ابتهال أبوعلي: "من هو البحريني؟" قصة مختلفة لم نعرفها لتاريخ تأسيس الدولة

HDR_5114

قد يكون أهم كتاب قرأته حول تاريخ البحرين. يتحدث الكتاب اعتمادًا على الوثائق البريطانية عن الأحداث التي قادت لنشوء الدولة الحديثة في البحرين، بدءًا من أول مواقف تعريف الهوية/الجنسية، ثم إلغاء السخرة، والإصلاحات التي شملت القضاء، والجمارك، ومسح الأراضي، وإصلاح الغوص وانشاء الشرطة. ويتحدث عن التطورات السياسية والمنعطفات الأكثر تأثيرًا في السنوات بين 1904 إلى 1924 ودور المقيم البريطاني السياسي في دفع عجلة الإصلاح قسرًا ورغم معارضة الحاكم المحلي المتمسك بسلطته غير المقننة.

الكتاب مثير بقصة مختلفة لم نعرفها لتاريخ تأسيس الدولة، وهو يضاعف أهميته بالإشارة الصريحة الى تحريف وتغيير الوقائع في مؤلفات تاريخية محلية لمصالح الحفاظ على صورة جميلة للحاكم في ذلك الوقت.

الكتاب يطرح مفهومًا جديدًا لدور الإنجليز في البحرين، وهو دور ايجابي بشكل كبير، كما انه يعطي صورة أوضح عن الدور والمسؤوليات التي يقوم بها الوكيل السياسي البريطاني. انه يجعلك تتساءل عن صحة الصورة التي رسمتها “للمستعمر” قبل هذا الكتاب.

أكثر شعور رافقني خلال القراءة هو أن هذا التاريخ لا يزال واقعًا حاضرًا. الكثير من أحداثه لا زالت تتكرر. لقد غير صورته وهيئته، وطوُر نفسه وتحضر، لكنه لا يزال هو.

هذا الكتاب أيضا يجعلني أشعر: إذا فهمت التاريخ، تصبح أكثر إدراكًا لمعنى ما يحدث الآن، وجذوره العميقة.

مريم آل ضيف: كتاب " من هو البحريني؟" يجلب الحسرة

HDR_5077

عنوان الكتاب يجلب الحسرة ، نعم من هو البحريني؟!

قرأت سابقًا للكاتبة رملة عبد الحميد عن الدولة الحديثة، وكنت أطمح أن أقرأ عملًا أكثر تفصيًلا عن تاريخ البحرين في تلك الفترة الزمنية الممتدة من 1900 إلى 1930.

هذا الكتاب من أفضل الكتب التي تتحدث عن تاريخ تلك الحقبة، وعن المستعمر البريطاني، وكيف تطور مفهوم الدولة الى مؤسسات وحكومة بعد أن كان حكم قبلي.

تعرض الكتاب لعدة محاور،  منها نظام السخرة، ومشاكل الغوص، والمعتمدين البريطانيين في تلك الفترة، ومحاور القوى التي كانت تحيط بالبحرين، ومدى استخدام الاستراتيجيات التكتيكية للمستعمر التي تندرج تحت جملة (تجارتنا وسلامتكم).

الكتاب يشبع رغبة من يبحث عن تاريخ حقيقي قبل اكتشاف النفط وتأسيس الدولة الحديثة.

رابط الموضوع

لرواية الوهابية التي لا يعرفها محمد بن سلمان

 

photo_2018-05-02_13-00-41

علي العلوي*

ينبغي لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي صرح في حواره الأخير مع «الأتلانتك» أنه لا يعرف أي شيء عن الوهابية، أن يقرأ كتاب «إله التوحش» (2016 ـــ مركز أوال) للباحث والناقد علي الديري. هذا الكتاب يوثق رحلة الوهاب من العينية حتى الدرعي، ثم لقاءه بمحمد بن سعود عام 1745، ويدفع قارئه للتساؤل عن أساس فكرة عبد الوهاب، وعن أهداف دعوته السياسية.

