رواية من سجن (جو) المركزي بالبحرين

جو

“أنا شاب بحريني، أحببت وطني كما أحب أمي، وكنت أظنهما شيئاً واحداً، فالوطن هو حيث يكون المرء في خير كما يقال، وأنا أكون بخير طالما أنا في حضن أمي” جهاد

ماذا يريد السجين السياسي؟
يريد كسر إرادة إذلاله، هذا ما أراده (جهاد) معتقل سجن (جو) المركزي في البحرين، لقد كتب روايته عن أحداث 10مارس/آذار 2016، بقصد كسر الإذلال الذي تفنن في تجريعهم إياه الدرك الأردني وقوات الشغب والأمن والمخابرات من البلوش والباكستانية واليمنيين والبحرينيين.
أراد أن يداوي جرح كرامته وكرامة 1004 من سجناء (جو) بهذه الرواية. كتب (جهاد) من السجن ذاته الذي ما زال فيه، أول كلمة في هذه الرواية في 10/فبراير/شباط/2016م، وكتب آخر كلمة منها في اليوم العالمي لحرية الصحافة والإعلام في 3/مايو/أيار/2016م.
وسط حالة الترقب والترصد والبحث عن مكان موارب وسط ضجيج السجناء واكتظاظهم، ظل (جهاد) طوال 84 يوماً يكتب روايته، ويهربها أوراقًا متناثرة، استهلك 10 أقلام حصل عليها بشكل متقطع، وبصعوبة شديدة، وأما الأوراق والدفاتر فكانت نادرة الوجود، ولا تتوافر في دكانة السجن دائماً، الأمر الذي يتطلب الانتظار. في المحصلة احتاج إلى 5 دفاتر، ليكتب هذه الرواية التي صدرت هذا الأسبوع عن مرآة البحرين في 352 صفحة.
في رواية اليوم الأول من أحداث 10مارس الشهيرة، يروي لنا أحد مشاهد الإمعان في الإذلال، ففي منتصف الليل، يتقدم الوكيل يوسف إلى منتصف ساحة السجن الخارجية، قائلاً: الآن أريد أن أسمع منكم صوتاً يهزُّ المكان بترديد شعار “عاش عاش بو سلمان[ملك البحرين]” عاش عاش من؟! ردَّ بعض الذين كانوا قربه بصوت منخفض: بو سلمان. صرخ الوكيل: ما هذا الصوت! أريد أن أسمع الجميع يُردِّد، وإلَّا سألقنه درساً لن ينساه.
ضجَّ الناس خوفاً من إرهابه بترديد الشعار، وهو يصرخ فيهم: أعلى أعلى! هم أرادوا من ترديد الشعار كسر عزيمة المعتقلين السياسيين وإذلالهم لمعارضتهم النظام والملك، ولكن الشعار تحول إلى مناسبة للسخرية والضحك، فبعض السجناء كانوا يقولون بصوت منخفض جداً: مات.. مات. وثم يرفعون صوتهم بقول: بو سلمان. والبعض الآخر كان يقول: عاش عاش علي سلمان. قاصدين بذلك زعيم المعارضة وأمين عام جمعية الوفاق.كانت هذه الأصوات لا تُسمع مختلفة عن الآخرى بسبب الصوت العالي والمساحة الكبيرة والصدى، وقد تعمَّد السجناء فعل ذلك، لأنَّه لابُدَّ أن تردّد شيئاً أو تحرك شفتيك.
كان هذا أحد أشكال المقاومة ومحاولة كسر إرادة الإذلال، لكن موجة العنف كانت أبشع من أن تتمكن أجساد السجناء من تحمله، خفتت أصواتهم مع تعاقب نوبات التعذيب عليهم طوال ثلاثة شهور ليلَ نهارَ، وظلت أرواحهم تغالب الانكسار وتشد بعضها بعضا.
في نهاية الأسبوع الثاني من أحداث 10 مارس، أوقف الوكيل الأردني السجناء في برد الليل القارص عراة إلا من سراويلهم، يرافقهم وكيل أردني آخر، يحمل خرطوم ماء أخضر نزعه من أحد الحمامات، وراح يلوح به في الهواء: الكل يشلح أواعيه.
كان أفراد من الدرك الأردني واقفين عند حنفية ماء الشرب البارد، يملأ أحدهم دلواً من الماء. لحظات وصرخ على سجين نصف عار: على بطنك على الإسفلت البارد، ثم قام بسكب دلو ماء بارد على جسد السجين العاري، فانتفض وارتجف مثل سمكة تحتضر أُخرجت للتوّ من الماء! بعد ذلك أمره بالتدحرج على الإسفلت والوحل مسافة 10 أمتار تقريباً إلى زاوية الخيمة، ثم أمره بسكب الماء على زملائه السجناء، جاعلاً أحد أفراد الدرك الأردني حرساً على رأسه، هكذا استمرت الحفلة.
كان (جهاد) في هذه اللحظات يسأل نفسه مقهوراً: لماذا نستجيب له؟ لماذا لا نعصي أوامره؟ فباغته الوكيل بخرطومه الأخضر على جسده العاري، صار يتلقاه بصمت، فالبرد أفقده الإحساس بالألم وبالماء البارد.
يخبرنا (برتران بديع) في كتابه الصادر حديثا (زمن المذلولين..باثولوجيا العلاقات الدولية) أن الإذلال يقوض العلاقات بين الدول وبين الدولة ومواطنيها، وهو يعبر عن حالة تحتاج تشخيص مرضي (باثولوجيا).
طاقم المعذبين الذين يستعينون بشعارت الطاغية لذل المواطنين، يعبرون عن سلطة مريضة نفسيًا، تعاني من حالة باثولوجية، فتُنَفس عن مرضها بإذلال مواطنيها، ويتحولون إلى ضحايا، منهم من تذلهم بالتمييز ومنهم من تذلهم بما تمن به عليهم من مكرمات ومنهم من تذلهم بالاستجداء، ومنهم من تذلهم بتحويلهم إلى موالاة عمياء، ومنهم من تُفقدهم الحياة الكريمة، فيموتون أحياء.
جهاد ليس في خير، فوطنه ليس في خير، وأمه ما زالت تنتظر أن يأتي الخير في صورة وطن يجمعها على ابنها، لتلملم جروحه الكثيرة.

