الكاتب وسام السبع في جريدة الوسط: مآسي الهوس الديني… ونصوص التوحش

     

    يطرح الأكاديمي والناقد البحريني المغترب علي الديري في كتابه الجديد «نصوص متوحشة: التكفير من أرثوذكسية السلاجقة…»، (2015) نقاشاً جدياً للنزعة التكفيرية التي هيمنت على خطاب المؤسسة الدينية، مستعيناً بدرس التاريخ وتقصي مراحله المفصلية الملتهبة والمثقلة بالصراعات العقائدية. جديدٌ في 217 صفحة من القطع المتوسط يطل علينا من بيروت «دوحة الأزر وسط مستنقع الكفر» والذي أهدى عمله إليها وهي التي «لا يمضي هواها» كما في نص إهدائه الشاعري.

    كانت قراءتي للكتاب متزامنةً مع قراءة كتاب آخر للبريطاني ماثيو كارك «الدين والدم… إبادة شعب الأندلس»، وفيه يسرد المآسي التي تصورها قصة الأندلس أو ايبيريا الإسلامية، ووجدت أن التوحش واحد، ودوافعه ونصوصه متشابهة، فإذا كان كتاب «الدين والدم» يبحث بطريقة رصينة ومحايدة وشاملة قصة المورسكيين ومصيرهم المأساوي بداية من سقوط غرناطة العام 1492 حتى طردهم النهائي من أسبانيا العام 1614، في ظل الممالك المسيحية؛ فإن «نصوص التوحش» يبحث المآسي التي أنتجتها سرديات التكفير في الفضاء الإسلامي الخالص والذي سيغذي شهوة القتل في جوّ مليء بالتنافس والأطماع السياسية.

    في كل مرة يطل علينا الديري في عمل جديد يتحفنا بأطروحة جديدة يعالجها باقتدار وتمكن وصبر، والصبر في كتب من ذلك النوع الذي يكتبه الديري شرط يوازي الاتقان، وقيمة أي كتاب تكمن في قدرته على استعراض أطروحة رئيسية جديدة تتسم بالراهنية وتتمتع بالعمق، وفي أسلوبه وكلماته تاليًّا؛ وفي الحالين فإن الديري أثبت غير مرة في أعمال فكرية سابقة (له 6 كتب منشورة بينها «خارج الطائفة» 2011، وكيف يفكر الفلاسفة؟ 2013)، قدرة استثنائية على خوض ملفات فكرية شائكة مستعيناً بخبرة ثقافية واسعة واستعداد ذاتي عالي يمكنانه من الدخول لمناطق بكر في تراثنا الثقافي يتهيب وربما يعجز كثيرون عن ارتيادها ومقاربتها.

    في مقاربته لنصوص التوحش، يجتهد الديري في قراءة النص المتوحش في سياق اقترانه بالسلطة أو سياق سعيه لامتلاك السلطة. يقول: «أسعى في هذا المجال إلى قراءة نصوص ليس كاجتهادات فقهية أو عقائدية بل كمشاريع سياسية أو مرتبطة بالسياسة، كما هو الأمر مع كتاب الغزالي (فضائح الباطنية) الذي كتبه برسم السياسة السلجوقية في حربها ضد الفاطميين».

    يتشكل الكتاب من تمهيد ومدخل وثلاثة فصول خصّ في كل منها دراسة معمقة لتراث واحد من رموز فقهاء التوحش ومنتجي سرديات التكفير، الأول أبو حامد الغزالي (ت 1111م/ 505هـ) في كتابه «فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية» في المرحلة السلجوقية، والثاني محمد ابن تومرت (ت 1130م/ 524 هـ) في المرحلة الموحدية، والثالث ابن تيمية (ت 1328م/ 728 هـ) في المرحلة المملوكية.

    توقف الديري إذاً عند فكر الغزالي، ودرس كتابه (فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية)، وانطلق من هذا الكتاب في إيضاح المقصود من نصوص التوحش، لافتاً القارئ إلى الفصل الثامن من الكتاب الذي تناول فيه الغزالي قضية تكفير الباطنية التي يقصد بها الإسماعيليين ووجوب سفك دمهم. والتفسير الذي يمكن سوقه هنا لاستهداف الغزالي للإسماعيليين، هو بسبب الصراع السياسي الدائر بين الفاطميين (الإسماعيليين) مع الخلافة العباسية التي كانت تحت حكم السلاجقة، وكان الوجود الإسماعيلي المتعاظم يشكل تهديداً جدّياً حتى لنظام الخلافة وقتئذٍ.

    وجد السلاجقة في الصليبيين العدو الذي يهدّد الإسلام والخلافة الشرعية، لكنهم قبل ذلك وجدوها في الإسماعيلية، وحين بدأت الحروب الصليبية تم توسيع دائرة العدو فألحق الإسماعيلية بالصليبيين، وتم تعميم صورة أكثر تشويهاً للفاطميين، فاعتبروا خونة وحلفاء مع الصليبيين وسبباً في هزيمة المسلمين واحتلال بيت المقدس.

    ينتهي الديري إلى أن الخطاب الذي بلوره الغزالي فتح أصلاً مؤسساً لفكرة التكفير، وهو خطيرٌ لأنه مبني على قواعد شرعية وعقديّة وخطاب عالم قريب من السلطة، بل هو جزء منها، ولهذه الجهة بالذات تمثل نصوص الغزالي أخطر من الخوارج الذين لم ينتجوا نصوصاً رغم عظم الدور الذي مارسوه في مراحل متقدمة من التاريخ وحياة المجتمع الإسلامي.

    «نص التكفير يبقى ويستخدم ويولّد نصوصاً أخرى، ويجعل الاختلافات السياسية حالة عداء لا تنتهي، في حين أن الخلاف السياسي قد ينتهي».

    وإلى المغرب العربي والأندلس، حيث الفقيه المغربي ابن تومرت رجل دولة الموحدين الأول، والذي عاش في الفترة التي حكم فيها السلاجقة بغداد. وهو أحد خريجي المدارس النظامية، وقد التقى بالغزالي وتأثر به أثناء رحلته المشرقية في التحصيل. عاش ابن تومرت في بيئة أضعفها التفكّك وأنهكها التهديد الصليبي للوجود الإسلامي في الأندلس والمغرب. وقد جاء وهو يفكر في مشروع إنقاذي يستعيد للمسلمين بعضاً من هيبتهم المفقودة وعزهم المسلوب. وهنا انهمك في صياغة عقيدة متشدّدة فيما يخص التعالي الرباني والتوحيد الإلهي، وسيبلور مفهوماً احتكارياً للتوحيد على جماعته «الموحدون»، باعتبارها الجماعة التي تعتنق التوحيد الصحيح، وستكون العقيدة «المرشدة» نشيد دولة الموحدين.

    في الفصل الثالث والأخير استعرض فيه المؤلف نصوص الحقبة المملوكية التي تقاطعت فيها نصوص التشدّد مع نص السياسة والسلطة والقوة، ولعب هذا التقاطع دوراً كبيراً في صناعة نصوص توحش وواقع متوحش أيضاً، حيث لعبت الفتاوى دوراً كبيراً في إحداث مجازر دينية مستمرة حتى اليوم. وكان أشهرها الفتوى التاريخية التي أرسلت لسلطان المماليك الناصر بن قلاوون وأعطت المشروعية الدينية لتنفيذ مذبحة كسروان التي قام بها 50 ألف جندي من المماليك فيما عرف بـ «فتوح كسروان»، وهي تسمية مشتقة من تهنئة الفتح التي وردت في نص الفتوى.

    إن الفرضية التي انطلق منها الديري في دراساته صاغها في هذه الجملة المختصرة: «الوحش يكمن في (الأرثوذكسية السلجوقية) هذا هو الوحش الذي يسرق وجوهنا». فقد أصبحت نصوص التكفير والتوحش عابرة للتاريخ والجغرافيا ولوائح اتهام سياسي جاهزة للاستخدام والتوظيف ضد الخصوم السياسيين والعقائديين. وقد وُفّق المؤلف في إضاءة جانب من الدوافع السياسية التي دعت إلى إنتاج هذه النصوص المرعبة.

    يقول الجابري: «أزمة الثقافة العربية كانت باستمرار سياسية في دوافعها» وإن ارتدت غلالة الدين أو تسربلت بشعارات المذاهب… والقول ما قاله الجابري.

