إلى شيخ الطريقة بقلم حسين خلف

بقلم حسين خلف

جريدة البلاد البحرينية

إلى " شيخ الطريقة"!

01

ربما  وصلتك مقولة انه لا يجب "الابتلاش" بالديري!، أي بانتقاد علي الديري علناً، لأنه كما جرت العادة يمحق خصومه محقاً ويسحقهم سحقاً، لغوياً وفكرياً ليغدو ناقدوه بعدها أثراً بعد عين، ويذهبون مَثلاً في المقبل من الأيام وربما الأجيال.

رغم هذا التهديد، قررت كصديق كتابة ملاحظاتي الخاصة عن جلستنا الأخيرة، الملاحظات هي عن الصديق والحبيب أبا أماسيل، كما أحب تسميته دائماً.

كان علي الديري بالنسبة لي في العام 2002 هو "المرتد" و"الحداثي الذي يبطن كفراً بكل شيء"، كنت حينها ذا قناعات صارمة تُلزم المؤمن بها بـ"اتخاذ موقف" إزاء أي تحريك لمياه بحيرته الهادئة.

نعم. تغيرت كثيراً، وغدا الديري لي صديقاً أحبه وأحترمه، أبوح له بأسرار وأحب متابعة تجدده، أهم سبب للتغير النفسي تجاه الديري كانت أخلاقه الرفيعة وصدره الواسع لأشرس الانتقادات المباشرة، وهاتين الصفتين لم يتغيرا في أبا أماسيل حتى اللحظة.

كل ما قلته ليس جديداً، أعلم ذلك، لكن الجديد هو انني دائماً ما رغبت ببرفلة شخصية الديري على الورق،  وكانت الفكرة جاهزة، وعنوانها الثابت الذي بُحت به هو"شيخ الطريقة"!.

الديري بالطبع ليس شيخاً وهو لا يريد ذلك، ربما كان يضحك الآن من تصوّر نفسه شيخاً، لكن  عنونت شخصيته بهذا الإسم، لأني طالما تصورته باحثاً  من الطراز الرفيع، باحث عن الحقيقة، حقيقة كل شيء، حقيقة هذا الكون، وحقيقة صانعه، وحقيقة الدين، وحقيقة النبوّة والكتاب، وحقيقة الإنسان، وحقيقة الحياة وهو طالما أشعرنا، وأكد شعورنا بأنه قاريء متعمّق للنصوص الدينية والفكرية التي تبحث في هذه الحقائق، محاولاً نفض الغبار عما ارتحنا له دهوراً…

كان  يقفز بسرعات مذهلة، وكنت لا ألبث ألهث وأنا أتابع قراءاته وحواراته المدهشة.

وكانت الدهشة هي ما يميز الديري، يمر على الحجر بجانب الطريق فيراه بعين مدهوشة، عينٌ ترى أن للحجر معنىً،  وفكرةً لا تخطر على بال العابرين أمثالي.. كان كالضوء الكاشف الذي ينير الزوايا المعتمة..

تابعت مسيرة الصديق الديري الأخيرة ودخوله عالم المجاز، وأخيراً عالم ابن عربي، كنت أحدث نفسي دائماً أن الديري سيتصل لي يوماً ليقول: وجدتها!.

لكن شيئاً من ذلك لم يحصل أبداً، دققت في حواراتي معه على ركائز مقولاته الأخيرة، استبدلت هذا التركيز بالتركيز على الديري نفسه، نفسيته الرائعة المتفائلة وكيفية تحركها وتأثيرها وتفاعلها مع ما يقوله هو ويتلوه من مقولات.

في آخر جلستين، وبالذات الأخيرة في الأول من يونيو 2010 الذي صادف يوم ثلاثاء، بدأ التأمل يعطي قراءة جديدة لهذا الصديق العزيز والخلوق..

