جدتي سلامة سلوم

2013-04-26-115900.jpeg
علي ولد سلوم*
“إنها زهرة في حديقة الله، خسارة لنا ومكسباً للجنة”
جدتي (سلامة) التي وسع قلبها كل العالم، انتقلت إلى سعة الله.ما أضيق الأشياء بعدك، وما أوسع الأشياء معك.
كنتُ الأقرب لقلبها ولم أكن الأبر بها، الأبعد عن سماع أنفاسها الأخيرة وهي الأكثر انتظاراً لإسماعي إياه، ظلت تنتظرني كثيراً، أعدها أن الأيام المتبقية قليلة، ولم أكن أعلم أنها تقيسها بقلبها كما اعتادت أن تقيس كل شيء، كنت أظنها تبالغ في أثر بعدي على قلبها ومرونته على تحمل الأذى، وهي التي تحملت كل مصاعب الحياة. ظلت تجمع العملات المعدنية، تعدها لفرحة رجوعي، لست أدري كم فيها من فئة الدوار(500 فلس) لكني أعرف أن فيها لؤلؤة قلبها التي تدور بحثاً عني.
لم أفارق حضنها حتى مرحلتي الجامعية، حرمتني شيئاً واحد فقط، وهو الشعور بنداء كلمة (جدتي). لم تتركي لي مجالاً لأعرف الفرق بين الأم والجدة، لا وصفا ولا اسما ولا إدراكاً، في دلالها المفرط لي، وجدت أن اسم (جدتي) لا يُدرك ولا يوصف. لم أعرف أن أناديها يوماً بغير كلمة (أماه).
كنت حفيدها الأول، بعد أن أجهضت أمي مرتين بتؤم، جئت محفوفاً بأحجبة وأحراز وطقوس وأضحية، لا يعرف تفاصيلها غيرها والحاجية مريم جان.نذورها الكثيرة ظلت تحفني بها، وكأنها مراسم احتفال تجددها في كل مناسبة، لتطمئن أن الحياة التي مُنحت لي، ستظل للأبد. هي الآن في أبديتها البيضاء، تحفها ملائكة الرحمة، والأكيد أنها ستسأل عن رفيقاتها اللاتي كنّ رفيقاتي حيث مأتمها ومجلسها اللصيقان ببعضهمها كما الفرح والحزن لصيقان بها، تغلّب الأول دوماً ولا تذلل الثاني ليصير فرحاً آخر، هي هناك في الأبدية البيضاء مع صديقات الزمن الجميل: مريوم وصفوي وزهيرة وشروف. رحلنْ قبلها واستوحشتْ هي الدنيا بعدهن، آن لهن أن يفتحن هناك مجلس أنسهن من جديد مرحبات بها، وعلى طريقتهن في تدليلها، لابد أن ينادينها: سلامة سلوم.

كانت تتسلى في انتظارها لعودتي لوطن حضنها، بأن تحدث قائمة المدعوين لحفل عودتي، وحين يقترب منها اليأس، تلجأ للحلم، فتجدد أملها بأن تحكي لأمي كيف رأت عودتي في نومها، لكنها لا تذكر أنها كانت تحلم، هي تحكي الحلم في صيغة الحقيقة الواقعة. وتمعن في واقعيتها بأن توجه بعضا من عتبها إلى من قصروا في الحضور أو إلى من قصر في دعوتهن أو القيام بأصول ضيافتهن.

في الصف الاول ابتدائي دخلت نوبة بكاء حادة فوق الكرسي المدرسي ولا أحد كان يعرف سببها، المدرس ظنها وحشة اليوم الأول في المدرسة، في حين أنها كانت وحشة تخيل اليوم الأول بدونها. كنت أتخيل إمكانية أن أفقد جدتي وأنا بعيد عنها في المدرسة. كنت أرى في هذا البعد فراقا يدعوني للبكاء بحرقة. اليوم أجد في كل هذا البعد القاسي موتا آخر، يضاعف من فداحة فقدها. لا أسترجع الآن لحظات ذاك الطفل بقدر ما أسترجع الطفل نفسه في أشد لحظات الفقد وشدائدها. ما أوحش اليوم الأول دونها!

ما كان لي أن أكبر قبل رحيلها، اليوم فقط أشعر أني لم أعد ذلك الطفل الذي يتخطفه خوف أن يفقد أمه سلامة، ما أوحشه من يوم!

جدتي كانت تبصم لأنها لا تكتب. وفي علاقاتها كانت تبصم بقلبها، وأنا تعلمت منها ذلك. وهبتني كل جميل في قلبها، محبة الناس، الاحتفاء بهم، السعادة بالأشياء الصغيرة. تصغير كبائر الأشياء، الاقتراب من الأشياء لتلطيف قسوتها، الاحتفاء بالحياة، إدخال السعادة على الآخرين، إدخال الفرح أولا وأخيرا. ضحكتها التي تملأ مأتمها فتحيله مكان فرح أكثر منه مكان حزن. أن تحسب بقلبك وكأنك لا تعرف الحساب.

* التسمية التي كان يعرفني بها بعض الأصدقاء.
هوامش:
مأتم بنت الحايي.. مأتم حجي طرار
مايو 21st, 2007 بواسطة د.علي الديري
http://aldairy.ws/?p=57

مأتم جدتي والمخيلة الكربلائية
يناير 17th, 2008 بواسطة د.علي الديري تحرير |

http://aldairy.ws/?p=461

ليلة الرابع من المحرم..مجلـــــس مــآتـــم الحــــاج طـــرار
مايو 21st, 2007 بواسطة د.علي الديري تحرير |
 http://aldairy.ws/?p=59