الديري في «إله التوحّش»: الإسلام كاستسلام لجبروت الوهابية

جريدة السفير
حوار: رحيل دندش Raheel Dandach، جريدة السفير..
#إله_التوحش_الوهابي #نصوص_متوحشة #إله_التوحش

«إله التوحّش» كتاب جديد للدكتور علي الديري، صدر عن مركز «أوال للدراسات والتوثيق»، فيه يستكمل الديري ما بدأه في كتابه الأول «نصوص متوحشة» في ما شكّل امتداداً لهذه النصوص مع نشوء العقيدة الوهابية. يستعرض الكاتب السياق السياسي والعقائدي والفقهي للوهابية وغدوها سلطة تتحكّم في اللغة والسؤال والجواب والمعنى والتأويل، مع انعقاد الزواج المقدس بين الدعوة والدولة في اتفاق الدرعية العام 1744. يسهب الكاتب في شرح عمل محمد بن عبد الوهاب على إفراغ مفهوم التوحيد من روحانيته الدينية، وصوغه في أفق نصي وحرفي حتى أصبح أيديولوجيا أحادية صلبة ومبدأ شمولياً يُقتل كل مَن يخالفه، ويكيّف فقط وفق ما تمليه مصالح ولي الأمر السياسية، فتحوّل إسلام المرء بموجبه إلى استثناء.
شكلت العقيدة الوهابية الأساس لما نشاهده اليوم من انتشار وولادات لحركات التوحش على حد تعبير الديري، نحتاج أن نفهم بداياتها وتمأسساتها ومن هنا أهمية الكتاب. بعض الإشكاليات استرعت الاهتمام، فكان هذا الحوار:

السفير: .من “نصوص متوحشة” إلى “إله التوحش”. ألا يبدو الموضوع وكأنك تذهب إلى منطقة خطيرة، هي منطقة الألوهية، أتحدث وفي ذهني ما حدث لناهض حتر؟

الديري:هذه منطقة خطيرة فعلا، ودماء سالت فيها كثيرة، دماء علماء وفلاسفة ودماء جماعات ومذاهب دينية، وعبدالوهاب أحد الشخصيات التي أضرمت النار فيها، هذه المنطقة يلعب فيها السياسي قبل منتج النص المتوحش، ولا يستطيع النص وحده أن يكتسب صفة التوحش بدون قوة السياسي، ابن تيمية لم يجد القوة السياسية فبقي نصه معطلا خمسة قرون، حين حمله محمد بن عبدالوهاب، كان يبحث عن قوة سياسية تفعل هذا النص وتكسبه صفة التوحش، ووجدها في قوة محمد بن سعود.

إله التوحش هو هذا الذي ينتج من تحالف نص التكفير وقوة السياسي، يشبه مخلوق فرانكشتاين ونموذجه الأكثر قوة مثله التقاء نص محمد بن عبد الوهاب وسيف محمد بن سعود.

السفير: كان محمد بن عبد الوهاب مصلحا دينيا يدعو للتوحيد الصحيح، فكيف أنتج توحشا؟

الديري:صفة المصلح تذكرني هنا بفكرة الثورة التصحيحية في العالم العربي والأنظمة الشمولية التي تؤول إلى خراب شامل وعنف مستحكم. إن فكرة محمد بن عبدالوهاب عن التوحيد (الإله) هي مصدر عنفه الذي ينزله على المخالفين له، لقد تملكت هذه الفكرة عقله حتى صار لا يرى في الحياة غيرها كما قال علي الوردي، لقد أصبح مشغولا بها، كما ينشغل مريض التوحد بلعبة واحدة، ويتمركز حولها فيفقد التواصل مع الآخرين.

صار (التوحيد) في خطابه وممارساته الدينية والسياسية الجهادية (توحداً). بمعنى فقد (التوحيد) كونه عقيدة تحرر الإنسان وتفتحه على البشر، وأصبح مرضاً يقيده ويكبله بالكراهية والعنف والتوحش، وهذا ما اختصره محمد بن عبدالوهاب في عبارته التي يكررها “إن العبادة هي التوحيد، لأن الخصومة فيه” صار (التوحيد) في ممارسته الدعوية والسياسية يحدد من هم الخصوم، ومن هم المستباحو الأعراض والأموال، ومن هم المهدرو الدم. صار الإله بهذا المفهوم المتوحش ل(التوحيد) عدواً للبشر أو مثيرا للعداوة بين البشر، وهذا ما يشير إليه عنوان كتابي.

السفير: لماذا اليوم تركز اهتمامك على الوهابية فيما يبدو كون المشكلة ثقافية؟ فيما اليوم يبدو أن السعودية تخاف على كيانها من الوهابية هي التي حرصت على ضبطه بما جعلها سلطة مبررة؟

الديري: الوهابية من غير مبدأ طاعة ولي الأمر تغدو مخلوقا يشبه مخلوق فرانشكتاين، يقتل ويدمر ولا يمكن السيطرة عليه، ويهدد خالقه. (السرورية) التي زاوجت بين بانطلون سيد قطب وعباءة ابن تيمية، هي أول تنظيم بهذا الانتشار يكسر مبدأ الطاعة، فأصبح بالفعل مهدداً لسلطة ولي الأمر، لذلك وصفهم الألباني بأنهم خوارج العصر، لكن خرجوا على تراث ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، الجواب لا. السعودية لا تخشى من الذين يحملون هذا التراث المليء بالكراهية والعنف، لكنها تخشى من الذين يكسرون الطاعة، وجهاز (هيئة كبار العلماء) بالمملكة، هو أقرب إلى أن يكون هيئة صيانة الطاعة، فالطاعة دستور الدعوة الوهابية بالنسبة للسعودية.

السفير: ماذا تعني أن الوهابية وتراثها مليء بالكراهية والعنف؟

الديري: الوهابية هي الدعوة التي صاغها محمد بن عبدالوهاب، وضعت هذه الدعوة 10 نواقض للإسلام، وفي كل ناقض تفاصيل يكمن فيها شيطان التكفير والقتل، من يختلفون معك هم ليسوا من صنف الأخ لك في الدين أو النظير لك في الخلق، بل هم من صنف النقيض، كل الشياطين في تفاصيل هذه النواقض العشرة هم نقيض لك، عليك أن تتبرأ منهم وتكفرهم وتقتلهم.

