حوار جريدة (بين نهرين الثقافية) مع الباحث البحريني علي الديري: “إله التوحش”.. مضاد للحداثة والتنوع الخلاق

مقابلة ملحق بين نهرين الثقافي حول كتاب إله التوحش

جدل وحوار جريدة (بين نهرين الثقافية): يوسف محسن 

في كتابه (نصوص متوحشة من أرثوذكسية السلاجقة إلى سلفية ابن تيمية) فكك الباحث البحريني علي الديري، النصوص التكفيرية والتأويلات التي منحت العنف والكراهية شرعية ثقافية في مجتمعات العالم الإسلامي، نصوص فقهاء جعلت من التوحش عقيدة دينية، لا تعترف بالآخر، أما كتابه (إله التوحش: التكفير والسياسة الوهابية) الصادر حديثاً، فيدرس فيه الديري نصوص التكفير الوهابية التي تشكل جذر (داعش) الثقافي.

علي الديري ناقد وباحث من البحرين، متخصص في تحليل الخطاب، اشتغل في حقل الفلسفة واللغة والمجاز، أسقطت الجنسية عنه بمرسوم ملكي في كانون الثاني 2015، لأسباب تتعلق بآرائه السياسية، جريدة “بين نهرين الثقافية” حاورته بشأن الظاهرة السلفية الجهادية بوصفها ظاهرة ثقافية وبالذات الأكثر تجلياتها وحشية (داعش).

لتنزيل حوار جريدة “بين نهرين الثقافية” حول كتاب إله التوحش pdf

بين نهرين: هل يمكننا القول إن السلفيات الجهادية وأقصد أحد التجليات الأكثر بروزا (داعش) تمتلك لغة خاصة داخل  الظاهرة الثقافية التي تنتجها؟ أم هي جزء من المنظومة الثقافية في السياقات العربية؟

الديري: ما يجمع السلفيات هو أنها ترجع إلى نص يسبقها، يسبق زمنها الذي تعيش فيه ولا تعيشه، ويسبق عقل الحضارة المعاصرة التي فرضت أدواتها على الجميع بما فيهم السلفيات. في كتابي (نصوص متوحشة) ذهبت إلى  النص الذي يشكل لها الأب المؤسس، لغة السلفيات الجهادية هي نفسها لغة هذه النصوص: تكرار ممل، إعادة بائسة للأقوال نفسها، استخدام الحجج والأدلة نفسها، معجم المصطلحات نفسه، العمى نفسه يورثه السابق إلى اللاحق.

خذ مثلا: ابن تيمية، وابن القيم الجوزي، ومحمد بن عبدالوهاب، وأبومحمد المقدسي، كأنهم يبيضون مسودة واحدة، تدور حول فكرة مغلقة واحدة هي فكرة التوحيد السلفي ولوازمه من البراءة والولاء، البراءة  من الطواغيت والآلهة التي تعبد من دون الله عز وجل والكفر بها، فهذه لا تُؤخر ولا تؤجل، بل ينبغي أن تظهر وتعلن منذ أول الطريق، والبراءة من الأقوام المشركين هم أنفسهم إن أصروا على باطلهم.

لا تخرج لغة الجماعات السلفية بكل تلاوينها عن معجم لغة البراءة، ربما تتنوع تطبيقات البراءة فتأتي في صور:مفخخات أو أحزمة ناسفة، تفجير مساجد أو مراقص، انتحاريون أو انغماسيون.

منهج البراءة هو لغة السلفية الجهادية، وهو ما تجده مشروحاً في كتاب المقدسي “ملة إبراهيم” فطريقة تحطيم أصنام المشركين، هي المنهج الذي يجب أن نتبعه، وهي اللغة التي يجب أن نتحدث بها معهم، وعلى هذا تصبح ملة إبراهيم في مفهومهم تعني القوة، والعنف، والذبح، وتمثيل الموت في أقسى حالته بشاعة ورعباً.

بين نهرين: شل الحرية التأويلية لجماعة دينية أو سياسية ما، تعد النقطة الحاسمة والتي تحمل داخلها جذور التوحش (امتلاك الحقيقة المطلقة ) ما هو رأيك بهذه الفرضية؟

الديري: إله التوحش يقول لك اعبد النص من غير تأويل ولا تكييف ولا تمثيل، أي عطّل طاقتك العقلية والخيالية والإبداعية في سؤال الكيف، ومجاز التشبيه، هذا ما ينتجه مفهوم التوحيد السلفي، إله من كلمات صماء، أصنام في شكل كلمات، ممنوع عليك أن تأولها أو تفهمها بطاقتك الإنسانية. ممنوع أن تسأل كيف هي صفات الله؟ ولا تشبهها بشيء.  صفات الإله غير قابلة للتأويل عند الجماعات السلفية، ومعاركهم الكبرى يشعلونها حول صفات الاستواء والجلوس.

عليك أن تُسلّم فقط، تسلم بهذه الصفات، وتسلم لولي الأمر أيضا بالطاعة العمياء، لتسلم روحك. لا تسأل كيف استوى الإله على العرش؟ ولا كيف استولى ولي الأمر على العرش؟

السلفية الجهادية، تبحث عن القوة المادية السياسية التي تمكنها أن تحظر وتمنع وتقطع، وتحد من التأويل. من يذهبون إلى التأويل تطبق عليهم السلفية الجهادية حد التبري، فيصبحون في دائرة من دمهم مستحل.

“ما نزل من القرآن آية إلا لها ظهر وبطن، ولكل حرف حدّ ولكل حد مطلع” الحد عندهم هو القطع هو امتناع التأويل، والمطلع هو العقوبة على تجاوز الحد. في مقابل هذا المعنى المغلق، يقدم الشريف الرضي تأويلا آخر، يرى في الحد ليس نهاية، بل وصول إلى مطلع تشرف من خلاله على معنى جديد.

إغلاق التأويل هو نهاية أي أمة، لأنه يعني الوصول إلى حائط مسدود، في حين التأويل يعني أنك يجب أن ترتقي بحركتك الروحية والعقلية لتصل إلى الحدود القصوى من المعرفة التي تطل من خلالها على العالم، لتفهمه وتستوعبه وتعيش تنوعاته كلها. الحد ليس سيفاً ولا حزاما ناسفا ولا مفخخة، بل الحد شرفة رؤية. الذين يحدون أسماء الله وصفاته ويمنعون السؤال، يحولون الله إلى صنم غير قابل للمعنى، ومتى فقد الإنسان المعنى اغترب وتوحش.