لا يخرج الكتاب عن الرواية الرسمية السعودية المأخوذة من المؤرخيْن: ابن غنام الذي رافق عبد الوهاب في دعوته، وابن بشر الذي وثق قيام الدولتين السعوديتين الأولى والثانية في كتابه «المجد في تاريخ نجد». بحسب الرواية، كانت الدرعية لا تزال حيّاً فقيراً لا يتجاوز عدد منازله السبعين، عند وفود عبد الوهاب إليها. إلا أنها غدت بعد بروز دعوته وتحالفه مع محمد بن سعود، مكاناً يطفح بالبذخ، يزيّن فيه الرجال أسلحتهم بالذهب والفضة.

تذكر الرواية أيضاً أن الدعوة الوهابية كانت قائمةً على التوحيد والغزو، وأن عبد الوهاب الذي صنّف كل من ادعى معرفة الإسلام والتوحيد قبله «كاذباً ومفترياً»، هو سليلٌ للنبي في رسالته ومسيرته، وحتى في تحمله للأذى ونزول الوحي عليه. لاحقاً، يوضّح الديري في كتابه أن تفسير عبد الوهاب لمفهوم التوحيد يختلف عن تفسيرات غيره من علماء الدين. إذ إن التوحيد لديه يكمن في الاختصام مع عباد الله، قبل أن يختصم الله معهم، وأن الجسر الوحيد الذي يصل المؤمنين بربهم هو الطاعة.
الطاعة هنا، لم تعد طاعةً للخالق فقط، إنّما طاعة لعبد الوهاب والسلطة السياسية المتمثلة بآل سعود. هذه الاستراتيجية، هي التي مكنت عبد الوهاب في غزواته التي وصفها ابن بشر بأنها «أينما سلكت ملكت وأينما حلت فتكت وسفكت»، بعد سنتين من ولادة دعوته.
يسترسل الديري في شرح هذا المفهوم: «قد تبدو مفاهيم الانقياد والاستسلام والطاعة لله من الناحية النظرية صحيحةً ومسلّماً بها في تعريف الإسلام، لكن حين نعاينها في تطبيقها العلمي، فإنها تستحيل إلى استسلام آخر وطاعة أخرى وبراءة أخرى لغير الله، إنها استسلام إلى مفهوم التوحيد كما صاغه محمد بن عبد الوهاب، وطاعة للجهاز التنظيمي الذي أنشأه في دولة الدرعية، وصار في ما بعد جهازاً يحدد مفهوم الإسلام وتطبيقه الصحيح». تأسست الدولة السعودية الأولى (1745-1818) على فتاوى التكفير: فإما أن يكون المرء موحِّداً يغزو، أو كافراً يُغزى. هذا الأمر أنتج تاريخاً أُحادياً، وهوية لا تقبل التعدد. يسأل الديري عن رواية الأطراف الأخرى كالشيعة، الإسماعيليين، والمتصوفين، أو حتى المذاهب السنية المعارضة للدعوة الوهابية. ويعتبر أن الدولة السعودية فشلت في تطوير عقد اجتماعي حتى هذه اللحظة «الذين كانوا أعداء للدعوة وللدولة هم أيضاً أعداء للدعوة وللدولة اليوم، بل إن الذي لا يعتنق عقيدة الدولة في التوحيد هو خارج المواطنة ويقام عليه الحد الشرعي». ومن اللافت أن الديري لم يعتبر الممارسة العنفية التي رافقت تأسيس الدولة السعودية حالةً خاصة، مستدركاً بذلك ما توصّل إليه الكاتب والمؤرخ الفرنسي إرنست رينان حين قال: «وقائع العنف حصلت في بدايات كل التشكيلات السياسية». لكن المختلف في هذه الحالة، هو عدم تخلي المملكة السعودية عن العنف، بل تشريعها له كصيغة للمواطنة عن طريق الوهابية. يقول الباحث في هذا السياق: « لم يعد يكفي قول لا إله إلا الله للتوحيد، ولا الإيمان بذلك، لتكون موحداً، وبالتالي مواطناً يصان دمك وعرضك ومالك عليك أن تنضم إلى جيش الدرعية».
إن استراتيجية عبد الوهاب، على رغم نجاحها، تحمل مفارقة كبيرة. حين كان هذا الداعي يوعز بمحاربة «المشركين» كالحنابلة وغيرهم من طوائف المسلمين، كان أيضاً يطالب بطاعة آل سعود كأنهم «آلهة مفترضة». وقد أكد ذلك الديري عندما ذكر: «هذا ما فعلته الوهابية باسم التوحيد، حولت ولي الأمر وسلطته وأجهزة حكمه إلى خالق، يجب طاعته والامتثال لأمره والقبول بالمعنى الذي يعطيه للدين واعتبرت الخروج عنه أو عليه أو الاختلاف معه هو الكفر ودونه القتل».
مع تعاظم نفوذ آل سعود، أصبحت الوهابية أداة تتحكم بالدين بحسب إرادتهم. وتحولت معها الزعامة إلى دولة، والمشيخة إلى مؤسسات، كما حال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أما هيئة كبار العلماء التي يعينها الملك، فباتت ممثل دين الدولة الشرعي. لذلك بتنا نجد أن المؤسسة الدينية التي تحرّم التقارب بين الأديان مثلاً، هي نفسها التي تبيح التمثيل الدبلوماسي للدول الغربية في السعودية، وتبرر تعاونها مع «جيوش الكفار» في حرب الخليج. وعلى المنوال نفسه، نرى فتاويها حول سياقة المرأة مثلاً تتراقص بين الإجازة والمنع، بحسب ما يقتضيه الموال السياسي.
يتيح لك «إله التوحش» أن تفهم الأدوار ومتغيرات المرحلة، وأن تستوعب الفكرة الوهابية من متنها. في ضوء كل ذلك، ستدرك أن ما يجري الترويج له اليوم في السعودية على أنه إصلاح وعودة للإسلام المعتدل، ليس إلا إعادة تموضع للمؤسسة الدينية الوهابية في السعودية، وتجديد للفتاوى لتتكيف مع المزاج السياسي الجديد وتصبغه بالشرعية. هكذا يصبح نافذاً وواجباً للطاعة، ويكون هو التوحيد ودونه الكفر.
* ناشط بحريني.