ناقشت هذه النواقض في الفصل الرابع من كتابي، ووجدت أنها تمثل  تشكيلة خطابية، صاغت خطاب الدولة الذي تبناها وصاغت شكلها وتاريخها، وصاغت المجموعات الدعوية والجهادية ومشاريعها التربوية والتبشيرية التي تفرخت منها على مستوى العالم. الكراهية والعنف تكمن في هذه النواقض.

صارت هذه النواقض سيفاً يبرر ما قامت به الوهابية في تاريخها وقد نقل لنا المؤرخ الرسمي ابن غنام مجازر مروعة يصرم (يقطع) فيها سيف التكفير النخيل ويخرب الزروع، كما فعل في منطقة (منفوحة)، ويحرق الكتب ويزيل ما يسميه أوثانًا ومتعبدات وكنائس كما فعل في القطيف.

كل هذه الممارسات مسجلة بفخر في التاريخ الرسمي، باسم (نواقض الإسلام) ويتناسى هذا الخطاب أنه يناقض تعاليم النبي (ص) وخلفائه في الحفاظ على الزرع والنخل والرفق بالناس والمحافظة على معابدهم.

الخطاب الذي شرع هذه الممارسات هو نفسه الذي شرع لداعش خطف أكثر من 5000  رجل وامرأة وطفل من الطائفة الإيزيدية بعد أن اجتاح مناطقهم في العراق، وقتل رجالهم واتخذ نساءهم سبايا.

السفير: أعطيت للفصل الرابع من كتابك  عنوان مزدوج (نواقض الإسلام: الاستثناء المستحيل) ماذا تعني هنا بالاستثناء المستحيل؟

الديري: الرائج بين أهل السنة والجماعة  “لا استثناء في الإسلام”، وهي تعادل “لا تكفير في الإسلام” أي إننا لا نستطيع أن نستثني أحدًا نطق بالشهادتين من دائرة الإسلام. قد نستثني أحدًا في موضوع الإيمان ولكن لا نستثني أحدًا في موضوع الإسلام. على هذه القاعدة يصبح تكفير المسلم الذي يقر بالشهادتين مستحيلاً، فالإسلام هو كلمة الشهادتين.

هذا الأمر لا نجده في خطاب (الوهابية)، بل نجد أن الاستثناء هو الأصل، فمن يوصف بالمسلم (ممن ينطق بالشهادتين) هو الاستثناء، ومنطوق الخطاب الوهابي يقول إن الأصل هو أن الجميع كفار، مع أنه يدعي أنه لا يُكفر إلا من كفره الله وكفّرته نصوص السنة والقرآن، لكن الممارسة الخطابية تؤول إلى أن الجميع يكفرهم الله ويكفرهم القرآن وتكفرهم السنة إلا  من شهد “أن هذا الدين الذي قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب، هو الحق الذي لا شك فيه ولا ريب” وهذه الشهادة حلت محل “لا إله إلا الله” وحين تمكن جيش ابن سعود من المدينة ومكة أجبر علماءها على توقيع هذه الشهادة بالاسم. صار الاستثناء قاعدة في خطاب الوهابية، عبر خطاب نواقض الإسلام العشرة.

صار الإسلام ليس السلام وليس الإقرار بالشهادتين، بل هو الاستسلام والطاعة والانقياد، لجبروت القوة الوهابية ومؤسساتها، وهذا ما تعنيه وثيقة الإقرار التي أُجبر على توقيعها علماء مكة والمدينة، مذعنين منقادين مطيعين، وقُبل إسلامهم بها، والغريب إن كتب التاريخ السعودي الرسمي يحتفظ بها كإنجاز تاريخي سياسي وديني.

السفير: أما توحيد بن عبد الوهاب لم يكن تكتيكاً سياسياً بل كان وما زال عقيدة راسخة مبدئية وهذا ما يجعل منها ثقلا على الدولة. كما تقول وذلك بعكس التوحيد التومري الذي كان تكتيكاً سياسيا أكثر منه عقيدة وعادت صفة التوحيد تشمل الجميع. اليوم هل يشكل الواقع الراهن تفكيكاً للعلاقة ما بين الدولة والدعوة التي ما زالت قائمة؟

الديري: قامت دولة الموحدين قبل ستة قرون من الدعوة الوهابية، على كتاب ابن تومرت (أعز ما يطلب) وقد كفرت دولة المرابطين التي سبقتها، بقي الكتاب يدرس في مدارس الموحدين كما هو شأن كتاب محمد بن عبدالوهاب (التوحيد)، لكن حكمة الموحدين طوت صفحة التكفير، واعتبرت الجميع مسلما موحدا، بعد أن تغلبت سياسيا على المرابطين الذين اعتبرتهم كفارا ومشركين.

هذه الحكمة افتقدتها الدولة السعودية، فلم توحد مكوناتها، وبقيت تنظر إليهم بعين التكفير والشرك والشك، بل إنها وسعت صفحة التكفير بدل أن تطويها، وصارت على قدر مساحة العالم، كما نشاهدها اليوم ، فحيث تتمكن الوهابية، يتمكن التوحش.

تفكيك العلاقة بين الدعوة والدولة، يعني ضياع الدولة، وهذا ما يجعل الدولة السعودية تعتبر الدعوة الوهابية ركناً من أركانها، فهي التي تعطيها الشرعية، وتفرض لها الطاعة، وتكيف لها أحكام الواقع والسياسية. وقد اختبرت ذلك جيدا، ويمكننا أن نتذكر هنا حرب الخليج الثانية، حين أراد تيار الصحوة تجيش الشارع وانتقاد استعانة الدولة بجيوش الغرب الكافرة، تصدى لهم كبار علماء الوهابية، مانحين الشرعية لوجود هذه الجيوش، ومحرمين انتقاد استعانة ولي الأمر بهم، لقد حموا حرم الطاعة وأنقذوا الدولة من خطر كبير.