    صحيفة الوسط البحرينية – العدد 4721 – الثلثاء 11 أغسطس 2015م الموافق 26 شوال 1436هـ

    رابط الموضوع

    علي أحمد الديري: نصوص «متوحشة» من التراث الإسلامي

     

    image 

    مريم عبد الله

    في كتابه الجديد «نصوص متوحشة… التكفير من أرثوذكسية السلاجقة إلى سلفية ابن تيمية» («مركز أوال للدراسات والتوثيق)، يناقش الناقد والكاتب البحريني علي أحمد الديري نصوصاً «متوحشة» من التراث الإسلامي فُرضت كعقيدة دينية وجهادية أوجبت كفر كل مخالف، في الفترة بين القرنين الخامس والسابع الهجري في مصر والشام والعراق. انطلق الديري من تجربته الخاصة، وقت شاهد صورته الشخصية إلى جانب بحريني آخر هو تركي البنعلي منظّر «داعش» وأحد باعثي نصوص التوحش.

    كل ما فكر فيه الناقد البحريني، هو محاولة هذا الوحش سرقه وجهه، هذه المرة بأمر من السلطات وتحت سمعها وأنظارها، هو الذي يستخدم الكلمة في وجه جيش «داعش» الذي يقوده الجندي السابق في الجيش البحريني. سنعرف حينها أنّ البنعلي هو عدو المواطن المسقطة جنسيته وعدو الدولة التي لا يعترف البنعلي بسلطتها. حرض ذلك الفعل السياسي في ظاهره، والطائفي في باطنه، صاحب كتاب «خارج الطائفة» على محاولة فهم وتفكيك نصوص التوحش الإسلامية، في حقب معينة من التاريخ.

    اتخذ من نصوص البنعلي مدخلاً لشرح نصوص الغزالي في كتابه «فضائح الباطنية» وابن تيمية في كتابه «العقيدة الواسطية»، وابن تومرت فقيه دولة الموحدين في «أعز ما يملك» الذي استخدم دستوراً للقضاء على دولة المرابطين من خلال وصمهم بالكفر. سنرى كيف جيِّرت الفتوى السياسية، وتم إلحاقها بالتكفير والتوحش من خلال موقف الآخر من الحاكم السياسي.

    ليست «داعش» أو «النصرة» أو الجماعات الاسلامية التي ظهرت اليوم في المناطق نفسها التي تناولها كتاب الديري، صنيعة الجهل أو التطرف التكفيري كعملية مستجدة أو غريبة عن تراثنا إذا. صاغ والغزالي والسلاجقة وابن تيمية والمماليك وابن تومرت والموحدين، فصولاً وفتاوى متوحشة، أسست للتعاون بين رجل الدين ورجل السياسة. القتل والتكفير كانا دائماً لاسباب سياسة هدفها الترويج لمنهج الخليفة ولازمة لسيطرته من خلال تثبيت «الارثوذكسية السنية» التي أعطت المبررات الدينية الكافية لقتل الآخر المختلف والمخالف.

    سنرى الموت الجديد مبعوثاً من نصوص أبي حامد الغزالي الذي صنف مَن ليس من أهل السنة الصحيحة بنظره، بين كافر ومرتد. قصد بذلك الإسماعيليين والفاطميين في عهده الذين اتهموا بالتحالف مع الصليبيين، مما أدى إلى هزيمة المسلمين واحتلال بيت المقدس. أُخفي جزء كبير من تاريخهم، فقط لأنّهم لم يكونوا على مذهب الخليفة العباسي والسلاجقة الحاكمين باسمه.

    إذا شرعية الخليفة هي لب الصراع ومدخله في الماضي والحاضر. كفر ابو بكر البغدادي الحكام العرب ونصب نفسه خليفة للمسلمين اليوم، مثلما كفر المستظهر العباسي (488 هجرية)، أعداءه، مستعيناً بابي حامد الغزالي الذي أمطر واليه مجموعة من فتاوى «التوحش» تبيح بقتل مخالفيه ونسائهم وأطفالهم.

    قد لا يعرف كثيرون في العالم العربي والإسلامي المدهوشون من عنف آلة القتل باسم الدين اليوم، خلفية هذا القاتل الدموي وكيف جعلته الصورة المنقولة باحترافية متوحشاً ودموياً وبشكل اقل ما يوصف بأنّه استعراضي.

    لم يطرح الكاتب الحالة الاسلامية عبر معلومات نمطية مكررة، بل حاول بعث النصوص الميتة وعياً منه بحقيقة المشكلة، ومتغيراتها على الأرض اليوم. الكثير من الكتب التراثية والنصوص الإسلامية التي صنعتها الحالة السياسية، تكونت حولها قدسيات وهالة، أدت إلى التقليد الأعمى من دون وعي مستقل بحقيقتها التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه من خراب.

    إشكاليات الخطاب الدعوي والجهادي انطلقت من مدارس الوزير نظام الملك (459 هـ- 1067 م)، الذي شكل عبرها منظومة الوعي الإسلامي لما يقارب ثلاثة عقود، وكانت مهمتها الرئيسية هي ترويج «الأرثوذكسية السنية» على يد الغزالي والجويني والباقلاني.

    يومها، بدأ الظهور الأول لمفردة التوحش، أو التكفير السياسي، وهي قائمة اتهام جاهزة ضد من يخالف الشرعية والطاعة لولي الأمر، مع ضمان استمراريتها من خلالها تثبيتها كشعيرة دينية عنوانها الرئيس «اقتل ولك الجنة».

    طرح هذه الدراسة قبل ظهور «داعش»، ليس كما بعدها. الاستغراب الذي لاحق المرحلة الأولى من ترويح الدولة البغدادية لوحشيتها، كان لعدم المعرفة، في الوقت الذي لازم المرحلة التالية لظهور التنظيم المتشدد وقوعه تحت مشرط الباحثين والإعلام الذي حاول ايجاد الرابط بين أفعال الوحشية الداعشية ونصوص التكفير التراثية وابرز منظريها وحتى زمن محمد عبدالوهاب راسم «توحش» الدولة السعودية الحديثة.

    رابط الموضوع

    حوار مع البحريني علي الديري: "داعش" تجلٍّ للنصوص المتوحشة للإسلام السلجوقي

     

     image

    بغداد – العالم الجديد

    الخميس 6 آب 2015

    “نصوص متوحشة…التكفير من أرثوذكسية السلاجقة إلى سلفية ابن تيمية” كتاب الناقد والكاتب البحريني الدكتور علي أحمد الديري. يُتوقع له أن يثير جدلاً واسعاً، وذلك لسخونة الأحداث التاريخية الذي يبحث فيها.

    يقتحم الديري بمشرط نقده منطقة تاريخية ملتهبة، وفترة زمنية متأججة بالصراعات العقائدية والحروب السياسية. المنطقة هي مصر والشام والعراق، في الفترة بين القرنين الخامس والسابع الهجري تحديداً، ومن هناك يبحث في نصوص الفقهاء التي جعلت من التوحش عقيدة دينية، وشرعنت التكفير والقتل، بل جعلته فرضاً جهادياً واجباً، كما يدخل في تناول السياقات التاريخية والسياسية التي صنعت هذه النصوص ووجهتها.

    ما علاقة كل هذا بوقتنا الحاضر؟ ولماذا العودة إلى هذه النصوص؟ ولماذا هذه الفترة وهذه البقعة الجغرافية بالذات؟ وما الذي يريد الديري الوصول إليه؟ هذا ما سيتبدى لنا من خلال الحوار التالي.

  • سؤال: التوحش صفة في الغالب ترتبط بالحيوان فتصنفه ضمن دائرة الحيوانات المتوحشة. في حديثك عن النصوص المتوحشة، ما هو مفهومك للتوحش؟ وماذا تقصد بالنص المتوحش؟

    يحيل موضوع التوحش إلى عالم الحيوان، حيث لا مكان لعقل يتحكم بغريزة. وتوحش الإنسان يتحقق بفقدانه لعقله فيغدو مسيَّراً بالغريزة. وبالعادة الغرائز تضيق بالآخر وتتسع للأنا، فيها الأنانية والعنف. ما أقصده بالتوحش، هو حالة فقدان الإنسانية التي من أهم سماتها العقلانية لصالح سيطرة الحالة الغريزية المحكومة بالغضب والاستحواذ.