من يردد اليوم كلام الشريف الرضي في التأويل؟ من يقول لك إن التأويل يفتح معنى الألوهية على الحياة؟ من يحثّك على أن تصعد إلى أعالي التلال، لتطل من خلالها على معنى الله، ومعنى كتاب الله، ومعنى خلق الله وآيات الله. من يستحث في داخلك القدرة على أن تبذل ما في وسعك من أجل أن تطلّ على المعنى من غير سلطة الأقوال والمرجعيات الصنمية. من يردّد اليوم كلمات الشريف الرضي؟ الجواب: لا أحد.

في مقابل ذلك، من يردّد لغة السلفيات الجهادية؟ الجواب: كل أحد. حتى الذين لم ينخرطوا في أعمالها العنفية. إنهم يترددون في كل ما يُطلعك منهم (التأويل). لا يريدونك أن تدرك الله ورسالته بقلبك، بل يريدونك أن تدركه بلسانك، وتقرّ لهم بهذا الإدراك، وإن زلّ لسانك أَرسلوك إلى مقصلة الحدّ الذي يفهمونه عقوبة، ويفهمه الشريف الرضي مطلعاً للمعنى.  

لقد تحوّل الإيمان إلى حدٍّ تدخل فيه بكلمات وتخرج منه بكلمات، لا علاقة لها بالقلب ولا بالروح، وهذه هي إحدى نتائج تعطيل التأويل. وقد ناقشت ذلك مفصّلاً في الفصل الرابع من كتابي “إله التوحّش” عند الحديث عن كتاب “الإيمان” عند ابن تيمية.

مقابلة ملحق بين نهرين الثقافي حول كتاب إله التوحش2

بين نهرين: السلفيات الجهادية (داعش)، تسعى إلى تهديد وفناء الحداثة الغربية، عبر خطاب وسلوك معاد للعقلانية والمرح، وهذا الأمر نفذ في  باريس من خلال مهاجمة مسرح باتاكلان الذي كان يحيي حفلاً لرواد موسيقى الروك، التي تعد بمثابة شيفرة ثقافية تعكس حالة التنوع والتعايش الخلاق بين الأمزجة والأعراق والأديان والفنون، أو عبر الهجوم على مجموعة لمطاعم (لاكازا نوسترا) الذي يقدم وجبة البيتزا التي باتت بمثابة وجبة عابرة للجنسيات والثقافات، كيف تكون داعش إنتاج الحداثة والعولمة وفي نفس الوقت حركة مضادة للحداثة؟

الديري: الحداثة تتعلق بزمن العقل والروح والسلفيات الجهادية لا يتحرك عندها هذا الزمن، لو تحرك هذا الزمن في عقلها تفقد صفة السلفية، وتسقط من عوالمها المتوهمة، هي تستخدم أدوات التحديث والعولمة لتحصّن قلاعها وتعيد انتشارها في هذا الفضاء المعولم، هي تريد أن يبتلع الزمن السالف الزمن المعاصر، فيحدث هذا الصدام.

المخلوق (فرانكنشتاين) هو صناعة حديثة، لكنه يعاني من نقص في تركيبه الروحي والعاطفي، وهذا ما جعل منه مشوهاً، لقد كان صنيعة التحديث الصلب، كما الجهاديات السلفية صنيعة التحديث الصلب الذي أتاحه لها الانترنت والصناعة وأدوات التواصل الحديث، لكنها حركة مضادة للتحديث السائل المتعلق بالإنسان وحقوقه وروحه وأشكال وجوده المتعددة.

بين نهرين هناك جهود انثروبولوجين، مثل أوليفي روي في كتابه “الجهل المقدس: زمن دين بلا ثقافة”، وسكوت أتران مؤلف كتاب “الحديث إلى العدو، الدين والأخوة وصناعة الإرهابيين وتفكيكهم” والفرنسي إيمانويل تود في كتابه الإشكالي “ما هي شارلي؟ سوسيولوجيا أزمة دينية”، من وجهة نظركم هل يعد الخطاب السلفي الجهادي الداعشي خطاب خلاصي ام خطاب ترتسم فيه أزمة؟

الديري: كل خطاب خلاصي، يحمل في داخله نزعة تخلصية، يعني يدعو إلى التخلص من نماذج معينة وأعراق وأفكار وأديان. يعتقد أن خلاص البشرية يكمن في التخلص مما هو عالق فيها من الخارج، التوحيد هو مركز الخطاب الخلاصي عند الجماعات السلفية، يعادون الناس عليه ويقتلونهم عليه ويتبرأون منهم عليه، أي أنهم يتخلصون من الناس بحجة أنهم يريدون أن يخلصوا  العالم بالتوحيد.

مفهوم الخلاص، موجود في الديانات، فهي تبشر بالجنة وخلاص البشر من الشرور والخطايا، يتحول الخلاص في الحركات الدينية إلى تخلص من الناس الذين يختلفون معها، كما فعلت حركة الصهيونية، فالخلاص يتحقق بعد بناء الهيكل الثالث على أنقاض المسجد الأقصى، وللوصول إلى هذا الهدف، يمكنك أن تقتل الناس وتهجّرهم وتتخلص من كل الذين لا يؤمنون بمعتقدك اليهودي في محيط القدس.

كذلك، جاء محمد بن عبدالوهاب بدعوة تخليص الجزيرة من الشرك، فتحالف مع قوة سياسية لديها تطلعات للتخلص من خصومها السياسيين، فأعمل هذا الحلف السيف والقتل والصرم والتكفير في الجزيرة باسم تخليصها من شرور الشرك، وهذا هو منطق الحركات السلفية الجهادية.

صور كتاب إله التوحش، تصوير نتاليا

بين نهرين: إله التوحش، نقيض الإله الإنسانوي، أتساءل ما هي الشروط الثقافية والاجتماعية والسياسية التي أنتجت هذا الإله الوحشي؟

الديري: إله التوحش ليس في السماء، هو في الأرض، في قصور الخلفاء والسلاطين ومدارسهم الدينية التي تخلقه على مقاس حاجاتهم السياسية، بحثت عنه فوجدته في نصوص الغزالي يأمر بالقتل والسفك وانتهاك العرض ضد خصوم الخليفة العباسي والسلطان السلجوقي، خصومهم من المسلمين وليس الكفار والمشركين. ووجدته في نصوص مؤسس دولة الموحدين (ابن تومرت) وهو يُكفر ويُقتل ويستبيح خصومه المرابطين وهم من المسلمين من أهل السنة والجماعة، ما كان للخليفة عبد المؤمن بن علي أن يجلس على كرسي الحكم قبل أن ينزل إله التوحش ونصوصه إلى الأرض، ليستبيح بها الخلفاء المرابطين.