ما زالت عائلة الشيخ محمد بن عبدالوهاب تمسك الجهاز التشريعي للدولة، منذ زمن الدولة السعودية الأولى التي خصصت لبيت الشيخ من الغنائم ثمانين ألف ذهب، ولعائلة آل سعود ثلاثمائة ألف ذهب سنويًّا.

رابط الحوار في جريدة السفير

حوار حول كتاب "إله التوحش": النصوص المؤسسة للوهابية والدولة السعودية هي ورشة عمل دراستي الجديدة

photo_2016-12-19_14-48-58

أجرت الحوار/ د.انتصار رضي

سبق أن تناول الباحث البحريني ” د. علي الديري ” البيئات السياسية كمدخل لتفكيك النصوص المتوحشة من أرثوذكسية السلاجقة إلى سلفية ابن تيمية في كتابه الذي أثار جدلا (نصوص متوحشة) الذي ستصدر طبعته الثالثة قريبا.

يعود اليوم في إصداره الجديد ( إله التوحش) ليناقش التكفير كمشروع قتل يميله صراع سياسي عبر دراسة دولة الدرعية والوهابية متناولا في ذلك سيرة مؤسسها محمد بن عبدالوهاب ودعوته وتوسعها في نجد حتى صارت دولة وسياسة وجيش وقوة! سيتعرف القارئ على سيرة محمد بن عبدالوهاب في سياقها السياسي  ونصوصه التكفيرية التي جرّدت الإنسان من إنسانيته وشرعنت الموت المستحق لمسلم مقرّ بالشهادتين لا يتوافق مع التأويل الوهابي للنصوص، التأويل الذي شرعن العنف والكراهية عبر الخطاب الوهابي  لنواقض الاسلام ونواقض الايمان!!

يقودك هذا الكتاب لمعرفة كيف ولدت من هذه الحركة حركات العنف والتوحش التي باتت  ترهب العالم ..! مع د.علي الديري وجديده  (إله التوحش):

لنبدأ من مفردة التوحش، ألا تعتقد معي أن مفردة التوحش الآن انزاح معناها من الوحشية إلى معنى آخر اشتهر بعد كتاب أبو بكر ناجي (إدارة التوحش). أليس التوحش الآن أصبح مصطلحًا يطلق على حالة الفوضى التي تعم البلدان بعد وجود فراغ في السلطة مثل ليبيا بعد القذافي والعراق بعد صدام .. حالة الفراغ السياسي تلك، التي لا يناقشها كتابك طبعا؟

الديري: التوحش ليس اسمًا أو مصطلحًا هو مفهوم، ولا أحد يملك المفاهيم، بمعنى أنه يعبر عن فكرة ولا يشير إلى جماعة أو مذهب أو شخص. ربما يكون الانثروبولوجيون أكثر من استخدم هذا المفهوم للدلالة على الجماعات غير المتحضرة، ثم تراجعوا واعتذروا لهذه الجماعات، فصاروا يسمونهم الجماعات البدائية.

التوحش مفهوم يصف الموقف العملي الذي وقع بالتاريخ والنص النظري الذي شرّع له، وأقصد هنا الموقف من الآخر المختلف معنا في المذهب أو الدين أو السياسية. لدينا في تراثنا الإسلامي نصوصٌ عقائدية وفقهية مشحونة بالتحريض والعداء والكراهية والتشريع للقتل، ولدينا تطبيقات عملية لها في التاريخ. أنا مهتم بهذه التطبيقات، وجميع النصوص التي درستها في كتابي (نصوص التوحش) وكتابي (إله التوحش) كان لها تطبيقات عملية موثقة في كتب التاريخ المعتمدة.

لماذا الوهابية؟ أليست هي موجة وفي طريقها للزوال الحتمي. ما هي الحاجة إلى كتاب إله التوحش في هذه الآونة؟

الديري: لماذا الوهابية؟ لأنها نجحت في أن تغزو العالم باسم التوحيد الخالص والسنة الصحيحة والسلف الصالح، لقد اخترقت العقل الإسلامي، وتمكنت من سرقة وجهه.

الحديث عن الوهابية اليوم بخطابها التكفيري لا يمكن فصله عن السياسة، لقد انطلقت في نقدي لنصوص التوحش وإله التوحش من فكرة مفادها أن “التكفير مشروع قتل يمليه صراع سياسي”، وأجد الوهابية نموذجًا لاختبار هذه الفكرة.

كتابي ليس دراسة عن حجم حضور الوهابية في العالم الإسلامي، لكني سأجيب عن سؤالك لأوضح أهمية دراسة الخطاب الوهابي دراسة نقدية.

لنأخذ مصر وماليزيا نموذجين لانتشار الخطاب الوهابي وتوسعه، ونشر الكراهية؛ في المشهد الماليزي، تمكنت الجامعات المدعومة بشكل مباشر من السعودية بأن تحول المذهب الشيعي الاثني عشري، إلى “ديانة محظورة” كونها “تحمل العديد من الانحرافات العقائدية المخرجة من ملة الإسلام”. في ماليزيا تكفير الشيعة يتم بقانون رسمي ماليزي. كذلك تحظر الدولة، بقرار رسمي أيضًا، استخدام لفظ الجلالة للإشارة إلى الرب عند غير المسلمين، ما أثار حملة واسعة في البلاد تحت شعار “الله للمسلمين فقط”.

في مصر دعمت المملكة الجامعات الدينية الخاصة، وفرت الدراسة المجانية لأبناء العالم الإسلامي، منحتهم شهادات عالية موازية للأزهر ومصدقة من الجهات الرسمية المصرية، سرقت أساتذة الأزهر، وصاروا يدرسون في (جامعة المدينة العالمية) لتأخذه من الأشعرية إلى عباءة محمد بن عبدالوهاب.

في السعودية نفسها الأبواب والتسهيلات مفتوحة لاستقبال أبناء العالم الإسلامي، مقابل أن يتخرجوا كدعاة لتصدير الوهابية، بموجب ذلك تمكنت الوهابية من وضع يدها على أكبر المساجد الأوروبية والأميركية، وهذه عينة من الدعاة في الغرب المتهمين بخطاب الكراهية، وكلهم خريجو الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة؛ الداعية بلال فيلبس، الداعية أبو أسامة الذهبي، الداعية ياسر قاضي.