    يلفتنا الفيلسوف سلوترداك في كتابه (بنك الغضب) إلى أن طاقة الغضب التي في الإنسان وما يرتبط بها من دوافع أولية مثل الفخر والاعتزاز والانتقام والحسد والغيرة والتنافس، هي عرضة للاستثمار، عبر الخطابات التي تفجرها.

    والنصوص المتوحشة، هي النصوص التي لا تعترف بالآخر، فلا تكتفي بتكفيره بل توجب قتله. فهي النصوص التكفيرية التقتيلية.

    الظروف التي تمر بها المنطقة العربية والإسلامية، وظواهر التطرف والتكفير، أحالتني إلى مراجعة نصوص التراث الإسلامي، للبحث عن الأسباب المغذية لهذه النصوص التي تنضح بالكراهية فحسب، بل  بإعطاء المبررات الدينية للقتل، إنها تخلع شرعية دينية على فعل القتل.

  • سؤال: هل نفهم أنّ أحكام التكفير تستدعي القتل بشكل حتمي؟

    يلفتنا الباحث الانثروبولوجي المرحوم فؤاد الخوري، أنّه ما من دين أو طائفة أو ملّة أو فرقة إلّا وتعتقد أنّ الله عزّ وجلّ قد خصّها برسالة مميزة أو ميثاق مميّز، وأنّه في سبيل ذلك فهو يقف إلى جانبها يشدّ أزرها ويعمل على انتصارها بطريقة أو بأخرى. كلّ الأديان “شعوب مختارة”، وإلّا لما بقي المؤمنون على إيمانهم.

    علينا أن نميز بين التكفير والقتل، فالحكم بكفر الآخر يأتي من باب تحديده وفقاً لمنظور عقائدي معيّن، فالكافر هو الذي لا يؤمن بمعتقدات دينية لجماعة معينة، ونعته بالكافر تأتي من باب تحديد أنه خارج الإطار الديني الذي يجمع أفرادها. وقريب من هذا ما أسماه الشيخ أكرم بركاته في أطروحته للدكتوراه عن التكفير، بالإيمان المذهبي والإيمان الإسلامي، لكن هذا المصطلح قد لا يتوقف عند تحديد النظرة الدينية للآخر، بل قد يوجب قتله، وهنا يتحول النص الديني من مجرد نص تكفيري إلى نص متوحش، وهذا ما أهتم بمتابعته.

  • وضع نص الغزالي في قائمة نصوص التوحش صادمة، فنصوصه المعروفة تحتفي بالتصوف والحكمة؟

    أنا أتحدث عن الغزالي حين كان في بلاط السلاجقة قبل أن يدخل تجربته الروحية،  أبي حامد الغزالي صنف الآخرين من غير أهل السنة بين: ضال وكافر ومرتد، حتى وضع الإسماعيليين والفاطميين في خانة الفئة الأخيرة، وهي خانة تستوجب على الخليفة قتل المرتد وقتل زوجته وقتل ابنه إن لم يقبل الإيمان على منهج الخليفة.

    لكن الغزالي وتحديداً في كتابه “فضائح الباطنية” لم يعمد إلى رسم هذه الحدود وفق معيار ديني خالص، فموقفه من الإسماعيليين والفاطميين كان مبنياً على خلفية موقفهم من الخلافة العباسية، وبتعبير أدق جاءت هذه التصنيفات نظراً لعداوة هاتين الفئتين مع السلاجقة، الذين كانت بيدهم الشوكة، حسب تعبير الغزالي، وحكموا باسم المدافيعن عن الأرثوذكسية السنية، أي الطريق المستقيم الوحيد لفهم الإسلام وسنة النبي.

    في كتابه (فضائح الباطنية) يقول الغزالي “…وَإِنَّمَا الْوَاجِب قَتلهمْ وتطهير وَجه الأَرْض مِنْهُم هَذَا حكم الَّذين يحكم بكفرهم من الباطنية وَلَيْسَ يخْتَص جَوَاز قَتلهمْ وَلَا وُجُوبه بِحَالَة قِتَالهمْ بل نغتالهم ونسفك دِمَاءَهُمْ فَإِنَّهُم مهما اشتغلوا بِالْقِتَالِ  جَازَ قَتلهمْ”

    إنه نص مرعب، وحين تقرأ تفصيله لهذه الأحكام، يصاب بدنك بالارتعاش، لكم العنف والتوحش الذي فيها.

  • أعلنت أنك “خارج الطائفة” يوما.. وها أنت “خارج الوطن”. ألم تكن متهيئا لذلك وعدّتك الفكر ومناقشة التراث؟

    لم تكفرني طائفتي حين كتبت كتابي، ولم تهدر دمي، ولم أعزل اجتماعياً، أقصى ما حدث كان صراعات كلامية، لكني حين صرت (خارج السلطة) أصبحت في دائرة الاستهداف وأسقطت جنسيتي.

    المحنة تلاحق المثقف حين يكون (خارج السلطة أو السلطنة) ومنذ الخلافة الإسلامية، تمّ تحديد الكافر بأنه الخارج عن سلطة الخليفة، وخطاب التكفير مصاغ في تراثنا على هذا المقاس، وما زال حتى اليوم مقاساً فاعلاً، وأستطيع القول من جانب ما، إن التكفير في عصر الخلافة بمثابة إسقاط الجنسية في عصر الدولة الوطنية، وكلاهما يستخدمان أداة ضد المعارضين لسياسة الخليفة أو سياسة الحاكم.

    (الغزالي) مثلا كتب نصوص التكفير بإملاء الوزير السلجوقي الداهية، نظام الملك، وقد صاغ خطاباً فقهياً اعتبر فيه معارضي السلاجقة والخلافة العباسية مرتدين، يجب قتلهم وسبيهم، هكذا بجرة فتوى صارت الدولة الفاطمية بعظمتها خارج الإسلام، ومن يؤمن بخلافتها كافر مرتد.

  • كيف يمكن أن نكوّن مقاربة بين الكتب التراثية والحداثة، أو سمات العصر الحديث؟

    عليك أن تخرج منها أولاً، ثم تجعلها موضوعاً للاشتغال النقدي، أو أنك ستتسمم بها وتموت وتميت الآخرين معك. المثال الأكثر وضوحاً هنا هو بعض الجامعات السعودية المتخصصة في الدراسات الإسلامية، تستميت في في تحقيق كتب ابن تيمية وفتاويه وتعممها وتعد حولها مئات الدراسات، لكن ليس بهدف فهمها كجزء من التراث والماضي، بل بغرض بعثها والعيش عليها والتعلم منها وإنتاج نسخة من الإسلام مطابقة لها، تحت عنوان الإسلام السلفي أو الإسلام الحنبلي أو إسلام العصر الذهبي: إسلام النبي والصحابة والتابعين وتابعي التابعين.

    الموت الذي نعيشه اليوم هو نتيجة للموت الذي بعثناه من نصوص ابن تيمية، والقنابل التي تفجر اليوم في أجساد المصلين، شفراتها منصوص عليها في حروف ابن تيمية المتوحشة. يقول محقق كتاب ابن تيمية (اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم) “أما بعد فهذا الكتاب قنبلة من أقوى ما ألقى شيخ الإسلام على حزب الشيطان من قنابل الحق والهدى”

  • ماذا تعني بعنوان الكتاب الفرعي (التكفير من أرثوذكسية السلاجقة إلى سلفية ابن تيمية)؟

    أظن أن التكفير صار سياسة ممنهجة ضمن إدارة الدولة ومصالحها، في القرن الخامس الهجري، حين وصل السلاجقة إلى بغداد 447 هـ/ 1055م وصارت الخلافة العباسية تحت سلطتهم.

    هذا لا يعني أن السلاجقة اخترعوا التكفير، أو المعنى الأحادي لمفهوم سنة النبي، فقبل أن يدخلوا إلى بغداد كان هناك المعتقد القادري الذي هو النموذج الرسمي المقنن للمعتقد الصحيح لسنة النبي، وهو مرسوم أصدره الخليفة العباسي القادر بالله، وفيه يحدد مفهوم الألوهية والصفات والأسماء المثبتة لله، ومفهوم الإيمان والكفر، والاعتقاد الواجب تجاه الله وتجاه الصحابة.