 

رابط الموضوع

رحلة أوتاوا.. صداقة المعرفة

إلى الصديق يحيى الذي حرضني لكتابة الرحلة..

فيما يشبه التقليد، قررنا أنا وباسل نختم كل عام برحلة تجمع المعرفة والمتعة، هذا العام قررنا الرحلة لأوتاوا.

بدت لي تجربة السفر في الثلج والطقس البارد مخيفة، قلت لباسل “اطلب من أمك تأخذ لنا خيرة” قال الرحلة مقررة من أشهر وأنت خارج  الطائفة من سنوات وما سمعتك مرة تطلب خيرة “فلا تعمل فيها شيعي الآن”. صار لا مفر من المغامرة. أفق الانتظار مملوء بالرغبة الملحة في التعرف والمعرفة، التعرف على (أوتاوا) حيث الجامعة التي سيلتحق بها، والمعرفة من حوارات الأب التي لا تتوقف.

بدأت الرحلة على الطريق السريع (ماكدونالد كارتير) المشهوربـ (401) بعد توتر النقاش حول قرار المضي في الرحلة، بدأ  مزاج الطريق يفتح أفق المزاج. يمتد طريقنا على مسافة 828.0 كيلومترا (514.5 ميل) من وندسور في الغرب إلى حدود أونتاريو-كيبيك في الشرق.