بعد أن ناقشت في (النصوص المتوحشة) جذور الفكر التكفيري المتمثل في آراء ابن تيمية، ثم تحدثت في (إله التوحش) عن آراء ابن عبدالوهاب كامتداد طبيعي لتلك الجذور، فهل سنرى قريبا لك كتابًا يتحدث عن (داعش)؟ وما الذي يجعل سير أصحاب الفكر المتطرف وأفكارهم ملهمًا ومولدًا لحركات لا تنتهي؟

الديري: لست مهتمًا كثيرًا بداعش، بقدر اهتمامي بتراثها المستخدم من النصوص، في (نصوص متوحشة) وفي (إله التوحش) ذهبت إلى سياق هذه النصوص السياسي والعقائدي والفقهي. تمثل هذه النصوص الأب المؤسس لما نشاهده اليوم من ولادات لا تنتهي من حركات التوحش، نحتاج إلى نقدها وكشف سياقاتها السياسية.

الأفكار والنصوص لا تموت، إنما تُستعاد وفق ما يتوافر لها من سياقات سياسية وثقافية، الأفكار التي تعطي القتل والكراهية، والأفكار التي تعطي الحياة والحب. والوهابية هي استعادة لنصوص التوحيد والتكفير عند ابن تيمية. ظنت سلطة المماليك أنها قضت على أفكار ابن تيمية، حين سجنته ولم تستجب لدعوته في استبدال الأشعرية بالسلفية على طريقته، لتكون هي عنوان أهل السنة والجماعة، وستظل هذه القضية محل نزاع سياسي وعقائدي، كما شاهدنا بعد مؤتمر غروزني “من هم أهل السنة والجماعة”.

كانت لحظة وفاة ابن تيمية، هي نفسها لحظة حياته، وقد سجل تلميذه ابن كثير شهادة حياته في نصه التاريخي الذي وصف جنازته وصفًا تختلط فيه المبالغة والتقديس بالحقيقة التاريخية، واسمحوا لي أن أتوسع قليلًا هنا لأوضح أن حياة الأفكار أخطر من حياة الأشخاص. هناك مقولة للإمام أحمد بن حنبل “بيننا وبين أهل البدع يوم الجنائز”، وتروى بصيغة أخرى “بيننا وبينكم شهود الجنائز”. كتب ابن كثير نص جنازة ابن تيمية على وقع هذه المقولة، ونحن في الحقيقة لا نعرف الحقيقة التاريخية لحجم الجنازة وما حدث فيها، لكننا نعرف أن وصف ابن كثير صار حقيقة تاريخية، والسلفيون لا يملون من استعادة هذا النص والاحتفاء به.

بعض التقديرات تقول إن عدد من شاركوا في الجنازة ستين ألفا إلى مائة ألف إلى أكثر من ذلك إلى مائتي ألف والنساء بخمسة عشر ألف، ويقول ابن كثير بلغ الأمر أن شرب جماعة الماء الذي فضل من غسله، وقيل إن الطاقية التي كانت على رأسه دُفِعَ فيها خمسمائة درهم، وحصل في الجنازة ضجيج وبكاء كثير، وتضرع، وخُتِمَت له ختمات كثيرة، وتردد الناس إلى قبره أيامًا كثيرة ليلًا ونهارًا، يبيتون عنده ويصبحون، ورؤيت له منامات صالحة كثيرة ورثاه جماعة بقصائد جمة.

هكذا إذن يقدم ابن كثير شهود الجنائز وكأنها تصويت على أفكار ابن تيمية واستمرار أفكاره في الناس الذين عبروا عن حبه وتقديره بالمشاركة على هذا النحو في جنازته.

إذا كانت جنازة ابن تيمية رد اعتبار لما وقع عليه من سجن، فسيرة محمد بن عبدالوهاب كما ترويها كتب التاريخ الرسمية السعودية، تشبه السيرة النبوية، محاطة بالعناية الربانية والتوفيق.

حكاية السير بهذه الطريقة تجعلها حية ومُولدة في نفوس الأتباع، لذلك لا تموت أفكار أصحاب هذه السير.

 هل تعتقد أن تحالف ابن عبدالوهاب مع ابن سعود كان السبب الرئيس في انتشار الدعوة الوهابية، أم أن الطبيعة النجدية البدوية القاسية كانت مهيأة لهكذا فكر جاف ومتشدد؟

الديري: لولا هذا التحالف ما نجحت الدعوة، إنه اتفاق الدرعية 1744، وقد بذل محمد بن عبدالوهاب جهدًا كبيرًا، وكاد أن يموت مرات حتى نجح في الوصول إلى هذا التحالف، وهو بالمناسبة تحالف غير مكتوب، لكنه مدعم بالدم والهدم “الدم بالدم والهدم بالهدم”. يشكل هذا التحالف جزءًا أساسًا من سيرة الدعوة والدولة، وهو موضوع توسعت في عرضه في الكتاب.

هذا الاتفاق نموذج آخر على أن نصوص التوحش نتيجة تحالف السياسة والدين، وأن أفضل بيئة لإنتاج نصوص دينية متوحشة هي السياسية.

الطبيعة النجدية متنوعة وأنتجت شعراء يحتفون بالحياة ويتغزلون بالجمال ويستمتعون بالطبيعة، ويكفي أن على أرضها قصة قيس وليلى.

 على ضوء البحث العلمي والوثائق المتاحة في ما يخص سيرة ابن عبدالوهاب، كيف تقيمون علميًا ما ورد في (مذكرات الجاسوس البريطاني همفر)؟ وما مدى مصداقيتها مضمونًا ومصدرًا؟

الديري: لم يشكل مصدرًا في دراستي، ولا أجد له قيمة حقيقية، وليس لهذه المذكرات وجود في الأرشيف البريطاني، كذلك لم أعتمد كتاب “لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبدالوهاب” فمؤلفه مشكوك فيه ومعلوماته عن السيرة غير معتمدة.