    وجد السلاجقة مهمتهم في الدفاع عن الإسلام والسنة، تتمثل في تبني هذا الاعتقاد والدفاع عنه، كان هذا المعتقد يُخرج ويقرأ على الناس في المشاهد والمجامع العامة، وفي المساجد والجوامع، وعند حدوث الاضطرابات والنزاعات العقدية بين الفرق والمذاهب، اعتبر هذا اعتقاد المسلمين، ومن خالفه فقد فسق وكفر.

  • ماذا تعني بالسنة أو الأرثوذكسية السلجوقية؟

    يعتبر المفكر الجزائري محمد أركون، أول من أستخدم  مصطلح تفكيك “الأرثوذكسية” في قراءته للتراث الإسلامي و”الأرثوذكسية” في معناها الحرفي تشير إلى الطريق المستقيم؛ بما يتقاطع مع مفهوم الفرقة الناجية والسلفية، والطريق المستقيم هو بمثابة السنّة الصحيحة المعتمدة من قبل السلطة السياسية.

    احتاج السلاجقة إلى جيش من الفقهاء والقضاة والعلماء والخطباء والمحدثين، لتثبيت مهمتهم الدينية المتمثلة في الدفاع عن السنة الرسمية وتثبيت (الأرثوذكسية السنية السلجوقية) وهذه المهمة تعطي لوجودهم شرعية وتعطي لحروبهم ضد أعداء الخلافة العباسية شرعية مضاعفة.

    السلاجقة المعروفون بأنهم جماعات قتالية، أخذتهم شهوة الجهاد، وأعطوا لـ(السنة) مفهوما أحاديا وقطيعا لا يقبل التعدد والاختلاف، صارت (السنة) أيديولوجيا جهادية، مشبعة بشهوة القتل وغريزة التوحش.

  • هل يمكن اعتبار الجماعات المتشددة الحالية امتدادا للسلاجقة؟

    أنا أعتبرها كذلك في جانب من جوانبها، فالسلاجقة جماعات مقاتلة لم تكن تجيد حتى العربية، ليس لديها خلفيات ثقافية، وجدت لذتها في الجهاد والقتال. جيوش السلاجقة وجدت في (تثبيت الأرثوذكسية السنية) فرصة لتثبيت شرعيتها في العالم الإسلامي السني، فالسلاجقة كمحاربين أتراك أشداء كانوا يفتقدون إلى العمق الحضاري أو الثقافي الذي يعطي لوجودهم معنى، إضافة إلى أنّهم بحاجة إلى شرعية تجعل من سلطتهم مبررة تحت مظلة الخليفة العباسي.

    وقبل أن يجدوا في الصليبيين العدو الذي يهدد الإسلام والخلافة الشرعية، وجدوا ذلك في الباطنية، وحين بدأت الحروب الصليبية تمّ توسيع دائرة العدو، فألحق الباطنية بالصليبيين، وتم تعميم صورة أكثر تشويهاً للفاطميين، فاعتبروا خونة وحلفاء مع الصليبيين وسببا في هزيمة المسلمين واحتلال بيت المقدس.

    لقد خلعت (الأرثوذكسية السنية السلجوقية) مدعومة بالسلطة السياسية (السلاجقة، الزنكيون، الأيوبيون) كل المعاني التأثيمية على كلمة (باطني)، وصار معنى السنة يتوضح بمعارضته لمدلول (الباطنية) التي صارت تدل على معاني متعددة وربما متضاربة من نحو: كافر، مرتد، منافق، إسماعيلي، فاطمي، رافضي، شيعي، يضمر الشر للإسلام، معادي للسنة، يكفر الصحابة، عدو، خائن، متهتك، ضال، مبتدع.

    صار الجهاد هو القيمة الأكثر حضوراً فترة الحكم السلجوقي وما انبثق عنه من حكم الزنكيين والأيوبيين، وصارت الأرثوذكسية السنية كما تبناها هؤلاء هي الأيديلوجيا المعبرة عن فكرة الجهاد، فصار قتال الصليبين والباطنيية مهمة جهادية أولى.

    شهوة الجهاد عند المقاتلين الأتراك أعطت لـ(السنة الصحيحة) مفهوما قاطعا كحد السيف، لا يقبل التعدد والاختلاف. فراحوا يوحدون الجغرافيا والأفكار والعقائد. هكذا تداخلت العملية العسكرية مع العملية الدينية عبر تجيير جيش من العلماء والقضاة والمحدثين والفقهاء وكتاب التاريخ، ليكتبوا بأقلامهم حدود العداوة والتكفير التي رسمها سيف الجهاديين الذين كانوا حماة الخلافة الإسلامية وشوكتها كما عبر الغزالي.

    رابط الموضوع

  • السيد سلمان الموسوي يحاورعلي الديري: (المقدسة) هكذا تحضر الدير في قلبي ولساني

    photo28677308113071298

    أجرى الحوار: السيد سلمان الموسوي*

    للحصول على الحوار بصيغة pdf

    ابن القرية الذي تقدّس حبّها في قلبه؛ بيت والده ذو الغرف الكثيرة المفتوحة على هواء البحر، بساتين الطفولة قبل أن يغتالها سراق الأراضي، بحر الدير الذي قضى طفولته في سواحله، مساجد القرية التي كانت وقع خطوات تدينه الأولى، مأتم جدته سلامة الذي كان أول صالون ثقافي ينظمه، أصدقاء الطفولة، خباز جده لأمه حجي طرار، كلّها تشكل حنيناً خاصاً في ذاكرة الدكتور علي أحمد الديري (مواليد 1971).

    الديري الذي اسقطت جنسيته البحرينية بقرار رسمي في 31 يناير 2015، يفتخر بجذوره الضاربة في قريته الدير، ولا يسعده مثل أن يقدّم نفسه من خلالها، ويتمنى العودة لساحاتها يوماً ليؤبن صديقه الشهيد زكريا العشيري الذي كانت آخر جملة وصلته عنه:  "أخشى عليه من الاعتقال".

    كانت الدراسة الحوزوية هي جهة طموحه الأول، قبل أن تأخذه تحولاته الفكرية إلى جهة الفكر والنقد وتحليل الخطاب، وقبل أن يشتغل في تحليل الخطابات الدينية والسياسية. ذهب عميقاً في دراسته الأكاديمية وأنجز عدداً من الكتب بينها كتاب "خارج الطائفة" 2011 ، و"كيف يفكر الفلاسفة؟" 2013، وكتابه الجديد "نصوص التوحش" الذي سيصدر خلال شهر يوليو الحالي..

    كيف تكوّنت شخصية علي الديري بين جنبات القرية وكيف نمت، وما هو النابض في ذاكرته عنها، ولماذا يحضر الدفء كلما حضر حديثه عن هذه القرية؟  من هي الشخصيات التي تفاعل معها داخل القرية وأثرت فيه؟ وإلى أين أخذته علاقته بالكتاب والكتابة؟ وأين هو الآن؟ وما مشروعه الكتابي الأخير؟.. هذا ما سيجيب عليه الحوار التالي مع (ابن قريتي) الدكتور علي أحمد الديري.

    نتعرف على بطاقتكم الشخصية؟

    علي الديري في مكتبة حسن أحمد سلمان، 1994

    لا أريد أن أعرف نفسي هنا من زاوية الكاتب أو المثقف. أود أن أقدم نفسي من خلال انتمائي لقريتي؛ فأنا أحب -بين فترة وأخرى- أن أطل على أهل قريتي حيث ذاكرتي الجميلة. كان العزيز أبو حمزة -عبر منتديات الدير-  يمنحني فرصة رائعة لإدارة مناظرات المرشحين البرلمانيين. المناظرة الأخيرة في 2010 وسط الساحة المفتوحة، القريبة من مسجد الخيف بالقرية، ما زالت عالقة أجواؤها في مخيلتي.  أتمنى العودة يوما لساحات القرية العامة، وأؤبن – من هناك – صديقي الشهيد زكريا العشيري.

    ابن قرية الدير. لا أعرف امتداداً لعائلتي خارج هذه القرية، بيت حجّي عبدالله من عيسى (توفي  1963) هو بيتنا الكبير.  كان يضم عائلة ابنه حجّي عيسى (توفي في 18سبتمبر 2006)، وابنه جدي حجّي علي (توفي في  1992)، وعائلة ابن ابنته آمنة حجّي عبد الله بن محمد (توفي 1994).