ووجدت هذا الإله متربعاً في نصوص ابن تيمية، يبحث عن إله في الأرض يتحالف معه، ليُمعن في القتل باسم التوحيد، فتُبسط له الأرض فيحكم باسم الله، ووجدت محمد بن عبدالوهاب، واسطة العقد بين إله ابن تيمية المتوحش وسيف محمد بن سعود، لقد صاغا عقد اتفاق الدرعية على قاعدة “الدم بالدم والهدم بالهدم” وبذلك فهي اتفاق على أن نص التوحيد ضمان لدم الدولة وضمان لدم الدعوة، وهدم أحدهما هدم للآخر. هي ضمان للتوحيد السياسي للدولة الخاضعة بالقوة لعقيدة إيمان مُوحدة ومُعَمّمة وغير قابلة لأي تأويل أو اختلاف، كما أنها ضمان لبقاء الدعوة ظاهرة وقوية ومهابة وناطقة في مراسيم الحكم وألسن الناس.

باختصار، يجد إله التوحش مكانته المقدسة في الأرض، حين تُعطي السياسة شرعية دينية للفتك المتوحش بالخصوم السياسيين. والنصوص المقدسة لهذا الإله في ثقافتنا، هي النصوص التي تصادر حق الإنسان في السؤال عن الله وصفاته وتصادر تأويله لها، وتستبيح دماء الآخرين باسم هذه الصفات.

بين نهرين: من المعروف أن ثقافة الخطابات السلفية الجهادية  تتغذي على منطق الانغلاق والعزلة على الذات، من جهة، والإحساس بالتعالي الذي يعتبر عاملاً مغذيًا لمنطق الغطرسة والغزو والإيمان الأرثوذوكسي بالأنموذج الواحد. أتساءل كيف تظهر تلك الثقافات وتعد قوة هائلة في التاريخ؟

الديري: (الإيمان الأرثوذكسي بالأنموذج الواحد) هو نفسه (السلفية) أو (أهل السنة والجماعة) أو (أهل الحق) هذا تعبير لا يشير إلى جماعة أو مذهب أو طائفة فقط، بل هو يشير إلى الطريق المستقيم الصحيح الّذي يفرضه إجماع السلطة كطريق للتدين.

هذه التركيبة من العقيدة والسلطة والقوة تحوّل الدين إلى ممارسة عنف وإكراه وتوحش، وهذا ما حاولت أن أدرسه وجعلته عنوانا فرعيا في كتابي (نصوص متوحشة من أرثوذكسية السلاجقة إلى سلفية ابن تيمية) لقد مارس السلاجقة توحشهم عبر سلفيتهم التي كانت عقيدة أشعرية مفروضة كطريق وحيد للإسلام المفروض بالسلطة السلجوقية، وكذلك فعلت الوهابية، فرضت التوحيد من منظورها السلفي كعقيدة بسيف سلطة آل سعود. داعش اليوم تريد أن تمارس ما فعلته الوهابية في تاريخ الدولة السعودية الأولى، باعتباره تاريخ صدر الإسلام الصحيح.

بين نهرين: نرى أنّ المواجهة العسكرية لداعش ليست كفيلة باستئصالها، بل إنّ المواجهة الثقافية والفكرية هي أجدر وأنجع. أتساءل  كيف ذلك؟

الديري: المعركة على كل الجبهات، والمثقف الذي يظن أنه سيهزم داعش بكتبه فقط، ستحرقه داعش بكتبه.وكذلك المثقف الذي يكتب من الحضن الذي فرّخ داعش، سيغلق عليه هذا الحضن يوماً ويجد نفسه بلا نفس ولا حرية ولا كرامة.

الهروب من الوحش

photo_2016-12-28_16-31-37

باسمة القصاب*
أعترف أني شعرت بنوع من التثاقل، قبل البدء بقراءة كتاب الصديق علي الديري، الصادر عن مركز أوال للدراسات والتوثيق «إله التوحش.. التكفير والسياسة الوهابية» رغم إدراكي أهمية هذا الكتاب والعمق الذي يحويه. أقول تثاقلت، لأن التوحش الذي نغرق فيه، يجعلني -مثل غيري- نبحث عن كتاب نهرب به عن هذا الواقع الكريه، إلى نصّ أنيس، لعلّه يعيد لنا شيئاً من إنسانيتنا المفقودة، أو ينعش فينا حرارة الحب التي غابت عن قلوبنا وجوارحنا. وربما لأني أعتقد أن الخروج على الوجه القبيح للعالم يبدأ من إشاعة الحب، لا من إعادة نبش هذه النصوص القبيحة، كان داخلي يقول: قراءة نصوص هؤلاء المتوحشين، توحش آخر.

لكن ما إن دخلت، حتى وجدتني انزلق في قراءة سلسلة، ما يشبه رواية تاريخية مشوّقة ومتعمّقة، وإن كانت موجعة، رواية تعرض سيرة رجل وسيرة دولة، تمر عبر اتفاق تاريخي مفصلي، وقع شفاهة بين رجلين: رجل ملّة ورجل دولة. كان الأول بحاجة إلى قوة السلاح لينشر دعوته، والثاني بحاجة إلى العزّ والتمكين. هكذا أطلق رجل الدولة القوّة في يد رجل الملّة، مقابل ما وعده به الأخير “وأنا أبشرك بالعز والتمكين والنصر المبين”. كان ذلك اتفاق الدرعية في العام 1744م، بين الشيخ محمد عبد الوهاب، والأمير عبد العزيز بن سعود.

هذا التناول، صيغ بحسّ نقدي عميق، حسّ لا كراهية فيه، تناولٌ يتمنى تقديم مراجعة نقدية تؤسس لاستئصال هذه النصوص، التي لا ترينا غير صورة إله متوحش غريب، ودين روحه الكراهية والتقتيل.

لا يحمل هذا النقد مناكفة من ابن طائفة لطائفة أخرى، فعلي الديري الذي عُرف بمناكفته الثقافية اللاذعة لطائفته الاجتماعية ونقدها، لا يتناول في كتابه هذا طائفة تكفّر طائفة أخرى، بل (عقيدة) تكفّر المختلف وتستبيح دمه وماله وحلاله، مهما كان هذا الآخر مشتركاً معها في الطائفة نفسها، أو مختلفاً عنها في المذهب أو الدين. إنها عقيدة متطرفة عنيفة مبنية على البراءة والكفر، فمن لا يؤمن بـ(لا إله إلا الله) على طريقتها في التوحيد يُكفّر.