خلاصاتي…

خلاصة تأملي، أن هذا الديري تخلى عن الدهشة، بدأ يتعوّد على رؤية الأحجار المرمية على جانبي الطريق،  لقد تسلل التعب سراً إلى ذلك العقل النشط، وبدت الراحة جميلة، الديري كما أراه الآن، لديه تصوره الخاص لـ"القوة المطلقة" جعلها إلها وتصالح معه كما قال لي، وأنا أعلم أن الديري لم يتصالح مع أي إله وإنما الديري تصالح مع نفسه،  تحدث معها، ظنّ أو اعتقد أنها الحقيقة الأخيرة، وشيئاً فشيئاً ارتاح، وهكذا غدت القراءات والمصطلحات الجديدة غير مدهشة له، فبإمكانه تطويعها عبر النفس المطمئنّة، والعقل غير المندهش، وفهمها بطريقة خاصة به أي بالديري.

لقد خلق الديري إلها وديناً وعالماً بيديه، كما صنع الأولون أساطير عن الأرض التي تقف على قرني ثور، صنع الديري أسطورته من غير قرنين بالطبع، وأصبح يغذيها بما يقرأه، فبعد قراءات لعدة صفحات من أفكار ابن عربي، يرفع الديري صوته بعبارة واحدة كأنها أعجبته "نتذكر ألوهيته وننسى ألوهيتنا"، يتأوّه، يفتتن، يُكرّر العبارة ويضع تحتها خطًا، نعم فهي ربما ستصبح فيما بعد ركنا من أركان الأسطورة.

لم أكن أعتقد أنه مثلنا، كان شيئاً يشبه شريعتي، لكنه الآن ما بعد بعد شريعتي،  كان مشروع فيلسوف سيطلق يوماً صرخته التي ستبقى مع الزمن، هو من لم أعتقد أنه سيتعوّد على شيء عادي…

يهيم على وجهه بين آلاف صفحات العرفان الراقي ومصطلحاته، يفتح المصطلحات بقاموس سعاد الحكيم،  لكنه كمن يجري داخل حجرات قلبه مأسوراً بسلسلة لا تصدر صوتاً ولا ضجيجاً، لا يصرخ: وجدتها!، ولا يبحث عمن هو ماثل أمامه وفيه، يقف يحاكي غيره وهذا الغير ليس سوى: نفس علي بن أحمد الديري.

يعجن مصطلحات الإيمان ، ليصنع منها قواعد الحيرة والشك، يقرأ  منازل الآخرة والجنّة،  ليبني منها أبراجاً دنيوية…

هل يعيش صديقي عالمه الخاص الذي صنعه بيديه، كما أحسب وأظن؟، كم سأتمنى بعد الآن  إن كان ظني في مكانه، أن يصحو هذا الصديق يوماً ليجد أن  ما صنعه يشبه صنم القرشي الذي جاع فأكل صنمه الذي صنعه من التمر.

كفّ الديري عن كونه يبحث، الآن هو يؤكد أسطورته الخاصة وفهمها للإله والعالم والدين والإنسان وكل شيء، وقد غدا مطمئناً للقاء الموت "الآن وفي هذه اللحظة" كما قال لي.

  إنه اطمئنان يخيفيني.

بعيداً وبالمناسبة

أكثر ما يمكن لي التساؤل حوله، أن الإمام الخميني (رحمه الله) الذي تمر الذكرى  السنوية لرحيله اليوم الخميس 3 يونيو، وكذلك علي الديري هما عاشقان لإبن عربي وفكره، فيما هما نقيضان إلى حدٍ كبير، الإمام الخميني غدا زعيماً عالمياً لفكر يؤيد مركزية الدين دولةً وأسلوب حياةٍ، يرى المجتمع والعالم ويفسر الأشياء  بطريقة معينة، بينما الديري يعتبر كل ما قاله عديله في العشق أمراً غير صحيح على أقل تقدير وأهون تعبير…

غريبٌ، أن كل منهما يستشهد بابن عربي هذا،  ليجتمع فيهما تعاكس الشرق والغرب.