    تنوعت الألقاب في هذه العائلة: الشيرازي، مطر، حمندي. الأخير هو لقب الوالد (توفي في أبريل 2009)، الذي عرف به في القرية.  فقد والدته (ملكة) رضيعًا، وربته خالته، التي كانت تدلله وهو طفل وتقول له: أحمد حمندي؛ فصار لقبا عرف به، لكنه بعد أن كبر عُدّ هذا التدليل لا يليق به كرجل كبير، خصوصا أن الوالد معروف بشخصيته الجادة، وعصاميته في العمل، التي ورثها من جده حجّي عبدالله بن عيسى، الذي كان يعمل في تجارة اللؤلؤ. وأذكر هنا حديث والدي المستفيض عن جده، الذي شكل أحد واجهات القرية، ووجهائها في ذلك الوقت.

    أنا شخصيا عرفتك من خلال نظارتك في إحدى المسابقات الثقافية؛ إذ كنت مقدما على ما أتذكر، و بعد ذلك قالوا الدكتور علي الديري صاحب المقالات في الصحف!! لمن هم على شاكلتي؛ هلا أوجزت لنا سيرتك الأكاديمية، وأهم المحطات فيها؟

    النظارة إحدى علامات المثقف (ههه)، لكنها في الوقت نفسه؛ إحدى علامات عماه.  كثيرًا ما يصاب المثقف بالعجرفة والتعالي؛ فيعثر بما تحت رجله؛ لأنه لا يراه.  لا أنزه نفسي عن هذا العمى، وأجد في النظر إلى الناس، والتعاطي معهم  بصيرة أخرى، تعوضني عن النقص الذي تفضحه نظارتي.

    بدأت مسيرتي مع النظارة في السنة النهائية في القسم العلمي بمدرسة الهداية. تحولت نحو المسار الأدبي في الجامعة؛ إذ التحقت بكلية الآداب/ جامعة البحرين، ضمن خطة المسير نحو الحوزة، لكنني أبصرت -بنظارتي- طريقًا آخر بعد تخرجي؛ فالتحقت بالماجستير في الجماعة نفسها، وأخذت شهادة الدبلوم العالي، وناقشت رسالة الماجستير في جامعة القديس يوسف ببيروت، وبعدها ناقشت أطروحة الدكتوراه في القاهرة.

    تخصصي الدقيق هو مجال تحليل الخطاب. في الماجستير كنت أحاول أن أقترب من علم أصول الفقه، وأرى أدواته في تحليل الخطاب. وفي الدكتوراه، اقتربت من نصوص الفلسفة القديمة، والتصوف الإسلامي؛ محللًا طريقة بناء الخطاب الفلسفي والصوفي، عبر تحليل المجازات (التشبيهات، الاستعارات، الصور، القصص).

    الديري.. لا بد أنك تحب أن تكون لصيقًا بالدير، وهي الأرض التي تعدها مقدسة. مَن مِن الدير كان صديقك؟ ولماذا؟ وهل بنيتم أحلاما بطلتها الدير؟ هل وضعت الدير أمام عينيك، وأنت تبدّل تخصصك؟

    المقدسة، هي الصفة الملازمة للدير على لسان زوجتي (أم باسل). أحبتها كثيرا، وأحبت ناسها، وصرت أحب هذه الصفة، وعيشي خارج القرية منذ 2009، زاد من شعوري بدفء هذه الصفة. صداقاتي في القرية تمتد إلى سنوات دروسنا الدينية في المأتم.  أصدرنا أول تجربة صحفية في المأتم الشمالي (صوت البحرين).  كنا في صف الثاني الإعدادي.  كتبناها على ورق A4 بخط الصديق (جميل عبدالله)، وعنوان الغلاف زخرفه لنا الأستاذ عيسى المطوع.  كنت بمثابة رئيس التحرير، وفريق العمل هم أصدقائي: أحمد رمضان، وعقيل أحمد عبدالرضا، وهما الصديقان اللذان بنيت معهما مشروع مكتبة مشتركة، وصداقة مستمرة مدى الحياة.

    في المرحلة الثانوية، ستتسع الدائرة لتضم: حسن إبراهيم سلمان، وعلي عبدالرضا، وحسين جاسم، وحسين أحمد عبدالله، ومع هذا الفريق سنكوّن ما يشبه أكاديمية سوبر ستار للخطابة الحسينية.  أحيينا موسمين؛ لإعادة عشرة محرم، وامتدت بنا الجرأة؛ لنقدم مجالس حسينية في مجالس القرية، منها: مجلس بيت حجي جمعة، ومجلس بيت حجي جاسم.  شخصيا لم أتوافر على صوت جميل، لذلك؛ كنت أقدم المحاضرة، وصديقي أحمد رمضان يقدم النعي والمقدمة.  ربما هذا السبب الذي جعل مواسم إحياء العشرة – لاحقا – تأخذ طابع المحاضرات التثقيفية في مأتم جدتي سلامة سلوم.

    على الجانب الآخر، نمت صداقتي مع حسن أحمد سلمان، وجعفر الطعان، وأخذت – فيما بعد – طابعا ثقافيا. كنا نلتقي في مكتبة حسن ببيتهم، ونذهب بعيدا في القراءة والنقاش. علاقتي بالشهيد زكريا العشيري كانت تتقاطع بين هذا الفريق، وذاك الفريق. وفي المجمل دروس المأتم المسائية كانت تجمعنا كلنا، وشكل لنا أساتذتنا: أحمد مهدي، وعبدالنبي حميد، وجعفر حميد، وفاضل عباس أفقا تربويا ودينيا وأخلاقيا، وأجد أني ما زلت مدينا لهم. لا أنسى هنا شيخ حمزة الديري، الذي كان الأب الروحي لتربية دروس المأتم.

    بما أنك اعترفت بقدسية الدير لديك أنت وزوجكم المصون، من خلال ما أوحت به إجابتكم عن الأسئلة؛ فيما يتعلق بتعيين الشخوص بحذافيرها؛ نسبًا، وذكر بعض صفاتها. من الممكن أن نسألكم عن أبرز الأمكنة، والشخصيات التي وهبت تلكم القداسة للدير في قلبكم، و لماذا؟

    مشبعة ذاكرتي بكل شبر في الدير؛ بيتنا الكبير الذي كان أول بيت يبنى من دورين في القرية.  ما زلت أحتفظ بخارطته التي هندسها الوالد؛ الغرف الكثيرة المفتوحة على هواء البحر، والحديقة الداخلية، طلة البحر من على سطحه الواسع، قفص الطيور الكبير في مدخله، وألوان الطيور الغريبة، مكتب الوالد في الطابق الأرضي، والتليفون الأسود، وقرص الأرقام.

    بساتين الطفولة قبل أن يغتالها سراق الأراضي، بستان العرادي، والشركة، وتنة، والغربية، وريا، وأم نخيله. بحر الدير الذي قضينا طفولتنا في سواحله، والمشي في جزره ومده. ساحات الصيد (الحبال) المفتوحة للطيور.

    مساجد القرية لها وقعها الخاص في قلبي؛ المسجد الوسطي، صلاة الطفولة قبل أن يُجدد بناؤه، وصلاة المراهقة بعد تجديده ودروس (أبو هشام، محمد حسن إبراهيم)، وذكريات أصدقاء صلاة الفجر: حجي حميد بن غانم (ت2003)، وحجي محمد بن علي بن عيسى (ت2012 )، وحجي راشد بن علي بن عيسى (ت2012)، عليهم رحمة الله، مسجد الخيف، صلاة المرور للمقبرة، مسجد بردان الجيرة، وصلاة ما بعد المدرسة، وحلقة درسي لأول مجموعة درستها في القرية. المسجد الغربي، صلاة الجماعة والاحتفالات. مسجد الراهب؛ بدايات الدروس الدينية مع شيخ حمزة الديري، والتعرف على أول مكتبة فيه، بعد مكتبة الوالد.

    خباز جدي لأمي حجي طرار، وتنوره الذي غدا صوته جزءا من ذاكرة طفولتي، في غرفة جدتي سلامة  سلوم. كان ظهر الخباز لصيقًا بغرفة نومها، وحين يهدأ صوت التنور، يدير الخباز الإيراني محمد والسيد إذاعة طهران؛ ليأتي صوت نشيدها الوطني الثوري، وبعده أخبار الحرب.

