البنكي صديق المفهوم

 

*كلمة في حفل تأبين الصديق الراحل محمد البنكي في جامعة البحرين 26مايو2010

فيليا philia التي جاءت منها الفلسفة، تعني الحب والصداقة معا. الفلسفة صداقة المفاهيم وحبها .تتكون الصداقات تحت مظلة المفاهيم، حب المفهوم هو ما كان يجمعنا و(البنكي)، المفهوم هو عشيق الفلسفة، ما كان يجمع سقراط وأفلاطون وأرسطو هو حبهم للمفاهيم، كانت صداقتهم تمليها محبتهم لمفاهيم الخير والفضيلة والعقل والعدل والألوهية واللوجوس والصداقة والحب والجمهورية.

لقد التقيت والبنكي في لحظة حميمة من لحظات الفلسفة، كنا نبحث في هذه اللحظة عن شيء نحبه معاً، شيء بإمكانه أن يجعل ما نعيشه في لحظتنا مفهوماً، لم يكن هناك غير الفلسفة المفتوحة على الأدب واللغة وعلوم الإنسان، هي وحدها القادرة على أن تحركنا نحو بعضنا، لخلق فضاء محبة مشترك.

كان (البنكي) كعادته سبّاقاً في فتح فضاء هذه المحبة، كان قادراً بعشقه للمفاهيم أن يحرك حبنا الخجول والمتواري والمتردد. والحب حركة، حركة اقتراب وحلول ومحايثة ومعايشة ومعية، وهو في الوقت نفسه حركة مغادرة وابتعاد وتجاوز ومفارقة وضياع في متاهات لا نهاية لها. بين الحركتين تنشأ العلاقة، لقد تولدت صداقتنا بين أطراف هذا الحب، وكنا نمتحن قوتها بقدرتها على جمع المتناقضات والمتضادات، مستلهمين روح فلاسفة ما بعد الحداثة الذين ابتلانا (محمد) بمحبتهم وعشق مفاهيمهم التي لا يمكن فهمها بعقل بارد، فهي من الإطلاق والحركة والتقلب ما يجعل من القلب والروح والجسد أماكن استيعاب لها. كنا نحلم أن نعشق حركة واقعنا وما تموج فيه من مخاضات وتحولات بهذه المفاهيم.لم نكن مفتونين بإحداث قطيعات معه، لكنا كنا مهمومين بإحداث قطيعات مع أشكال فهمه.كنا مولعين بجمع أطرافه المتناقضة لا بتقطيعها، مولعين بأن نكون وسطاً بين تخومه.

لقد قلت (التخوم) وكأني ما زلت أستحضر زهرة فمه وهو لا يمل من تكرار إعادتها في سياقات مختلفة. (التخوم) من المفاهيم التي تعلمتها في معية هذه الصداقة، أحببتها ووجدت ذاتي في مسافة ما تقترحه التخوم كبداية لنهاية أو كناهية لبداية وشيكة. لقد غدت المفاهيم التي عشقناها معاً خرائط لمقتراحات تموضع لا تنتهي، حتى ربما ضللنا في بعض مواقع اقتراحاتها.

صارت حتى هوية كتابتنا مترحلة مع هذه المفاهيم، فقدنا هويتنا الأدبية في معية هذه الصداقة، لكنا لم نفقد صلتنا بالأدب، وفقدنا هويتنا الدينية، لكنا لم نفقد صلتنا بالدين، وفقدنا هويتنا النقدية، لكنا لم نفقد صلتنا بالنقد.

كنا معاً في في حركة حب المفاهيم، وكان (البنكي) ملهم هذه الحركة والدافع بها نحو تخوم التورط فيها، كانت حركةَ تورط حقيقية، فجأة تخرج من الدرس الجامعي بحد أدنى من معرفة مدرسية لا تسعفك على أن تَعرف نفسك فضلا عن أن تُعرّفها، تجد نفسك وسط جماعة ثقافية يحركها حب مجنون نحو معرفة لا تؤمن بالتخصص بمعناه المغلق، ولا بالحدود بمعناها المقفل، ولا بالنهايات بمعناها المنتهي، تدفعك بحبها لتكون مسؤولا عن قراءة فلاسفة الحداثة وما بعد الحداثة والتراث وعلماء اللسانيات والهرمونيطيقا واتجاهات البنيوية وما بعد البنيوية والعلوم الإنسانية وتفرعاتها، والموضات الثقافية وصراعاتها.

كلما أردت أن تهدأ تأخذك حركة حب مفاهيم هذه العلوم نحو فتوحاتها، ليست فتوحاتها النظرية فقط، بل فتوحاتها التطبيقة في قراءة ظواهر الثقافة، كان (البنكي) بارعاً في تنزيل هذه المفاهيم في سياق ظواهر ثقافتنا المحلية وفي سياق الصحافة الثقافية، لقد شغلها بمعارك الداخل إلى حقل جديد يستنفر المقيمين في الحقل بحركته العابثة في سكنهم، وشغلها بمسميات المفاهيم الجديدة في هذا الحقل المفتوح على كل شيء.

كنت واحدا ممن تفتح أفقهم على هذا الحقل الجديد، وواحدا ممن أخذوا بوجد هذا الحقل، وصار جزءا من حركة جذبه، أو لأقل كنت مأخوذا بحركة البنكي فيه، حركته وهو يدير مفاهيم التفكيك والقراءة والتأويل يسبر بها خطابات الثفاقة المحلية ويدخلها إلى مختبره ويشتق منها مفاهيم جديدة على حساسية النقد والنقاد، كنت مأخوذا بأسئلته وهو يشقق الحوارات مع ألمع الرموز الثقافية، ومأخذوا برشاقة جمله الصعبة على الذائقة التقليدية وهي تحبر صفحات الجرائد وأرى فيها تحدياً حقيقيا، لكن تحد لم يثر يوما الغيرة أو التشاحن فقد كان البنكي قادرا بحركة عشقة للمفاهيم أن يأخذك معه ويجعلك عاشقا تتبادل معه أعناق جيادها.وهذه ميزة ربما تفرد بها وجعلته قادرا على أن يقود فرق عمل طليعية ومجاميع ثقافية وجماعات نقدية.

(الثقافة هي ما يبقى بعد أن ننسى كل شيء) وما سيبقى من البنكي فيّ هو هذه الحركة العاشقة للمفاهيم، الهائمة بها هيمان الصوفي بحب ما يتجلى عنه.