#رواية_جو 

خولة مطر رسولة الحرب والسلام

خولة مطر

“أعشق الرومي كما ابن عربي.. كنت في دمشق ليوم ونصف!! كل أيام دمشق تعيشني بالقرب منه ومن طوق ياسمينه.. كأنني أعيش ذلك الزمن” خولة مطر، سوق الجنة (شذرات من السيرة).

ما الفرق بين الزيارة التي قامت بها البحرينية خولة مطر لسوريا، واستحقت عليها جائزة أمين عام الأمم المتحدة الشجاعة، والزيارة التي قام بها 4 نواب بحرينيين لسوريا في 2012؟

لقد ذهبت خولة التي تشغل نائب وكيل الأمين العام للأمم المتحدة إلى سوريا لمعرفة أوضاع الناس المتضررة جراء الحرب القاصمة، التي تنهش أوصال سوريا منذ ستة أعوام، ونقل هذه الأوضاع إلى الأمم المتحدة لتقديم المساعدات اللازمة لهم، كما التقت بالفصائل المسلّحة لتبحث معهم عن حلّ يمكن أن يأتي بالسلام إلى سوريا، ذهبت رسولة حرب، لتبشر بالسلام بعد أن قضت سنوات من عمرها مراسلة حرب. لم يكن الأمر سهلاً، فقد دخلت خولة إلى مناطق محاصرة وخطرة لا تسيطر عليها الحكومة السورية، لهذا هي استحقت جائزة الشجاعة، ولم تكن هي المرة الأولى التي تغطي فيها خولة أوضاع مناطق خطرة تشهد حروباً وحصارات، فقد غطّت قبلها الحرب العراقية الإيرانية وحرب اليمن الجنوبي والحرب الأهلية في لبنان والحرب الإسرائيلية على لبنان في 2006 وحرب البوسنة.  

