رواية (سماهوي) التاريخ الذي أبحث عنه

سماهوي

أستعيد هنا حديثا جرى بيني وبين (باسل الديري) في إحدى ليالي المهجر الكندي، في نهاية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني، من هذا العام الذي يوشك أن ينتهي، كان لتوه انتهى من قراءة رواية (سماهوي) وأنا كنت حينها في الصفحة 35 منها، لم أضف شيئا على ما قاله سوى كتابة المقطع الأخير المقتبس من نص الرواية:

تمهلت في قراءتها يومين، لأكملها في يوم ميلادي الثامن عشر، أردتها أن تشكل تاريخا لا ينسىى، فهي قد شكلت حدثا هزّ كياني، طوال سنوات دراستي بالبحرين من صف الأول ابتدائي للصف الثاني ثانوي، قرأت قصائد وسمعت أغاني وخطب عن البحرين، لكنها لم تترك في شيئا يستحق التذكر، سماهوي على العكس من ذلك، زلزلت كل شيء فيّ. شعرت أنها (أنا) تتحدث عني، عن تاريخي، عن معاناتي، عن هجرتي التي صرت فيها، لأول مرة أجد نفسي مدفوعاً للقراءة عن تاريخ هذه الجزيرة الصغيرة، أريد أن أقرأ الآن كتاب (القبيلة والدولة). لم يرد اسم البحرين في هذه الرواية ولا مرة واحدة، لكنه حاضر فيها بشكل تشمه في كلماتها وشخصياتها وأحداثها وذاكرتها وجغرافيا البحر والزرع.

لقد نطق بلسان حال بطل الرواية عيسى بن غانم نطقا اقشعر معه شعر بدني، حين قال“هذا هو وجه المنفى: أنت وحدك، وما يحدث لك خاص جداً ولا تعرف ماذا تريد؟” أذهلني، كأنه يتحدث عني بالضبط، لا أعرف في هذه اللحظة من منفاي، ماذا أريد؟ أشعر بوحدته التي جعلته على أطراف مدينة (لنجة) حيث البحر، ولا يريد أن يدخل عمق المدينة، وكلما تحرك قليلا إلى الداخل، شَخَصَ ببصره إلى الميناء كي لا يغيب عنه.

كلانا أنا وعيسى بن غانم، لا نعرف ماذا نريد، ونعيش نوعاً من العزلة القلقة، ونحمل مخاوف الموت في الغربة “المنفيون يمقتون الموت في المنفى”ص146، ولا نعرف أين سندفن، يقلقني أن أدفن في المنفى، ويقلقني أكثر رجوع عيسى بن غانم إلى قريته، حيث نسي طرقها التي تغيرت، ولم يتعرف عليه أحد، هل رجوعي سيقهرني، أكثر مما تقهرني الغربة الآن؟

(سماهوي) تمثل حالة المئات من البحارنة المشتتين في المنافي والمهاجر، وتمثل حالة آبائهم وأجدادهم الذين يخرجون من أراضيهم على خوف مع (سلوم الشمس) وهي تروي تاريخهم مع الأرض التي ارتبطوا بها ارتباطا أسطوريا، كما ظهر في علاقة عيسى بن غانم ببستانه، وهو يقول:

“نحن فلاحون وبحارون ندخل البساتين قبل شروق الشمس ونغادرها بعد الغروب، أوّل ما نراه النخيل وآخر ما نراه أيضاً، وما بينهما للبحر، لا وقت لدينا لشيء غير الأرض، لا نرى بيوتنا إلاّ في الظلام، نعرف مواعيد زراعة الخضروات بأنوفنا لا بمجيء الشهور وتقلّب الأيام، لكلّ موعد زرع رائحة نعرفها، ولدنا في هذه الأرض على رائحة طلع النخيل، نحن لا نذهب إليهم، هم الذين يأتون.هم الذين جاؤوا إلينا…”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *