علي الدّيري.. السّقوط في جنّة العلمنة.. أو مغادرة جحيم الاطمئنان

بقلم نادر المتروك

جريدة الوقت

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=205660

علي الدّيري.. السّقوط في جنّة العلمنة.. أو مغادرة جحيم الاطمئنان

بقلم نادر المتروك

من حُسن الحظ أنّ علي الدّيري ‘’مواليد البحرين 1971م’’ معنيّ، اشتغالاً وتدريباً وبحثاً، بالمجاز. فهل يصحُّ، إلى الآن، الاستعانة بمجاز ‘’الجمل الأجرب’’؟! إذا كان الأمرُ يتعلّق بالاستهلاك، وأنّ الحدث – أي الدّيري نفسه – تجاوز سياق المجاز إيّاه، فإنّ مؤونة المجاز تُسعفنا على تقديماتٍ أخرى قد تكون أكثرُ التئاماً وتناسباً. بدا للوهلة الأولى أنّ الدّيري على وشك تحقيق المعادلة المفقودة: أنْ يجمع الدّراسة الجامعيّة، والتمكّن الحوزوي، وبذلك يُحقّق واحدة من الأهداف العليا التي حلمت بها الصّحوة الإسلاميّة وهي في أوْج طموحاتها المكبوتة. كان الشّاب يجلس القرفصاء وهو يشحن ذهنه بـ ‘’القلب السّليم’’، و’’العقليات الإسلاميّة’’ وكيف يكون لنا ‘’اقتصادنا’’ و’’فلسفتنا’’ والقراءة الشّموليّة للحياة. الجلسات المسحورة بأعلام الصّحوة كانت تحبسُ نفسها من أيّ دخول غريب، وأمّنت سياساتُ التحصين السّياجَ الآمن. كلّ شيء كان يُوحي بأنّ الدّيري غارق في طمأنينته الأخيرة، ولم يكن لأحدٍ أن يتوقّع أنّ الهزّة ستبدأ من الدّاخل، وبتحريضٍ من أيديولوجيين مختلفين، أمثال علي شريعتي.

إنها سلسلة من الخروجات. إذا كان الدّيري الآن خارج جماعته، وطائفته، فإنّه كان موشكاً كلّ مرّة على خروج تدريجي. بدأت التكسّرات مع الأسئلة. إنها أولى الأبواب إلى الجنّة؛ جنة العلمنة التي سيكتبُ حكايتها الذّاتية تأريخاً لولوج غير مبالٍ في المعركة المفتوحة. دخلها بهدوء، لكن. كان يحتاج إلى قدْر واسع من المناورة بعد الوقائع الصّداميّة، والصّادمة، التي تورّط فيها مع موروثه الدّيني، وثقافة التديّن السائدة. فضّل المجابهة أولاً بإستراتيجيّات الأسئلة ‘’المسمّمة’’. نجح الأمرُ، واشتعل المحيط عليه. برزَ، وقتئذٍ، شيطاناً يُوسوس في صدور المؤمنين بأسئلته المثيرة للرّعب. اعتبروه، قبل ذلك، مشاكساً يتدرّب على فنون المحاورة، لكن مزيداً من الزّحزحة التي أفلح في إحداثها عجّلت بخيار الحصار والمسارعة في نبذه. جعله ذلك يدلف للبحث أكثر في سلّة الخيارات. بعد أن وظّف علم الكلام الجديد، وعبَرَ به أركون وأطيافه، حلّ في البقعة الأوسع: التصوّف الفلسفي، ومنها بدأ يغرف من المجازات. هدأت عنه اللّعنات، ولكن الأمور ليست سوى تسويةٍ لحين. 

يحلّ الآن في جنّة العلمنة. إنه حلولٌ في شكل سقوط. ولكلّ سقوط كدمات، وهي ‘’ولا أجمل’’ بالنسبة للباحث عن رؤى بغير العيون والمعابر التقليديّة. يُفضّلها على ذلك ‘’السّكون الصّاخب’’ الذي تقدّمه جاهزاً الأيديولوجيا. إنها جحيم لا يُطاق، ولو أكثرت من التبشير بنعيم الجنّة المؤجّلة. يقتربُ الآن من آخر البداية، وعلينا أن ننتظر طويلاً لنقف على أوّل النهاية. يمدُّ يده ويمسح على العبارة الأخيرة رافضاً الحدود، ويضع كلّ شيء مفتوحاً على نهاياتٍ مفتوحة.