يأتي هذا الكتاب متقاطعاً ومتكاملاً مع كتابه «نصوص متوحشة» الذي صدر في 2015، فالديري مشغول بمحاولة فهم جذور التوحش الذي نعيشه اليوم، أو الوحش الذي سرق وجوهنا. وهو ينطلق من فرضية تقول أن خلف كل صراع عقائدي تقتيلي وتكفيري، أصل سياسي: “فتش في كل خلاف حول التوحيد وما يتصل به من صفات الألوهية عن السياق السياسي، لتفهم هذا الخلاف، وكذلك إذا أردت أن تفهم صراعات الفرق العقائدية والكلامية، فتش عن السياق السياسي”. ليس هناك أقوى من أن تضرب خصمك السياسي في عقيدته لتخرجه من الإسلام، فتشرعن قتله وتبيح التخلص منه.

يتتبع الديري في كتابه الأخير، كيف تحول كتاب دعوة هو «كتاب التوحيد»، إلى وثيقة حركة سياسية ودينية، ودستور دولة لاحقاً. وكيف صارت تلك (الدعوة) عقيدة حرب واختصام توسّع باب الشرك، وتفتح باب الكفر. كيف جُرّد مفهوم التوحيد من كل معاني الوحدة والإيمان ولم يعد يمثّل غير الخصومة والتبرؤ والتكفير والمحاربة فقط. وكيف جُرّد مفهوم الإسلام من كل معاني السلام، حتى أصبحت رسالته محصورة في الجهاد فقط. وكيف جرّد جميع المسلمين ممن هم خارج هذه (العقيدة) من الإسلام، حتى صار الاستثناء من الإسلام هو الأصل.

إنه ليس نبشاً للتاريخ، فالنبش يقتضي أن يكون المنبوش ميتاً أو منتهياً، لكننا هنا أمام حاضر له امتداد تاريخي. أمام نصوص معاشة وحيّة تعمل على تشكيل أتباعها وصياغة عقيدتهم وتوجيه تكوينهم وعلاقتهم بالآخر. نصوص لم يتم تجاوزها كتاريخ، بل ما زالت تدرس في المدارس وتنشر وتترجم وتعاد طباعتها وتوزيعها والتبشير بها والدعوة إليها في الداخل والخارج.

إنه الوجه الحقيقي الذي يلاحقني في حياتي ولا أستطيع الهروب منه مهما ذهبت إلى نصوص السلام والحب ونمت محتضنة إياها لعلها تراودني في أحلامي على هيئة حمامات سلام بيضاء.  ومهما هربت، عندما أستيقظ صباحاً، لن أرى غير جرائم الوحش وهي تزلزل أسى العالم!

*كاتبة من البحرين
رابط الموضوع

الديري في «إله التوحّش»: الإسلام كاستسلام لجبروت الوهابية

جريدة السفير
حوار: رحيل دندش Raheel Dandach، جريدة السفير..
#إله_التوحش_الوهابي #نصوص_متوحشة #إله_التوحش

«إله التوحّش» كتاب جديد للدكتور علي الديري، صدر عن مركز «أوال للدراسات والتوثيق»، فيه يستكمل الديري ما بدأه في كتابه الأول «نصوص متوحشة» في ما شكّل امتداداً لهذه النصوص مع نشوء العقيدة الوهابية. يستعرض الكاتب السياق السياسي والعقائدي والفقهي للوهابية وغدوها سلطة تتحكّم في اللغة والسؤال والجواب والمعنى والتأويل، مع انعقاد الزواج المقدس بين الدعوة والدولة في اتفاق الدرعية العام 1744. يسهب الكاتب في شرح عمل محمد بن عبد الوهاب على إفراغ مفهوم التوحيد من روحانيته الدينية، وصوغه في أفق نصي وحرفي حتى أصبح أيديولوجيا أحادية صلبة ومبدأ شمولياً يُقتل كل مَن يخالفه، ويكيّف فقط وفق ما تمليه مصالح ولي الأمر السياسية، فتحوّل إسلام المرء بموجبه إلى استثناء.
شكلت العقيدة الوهابية الأساس لما نشاهده اليوم من انتشار وولادات لحركات التوحش على حد تعبير الديري، نحتاج أن نفهم بداياتها وتمأسساتها ومن هنا أهمية الكتاب. بعض الإشكاليات استرعت الاهتمام، فكان هذا الحوار:

السفير: .من “نصوص متوحشة” إلى “إله التوحش”. ألا يبدو الموضوع وكأنك تذهب إلى منطقة خطيرة، هي منطقة الألوهية، أتحدث وفي ذهني ما حدث لناهض حتر؟

الديري:هذه منطقة خطيرة فعلا، ودماء سالت فيها كثيرة، دماء علماء وفلاسفة ودماء جماعات ومذاهب دينية، وعبدالوهاب أحد الشخصيات التي أضرمت النار فيها، هذه المنطقة يلعب فيها السياسي قبل منتج النص المتوحش، ولا يستطيع النص وحده أن يكتسب صفة التوحش بدون قوة السياسي، ابن تيمية لم يجد القوة السياسية فبقي نصه معطلا خمسة قرون، حين حمله محمد بن عبدالوهاب، كان يبحث عن قوة سياسية تفعل هذا النص وتكسبه صفة التوحش، ووجدها في قوة محمد بن سعود.

إله التوحش هو هذا الذي ينتج من تحالف نص التكفير وقوة السياسي، يشبه مخلوق فرانكشتاين ونموذجه الأكثر قوة مثله التقاء نص محمد بن عبد الوهاب وسيف محمد بن سعود.

السفير: كان محمد بن عبد الوهاب مصلحا دينيا يدعو للتوحيد الصحيح، فكيف أنتج توحشا؟

الديري:صفة المصلح تذكرني هنا بفكرة الثورة التصحيحية في العالم العربي والأنظمة الشمولية التي تؤول إلى خراب شامل وعنف مستحكم. إن فكرة محمد بن عبدالوهاب عن التوحيد (الإله) هي مصدر عنفه الذي ينزله على المخالفين له، لقد تملكت هذه الفكرة عقله حتى صار لا يرى في الحياة غيرها كما قال علي الوردي، لقد أصبح مشغولا بها، كما ينشغل مريض التوحد بلعبة واحدة، ويتمركز حولها فيفقد التواصل مع الآخرين.

صار (التوحيد) في خطابه وممارساته الدينية والسياسية الجهادية (توحداً). بمعنى فقد (التوحيد) كونه عقيدة تحرر الإنسان وتفتحه على البشر، وأصبح مرضاً يقيده ويكبله بالكراهية والعنف والتوحش، وهذا ما اختصره محمد بن عبدالوهاب في عبارته التي يكررها “إن العبادة هي التوحيد، لأن الخصومة فيه” صار (التوحيد) في ممارسته الدعوية والسياسية يحدد من هم الخصوم، ومن هم المستباحو الأعراض والأموال، ومن هم المهدرو الدم. صار الإله بهذا المفهوم المتوحش ل(التوحيد) عدواً للبشر أو مثيرا للعداوة بين البشر، وهذا ما يشير إليه عنوان كتابي.

