما»، في حين أن ضمير الأفراد الشخصي الذي تتكون منه هذه الجماعة لا يريد صلبه، فهو يدعو إلى المحبة والسلام والتسامح مع بني الإنسان وجعل الإنسانية تعلو على القومية والوطنية. إنه ”لم يؤذ أي فرد من بني إسرائيل، ولن يؤذيه أي فرد منهم، لكنه يؤذي إسرائيل مجتمعة”[1] فلا بدّ أن تؤذيه إسرائيل مجتمعة، هذا هو منطق الجماعة.
في خارج دار الندوة علت الأصوات التي تنادي بقتله وحجتهم ”أن علماءهم قرروا ذلك وهم أدرى وأعلم ولا يمكن أن يجمعوا على خطأ”[2] في حين أنه داخل دار الندوة كان ضمير كل عالم من العلماء يعرف أنهم مخطئون في حكمهم الذي أفتوا به قبل يوم، لكن لا يجرؤ هذا الضمير أن يخرج إلى الناس ويعترف بالخطأ. النتيجة في ”ذلك اليوم أراد الناس أن يقتلوا ضميرهم”[3].
ليس عقلك فقط الذي تفقده مع الجماعة، بل حتى ضميرك، والضمير تكوين من تكوينات العقل، حين تكون في جماعة تفقد عقلك الفردي وتكون في آلة الجماعة، والآلة لا ضمير لها. الجماعة تحرق وتصلب وتقاطع وترجم وتكفّر وتقتل وتسحق دون شعور، دون ضمير، قد يستيقظ ضميرها لاحقاً، لكن بعد أن يكون فعلها تاريخاً من تاريخ جماعتها.
تستوي في ذلك الجماعات كلها، جماعة بنو إسرائيل حين صلبوا المسيح، وجماعة الاثينيين حين جرّعوا سقراط السُم، وجماعة فقهاء صلاح الدين حين حكموا على فيلسوف الإشراق السهرودي بالقتل، وجماعة فقهاء الخليفة المقتدر بالله حين حكموا على الحلاج بالقتل، وجماعة جمهور بني أمية حين قتلوا الحسين، وجماعة الرايخ الثالث بقيادة هتلر حين أحرقوا اليهود، وجماعة (…) حين نكّلوا بجماعة السفارة كما سمّوهم أو جماعة الأمر كما سمّوا أنفسهم، وجماعة المسيحيين حين سحلوا الفيلسوفة هيباتيا في شوارع الإسكندرية، وجماعة المسلمين حين حكموا على سليمان رشدي بالقتل.
سيبقى الضمير فرداً يخاطبه الوعاظ الذين يسلبون الجماعات ضميرها، وتلك مفارقة عجيبة، كيف يستفردونهم فيخاطبون ضميرهم حين يكون الذنب يتعلق بالله، وكيف يجمعونهم جماعات بلا ضمير حين يتعلق الذنب بالإنسان.
الضمير خارج الجماعة ”إن ضمير الفرد لا يمنع أن ترتكب الجماعة أعظم الذنوب، ما دامت ترتكب باسم الجماعة، والضمير وحده هو الذي يصرف الناس عن الشر، والجماعات لا ضمير لها”[4]
كأن التاريخ سلسلة من لحظات انعدام الضمير، وهي اللحظات التي تتيح للجماعات أن تشن الحروب وتتباهى بالقتل وتغتصب بالقوة. الله ليس مع الجماعة، الله مع الفرد في قلبه وإحساسه، تجد الله في لحظات الخطف الصوفي، أما لحظات الاهتياج الجماعية، فلن تجد غير الغضب والكره والجنون يُعلّق الله وأنبياءه في لافتات وشعارات تعبر عن النفس الأمّارة بالقتل لا القلب الأمّار بالحب.
الجماعة تخلق القوة والقوة عمياء لا ضمير لها. ومتى فكّر فرد أن يخرج من إجماع الجماعة ليذكرها بالضمير أو العقل، فلن يجد غير القوة تلجمه تحت سنابك خيلها. لحظتها حتى علماء الجماعة لا يمكنهم أن يراجعوا مواقفهم أو يتراجعوا، كما هو الأمر مع العالم (قيافا) الحكيم العادل الطيب الذي تولى شؤون بني إسرائيل وظل ضميره معذباً في ذلك اليوم، يوم موت الضمير، وموت الرأي الفردي.
لقد ظل (قيافا) ليلة اتخاذ قرار صلب المسيح، يقلّب ضميره ورأيه وعقله في حيرة واضطراب، توصل إلى معادلة يمكنها أن تفسر لنا منطق موت الضمير الجماعي ”إن أكبر الجرائم إذا وزعت على عدد من الناس أصبح من المستحيل أن يعاقب الله أحدا من مرتكبيها… وإذا كان الذي يعلم الجريمة لا يصنع أداتها، والذي يصنع أداتها لا يعلم عنها شيئا فإنها تتم بسهولة. إن هذا التوزيع يجعل الناس في حيرة، أين يقع عذاب الله. هكذا ترتكب أكبر الجرائم دون عقاب، ألا ترى الله والناس لا يعاقبون أحدا على ما يرتكب في الحروب من فظائع… لأنها ترتكب باسم الجماعة”[5]
لقد طورت الجماعات أشكال تنظيمها فصرنا نتحدث عن جرائم النظام أو السلطة أو الدولة بدل الحديث عن جرائم الجماعة أو الطائفة أو المذهب، لكنها لم تطور من ضميرها، بل صارت السلطة نظاماً بلا ضمير، يقتل ويعذب وينفي باسم الأمن القومي والوطني والديني والمصلحة العامة.
إذا أردت أن تبقي ضميرك حياً حسّاسا، فكن خارج الجماعة، لتشعر بصغائر الذنوب وكبائرها، مهما كان نصيبك منها.
هوامش
[1]، [2]، [3]، [4]، [5] محمد حسين كامل، قرية ظالمة، دار الشروق، ط,2009 ,3 ص,60 ص,76 ص,8 ص,28 ص26

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12787