الطريق الواسع والأفق الممتد تتداخل فيه ألوان الكون، زرقة السماء وبياض غيومها وثلجها وبقايا خضرة الأشجار، يفتح باسل سيرة المدرسة بما ليس مدرسياً فيها: تعجبني طريقة التدريس الكندية في تعليم اللغة، تفتح فيك التحدي، لقد استعرت الأسبوع الماضي رواية مكونة من خمسمائة صفحة، لقلت لأمينة المكتبة إنني مللت قصص المستوى الذي أنا فيه، أريد شيئا يتحداني ويستفزني، كان مدرسنا والطلاب يسألوني كيف ستنتهي منها وتكتب حولها تقريرا في المدة القصيرة المحددة؟ لماذا لم تختر قصة صفحاتها محدودة؟ قلت لهم أنا أريد أن أتحدى نفسي ونظام التعليم يسمح لي بذلك. هناك لعبة الاقتباسات الجميلة، تأتي لك المعلمة باقتباس لأحد الكتاب، وتطلب منك تنشئ فقرة خاصة تعبر فيها عن قراءتك الإبداعية لهذا الاقتباس. لقد أصبحت اتقن هذه اللعبة ويأتني الطلبة من الصفوف المتقدمة علي لمساعدتهم، الأسبوع الماضي جاءني طالب يطلب مني المساعدة، قرأ علي الاقتباس، فقلت له أبعد تلفونك وتأمل كيف أصفن بذهني لدقائق واكتب ما سأقوله لك.

سألني باسل: كيف تكتب؟ قلت له بالبحث أولا عن الزاوية أو الشق الذي أريد أن أدخل على الموضوع من خلاله، وقد يفتح لي اقتباس شقا للكتابة، على سبيل المثال، قبل يومين كنت أفكر في كتابة مقدمة لدليل عن أرشيف الشيخ الجمري، لم أفكر في العناوين العريضة والكبيرة، أخذت شطرا من قصيدة لها حضور جماهيري في التسعينيات تعبر عن حضور الشيخ القريب في نفوس الناس وشارعهم، ومنها رحت أعمق فكرة الحضور الذي جعل من الشيخ أباً لجيل من النضال السياسي. لقد فتحنا المثال على مرحلة التسعينيات التي لم يشهدها جيل باسل، تحدثنا باستفاضة أحداثها وصول إلى مقولة هندرسون لجماعة المبادرة “لقد هززتم الكأس فلا تكسروها” وبينت له أنها جملة مفتاحية لشق كتابة استفدت منها في جريدة الوقت لكتابة بروفايل موسع قبل عشر سنوات.

توقفنا بعد ساعة ونصف عند (onroute) وهو الاسم التجاري لاستراحات السفر على الطريق السريع، وهي تتكون من مطاعم  الأكلات السريعة وسوبرماركت ومقهى Tim Hortin وحمامات نظيفة ومحطات تزويد البانزين.

لقد تعبنا من الكلام، ولم نتبع من الطريق، طلب مني باسل أن أعرفه بصوت لا يعرفه، قلت له اكتب في (soundcloud) اسم أحمد الجميري، بدأت أغنية (ما معاكم خبر زين):

بسألك عن البحرين كيف أهل المنامة

عادهم يذكروني.

ساد صمت رهيب على أجواء الطريق، في الحقيقة، لم أكن أعرف هذه الأغنية من قبل وما كنت أتوقع أن تكون هذه الكلمات هي التي تنتظرنا، إنها توتر جرحنا اليومي المفتوح على الوطن دوماً. ما كنا قادرين على التعليق، لاذ كل منا بحواره الداخلي لمدة من الزمن، حتى امتلأنا بالكلام، فرحنا في حديث مركب حول الهوية، قال باسل: أنا أشفق على من يولدون هنا، ولم يمتلئوا بذكريات وطنهم، ولم يتمكنوا من لغته، فلا هم  من هناك ولا هم من هنا. كم أنا محظوظ بهذا الامتلاء، لا أريد لهذه الذاكرة أن تضعف بل أريدها أن تُغنى بالمزيد، أنا أقاوم أن أتحول إلى شيء يعبئ بلغة لا تاريخ لها يمتد في أصله أو يعبئ بثقافة لا ظلال لها في شجرة جماعته الكبرى. أريدهم أن يذكروني وأريد أن أذكرهم هؤلاء الذين تتحدث عنهم الأغنية. مع ذلك سأعترف لك أنني أعي أني صرت مثلك، لا يمكنني أن أعيش في مكان واحد أو مع جماعة واحد حتى لو كان المكان هو وطني الأم والجماعة عائلتي الكبيرة، لكني أريدهم في ذاكرتي وأريد أن ألتقيهم في عبوري بين الشرق والغرب، لقد صار قدراً علي أن أتعايش معه.