اعتمدت في دراستي على المصادر الرسمية التي تحتفي بها الوهابية والدولة السعودية، وأهم مصدرين هما كتاب ابن غنام “روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعدّد غزوات ذوي الإسلام” وكتاب ابن بشر “قصة المجد في تاريخ نجد”.

في خضم ما كتب عن الحركة الوهابية ومؤسسها والدولة السعودية الأولى، ما الذي يضيفه (إله التوحش) للقارئ خلاف ما هو متوفر من مصادر وكتب؟

الديري: لكل دراسة منظورها ومقاربتها، أنا حاولت أن أفهم كيف تتأسس دولة في القرن الثامن عشر وهو قرن الحداثة الغربية، على دعوة دينية جوهرها تكفير من يختلفون معها في مفهومها المتعصب للتوحيد، أردت أن أفهم  كيف صار رجل هذه الدعوة (محمد بن عبدالوهاب) أبًا مؤسسًا للدولة؟ كيف منح الدولة هويتها الشرعية؟ وكيف صارت الدولة بدعوته للتّوحيد الجهة الوحيدة المحُتكِرة للعنف والممارسة له في الوقت نفسه، ليس ضدّ من يخالف القانون بل ضد من يخالف معتقدها؟ هذه الأسئلة ممنوع طرحها في السعودية، ولا يمكن مقاربتها بعقل حر وفضاء مفتوح.

من جانب آخر، أردت أن أفهم كيف تولد من مفاهيم هذه الدعوة للتوحيد والهجرة والجهاد حركات عنف وتوحش تُرهب العالم، وهذه عينة من تنظيمات متطرفة، تتخذ من عنوان التوحيد اسمًا لها وتُعرّف عقيدتها ومهمتها الرسالية بالعبارات نفسها التي يستخدمها محمد بن عبدالوهاب في كتابه (التوحيد): جماعة التوحيد والجهاد (العراق)، جماعة التوحيد (ألمانيا)، جماعة التوحيد والجهاد (مصر)، التوحيد والهجرة (مصر)، التوحيد والهجرة (العراق)، حركة التوحيد والجهاد (غرب أفريقيا)، جماعة التوحيد والجهاد (بيت المقدس)، جماعة التوحيد والجهاد (المغرب الأقصى).

لو نظرنا إلى واقع المؤسسة الدينية الوهابية الحالية، هل تجدونها ملتزمة بأفكار ابن عبدالوهاب -خصوصا في ما يخص الشرك والتوحيد والغربة والهجرة والجهاد- أم أنها انحرفت تحت الضغوط الدولية وضغوط أصوات الإصلاح الداخلية؟

الديري: “طاعة ولي الأمر” تكاد تعادل فكرة الإمامة من حيث الانقياد والطاعة، وهذا ما يجعل الدعوة الوهابية كمؤسسة (هيئة كبار العلماء) أداة يمكن التحكم فيها وضبطها عبر ولي الأمر، لكن كدعوة وخطاب لا يمكن ضبطها، ويمكنها أن تنتج جماعات لا نهاية لها، كدالة رياضية لا نهائية.

هناك قائمة للتكفير وهي: عدم البراءة من الكفار، والإعجاب بتشريعاتهم، وإظهار المودة لهم، والتشبه بهم، واتباعهم، والتقرب منهم. كل عنوان في هذه القائمة يعتبر ناقضًا من نواقض الإسلام، ويُحكم عليك بالكفر حين لا تتبرأ من الكفار، أو تُعجب بهم، أو تتشبه بهم، أو تتبعهم، أو تتقرب منهم. لكن يمكن أن يتم تكييف هذه القائمة إذا ما تعلق الأمر بـ (ولي الأمر) فتصبح [هذه القائمة] مصالح مباحة، يُشرع لها ويؤصل لها، ويُكفر من يعترض عليها، وتُشرّع الحرب على من يقف ضدها، لأنها بمثابة الخروج على مصالح (ولي الأمر).

لا تُكيف هذه القائمة لإنتاج خطاب تسامح وسلام ومحبة مع الآخر، فجوهر الدعوة، قائم على التشدد والتكفير والكراهية، لكنها تكيف وفق قاعدة المخارج الشرعية لمصالح ولي الأمر السياسية، حدث هذا التكيف في حرب أفغانستان وغزو الكويت واستدعاء قوات الكفار للجزيرة العربية وعاصفة الحزم.

باعتقادك ماذا سيتعلم الشيعة من درس التوحش هذا؟ ألا يستدعي هذا البحث في الجذور العميقة للكراهية وتفكيكها سواءً أكان ذلك لدى الشيعة أو السنة؟

الديري: التوحش بالمفهوم الذي استخدمته، حالة متقدمة على حالة عدم القبول بالمختلف، والاختلاف مع الآخر أو حالة اعتبار كل دين أو مذهب أن الدين الآخر والمذهب الآخر ضالين أو خرافًا ضالة. في التوحش، نحن أمام حالة دعوة للتقتيل والاستباحة، الآخر ليس خروفًا ضالًا بل خروفًا للذبح. أنا أتحدث عن نصوص عقائدية وفقهية، تُعطي لجيش الإذن والأمر بقتل جماعة أخرى واستباحتها وسلب مالها ونسائها.

أرجو أن لا نخلط حالة التوحش بحالة التعصب وضيق الأفق، فتلك حالة أخرى، بمعنى أن كل توحش هو تعصب وانغلاق وكراهية، لكن ليس كل حالة تعصب وانغلاق توحشًا. علينا أن نميز بين الحالتين كما يميز القانون بين حالات الجنح وحالات الجنايات، وهذا مثال للتقريب فقط.

في تقديري، لم يتورط الفكر الشيعي في إنتاج نصوص متوحشة بالمعنى الذي شرحته، لأنه كان في الغالب يمثل الأقلية والهامش، لكنه تورط في إنتاج نصوص غير معقولة، وثبت مسلمات عقائدية مغلقة، هي من صنع التاريخ والسياسة، وأنتج سرديات تاريخية متخيلة.