أما النواب الأربعة (عادل المعاودة وعبد الحليم مراد وحمد المهندي وفيصل الغرير)، فقد قاموا بزيارة سوريا في 2012 ضمن حملة “تجهيز غازي” التي أطلقتها جمعية “الأصالة” السلفية، وحدّدت لها وظيفةً واحدة هي تجهيز المقاتلين للمشاركة في المعارك بسوريا. وفي تغريداته التي نشرها عقب التقائهم بفصائل مسلّحة من جماعتي “صقور الشام” و”لواء أبو داوود” المتشددتين، عبّر عبد الحليم مراد حينها متفاخراً “تعمدنا الدخول بأنفسنا لتوصيل مساعدات أهل البحرين باليد لتجهيز المجاهدين من إخواننا بالجيش الحر”، كما نشر هؤلاء – بنشوة كبيرة- صورهم ومقاطع الفيديو مع (الغزاة) آنذاك.

وأعلن عضو “الأصالة” الشيخ فيصل الغرير إن “تعداد المقاتلين الذين تكفلت الحملة بتجهيزهم على مدى أربعة أشهر بلغ 1640 مقاتلاً”. كما تفاخر في تصريح آخر 28 أغسطس/ آب 2012 بأن “هذه الأموال حققت انتصارات عظيمة في أرض الشام، أسقطت الطائرات وأموراً كثيرة لا نستطيع أن نفصح عنها” .

لقد غامرت خولة بالذهاب إلى مناطق الخطر، كي تبحث عن طريق يمكن أن تفتح أفقاً للسلام، وينهي الحرب الدموية التي فتكت بالجميع، ويحمي سوريا من الهلاك والدمار الذي آلت إليه، والشعب من الضياع والزوال والتشرد الذي صار فيه، فيما ذهب النواب الأربعة ليؤججوا الحرب ويشعلوا الدمار والقتل والتدمير، وليزايدوا على الخراب والتوحش، ويوغلوا في حرق البلاد بالطائفية والكراهية والأحقاد التاريخية. لقد ذهبت خولة بقلب يحترق على الإنسان، وذهب أولئك ليحرقوا الإنسان، ذهبت خولة من أجل خلاص سوريا، وذهب هؤلاء النواب من أجل التضحية بسوريا، التضحية بها باسم “التوحيد الخالص”، وباسم “أهل السنة والجماعة”، وباسم “ثغر الإسلام”، وهو ما أوجزه النائب المعاودة في مخيم رمضاني راوياً تجربته مع الجيش الحر: “أقول لكل مسلم… من أجل الإسلام لا سوريا”، فسوريا ليست سوى ثغر، ومن أجل الثغر، فلتحترق كل سوريا.

ذهبت خولة بتربيتها التي لخصتها أمها  يوما ما في وصية مكثفة ” اذهبي وساعدي الآخرين” وذهب أولئك النواب بتربية نصوص التوحش الغارقة في الكراهية والتكفير والقتل والتحريض.

تقول خولة إنها كانت تقوم بواجبها في سوريا، وإنها لم تتوقع جائزة (الشجاعة) على واجب تقوم به. يفتخر كل البحرينيين اليوم بخولة، ويرفعون رأسهم عالياً بها، يفخرون بزيارتها لسوريا والتقائها بالسوريين وحتى الفصائل المسلّحة منها، ويضيفون ذلك إلى سجل إنجازاتها المشرفة، ويتمنون لو يقرأون تجربتها تلك كما قرأوا لها يوميات الحرب الإسرائيلية على لبنان في 2006 في صحيفة الوقت البحرينية.

لكن ماذا عن النواب الأربعة اليوم؟ إنهم لا يمتلكون (الشجاعة) ليتحدثوا عن واجبهم الذي كانوا يقومون به هناك، لأنه واجب ليس يمنحهم سوى جائزة العار، إنهم يغمغمون الحديث عن زيارتهم المخجلة تلك، وعن ما قاموا به هناك مع الفصائل المسلّحة المتشددة من “أمور لا يستطيعون أن يفصحوا عنها”، إنهم الآن، يخفون أمر تجهيزهم للغزاة وضخهم للأسلحة والأموال لحرق البلاد، إنه تاريخ أسود يضاف إلى سجلات إرهابهم وطائفيتهم، ويكفي أنه بعد أن فُضح إرهابهم، مسحوا كل تلك التغريدات والصور من حساباتهم، ولو استطاعوا لمحوها من ذاكرة التاريخ بالكامل، لكن التاريخ لا ينسى، ولا الناس.