    "الفلسفة القديمة"، "الخطاب الصوفي" وتحليل الخطاب؛ نتيجة طالب غيّر مساره العلمي، وتوجه لكلية الآداب؛ تمهيدا للدراسة الحوزوية!!  كان التوجه قويًا، والدافع أقوى،  والنتيجة مغايرة!!  ماذا استجد لتحدث تلكم النقلات الكبيرة بين الثانوية والدكتوراه؟

    حدث ما يسمى بلغة المثقفين؛ (التحولات). المكتبة التي استعرت منها أول كتاب في حياتي، في مسجد (الراهب) هي نفسها التي أخذتني لكتب مكتبة (الإرشاد)، ومكتبة (الماحوزي)، والمكتبة (الإسلامية)، والمكتبة (الوطنية) في المنامة.  من هذه المكتبات كونت مكتبتي المشتركة الصغيرة في مجلس الوالد إلى جنب مكتبته (الإخبارية).

    استهوتني الدراسات الأكاديمية؛ فلم أعد مولعا بالثقافة الأيديولوجية، ولا بالمعارف المغلقة. عرفت حينها أن المعرفة الحوزوية -على عمقها وثراء تجربتها- لن تحقق رغبتي المعرفية، بل حتى الدراسة الجامعية لن تحققها.  وجدت الأمر في القراءة الحرة، والجهد الذاتي، لكن الحنين إلى الحوزة عاد إليّ مؤخرا، وهو حنين لا يتعلق بحلمي بالعمامة؛ بل يتعلق بطريقة الدراسة نفسها.  الآلية الحوزوية، تتيح لك الذهاب عميقا، وواسعا في الكتب، وهي متحررة من القيود الإدارية، والامتحانات المقننة.  عليك أن تثبت ذاتك بتفوقك المعرفي الذاتي، دون الحاجة إلى شهادة.  كذلك علاقة المدرس بالطلبة متحررة من القيود الجامعية، مع ذلك؛ فإن فضاء المعرفة الجامعية -من حيث الانفتاح- أرحب وأكثر مواكبة للعصر.

    ضمن هذا الحنين، زرت حوزة قم في 2013، والتقيت هناك شخصيات علمائية بحرينية، وغير بحرينية، وحضرت حلقة بحث خارج للسيد منير الخباز، وكتبت عن هذه التجربة تحت عنوان (منعطفات قم المقدسة ) التي أثارت تعليقات كثيرة، وظريفة.

    دخلت عالم الصحافة، وتم ترشيحك لنيل الجائزة الأولى عربيا؛ كأفضل صحفي لفرع الثقافة عام 2009م.

    أولا:  كيف دخلت، ومن كان يساندك؟

    ثانيا:  ما هي الصحف التي كتبت فيها، بالترتيب، بداية بالأقدم، ومَن مِن الصحفيين تراه الأفضل؟

    ثالثا:  كيف تقيم تجربتك الصحفية؛ من حيث الطرح؟

    رابعا:  ماذا جنيت من الصحافة؟

    في السنة الأولى من تخرجي من جامعة البحرين، فزت  بالمركز الأول بمسابقة كتابة المقالة في صحيفة الأيام، لكن علاقتي بالصحافة لم تبدأ من الأيام، بل بدأت من مجلة المواقف.  كنت أحرر صفحتها الثقافية أسبوعيا، لمدة ثلاث سنوات تقريبا.  في 1998، بدأت علاقتي بالقسم الثقافي لدى جريدة الأيام، حتى بداية تأسيس جريدة الوقت في 2006. كنت أحد المشاركين في تأسيسها. ابتكرنا أنا والفوتوغرافي الروائي حسين المحروس، والكاتبة باسمة القصاب قسما جديدا، أطلقنا عليه (بروفايل)، وهو ملحق أسبوعي من أربع صفحات، وأحد أعداده كان مخصصا لـ (قرية الدير).  كان (بروفايل) تجربة جديدة في الصحافة، وأسلوبا مغايرا في الكتابة عن المجتمع، وثقافته، وتحولاته.  وعلى منوال هذه التجربة كتبت في مايو 2008 تحقيقا من ثلاث حلقات تحت عنوان: (في انتظار تركيا: من يقتل أتاتورك؟) وقد أعلن نادي دبي للصحافة، الذي يمثل الأمانة العامة لجائزة الصحافة العربية عن أسماء المرشحين الثلاثة للفوز بجائزة الصحافة الثقافية، وكنت من بينهم.

    لم أعمل ولا يوما صحفياً، بل إنني لم أحب -يوما- العمل الصحفي. كنت أقيم علاقتي بالصحافة عبر الصفحات الثقافية، ومقالات الرأي.  أحب -في الصحافة- مقالات الرأي. أجد في المقالة وسيطا بين ما أقرأه في الكتب والبحوث، وما أعيشه من أحداث وتغيرات.  هذا من جانب، ومن جانب آخر؛ القارئ، والرأي العام، والفضاء المشترك. أشعر بمتعة في كتابة المقالة.  صفحات الرأي تعطي مؤشرا عن حرية الصحافة في أي بلاد، وقد لمست ذلك عمليا في الصحافة البحرينية. تحولت مقالات الصحف البحرينية بعد 14 فبراير، إلى مقالات تحريض، وفتنة، وقتل، ومنافسة في إعلان الولاء للسلطة، والبراءة من منتقديها.  الصحافيون صاروا على دين ملوكهم.

    يسجل بلجريف في يومياته، في 19 سبتمبر 1954: كتب سموه، ليقول: أغلقوا (صوت البحرين) إلى أمد غير محدود.  بعد 14 فبراير، كتب أيضا سموه، ليقول: أغلقوا صوت الصحافة إلى أمد غير محدود.  أريد أن أسمع الصحافة التي تردد اسمي فقط.

    للعالم الافتراضي سطوته -التي لسعت؛ بسوط التواصل السريع، الحاضر مع الإنسان في كل حين-  التثاقفَ الورقي الذي لا يتاح للناس جميعًا؛ بحكم طبيعته الجامدة، التي تحتاج للسعي الحثيث. منتدى الدير.. ما هو رأيكم فيه؛ من حيث الادارة، والكوادر، والتأثير؟ وهل كُنْتُمْ ضمن الشخصيات المقنعة الساعية للخير من خلال المنتدى؟ هل المنتدى -لو استمر- سيكون مؤسسة كالصندوق مثلا، من حيث القوة المادية؟

    يكفي منتدى الدير أنه اقترن باسم شهيد كان شعاره: "أنا إنسان قبل أن أكون شيعيا". المنتدى اقترن بشهيد، وبسجن، وتعذيب عائلة كاملة، هي عائلة مؤسس الموقع العزيز أبو حمزة (أحمد الديري). في نهاية 2011 قدمتُ ورقة في مركز البدائل في مصر، حول فضاء الانترنت في البحرين والثورة: منتديات وتويتر ومدونات وفيسبوك.

    منتدى الدير، فتح قسما خاصا بثورة 14 فبراير، كما فعلت أغلب المنتديات في معظم مناطق البحرين.  تم إخماد صوت المنتديات، بعد دخول درع الجزيرة؛ ففقدت البحرين مصدرًا مهما من مصادر الفضاء العمومي.

    شكل منتدى الدير ساحة نقاش افتراضي، ضمن فضاء القرية، وضمن الحدود الممكنة اجتماعيا.  اضطلع بدور مهم في تشجيع الناس على النقاش العام، وطرح قضاياهم المحلية. أنا مع تشجيع هذه الفضاءات، ومع بقائها حرة دون أن تتحول إلى مؤسسات.