السفير: لماذا اليوم تركز اهتمامك على الوهابية فيما يبدو كون المشكلة ثقافية؟ فيما اليوم يبدو أن السعودية تخاف على كيانها من الوهابية هي التي حرصت على ضبطه بما جعلها سلطة مبررة؟

الديري: الوهابية من غير مبدأ طاعة ولي الأمر تغدو مخلوقا يشبه مخلوق فرانشكتاين، يقتل ويدمر ولا يمكن السيطرة عليه، ويهدد خالقه. (السرورية) التي زاوجت بين بانطلون سيد قطب وعباءة ابن تيمية، هي أول تنظيم بهذا الانتشار يكسر مبدأ الطاعة، فأصبح بالفعل مهدداً لسلطة ولي الأمر، لذلك وصفهم الألباني بأنهم خوارج العصر، لكن خرجوا على تراث ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، الجواب لا. السعودية لا تخشى من الذين يحملون هذا التراث المليء بالكراهية والعنف، لكنها تخشى من الذين يكسرون الطاعة، وجهاز (هيئة كبار العلماء) بالمملكة، هو أقرب إلى أن يكون هيئة صيانة الطاعة، فالطاعة دستور الدعوة الوهابية بالنسبة للسعودية.

السفير: ماذا تعني أن الوهابية وتراثها مليء بالكراهية والعنف؟

الديري: الوهابية هي الدعوة التي صاغها محمد بن عبدالوهاب، وضعت هذه الدعوة 10 نواقض للإسلام، وفي كل ناقض تفاصيل يكمن فيها شيطان التكفير والقتل، من يختلفون معك هم ليسوا من صنف الأخ لك في الدين أو النظير لك في الخلق، بل هم من صنف النقيض، كل الشياطين في تفاصيل هذه النواقض العشرة هم نقيض لك، عليك أن تتبرأ منهم وتكفرهم وتقتلهم.

ناقشت هذه النواقض في الفصل الرابع من كتابي، ووجدت أنها تمثل  تشكيلة خطابية، صاغت خطاب الدولة الذي تبناها وصاغت شكلها وتاريخها، وصاغت المجموعات الدعوية والجهادية ومشاريعها التربوية والتبشيرية التي تفرخت منها على مستوى العالم. الكراهية والعنف تكمن في هذه النواقض.

صارت هذه النواقض سيفاً يبرر ما قامت به الوهابية في تاريخها وقد نقل لنا المؤرخ الرسمي ابن غنام مجازر مروعة يصرم (يقطع) فيها سيف التكفير النخيل ويخرب الزروع، كما فعل في منطقة (منفوحة)، ويحرق الكتب ويزيل ما يسميه أوثانًا ومتعبدات وكنائس كما فعل في القطيف.

كل هذه الممارسات مسجلة بفخر في التاريخ الرسمي، باسم (نواقض الإسلام) ويتناسى هذا الخطاب أنه يناقض تعاليم النبي (ص) وخلفائه في الحفاظ على الزرع والنخل والرفق بالناس والمحافظة على معابدهم.

الخطاب الذي شرع هذه الممارسات هو نفسه الذي شرع لداعش خطف أكثر من 5000  رجل وامرأة وطفل من الطائفة الإيزيدية بعد أن اجتاح مناطقهم في العراق، وقتل رجالهم واتخذ نساءهم سبايا.

السفير: أعطيت للفصل الرابع من كتابك  عنوان مزدوج (نواقض الإسلام: الاستثناء المستحيل) ماذا تعني هنا بالاستثناء المستحيل؟

الديري: الرائج بين أهل السنة والجماعة  “لا استثناء في الإسلام”، وهي تعادل “لا تكفير في الإسلام” أي إننا لا نستطيع أن نستثني أحدًا نطق بالشهادتين من دائرة الإسلام. قد نستثني أحدًا في موضوع الإيمان ولكن لا نستثني أحدًا في موضوع الإسلام. على هذه القاعدة يصبح تكفير المسلم الذي يقر بالشهادتين مستحيلاً، فالإسلام هو كلمة الشهادتين.

هذا الأمر لا نجده في خطاب (الوهابية)، بل نجد أن الاستثناء هو الأصل، فمن يوصف بالمسلم (ممن ينطق بالشهادتين) هو الاستثناء، ومنطوق الخطاب الوهابي يقول إن الأصل هو أن الجميع كفار، مع أنه يدعي أنه لا يُكفر إلا من كفره الله وكفّرته نصوص السنة والقرآن، لكن الممارسة الخطابية تؤول إلى أن الجميع يكفرهم الله ويكفرهم القرآن وتكفرهم السنة إلا  من شهد “أن هذا الدين الذي قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب، هو الحق الذي لا شك فيه ولا ريب” وهذه الشهادة حلت محل “لا إله إلا الله” وحين تمكن جيش ابن سعود من المدينة ومكة أجبر علماءها على توقيع هذه الشهادة بالاسم. صار الاستثناء قاعدة في خطاب الوهابية، عبر خطاب نواقض الإسلام العشرة.

صار الإسلام ليس السلام وليس الإقرار بالشهادتين، بل هو الاستسلام والطاعة والانقياد، لجبروت القوة الوهابية ومؤسساتها، وهذا ما تعنيه وثيقة الإقرار التي أُجبر على توقيعها علماء مكة والمدينة، مذعنين منقادين مطيعين، وقُبل إسلامهم بها، والغريب إن كتب التاريخ السعودي الرسمي يحتفظ بها كإنجاز تاريخي سياسي وديني.

السفير: أما توحيد بن عبد الوهاب لم يكن تكتيكاً سياسياً بل كان وما زال عقيدة راسخة مبدئية وهذا ما يجعل منها ثقلا على الدولة. كما تقول وذلك بعكس التوحيد التومري الذي كان تكتيكاً سياسيا أكثر منه عقيدة وعادت صفة التوحيد تشمل الجميع. اليوم هل يشكل الواقع الراهن تفكيكاً للعلاقة ما بين الدولة والدعوة التي ما زالت قائمة؟

الديري: قامت دولة الموحدين قبل ستة قرون من الدعوة الوهابية، على كتاب ابن تومرت (أعز ما يطلب) وقد كفرت دولة المرابطين التي سبقتها، بقي الكتاب يدرس في مدارس الموحدين كما هو شأن كتاب محمد بن عبدالوهاب (التوحيد)، لكن حكمة الموحدين طوت صفحة التكفير، واعتبرت الجميع مسلما موحدا، بعد أن تغلبت سياسيا على المرابطين الذين اعتبرتهم كفارا ومشركين.