نحن نفخر بخولة، ولهم أن يخجلوا من عارهم أبداً.

 

ناهض حتّر المقتول على قصور العدالة

 

p07_20160927_pic1 
كانت عيني الكندية للتو تفتح على مشهد الشرق الأوسط بفارق سبع ساعات. كانت الرسالة الأولى من بلاد الاغتيالات والكتب: «شفت شو صار بناهض حتّر، بتعرف خيفانة عليك، معقول اسم الكتاب ينفهم غلط».

كان السؤال الذي انقدح في ذهني لحظتها، هل ينبغي أن أخاف من عنوان كتابي الجديد «إله التوحش… التكفير والسياسة الوهابية»؟

للحظة فكرت في أنها نهاية تليق بكاتب، بل هي ليست نهاية، فهي كتابة له لكن بحبر أحمر. لقد غدا ناهض حتّر أسطورة. لن يفكر أحد في مساحات الاختلاف معه، ولن يفكر أحد في الأطراف التي كان يقف ناهض على أقصى حدودها. سنخجل جميعاً من أن نتحدث عن صغائر الاختلاف معه، وسيصبح العنوان الكاتب المقتول، كما أصبح عنوان فيلسوف الإشراق السهروردي المقتول، أو حسب تعبير ابن تيمية «المقتول على الزندقة» أو المقتول في حلب.

الدم أبلغ من الحبر في اللحظات العدمية الكبرى، كاللحظة التي نعيشها، يكاد الحبر يفقد بلاغته في التعبير عن أزمتنا أو اقتراح مخارج لها أو توصيف حالتها أو تفكيك بنيتها. تصبح اللحظة أكثر إغراءً للكتابة بالأحمر، ليس رغبة في الشهادة ولا حتى رغبة في تقديم درس في التضحية أو خوض معركة تستحق أن نموت من أجلها، ليس من أجل ذلك كله ولا بعضه، بل من أجل أن نعيش على نحو استثنائي في ما يمكن أن نسميه المشهد الثقافي العام. أقولها بصراحة: هذا ما يدفعني لأن أظل متمسكاً بعنوان كتابي، وليذهب المستميتون في التوحش باسم الدفاع عن الذات الإلهية إلى جحيم الحور العين.

لقد قلت «الذات الإلهية» وفي ذهني هلوسات محمد بن عبد الوهاب وهو يردّد عشرات المرات عبارته الأثيرة «إن العبادة هي التوحيد، لأن الخصومة فيه». هو يعني توحيد الذات الإلهية وتنزيهها والدفاع عنها والنطق باسمها والحرب من أجلها والخصومة فيها، تلك هي العبادة. كان قاتل ناهض حتّر يمارس عبادته وهو يطلق رصاصته في منتهك الذات الإلهية.

ناهض حتّر هو أحد ضحايا هذه الخصومة، وأستطيع أن أقول من خلال تقليب مئات الصفحات من نصوص التوحش في تراثنا إن هذه الخصومة ظاهرها عقائدي وباطنها سياسي، وبطن السلطة أو الدولة أو الخلافة يزداد تكرّشاً وترهّلاً كلما استخدمت التوحيد أداة خصومة سياسية، كما فعلت تجربة الخلافة الإسلامية في تاريخنا، وكما فعلت الدولة السعودية الأولى (1744 ــ 1818) وما زالت تفعل، ولن تتوب عن أن تفعل.

التوحيد هو موضوع الخصومة وهو موضوع السياسة في الوقت نفسه. فالجماعات والفرق تختصم حين تختلف في السياسة، وحين تريد أن توجد مشروعية لخلافها السياسي تلجأ إلى العقيدة. وليس هناك أقوى من أن تضرب خصمك في عقيدته (التوحيد) فتخرجه من الإسلام، وذلك هو ما حصل طوال فترات الصراع السياسي في تاريخنا.

افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. هي نار السياسية وليست نار الآخرة. والافتراق هو الخصومة في التوحيد، فكل فرقة تدّعي أنها توحد الله وتعطي الإله ما تستحقه ذاته من صفات التنزيه، في حين أنها تنزه نظامها السياسي ضد شرك الاعتراض والاحتجاج والمطالبات.