على الفكر الشيعي أن يتعلم من درس التوحش، عدم تقديس نصوصه ومدوناته، عليه أن يكون شجاعًا في نقد أصوله وتفكيك مسلماته من شباك التوظيف السياسي، والانغلاق التاريخي، وإلا فهو مهدد بظهور جماعات متطرفة يتم توظيفها في الصراعات السياسية، والأمثلة الحاضرة في ذهني الآن، ظاهرة ياسر الحبيب وجماعته، وظاهرة أحمد حسن اليماني، وظاهرة الجماعات المهدوية، وجماعات الشعائر المقززة.

رابط الحوار

لتحميل الحوار بصيغة PDF

رواية من سجن (جو) المركزي بالبحرين

جو

“أنا شاب بحريني، أحببت وطني كما أحب أمي، وكنت أظنهما شيئاً واحداً، فالوطن هو حيث يكون المرء في خير كما يقال، وأنا أكون بخير طالما أنا في حضن أمي” جهاد

ماذا يريد السجين السياسي؟
يريد كسر إرادة إذلاله، هذا ما أراده (جهاد) معتقل سجن (جو) المركزي في البحرين، لقد كتب روايته عن أحداث 10مارس/آذار 2016، بقصد كسر الإذلال الذي تفنن في تجريعهم إياه الدرك الأردني وقوات الشغب والأمن والمخابرات من البلوش والباكستانية واليمنيين والبحرينيين.
أراد أن يداوي جرح كرامته وكرامة 1004 من سجناء (جو) بهذه الرواية. كتب (جهاد) من السجن ذاته الذي ما زال فيه، أول كلمة في هذه الرواية في 10/فبراير/شباط/2016م، وكتب آخر كلمة منها في اليوم العالمي لحرية الصحافة والإعلام في 3/مايو/أيار/2016م.
وسط حالة الترقب والترصد والبحث عن مكان موارب وسط ضجيج السجناء واكتظاظهم، ظل (جهاد) طوال 84 يوماً يكتب روايته، ويهربها أوراقًا متناثرة، استهلك 10 أقلام حصل عليها بشكل متقطع، وبصعوبة شديدة، وأما الأوراق والدفاتر فكانت نادرة الوجود، ولا تتوافر في دكانة السجن دائماً، الأمر الذي يتطلب الانتظار. في المحصلة احتاج إلى 5 دفاتر، ليكتب هذه الرواية التي صدرت هذا الأسبوع عن مرآة البحرين في 352 صفحة.
في رواية اليوم الأول من أحداث 10مارس الشهيرة، يروي لنا أحد مشاهد الإمعان في الإذلال، ففي منتصف الليل، يتقدم الوكيل يوسف إلى منتصف ساحة السجن الخارجية، قائلاً: الآن أريد أن أسمع منكم صوتاً يهزُّ المكان بترديد شعار “عاش عاش بو سلمان[ملك البحرين]” عاش عاش من؟! ردَّ بعض الذين كانوا قربه بصوت منخفض: بو سلمان. صرخ الوكيل: ما هذا الصوت! أريد أن أسمع الجميع يُردِّد، وإلَّا سألقنه درساً لن ينساه.
ضجَّ الناس خوفاً من إرهابه بترديد الشعار، وهو يصرخ فيهم: أعلى أعلى! هم أرادوا من ترديد الشعار كسر عزيمة المعتقلين السياسيين وإذلالهم لمعارضتهم النظام والملك، ولكن الشعار تحول إلى مناسبة للسخرية والضحك، فبعض السجناء كانوا يقولون بصوت منخفض جداً: مات.. مات. وثم يرفعون صوتهم بقول: بو سلمان. والبعض الآخر كان يقول: عاش عاش علي سلمان. قاصدين بذلك زعيم المعارضة وأمين عام جمعية الوفاق.كانت هذه الأصوات لا تُسمع مختلفة عن الآخرى بسبب الصوت العالي والمساحة الكبيرة والصدى، وقد تعمَّد السجناء فعل ذلك، لأنَّه لابُدَّ أن تردّد شيئاً أو تحرك شفتيك.
كان هذا أحد أشكال المقاومة ومحاولة كسر إرادة الإذلال، لكن موجة العنف كانت أبشع من أن تتمكن أجساد السجناء من تحمله، خفتت أصواتهم مع تعاقب نوبات التعذيب عليهم طوال ثلاثة شهور ليلَ نهارَ، وظلت أرواحهم تغالب الانكسار وتشد بعضها بعضا.
في نهاية الأسبوع الثاني من أحداث 10 مارس، أوقف الوكيل الأردني السجناء في برد الليل القارص عراة إلا من سراويلهم، يرافقهم وكيل أردني آخر، يحمل خرطوم ماء أخضر نزعه من أحد الحمامات، وراح يلوح به في الهواء: الكل يشلح أواعيه.
كان أفراد من الدرك الأردني واقفين عند حنفية ماء الشرب البارد، يملأ أحدهم دلواً من الماء. لحظات وصرخ على سجين نصف عار: على بطنك على الإسفلت البارد، ثم قام بسكب دلو ماء بارد على جسد السجين العاري، فانتفض وارتجف مثل سمكة تحتضر أُخرجت للتوّ من الماء! بعد ذلك أمره بالتدحرج على الإسفلت والوحل مسافة 10 أمتار تقريباً إلى زاوية الخيمة، ثم أمره بسكب الماء على زملائه السجناء، جاعلاً أحد أفراد الدرك الأردني حرساً على رأسه، هكذا استمرت الحفلة.
كان (جهاد) في هذه اللحظات يسأل نفسه مقهوراً: لماذا نستجيب له؟ لماذا لا نعصي أوامره؟ فباغته الوكيل بخرطومه الأخضر على جسده العاري، صار يتلقاه بصمت، فالبرد أفقده الإحساس بالألم وبالماء البارد.
يخبرنا (برتران بديع) في كتابه الصادر حديثا (زمن المذلولين..باثولوجيا العلاقات الدولية) أن الإذلال يقوض العلاقات بين الدول وبين الدولة ومواطنيها، وهو يعبر عن حالة تحتاج تشخيص مرضي (باثولوجيا).
طاقم المعذبين الذين يستعينون بشعارت الطاغية لذل المواطنين، يعبرون عن سلطة مريضة نفسيًا، تعاني من حالة باثولوجية، فتُنَفس عن مرضها بإذلال مواطنيها، ويتحولون إلى ضحايا، منهم من تذلهم بالتمييز ومنهم من تذلهم بما تمن به عليهم من مكرمات ومنهم من تذلهم بالاستجداء، ومنهم من تذلهم بتحويلهم إلى موالاة عمياء، ومنهم من تُفقدهم الحياة الكريمة، فيموتون أحياء.
جهاد ليس في خير، فوطنه ليس في خير، وأمه ما زالت تنتظر أن يأتي الخير في صورة وطن يجمعها على ابنها، لتلملم جروحه الكثيرة.