هذه الحكمة افتقدتها الدولة السعودية، فلم توحد مكوناتها، وبقيت تنظر إليهم بعين التكفير والشرك والشك، بل إنها وسعت صفحة التكفير بدل أن تطويها، وصارت على قدر مساحة العالم، كما نشاهدها اليوم ، فحيث تتمكن الوهابية، يتمكن التوحش.

تفكيك العلاقة بين الدعوة والدولة، يعني ضياع الدولة، وهذا ما يجعل الدولة السعودية تعتبر الدعوة الوهابية ركناً من أركانها، فهي التي تعطيها الشرعية، وتفرض لها الطاعة، وتكيف لها أحكام الواقع والسياسية. وقد اختبرت ذلك جيدا، ويمكننا أن نتذكر هنا حرب الخليج الثانية، حين أراد تيار الصحوة تجيش الشارع وانتقاد استعانة الدولة بجيوش الغرب الكافرة، تصدى لهم كبار علماء الوهابية، مانحين الشرعية لوجود هذه الجيوش، ومحرمين انتقاد استعانة ولي الأمر بهم، لقد حموا حرم الطاعة وأنقذوا الدولة من خطر كبير.

ما زالت عائلة الشيخ محمد بن عبدالوهاب تمسك الجهاز التشريعي للدولة، منذ زمن الدولة السعودية الأولى التي خصصت لبيت الشيخ من الغنائم ثمانين ألف ذهب، ولعائلة آل سعود ثلاثمائة ألف ذهب سنويًّا.

رابط الحوار في جريدة السفير

حوار حول كتاب "إله التوحش": النصوص المؤسسة للوهابية والدولة السعودية هي ورشة عمل دراستي الجديدة

photo_2016-12-19_14-48-58

أجرت الحوار/ د.انتصار رضي

سبق أن تناول الباحث البحريني ” د. علي الديري ” البيئات السياسية كمدخل لتفكيك النصوص المتوحشة من أرثوذكسية السلاجقة إلى سلفية ابن تيمية في كتابه الذي أثار جدلا (نصوص متوحشة) الذي ستصدر طبعته الثالثة قريبا.

يعود اليوم في إصداره الجديد ( إله التوحش) ليناقش التكفير كمشروع قتل يميله صراع سياسي عبر دراسة دولة الدرعية والوهابية متناولا في ذلك سيرة مؤسسها محمد بن عبدالوهاب ودعوته وتوسعها في نجد حتى صارت دولة وسياسة وجيش وقوة! سيتعرف القارئ على سيرة محمد بن عبدالوهاب في سياقها السياسي  ونصوصه التكفيرية التي جرّدت الإنسان من إنسانيته وشرعنت الموت المستحق لمسلم مقرّ بالشهادتين لا يتوافق مع التأويل الوهابي للنصوص، التأويل الذي شرعن العنف والكراهية عبر الخطاب الوهابي  لنواقض الاسلام ونواقض الايمان!!

يقودك هذا الكتاب لمعرفة كيف ولدت من هذه الحركة حركات العنف والتوحش التي باتت  ترهب العالم ..! مع د.علي الديري وجديده  (إله التوحش):

لنبدأ من مفردة التوحش، ألا تعتقد معي أن مفردة التوحش الآن انزاح معناها من الوحشية إلى معنى آخر اشتهر بعد كتاب أبو بكر ناجي (إدارة التوحش). أليس التوحش الآن أصبح مصطلحًا يطلق على حالة الفوضى التي تعم البلدان بعد وجود فراغ في السلطة مثل ليبيا بعد القذافي والعراق بعد صدام .. حالة الفراغ السياسي تلك، التي لا يناقشها كتابك طبعا؟

الديري: التوحش ليس اسمًا أو مصطلحًا هو مفهوم، ولا أحد يملك المفاهيم، بمعنى أنه يعبر عن فكرة ولا يشير إلى جماعة أو مذهب أو شخص. ربما يكون الانثروبولوجيون أكثر من استخدم هذا المفهوم للدلالة على الجماعات غير المتحضرة، ثم تراجعوا واعتذروا لهذه الجماعات، فصاروا يسمونهم الجماعات البدائية.

التوحش مفهوم يصف الموقف العملي الذي وقع بالتاريخ والنص النظري الذي شرّع له، وأقصد هنا الموقف من الآخر المختلف معنا في المذهب أو الدين أو السياسية. لدينا في تراثنا الإسلامي نصوصٌ عقائدية وفقهية مشحونة بالتحريض والعداء والكراهية والتشريع للقتل، ولدينا تطبيقات عملية لها في التاريخ. أنا مهتم بهذه التطبيقات، وجميع النصوص التي درستها في كتابي (نصوص التوحش) وكتابي (إله التوحش) كان لها تطبيقات عملية موثقة في كتب التاريخ المعتمدة.

لماذا الوهابية؟ أليست هي موجة وفي طريقها للزوال الحتمي. ما هي الحاجة إلى كتاب إله التوحش في هذه الآونة؟

الديري: لماذا الوهابية؟ لأنها نجحت في أن تغزو العالم باسم التوحيد الخالص والسنة الصحيحة والسلف الصالح، لقد اخترقت العقل الإسلامي، وتمكنت من سرقة وجهه.

الحديث عن الوهابية اليوم بخطابها التكفيري لا يمكن فصله عن السياسة، لقد انطلقت في نقدي لنصوص التوحش وإله التوحش من فكرة مفادها أن “التكفير مشروع قتل يمليه صراع سياسي”، وأجد الوهابية نموذجًا لاختبار هذه الفكرة.

كتابي ليس دراسة عن حجم حضور الوهابية في العالم الإسلامي، لكني سأجيب عن سؤالك لأوضح أهمية دراسة الخطاب الوهابي دراسة نقدية.

لنأخذ مصر وماليزيا نموذجين لانتشار الخطاب الوهابي وتوسعه، ونشر الكراهية؛ في المشهد الماليزي، تمكنت الجامعات المدعومة بشكل مباشر من السعودية بأن تحول المذهب الشيعي الاثني عشري، إلى “ديانة محظورة” كونها “تحمل العديد من الانحرافات العقائدية المخرجة من ملة الإسلام”. في ماليزيا تكفير الشيعة يتم بقانون رسمي ماليزي. كذلك تحظر الدولة، بقرار رسمي أيضًا، استخدام لفظ الجلالة للإشارة إلى الرب عند غير المسلمين، ما أثار حملة واسعة في البلاد تحت شعار “الله للمسلمين فقط”.