من هي الفرقة الناجية اليوم؟ الفرقة الواحدة الناجية اليوم التي تجد نفسها خارج الاثنتين والسبعين ليست غير الوهابية. فهي التي تخاصم الجميع في توحيدهم خصاماً دونه التكفير والتقتيل والتفجير والشقاق والكراهيات المنفلتة من الإنسانية.

لقد وضعت الحكومة الأردنية نفسها في الموضع الذي وضع فيه محمد بن عبد الوهاب الدولة السعودية. فقد جعلها تختصم مع الناس في التوحيد الذي جاء هو به وفرضه شعاراً للدولة. كان ناهض حتّر ضحية هذه الخصومة، خصومة الدولة التي صارت فرقة تبحث عن نجاتها بقتل الفرق التي تختصم معها بدل أن تصير دولة توحد جميع الخصوم تحت مرجعيتها الجامعة والحافظة للمختصمين.

هكذا يعمل «إله التوحش»، يُوَهْبِن الدولة ويحوّلها إلى خصم عقائدي يسفك دماء المعارضين لها على أعتاب قصور عدالتها المزيفة.

الرابط الأصلي

إنه قلب ناصر البحرين

  14390963_10155234231862542_4899534285382235265_n

 

لم يتوقف قلب ناصر، بل أوقفه على لهيب حب البحرين. اختطفت البحرين قلبه المتعب، تضخم بها أكثر مما يتسع له حجمه، تعذب بهذا الحب، فصار ينبض أسرع مما تحتمله طاقته البشرية.

هل كان المُعذِب، في سجون البحرين، يُدرك ذلك؟ كان يعرف بغريزته المتوحشة أن العذاب يتضاعف في قلب ناصر آلاف المرات، لكنه يصر على أن يُحول عذوبة حبه للبحرين عذابا، لعله ينتزع منه كراهية لهذه الجزيزة التي أبتلي بها حتى وقع في حب إحدى بناتها، وهو يعيش أحلام ثورتها في 2011.

حين التقيته للمرة الأولى في بيروت مارس/آذار 2012 لم يحدثني عن قلبه المجهد، حدثني عن قلبه العاشق، كان يتدفق بحيوية المحب المملوء باليقين، وجدت فيه نقاوة الحب وخلاصته وأنا في السنة الأولى من تجربة الهجرة التي لم أُسمها حينها هجرة. حدثني عن الأصدقاء الذين بيننا بإشارات تغني عن الشرح، كان في رحلته إلى كندا، ولست أدري إن كان يملك قلبه لحظتها هذه الطاقة الجبارة ليودع في مصيري حينها شيئٍا مِن القَدَر الكندي، لألحق به بعد أربع سنوات.

بعد سنتين يردني اتصال من الأمم المتحدة “صار ملفك في السفارة الكندية سيردك اتصال منها” هجست حينها أن ثمة شيئًا غريبا في هذا القدر الكندي، اليوم أستطيع تفسيره بلقاء القلب ذلك، قلب ناصر الذي أحببته منذ أول طلة، أرسلت لناصر مباشرة أسأله عن كندا، لم يكن يرد علي سريعا. بعدها تأتي رسالته محملة باعتذار حميم أعذرني، فالأدوية التي أتناولها تخدرني وتجعلني غائبا لفترة طويلة، كندا بلد جميل و(أتاوا) مدينة جميلة، وأنا أدرس فيها حقوق إنسان وقانون.

لست بحاجة إلى دراسة حقوق الإنسان يا ناصر، لقد أعطاك شعب البحرين شهادة عظيمة في جدارة استحقاقك لإجازة حقوق الإنسان، لقد امتحن قلبك ووجده يحفظ هذه الحقوق جيدا، ويُؤمِن بها، ويُؤمّن بحياته عليها، ويموت تعذيبا بها، ويستشهد دونها.

قلبك مختوم بالحق الإنساني، يا ناصر، ويبدو أنك لم تقبل من هذا الشعب  أن يوقع شهادته فيك إلا حيث قلبك.

قلبك العنيد، كيف نحفظ أرثه الصعب؟ لا يليق به مكانا غير قلب نصب دوار اللؤلؤة، هناك في أعلى النصب الذي عشقته ووقفت تتطلع فيه طويلا، وتحلم معنا حوله، ونحن نزفه للتاريخ العظيم حيث يليق به ويليق بك.