#رواية_جو 

خولة مطر رسولة الحرب والسلام

خولة مطر

“أعشق الرومي كما ابن عربي.. كنت في دمشق ليوم ونصف!! كل أيام دمشق تعيشني بالقرب منه ومن طوق ياسمينه.. كأنني أعيش ذلك الزمن” خولة مطر، سوق الجنة (شذرات من السيرة).

ما الفرق بين الزيارة التي قامت بها البحرينية خولة مطر لسوريا، واستحقت عليها جائزة أمين عام الأمم المتحدة الشجاعة، والزيارة التي قام بها 4 نواب بحرينيين لسوريا في 2012؟

لقد ذهبت خولة التي تشغل نائب وكيل الأمين العام للأمم المتحدة إلى سوريا لمعرفة أوضاع الناس المتضررة جراء الحرب القاصمة، التي تنهش أوصال سوريا منذ ستة أعوام، ونقل هذه الأوضاع إلى الأمم المتحدة لتقديم المساعدات اللازمة لهم، كما التقت بالفصائل المسلّحة لتبحث معهم عن حلّ يمكن أن يأتي بالسلام إلى سوريا، ذهبت رسولة حرب، لتبشر بالسلام بعد أن قضت سنوات من عمرها مراسلة حرب. لم يكن الأمر سهلاً، فقد دخلت خولة إلى مناطق محاصرة وخطرة لا تسيطر عليها الحكومة السورية، لهذا هي استحقت جائزة الشجاعة، ولم تكن هي المرة الأولى التي تغطي فيها خولة أوضاع مناطق خطرة تشهد حروباً وحصارات، فقد غطّت قبلها الحرب العراقية الإيرانية وحرب اليمن الجنوبي والحرب الأهلية في لبنان والحرب الإسرائيلية على لبنان في 2006 وحرب البوسنة.  

أما النواب الأربعة (عادل المعاودة وعبد الحليم مراد وحمد المهندي وفيصل الغرير)، فقد قاموا بزيارة سوريا في 2012 ضمن حملة “تجهيز غازي” التي أطلقتها جمعية “الأصالة” السلفية، وحدّدت لها وظيفةً واحدة هي تجهيز المقاتلين للمشاركة في المعارك بسوريا. وفي تغريداته التي نشرها عقب التقائهم بفصائل مسلّحة من جماعتي “صقور الشام” و”لواء أبو داوود” المتشددتين، عبّر عبد الحليم مراد حينها متفاخراً “تعمدنا الدخول بأنفسنا لتوصيل مساعدات أهل البحرين باليد لتجهيز المجاهدين من إخواننا بالجيش الحر”، كما نشر هؤلاء – بنشوة كبيرة- صورهم ومقاطع الفيديو مع (الغزاة) آنذاك.

وأعلن عضو “الأصالة” الشيخ فيصل الغرير إن “تعداد المقاتلين الذين تكفلت الحملة بتجهيزهم على مدى أربعة أشهر بلغ 1640 مقاتلاً”. كما تفاخر في تصريح آخر 28 أغسطس/ آب 2012 بأن “هذه الأموال حققت انتصارات عظيمة في أرض الشام، أسقطت الطائرات وأموراً كثيرة لا نستطيع أن نفصح عنها” .

لقد غامرت خولة بالذهاب إلى مناطق الخطر، كي تبحث عن طريق يمكن أن تفتح أفقاً للسلام، وينهي الحرب الدموية التي فتكت بالجميع، ويحمي سوريا من الهلاك والدمار الذي آلت إليه، والشعب من الضياع والزوال والتشرد الذي صار فيه، فيما ذهب النواب الأربعة ليؤججوا الحرب ويشعلوا الدمار والقتل والتدمير، وليزايدوا على الخراب والتوحش، ويوغلوا في حرق البلاد بالطائفية والكراهية والأحقاد التاريخية. لقد ذهبت خولة بقلب يحترق على الإنسان، وذهب أولئك ليحرقوا الإنسان، ذهبت خولة من أجل خلاص سوريا، وذهب هؤلاء النواب من أجل التضحية بسوريا، التضحية بها باسم “التوحيد الخالص”، وباسم “أهل السنة والجماعة”، وباسم “ثغر الإسلام”، وهو ما أوجزه النائب المعاودة في مخيم رمضاني راوياً تجربته مع الجيش الحر: “أقول لكل مسلم… من أجل الإسلام لا سوريا”، فسوريا ليست سوى ثغر، ومن أجل الثغر، فلتحترق كل سوريا.

ذهبت خولة بتربيتها التي لخصتها أمها  يوما ما في وصية مكثفة ” اذهبي وساعدي الآخرين” وذهب أولئك النواب بتربية نصوص التوحش الغارقة في الكراهية والتكفير والقتل والتحريض.

تقول خولة إنها كانت تقوم بواجبها في سوريا، وإنها لم تتوقع جائزة (الشجاعة) على واجب تقوم به. يفتخر كل البحرينيين اليوم بخولة، ويرفعون رأسهم عالياً بها، يفخرون بزيارتها لسوريا والتقائها بالسوريين وحتى الفصائل المسلّحة منها، ويضيفون ذلك إلى سجل إنجازاتها المشرفة، ويتمنون لو يقرأون تجربتها تلك كما قرأوا لها يوميات الحرب الإسرائيلية على لبنان في 2006 في صحيفة الوقت البحرينية.