في مصر دعمت المملكة الجامعات الدينية الخاصة، وفرت الدراسة المجانية لأبناء العالم الإسلامي، منحتهم شهادات عالية موازية للأزهر ومصدقة من الجهات الرسمية المصرية، سرقت أساتذة الأزهر، وصاروا يدرسون في (جامعة المدينة العالمية) لتأخذه من الأشعرية إلى عباءة محمد بن عبدالوهاب.

في السعودية نفسها الأبواب والتسهيلات مفتوحة لاستقبال أبناء العالم الإسلامي، مقابل أن يتخرجوا كدعاة لتصدير الوهابية، بموجب ذلك تمكنت الوهابية من وضع يدها على أكبر المساجد الأوروبية والأميركية، وهذه عينة من الدعاة في الغرب المتهمين بخطاب الكراهية، وكلهم خريجو الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة؛ الداعية بلال فيلبس، الداعية أبو أسامة الذهبي، الداعية ياسر قاضي.

بعد أن ناقشت في (النصوص المتوحشة) جذور الفكر التكفيري المتمثل في آراء ابن تيمية، ثم تحدثت في (إله التوحش) عن آراء ابن عبدالوهاب كامتداد طبيعي لتلك الجذور، فهل سنرى قريبا لك كتابًا يتحدث عن (داعش)؟ وما الذي يجعل سير أصحاب الفكر المتطرف وأفكارهم ملهمًا ومولدًا لحركات لا تنتهي؟

الديري: لست مهتمًا كثيرًا بداعش، بقدر اهتمامي بتراثها المستخدم من النصوص، في (نصوص متوحشة) وفي (إله التوحش) ذهبت إلى سياق هذه النصوص السياسي والعقائدي والفقهي. تمثل هذه النصوص الأب المؤسس لما نشاهده اليوم من ولادات لا تنتهي من حركات التوحش، نحتاج إلى نقدها وكشف سياقاتها السياسية.

الأفكار والنصوص لا تموت، إنما تُستعاد وفق ما يتوافر لها من سياقات سياسية وثقافية، الأفكار التي تعطي القتل والكراهية، والأفكار التي تعطي الحياة والحب. والوهابية هي استعادة لنصوص التوحيد والتكفير عند ابن تيمية. ظنت سلطة المماليك أنها قضت على أفكار ابن تيمية، حين سجنته ولم تستجب لدعوته في استبدال الأشعرية بالسلفية على طريقته، لتكون هي عنوان أهل السنة والجماعة، وستظل هذه القضية محل نزاع سياسي وعقائدي، كما شاهدنا بعد مؤتمر غروزني “من هم أهل السنة والجماعة”.

كانت لحظة وفاة ابن تيمية، هي نفسها لحظة حياته، وقد سجل تلميذه ابن كثير شهادة حياته في نصه التاريخي الذي وصف جنازته وصفًا تختلط فيه المبالغة والتقديس بالحقيقة التاريخية، واسمحوا لي أن أتوسع قليلًا هنا لأوضح أن حياة الأفكار أخطر من حياة الأشخاص. هناك مقولة للإمام أحمد بن حنبل “بيننا وبين أهل البدع يوم الجنائز”، وتروى بصيغة أخرى “بيننا وبينكم شهود الجنائز”. كتب ابن كثير نص جنازة ابن تيمية على وقع هذه المقولة، ونحن في الحقيقة لا نعرف الحقيقة التاريخية لحجم الجنازة وما حدث فيها، لكننا نعرف أن وصف ابن كثير صار حقيقة تاريخية، والسلفيون لا يملون من استعادة هذا النص والاحتفاء به.

بعض التقديرات تقول إن عدد من شاركوا في الجنازة ستين ألفا إلى مائة ألف إلى أكثر من ذلك إلى مائتي ألف والنساء بخمسة عشر ألف، ويقول ابن كثير بلغ الأمر أن شرب جماعة الماء الذي فضل من غسله، وقيل إن الطاقية التي كانت على رأسه دُفِعَ فيها خمسمائة درهم، وحصل في الجنازة ضجيج وبكاء كثير، وتضرع، وخُتِمَت له ختمات كثيرة، وتردد الناس إلى قبره أيامًا كثيرة ليلًا ونهارًا، يبيتون عنده ويصبحون، ورؤيت له منامات صالحة كثيرة ورثاه جماعة بقصائد جمة.

هكذا إذن يقدم ابن كثير شهود الجنائز وكأنها تصويت على أفكار ابن تيمية واستمرار أفكاره في الناس الذين عبروا عن حبه وتقديره بالمشاركة على هذا النحو في جنازته.

إذا كانت جنازة ابن تيمية رد اعتبار لما وقع عليه من سجن، فسيرة محمد بن عبدالوهاب كما ترويها كتب التاريخ الرسمية السعودية، تشبه السيرة النبوية، محاطة بالعناية الربانية والتوفيق.

حكاية السير بهذه الطريقة تجعلها حية ومُولدة في نفوس الأتباع، لذلك لا تموت أفكار أصحاب هذه السير.

 هل تعتقد أن تحالف ابن عبدالوهاب مع ابن سعود كان السبب الرئيس في انتشار الدعوة الوهابية، أم أن الطبيعة النجدية البدوية القاسية كانت مهيأة لهكذا فكر جاف ومتشدد؟

الديري: لولا هذا التحالف ما نجحت الدعوة، إنه اتفاق الدرعية 1744، وقد بذل محمد بن عبدالوهاب جهدًا كبيرًا، وكاد أن يموت مرات حتى نجح في الوصول إلى هذا التحالف، وهو بالمناسبة تحالف غير مكتوب، لكنه مدعم بالدم والهدم “الدم بالدم والهدم بالهدم”. يشكل هذا التحالف جزءًا أساسًا من سيرة الدعوة والدولة، وهو موضوع توسعت في عرضه في الكتاب.

هذا الاتفاق نموذج آخر على أن نصوص التوحش نتيجة تحالف السياسة والدين، وأن أفضل بيئة لإنتاج نصوص دينية متوحشة هي السياسية.

الطبيعة النجدية متنوعة وأنتجت شعراء يحتفون بالحياة ويتغزلون بالجمال ويستمتعون بالطبيعة، ويكفي أن على أرضها قصة قيس وليلى.

 على ضوء البحث العلمي والوثائق المتاحة في ما يخص سيرة ابن عبدالوهاب، كيف تقيمون علميًا ما ورد في (مذكرات الجاسوس البريطاني همفر)؟ وما مدى مصداقيتها مضمونًا ومصدرًا؟

الديري: لم يشكل مصدرًا في دراستي، ولا أجد له قيمة حقيقية، وليس لهذه المذكرات وجود في الأرشيف البريطاني، كذلك لم أعتمد كتاب “لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبدالوهاب” فمؤلفه مشكوك فيه ومعلوماته عن السيرة غير معتمدة.