قلت لزوجته  قبل أربعين ساعة من الرحيل إلى الأبدية البيضاء، نحن عاجزون أن نفعل شيئا، قولي لنا أن نفعل شيئا يريحنا، قالت بصوت مخنوق: الطبيب أعطى موعد النهاية وناصر ماض إليها، ولا أريد منكم غير الدعاء.

عشرة أسباب تُخرج الوهابية من أهل السنة والجماعة

 

photo_2016-09-09_12-52-51

لقد أخرج مؤتمر (من هم أهل السنة والجماعة؟)، والذي عقد في العاصمة الشيشانية غروزني، الوهابية من قائمة أهل السنة والجماعة. ومنذ صدور بيان المؤتمر، والجهاز الإعلامي للمملكة العربية السعودية يشعر أنه، ولأول مرّة، يجرع من ذات كأس السم القاتل، الذي يتفنن في صناعته وإذاقته لغيره، وهو سم الإقصاء وعدم الاعتراف، والتكفير.

أظنّ أن على «هيئة كبار العلماء في السعودية» أن تتأمل في الأسباب التي تُخرج الوهابية من أهل السُنّة والجماعة، لتعيد إنتاج نسخة أكثر اعتدالاً منها ووسطية. فالأسباب التي بحاجة إلى مراجعة ونقد وتصحيح هي ذاتها الأسباب العشرة التي حددها محمد بن عبدالوهاب للتكفير.

وقد تولّى شرح هذه النواقض وتوضيح مدى تطبيقها، عضو «اللجنة الدائمة للإفتاء» وعضو «هيئة كبار العلماء بالمملكة السعودية»، الشيخ صالح الفوزان، في كتابه «دروس في شرح نواقض الإسلام». ولقد عالجتها في فصل خاص في كتابي، والذي سيصدر قريباً، تحت عنوان «إله التوحش الوهابي»، وبيّنت التوظيف السياسي لها في تأسيس الدولة السعودية الأولى.

يعرّف الفوزان النواقض على هذا النحو: «… ونواقض الإسلام هي مفسداته ومبطلاته، فمن أسلم وشهد أن لا اله الا الله وأن محمداً رسول الله، فقد ينقض إسلامه وتوحيده بناقض من هذه النواقض، وهو يدري أو لا يدري، فيكون مرتداً وفي عداد الكافرين».

النواقض إذاً، هي التي تبطل إسلامك، فتخرجك من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر، أو هي التي تنقض شهادة توحيدك. ومعلوم أن التوحيد يمثل موضوعاً مركزيّاً في خطاب محمد بن عبد الوهاب، فكل شيء ينقض مفهومه الخاص للتوحيد يعتبر ناقضاً للإسلام.

هناك عشرة نواقض (أسباب) تعمل كمقدمات عامة ومطاطة لإنتاج التكفير، ينطبق فيها على المسلم حكم الكفر والارتداد والخروج من الإسلام. وقد استخدمت هذه المقدمات بشكل متعسّف طوال تاريخها، ولم تتعرض لأي نقد داخلي، بل اعتبرت محددات وتخوم وأصول تفصلها وتميزها عن بقية المسلمين من أهل السنة والجماعة، الذين اختلفوا في الفروع (الفقه) ولم يختلفوا في الأصول (العقائد).

إن هذا الاعتساف في إنتاج الكفر، من مقدمات عامة، لن تجده إلا عند الوهابية، وهو اعتساف وصل بها إلى حد تكفير من هم أهل السنة والجماعة، كالأشاعرة والصوفية، وعلماء كثر من الحنابلة، بلغ عددهم ستاً وعشرين، بين عالم، وفقيه، وقاض في نجد، في عصر الدولة السعودية الأولى.

سأذكر تطبيقات اعتبرت في الخطاب الوهابي حالات للخروج من الإسلام، ولم يعهدها أهل السنة والجماعة كذلك، أو لم يبالغوا في اعتساف تطبيق الكفر عليها إلا في حالات شاذة لأسباب سياسية.