    نبقى في "الانترنت"، وانتشار المدونات، وما شكلته من واجب يقوم به المثقف، وهي بمثابة عناوين بها مجالس المثقفين!! ما هو تاريخكم مع المدونات، و كيف ترونها من حيث الحفظ.  أي هل تثقون بها؛ بمعنى الاستغناء عن الورق؟

    قبل يومين، كنت أتصفح – صدفة – أرشيفي الإلكتروني.  وجدت صورة لخاطرة كتبتها في 16 سبتمبر 1999 تحت عنوان (القنبلة الخمينية)، وأخرى كتبتها، وأنا في نهاية المرحلة الإعدادية في 13 سبتمبر1986م  تحت عنوان (عاشوراء).  أظن أنني نشرتها على مجلة الحائط، بالمسجد الوسطي في القرية.
    في الكتابة؛ تنقلت عبر عدة وسائط، من مجلة الحائط بالمسجد إلى مجلة (صوت المأتم) إلى الصحافة البحرينية لاحقاً، ومنتدى بحرين أونلاين، ثم كتبي بعد ذلك، ومدونة هوامل والفيسبوك وتوتير والانستجرام و….

    ما كان لي أن أعثر على ورقة موضوعي الأول في حائط المسجد الوسطي، لولا وسيط الصورة الذي مكنني من الاحتفاظ بقصاصة الورق عمراً مديداً.  أنا أحب جميع الوسائط، وأجدها تخدم الكلمة والرأي.  وكل وسيط يأتي؛ لا يلعن ما قبله؛ بل ليوسع ما قبله، ويضيف له.

    "هل كان هيبا مثقفا أم راهبا؟"، "هيبا تلبسني". نشاط ثقافي بدأ في العام 2009م. كيف نشأ؟  وما هي دوافعه؟  ومن هم أعضاؤه؟  وهل كان هو الأول؟  وكيف سيكون نشاطه المستقبلي؟ ولماذا لم تفكر في إنشاء مثيل له في الدير؟

    منذ نشاطي في القرية، اعتدت جلسات التثاقف.  مأتم جدتي ربما يكون أول صالون ثقافي، عقدت فيه أنشطة ذات طابع فكري وديني. لاحقا؛ يتطور الأمر في مجلس الصديق حسن أحمد سلمان، مع الصديق جعفر الطعان، وأحيانا معنا الشهيد زكريا العشيري. أتذكر أن كتاب (العدل الإلهي) للشهيد مرتضى مطهري أحبُّ الكتب، التي عكفنا على مناقشتها، وربما المرة الأولى التي سمعت فيها بالدايلكتك وصراع الأضداد، هي في هذا الصالون، وعلى لسان جعفر الطعان؛ الذي كان مميزا في قراءاته، ودؤوبا في جلده على استكمال الكتب الصعبة، ولعل أحدها الكتاب الفلسفي لعادل ظاهر (الأسس المنطقية للعلمانية).

    هناك تجارب لصالونات ثقافية أخرى، لكن ربما يكون (هيبا) هو أكثرها، ليس أهمية؛ بل استمراراً. استمر من 2009 حتى حراك 2011. هو جلسة شهرية؛ لنقاش الكتب الفكرية، حضورها من الأصدقاء وزوجاتهم. أجواؤها فكرية واجتماعية. توقفت بعد مغادرتي البحرين.

    في بيروت أصبح لدي (صالون 14 فبراير). خصصته لتاريخ البحرين وإشكالاته. عقدنا فيه أكثر من خمسين جلسة، وأتاح لنا معرفة تاريخنا السياسي بشكل أكثر عمقا، وهو يعمل بنظام المواسم الثقافية، كل موسم يستمر أربعة شهور. عناوين المواسم: إصلاحات 1923 ونشوء الدولة الحديثة، غزو البحرين 1783 حتى بداية القرن العشرين، البحرين في عصر الدولة الصفوية والحركة العلمية، عبدالرحمن الباكر وأحداث الهيئة 1954م.

    لا أفكر أن أنشئ صالوناً بالدير المقدسة؛ فالتقديس يجعلك تحب الشيء، أكثر مما يجعلك تختلف حول الشيء، وأنا أريد أن أبقى على هذا الحب المقدس مع قريتي. منذ أن تحول نشاطي من القرية إلى خارجها، قررت ألا أخوض أي معركة فكرية داخل القرية، ليس لأن القرية لا تتحمل الاختلافات الفكرية؛ بل لأنني أحب أن أبقي علاقتي معها، خارج ما أنا خرجت إليه؛ من أفكار، وتحولات.

    "وخير جليس في الأنام كتابُ" بعيدًا عن الناس.  يحتاج المفكر لخلوة مع نفسه، أو مع كتاب يستريح معه من عناء القضايا الكبرى، وتكون بمثابة الاستجمام الفكري، وراحة الأعصاب، التي يستعيد معها المفكر نشاطه. مع أي الكتب ترتاح وتحس بأنك تستلقي على شاطئ البحر، و لا تريد النهوض! كم ساعة تقرأ وما هي خطتك للقراءة اليومية؟ هل تقرأ الكتاب أكثر من مرة؟ أي كتاب علقت فيه ولم تخرج منه؟ بماذا تنصحنا عند القراءة؟

    الكتب -غالباً- ترتبط عندي بالصخب. ليس صخب الأفكار فقط، بل حتى الصخب الخارجي؛ فأنا لا أحب القراءة، ولا الكتابة في هدوء. كتب كثيرة قرأتها أثناء التنقل في المواصلات العامة. أتذكر قراءاتي في باص الجامعة، في رحلته الطويلة من منطقة الصخير إلى الدير، وأتذكر عناوين الكتب التي رافقتني في باص 4 الشهير بين الضاحية والحمرا في بيروت، وأحتفظ ببعض آثار المقاهي التي قرأت فيها وكتبت فيها.  أحب أن أسمع حركة الناس، وأنا أقرأ أو أكتب. ليست لدي ساعات محددة للقراءة، ولا أحمل معي الكتب لغرفة النوم، ولا الحمام، لكنني أطمئن كثيرا حين يكون الكتاب معي في أي مشوار طويل.

    في كل مرحلة من حياتي أتعلق بكتاب لفترة ما، وأتجاوزه بعد مرحلة.  لفترة تعلقت بكتاب دستغيب "القلب السليم" وفي أخرى بكتاب محمد باقر الصدر "أئمة أهل البيت تعدد أدوار ووحدة هدف"، ومرة بكتاب عادل الأديب "الائمة الاثنا عشر دراسة تحليلية". بعد ذلك وجدت في كتاب علي شريعتي (التشيع العلوي والتشيع الصفوي) أفقًا جديدا في القراءة. لاحقاً وقع علي كالمطرقة كتاب محمد أركون "الفكر الإسلامي .. نقد واجتهاد"، ولا أنسى هنا كتاب نيتشه "زرادشت". على مستوى التراث، تعلقت بكتاب ابن عربي "فصوص الحِكَم" و"الفتوحات المكية".  لقد أعدت بناء مكتبتي التي كانت ثلاثة رفوف في مجلس الوالد أكثر من أربع مرات، في أماكن مختلفة، لن تكون آخرها هنا في شقتي بالضاحية، بحي الأميركان.

    مثّل لي كل كتاب من هذه الكتب؛ حقلا أو بستانا معرفيا. قضيت فيه حقبة ثقافية جميلة. كنت أرى الأشياء من خلال الكتب التي أقرأها. حالياً صار الكتاب يساعدني في رؤية الواقع وتحولاته، لكنني لا أعتمد كليا عليه، في فهم ما يجري.

    "سلامة سلوم"، هو عربون المحبة بيني وبين ابن "ديرتي"، الذي لم يحالفني الحظ للقائه، وهو كتاب بمثابة إبراز الهوية، والانتماء للأرض. وما هو جديدك بعد كتبك الخمسة التي كان آخرها " كيف يفكر الفلاسفة "؟

    كتاب "جدتي سلامة سلوم" بمثابة تحية إلى جدتي، وجيلها، وتحية إلى قريتي؛ حيث تكونت سيرتي من خلالها، وخلال مأتمها، ومجلسها، ونساء القرية الطيبات.

    كتابي الجديد هو "نصوص متوحشة.. التكفير من سنة السلاجقة إلى سلفية ابن تيمية".  وفيه أقارب نصوص التكفير؛ كنصوص سياسية لا فقهية.

    في هذا الكتاب أحاول قراءة نصوص التكفير قراءة تاريخية، في ثلاث بيئات سياسية، استخدمتْ التكفير ضد أعدائها: بيئة السلطة السلجوقية (القرن الخامس الهجري)، من خلال نصوص الغزالي، وبيئة سلطة الموحدين (القرن السادس الهجري) من خلال نصوص ابن تومرت، وبيئة سلطة المماليك (القرن الثامن الهجري) من خلال نصوص ابن تيمية.