اعتمدت في دراستي على المصادر الرسمية التي تحتفي بها الوهابية والدولة السعودية، وأهم مصدرين هما كتاب ابن غنام “روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعدّد غزوات ذوي الإسلام” وكتاب ابن بشر “قصة المجد في تاريخ نجد”.

في خضم ما كتب عن الحركة الوهابية ومؤسسها والدولة السعودية الأولى، ما الذي يضيفه (إله التوحش) للقارئ خلاف ما هو متوفر من مصادر وكتب؟

الديري: لكل دراسة منظورها ومقاربتها، أنا حاولت أن أفهم كيف تتأسس دولة في القرن الثامن عشر وهو قرن الحداثة الغربية، على دعوة دينية جوهرها تكفير من يختلفون معها في مفهومها المتعصب للتوحيد، أردت أن أفهم  كيف صار رجل هذه الدعوة (محمد بن عبدالوهاب) أبًا مؤسسًا للدولة؟ كيف منح الدولة هويتها الشرعية؟ وكيف صارت الدولة بدعوته للتّوحيد الجهة الوحيدة المحُتكِرة للعنف والممارسة له في الوقت نفسه، ليس ضدّ من يخالف القانون بل ضد من يخالف معتقدها؟ هذه الأسئلة ممنوع طرحها في السعودية، ولا يمكن مقاربتها بعقل حر وفضاء مفتوح.

من جانب آخر، أردت أن أفهم كيف تولد من مفاهيم هذه الدعوة للتوحيد والهجرة والجهاد حركات عنف وتوحش تُرهب العالم، وهذه عينة من تنظيمات متطرفة، تتخذ من عنوان التوحيد اسمًا لها وتُعرّف عقيدتها ومهمتها الرسالية بالعبارات نفسها التي يستخدمها محمد بن عبدالوهاب في كتابه (التوحيد): جماعة التوحيد والجهاد (العراق)، جماعة التوحيد (ألمانيا)، جماعة التوحيد والجهاد (مصر)، التوحيد والهجرة (مصر)، التوحيد والهجرة (العراق)، حركة التوحيد والجهاد (غرب أفريقيا)، جماعة التوحيد والجهاد (بيت المقدس)، جماعة التوحيد والجهاد (المغرب الأقصى).

لو نظرنا إلى واقع المؤسسة الدينية الوهابية الحالية، هل تجدونها ملتزمة بأفكار ابن عبدالوهاب -خصوصا في ما يخص الشرك والتوحيد والغربة والهجرة والجهاد- أم أنها انحرفت تحت الضغوط الدولية وضغوط أصوات الإصلاح الداخلية؟

الديري: “طاعة ولي الأمر” تكاد تعادل فكرة الإمامة من حيث الانقياد والطاعة، وهذا ما يجعل الدعوة الوهابية كمؤسسة (هيئة كبار العلماء) أداة يمكن التحكم فيها وضبطها عبر ولي الأمر، لكن كدعوة وخطاب لا يمكن ضبطها، ويمكنها أن تنتج جماعات لا نهاية لها، كدالة رياضية لا نهائية.

هناك قائمة للتكفير وهي: عدم البراءة من الكفار، والإعجاب بتشريعاتهم، وإظهار المودة لهم، والتشبه بهم، واتباعهم، والتقرب منهم. كل عنوان في هذه القائمة يعتبر ناقضًا من نواقض الإسلام، ويُحكم عليك بالكفر حين لا تتبرأ من الكفار، أو تُعجب بهم، أو تتشبه بهم، أو تتبعهم، أو تتقرب منهم. لكن يمكن أن يتم تكييف هذه القائمة إذا ما تعلق الأمر بـ (ولي الأمر) فتصبح [هذه القائمة] مصالح مباحة، يُشرع لها ويؤصل لها، ويُكفر من يعترض عليها، وتُشرّع الحرب على من يقف ضدها، لأنها بمثابة الخروج على مصالح (ولي الأمر).

لا تُكيف هذه القائمة لإنتاج خطاب تسامح وسلام ومحبة مع الآخر، فجوهر الدعوة، قائم على التشدد والتكفير والكراهية، لكنها تكيف وفق قاعدة المخارج الشرعية لمصالح ولي الأمر السياسية، حدث هذا التكيف في حرب أفغانستان وغزو الكويت واستدعاء قوات الكفار للجزيرة العربية وعاصفة الحزم.

باعتقادك ماذا سيتعلم الشيعة من درس التوحش هذا؟ ألا يستدعي هذا البحث في الجذور العميقة للكراهية وتفكيكها سواءً أكان ذلك لدى الشيعة أو السنة؟

الديري: التوحش بالمفهوم الذي استخدمته، حالة متقدمة على حالة عدم القبول بالمختلف، والاختلاف مع الآخر أو حالة اعتبار كل دين أو مذهب أن الدين الآخر والمذهب الآخر ضالين أو خرافًا ضالة. في التوحش، نحن أمام حالة دعوة للتقتيل والاستباحة، الآخر ليس خروفًا ضالًا بل خروفًا للذبح. أنا أتحدث عن نصوص عقائدية وفقهية، تُعطي لجيش الإذن والأمر بقتل جماعة أخرى واستباحتها وسلب مالها ونسائها.

أرجو أن لا نخلط حالة التوحش بحالة التعصب وضيق الأفق، فتلك حالة أخرى، بمعنى أن كل توحش هو تعصب وانغلاق وكراهية، لكن ليس كل حالة تعصب وانغلاق توحشًا. علينا أن نميز بين الحالتين كما يميز القانون بين حالات الجنح وحالات الجنايات، وهذا مثال للتقريب فقط.

في تقديري، لم يتورط الفكر الشيعي في إنتاج نصوص متوحشة بالمعنى الذي شرحته، لأنه كان في الغالب يمثل الأقلية والهامش، لكنه تورط في إنتاج نصوص غير معقولة، وثبت مسلمات عقائدية مغلقة، هي من صنع التاريخ والسياسة، وأنتج سرديات تاريخية متخيلة.

على الفكر الشيعي أن يتعلم من درس التوحش، عدم تقديس نصوصه ومدوناته، عليه أن يكون شجاعًا في نقد أصوله وتفكيك مسلماته من شباك التوظيف السياسي، والانغلاق التاريخي، وإلا فهو مهدد بظهور جماعات متطرفة يتم توظيفها في الصراعات السياسية، والأمثلة الحاضرة في ذهني الآن، ظاهرة ياسر الحبيب وجماعته، وظاهرة أحمد حسن اليماني، وظاهرة الجماعات المهدوية، وجماعات الشعائر المقززة.

رابط الحوار

لتحميل الحوار بصيغة PDF