النواقض هي التي تبطل إسلامك، فتخرجك من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر

الناقض الأول: زيارة القبور والتبرك بها، والدعاء عندها. وقد أعطى هذا الناقض حجة شرعية لغزو كربلاء في 1802، وقد روت لنا البعثة الفرنسية في تقاريرها فظائع هذا الغزو، الذي لا يقرّه أحد من أهل السنة والجماعة، في حين ما زالت الوهابية تباركه، وتعتبره من أعمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الناقض الثاني: من يؤمن بشفاعة الأولياء، في حين يذهب أهل السنة والجماعة إلى أن الملائكة والنبيين والصالحين يشفعون يوم القيامة.

الناقض الثالث: من يصحح مذهب المشركين، ويقول إن مذهبهم صحيح يكون كافراً، ويدخل ضمن ذلك من يدعو إلى التقارب بين الأديان أو الحوار بينها. فالمسلم يفترض أن يُبطل هذه الأديان ويحاججهم وينقضهم، بدل أن يتفهمهم ويتقارب معهم. ولا أحد من المسلمين يعتبر أن دعوة الحوار والتقارب مع المذاهب والأديان دعوة دونها التكفير والارتداد.

الناقض الرابع: الإعجاب بالتشريعات الدنيوية والقوانين الوضعية، وتفضيلها. بمعنى أنك بمجرد أن تكون قد دعيت للدولة المدنية فأنت فضلت غير الهدى النبوي، ورفضت التشريع الإلهي، فأنت كافر.

الناقض الخامس: أن تبغض أو تكره أحكاماً شرعية أو معاملات شرعية، مثل إعفاء اللحية أو الأحكام المتعلقة بالمرأة والحجاب، أو أن تتبنى مثلاً آراء تتعلق بأحكام وضعية بالمرأة، أو تشريعات دولية تخالف الشريعة الإسلامية. هذه كلها تدخل في هذا الناقض.

الناقض السادس: أن يُشم منك أنك تستهزئ بالنبي أو بشيء من سنته، أو من صحابته، أو من أحكامه. فكل ذلك يُعدّ ناقضاً من نواقض الإسلام، ويخرجك من الإسلام إلى الكفر. والتعسّف في فهم الاستهزاء باب واسع في الأدبيات الوهابية، ولا تجد له مثيلاً عند أهل السنة والجماعة إلا ما شذ.

الناقض السابع: أعمال السيرك واللهو والألعاب السحرية، لأنها من السحر والصرف.

الناقض الثامن: إظهار المودة للكفار، أو التشبه بهم، أو اتباعهم، أو التقرب منهم أو الاحتفال بمناسباتهم الدينية كأعياد الميلاد.

الناقض التاسع: من يعتقد أن الشريعة تاريخية، والأحكام مرتبطة بزمنها، ويمكن التخلي عنها في الحاضر.

الناقض العاشر: الانصراف عن تعلّم الدين والتفقه فيه. وهذا ينطبق على الرافضة، والصوفية، والقبورية، وغيرهم. بحسب محمد بن عبد الوهاب، لا فرق بين جميع هذه النواقض، بين الهازل والجاد والخائف. فجميعها أبواب جهنم في الآخر بقوة الله وقدرته وفي الدنيا، بقوة السلطة الوهابية وقدرة الدولة التي سجنت عشرات الكتّاب والسياسيين والمفكرين وأصحاب الرأي بحجج هذه النواقض. فيجعل كل ناقض من هذه النواقض في تطبيقاته العملية الوهابية فرقة شاذة عن الخط العام لأهل السنة والجماعة. ولتكون ضمن هذا الخط، فإنها لا تحتاج إلى حملة علاقات عامة، ولا إلى حملات حزم صحافية لتكون من أهل السنة والجماعة، بل تحتاج إلى مراجعة ذاتها ودعوتها (دعوة محمد بن عبد الوهاب) التي تحالفت معها على قاعدة «الدم بالدم والهدم بالهدم»، لتجعل القاعدة الفكر بالفكر، لتتمكن من إنتاج نسخة منقحة من الدم والعنف الذي هدمت به علاقتها مع أهل السنة والجماعة، وأرادت أن تنصب نفسها ناطقاً متفرداً باسمهم، يأتمرون بأمرها ويستجيبون لغضبها.

الرابط الأصلي