    يتغذى التكفير – الذي تستخدمه داعش اليوم وأخواتها – من هذه النصوص. على سبيل المثال تغذي هذه النصوص منظر داعش الشرعي (تركي البنعلي) الذي وجدت صورته إلى جانب صورتي في الصفحة الأولى، في الصحف المحلية، تحت عنوان واحد هو: قائمة المسقطة جنسياتهم.

    كنت أتساءل في مقدمة الكتاب: ما الذي يجمعني به؟  ولماذا هو يشرع قتلي؟  ومن الذي يشرع له ذلك؟ وما علاقته بهذه النصوص التكفيرية التقتيلية؟

    المحيط الذي يجمعنا بمن نحب، وما نحب، وبمن نكره، وما نكره، يترك أثره في النفس والعقل والجسم… في كلام موجز:  ماذا يعني – بالنسبة لك – كل مما يأتي من أسماء على حدة:

    1. مسجد "بردان"

    أشتاق لسجادتي هناك، وصوت أذان الحاج حسن حسين وقت الفجر.
    2. الحاجة صباح "أم علي"

    تكسرني دمعتها، ولا أكبر في حضنها، الذي يشهق بي؛ حنانا، وشوقا، وكلمات متصلة بالسماء.

    3. جريدة الوقت.

    الرفقة الجميلة، والحلم بصحافة وطنية،وملحق بروفايل الفريد.
    4. الشهيد زكريا العشيري

    ما زالت جملته الأخيرة قبل اعتقاله تبكيني " الله يحفظ دكتور علي منهم، أخشى عليه من الاعتقال".
    5. أماسيل وباسل

    أعز ما يُطلب. لا أدري كيف سيرويان قصة غيابي عنهما. أحفظ لحظات الوداع المشحونة بالدمع، في كل مرة يغادراني ذاهبين دوني للوطن.
    6. أرسطو طاليس

    فهمت من خلاله (التكفير الأعوج) لكني مدين لأستاذه سقراط أكثر؛ فقد تعلمت منه الحوار، وتوليد المفاهيم، دون قوانين المنطق الأرسطي الصارمة.
    7. دوار اللؤلؤة

    أبدع البحرينيون في صناعته. جعلوا منه معمارا مخلدا في التاريخ، كمسلات الفراعنة وأهرامهم.  أخرجوه من الجغرافيا، بعد أن هدمته السلطة، وأدخلوه التاريخ بعد أن صار رمزهم.
    8. خباز طرّار

    قرص الخبز الساخن، وجبن المثلثات الذهبي اللذيذ، وذكرى جدي حجي عبدالحسين طرار، وفريق دكان سيد حميد.
    9.لبنان

    ما زالت جغرافيا الجبال الخضراء المسكونة تثير دهشتي فيه. أحب صعود جباله، وأحب حضن ضاحيته التي منحتني (كل شي).

    10. الصالونات الثقافية

    سأظل أحب إعادة تأسيسها في كل نقلة وتحول. لن أتوقف عن تكوين صداقاتي فيها. صداقاتي مع الأفكار، والكلمات، والأشخاص الذي يشاركونني غوايتها.

    *سيد سلمان الموسوي، ناشط مهتم بتوثيق تاريخ قرية الدير، ويعمل عبر حسابه في الإنستجرام على نشر كل ما يتعلق بتاريخ القرية ووثائقها.

    وجه أم حيدر كان مقابلاً لوجه ابن تيمية

    "إلى الأطفال الذين يحملون قلوب أمهاتهم في كل خطوة لمساجد الله"

    إهداء فيلم (حيدر)

    "أمي تقول كل خطوة للمسجد بحسنة" ومنطوق ابن تيمية يقول: كل خطوة لقتل الرافضة بألف حسنة. ذهب حيدر بخطوات أمه وذهب الإرهابي بخطوات ابن تيمية، التقيا هناك وجهاً لوجه، وجه أم حيدر كان مقابلا لوجه ابن تيمية، وخلفهما حيدر والإرهابي. هذه الصورة هي التي رأيتها في اللحظة الأكثر درامية في فيلم المبدع محمد السلمان (حيدر) لحظة التفتاتة حيدر إلى وجه الإرهابي وحزامه الناسف موقعاً بشعار (لا إله إلا الله).

    ماذا بقي من حيدر؟ وماذا بقي من الإرهابي (صالح القشعمي)؟

    بقيت من حيدر خطواته الاثنين والعشرين:"ماما خطواتي للمسجد اثنين وعشرين". صارت ملايين الخطوات والحسنات، تمشي بنا نحو سيرة حيدر، تلهمنا لنمشي ضد الموت مرددين كلمات (أمه) منطوقة بحلاوة صافية في ثغر (حيدر) إنها الكلمات الباقية من حيدر بعد أن ننسى كل شيء. أبدع المخرج في تصويرها في اللحظات المكثفة من الفيلم الذي قال كل شيء في الدقائق الخمس والخمسين ثانية. لقد حفظ لنا كاتب السيناريو وصية حيدر، ووصية أمه ورسائل خطواته الاثنين وعشرين وذاكرة الشهداء الاثنين والعشرين، وتاريخ الشهادة في الثاني والعشرين من شهر مايو/ أيار 2015.

    بقي من الإرهابي، قبحه شاهداً على قبح الخطوات التي مازالت تمشي بنصوص التوحش والقتل من ابن تيمية (ت728هـ/ 1328م) حتى محمد بن عبد الوهاب (ت 1206هـ/1791م) وصولاً إلى داعش التي خرجت من نصوصهم تمشي بخطوات سريعة مرددة (بالذبح جئناكم).

    الوحش الإرهابي الذي أراد أن يسرق وجهنا، تصدى له (حيدر) بوجهه البريء الجميل، وحيدر لم يحفظ وجوهنا من التشويه فقط، بل حفظ وجه المسجد وحفظ وجه اسم الإمام علي من تشويه الوحش الذي يريد أن يقول هو الممثل الشرعي الصحيح للإسلام.

    على خطوات أو كيلومترات من روضة حيدر (سليمان الفارسي) ومسجد حيدر (الإمام على بن أبي طالب) عشرات المراكز الدينية التي تحرض على قتل حيدر وحرق روضته وتفجير مسجده.

    نحن في صراع بين نصوص حيدر وهي تخطو به نحو الحسنات، ونصوص ابن تيمية وهي تخطو بآلاف المفخخين نحو حيدر ورموزه التي ظهرت في الفيلم ظهوراً فنياً لافتا (أذان علي ولي الله، راية الحسين، الصلاة على النبي وآله في الصلاة). يدخل الفيلم – حسب تعبير الصديق الناقد أثير السادة- في "حجاج بصري" وهو يفسر طبيعة الصراع المتواري في الواقعة، إنه الصراع الممتد في أمهات النصوص القاتلة.

    إنها النصوص المنسلخة من الإنسانية التي يستدل بها ابن تيمية في كتابه (الصارم المسلول) على القتل البشع الذي تمارسه داعش اليوم، كما في استدلاله بقتل الشاعرة الهجاءة عَصْمَاءَ بِنْتَ مَرْوَانَ، برواية موضوعة "جَاءَهَا عُمَيْرُ بْنُ عَدِيّ فِي جَوْفِ اللّيْلِ حَتّى دَخَلَ عَلَيْهَا فِي بَيْتِهَا، وَحَوْلَهَا نَفَرٌ مِنْ وَلَدِهَا نِيَامٌ ، مِنْهُمْ مَنْ تُرْضِعُهُ فِي صَدْرِهَا، فَجَسّهَا بِيَدِهِ، فَوَجَدَ الصّبِيّ تُرْضِعُهُ فَنَحّاهُ عَنْهَا، ثُمّ وَضَعَ سَيْفَهُ عَلَى صَدْرِهَا حَتّى أَنْفَذَهُ مِنْ ظَهْرِهَا" (انظر: ابن تيمية، الصارم المسلول،ج1، ص195)

    صار الصارم المسلول (السيف) برواياته وفقه ابن تيمية لها، متفجرات مفخخة منشورة على خريطة المساجد والمآتم.

    المصدر: جريدة الأخبار اللبنانية

    رابط الموضوع: http://www.al-akhbar.com/node/236870