لكن ماذا عن النواب الأربعة اليوم؟ إنهم لا يمتلكون (الشجاعة) ليتحدثوا عن واجبهم الذي كانوا يقومون به هناك، لأنه واجب ليس يمنحهم سوى جائزة العار، إنهم يغمغمون الحديث عن زيارتهم المخجلة تلك، وعن ما قاموا به هناك مع الفصائل المسلّحة المتشددة من “أمور لا يستطيعون أن يفصحوا عنها”، إنهم الآن، يخفون أمر تجهيزهم للغزاة وضخهم للأسلحة والأموال لحرق البلاد، إنه تاريخ أسود يضاف إلى سجلات إرهابهم وطائفيتهم، ويكفي أنه بعد أن فُضح إرهابهم، مسحوا كل تلك التغريدات والصور من حساباتهم، ولو استطاعوا لمحوها من ذاكرة التاريخ بالكامل، لكن التاريخ لا ينسى، ولا الناس.

نحن نفخر بخولة، ولهم أن يخجلوا من عارهم أبداً.

 

ناهض حتّر المقتول على قصور العدالة

 

p07_20160927_pic1 
كانت عيني الكندية للتو تفتح على مشهد الشرق الأوسط بفارق سبع ساعات. كانت الرسالة الأولى من بلاد الاغتيالات والكتب: «شفت شو صار بناهض حتّر، بتعرف خيفانة عليك، معقول اسم الكتاب ينفهم غلط».

كان السؤال الذي انقدح في ذهني لحظتها، هل ينبغي أن أخاف من عنوان كتابي الجديد «إله التوحش… التكفير والسياسة الوهابية»؟

للحظة فكرت في أنها نهاية تليق بكاتب، بل هي ليست نهاية، فهي كتابة له لكن بحبر أحمر. لقد غدا ناهض حتّر أسطورة. لن يفكر أحد في مساحات الاختلاف معه، ولن يفكر أحد في الأطراف التي كان يقف ناهض على أقصى حدودها. سنخجل جميعاً من أن نتحدث عن صغائر الاختلاف معه، وسيصبح العنوان الكاتب المقتول، كما أصبح عنوان فيلسوف الإشراق السهروردي المقتول، أو حسب تعبير ابن تيمية «المقتول على الزندقة» أو المقتول في حلب.

الدم أبلغ من الحبر في اللحظات العدمية الكبرى، كاللحظة التي نعيشها، يكاد الحبر يفقد بلاغته في التعبير عن أزمتنا أو اقتراح مخارج لها أو توصيف حالتها أو تفكيك بنيتها. تصبح اللحظة أكثر إغراءً للكتابة بالأحمر، ليس رغبة في الشهادة ولا حتى رغبة في تقديم درس في التضحية أو خوض معركة تستحق أن نموت من أجلها، ليس من أجل ذلك كله ولا بعضه، بل من أجل أن نعيش على نحو استثنائي في ما يمكن أن نسميه المشهد الثقافي العام. أقولها بصراحة: هذا ما يدفعني لأن أظل متمسكاً بعنوان كتابي، وليذهب المستميتون في التوحش باسم الدفاع عن الذات الإلهية إلى جحيم الحور العين.

لقد قلت «الذات الإلهية» وفي ذهني هلوسات محمد بن عبد الوهاب وهو يردّد عشرات المرات عبارته الأثيرة «إن العبادة هي التوحيد، لأن الخصومة فيه». هو يعني توحيد الذات الإلهية وتنزيهها والدفاع عنها والنطق باسمها والحرب من أجلها والخصومة فيها، تلك هي العبادة. كان قاتل ناهض حتّر يمارس عبادته وهو يطلق رصاصته في منتهك الذات الإلهية.

ناهض حتّر هو أحد ضحايا هذه الخصومة، وأستطيع أن أقول من خلال تقليب مئات الصفحات من نصوص التوحش في تراثنا إن هذه الخصومة ظاهرها عقائدي وباطنها سياسي، وبطن السلطة أو الدولة أو الخلافة يزداد تكرّشاً وترهّلاً كلما استخدمت التوحيد أداة خصومة سياسية، كما فعلت تجربة الخلافة الإسلامية في تاريخنا، وكما فعلت الدولة السعودية الأولى (1744 ــ 1818) وما زالت تفعل، ولن تتوب عن أن تفعل.

التوحيد هو موضوع الخصومة وهو موضوع السياسة في الوقت نفسه. فالجماعات والفرق تختصم حين تختلف في السياسة، وحين تريد أن توجد مشروعية لخلافها السياسي تلجأ إلى العقيدة. وليس هناك أقوى من أن تضرب خصمك في عقيدته (التوحيد) فتخرجه من الإسلام، وذلك هو ما حصل طوال فترات الصراع السياسي في تاريخنا.

افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. هي نار السياسية وليست نار الآخرة. والافتراق هو الخصومة في التوحيد، فكل فرقة تدّعي أنها توحد الله وتعطي الإله ما تستحقه ذاته من صفات التنزيه، في حين أنها تنزه نظامها السياسي ضد شرك الاعتراض والاحتجاج والمطالبات.

من هي الفرقة الناجية اليوم؟ الفرقة الواحدة الناجية اليوم التي تجد نفسها خارج الاثنتين والسبعين ليست غير الوهابية. فهي التي تخاصم الجميع في توحيدهم خصاماً دونه التكفير والتقتيل والتفجير والشقاق والكراهيات المنفلتة من الإنسانية.

لقد وضعت الحكومة الأردنية نفسها في الموضع الذي وضع فيه محمد بن عبد الوهاب الدولة السعودية. فقد جعلها تختصم مع الناس في التوحيد الذي جاء هو به وفرضه شعاراً للدولة. كان ناهض حتّر ضحية هذه الخصومة، خصومة الدولة التي صارت فرقة تبحث عن نجاتها بقتل الفرق التي تختصم معها بدل أن تصير دولة توحد جميع الخصوم تحت مرجعيتها الجامعة والحافظة للمختصمين.

هكذا يعمل «إله التوحش»، يُوَهْبِن الدولة ويحوّلها إلى خصم عقائدي يسفك دماء المعارضين لها على أعتاب قصور عدالتها المزيفة.

الرابط الأصلي