بتنا ليلة في مدينة تورنتو العاصمة الاقتصادية لكندا، أرهقتنا جسورها الطويلة وتفريعاتها المتعددة، وبناياتها الكبيرة، لم نجد فيها ما يشبهنا، ليس فيها الهدوء الذي تحتاجه أمزجتنا القارئة، وليس فيها الحميمية التي تحتاجه قلوبنا المهاجرة، مع أنها مدينة المهاجرين، لكننا لسنا من صنف المهاجرين الباحثين عن لقمة العيش، فلم تكن هذه مشكلتنا، غادرناه مسرعين نحو أوتاوا العاصمة السياسية لكندا.

يبدأ طريق 401 السريع بعد تورنتو يأخذ مسارين بدل المسارات الثلاثة والأربعة، وبدأت الأشجار أكثر كثافة وجمالا ببقيا الثلج فوق أغصانها، إنها أشجار عيد الميلاد كما تعرفها مخيلتنا، بدا الطريق أكثر حميمية ويبشر أننا متجهين لقلب مدينة أليفة.

حان وقت أبوأصيل أبوبكر سالم، لقد تعمقت علاقتنا الثنائية به منذ رحيله قبل ثلاثة أسابيع، أدرنا أغنية (سر حبي) التي يتغنى فيها بمدينة (المكلا) عاصمة إقليم حضرموت:

سر حبي فيك غامض سر حبي ما انكشف

إيش خلاني أعشق فيك والعشقه تلــــــــف

إنت تحفة صاغها الرحمن مــــن أحلى التحــف

إنت في الدنيا قضيه مـــــا تحملها ملــــــــــــــف

وانت احلى اسم في قلبي ربـــــــــــــــاعي الحـــــــــــروف.

لا يمكن أن تكون المعشوقة أنثى، وأمزجتنا معلولة، راح الحديث يقلب هوية أبو بكر اليمنية وحياته السعودية، كيف صار سعوديا حتى في قبره، وهو يحمل كلمات رفيقه اليمني السيد حسين المحضار، وروح الأغنية اليمنية، ويتغنى بتحفة بلاده اليمن ومدنه. كان ظاهر الحديث عن (تحفة) أبو بكر وفي باطنه عن تحفتنا التي صاغها الرحمن لؤلؤة من مائين وبحرين.

بدت لنا (أوتاوا) تحفة تجمع هدوء مدينتنا (ويندزر) وتحضّر مدينة تورنتو، شوارعها الصغيرة راقت لنا كثيرا، مبانيها التاريخية أعطتها أصالة وجمالا، خصوصا مبنى البرلمان الكندي وما يحيط به، كان الثلج كثيفا والطقس باردا، لكن باسل كان متحمسا للوصول لساحة البرلمان، سألته هل تعتبر اختيارك ممثلا في البرلمان الطلابي على مستوى ولاية أونتاريو في فبراير 2018 الخطوة الأولى لمسيرة برلمان أوتاوا؟ سكت على عادته في كتمان خططه. عبرنا إلى ولاية الكيبيك الفرنسية عبر جسر (ألكسندرا) افتتح في 1901 وسمي باسم أم الملك جورج الخامس (ألكسندرا) خلال زيارته لكندا. مازالت الملكة البريطانية ملكة كندا وهناك حاكم عام يمثلها. إننا على خط التماس بين الصراع الفرنسي والبريطاني القديم حول كندا، وما بقي منه يتجلى اليوم في نزعة إقليم الكيبيك نحو الاستقلال عن كندا، وتعزيز اللغة الفرنسية التي تعتبر اللغة الأولى إلى جنب الانجليزية بسبب مطالب هذا الإقليم.

استحضرنا روح (ناصر الرس) في أوتاوا كثيرا، وأخذ باسل يكرر علي بتأنيب ضمير: ليتك سمعت نصيحة ناصر وأحضرتنا للعيش هنا منذ البداية، انظر إلى الحياة في هذه المدينة، هناك 29 متحفاً تغطي مجالات الفن والحرب والتاريخ والطبيعة والمعرفة. وهناك الفعاليات والمهرجانات الثقافية التي لا تتوقف، وكان هنا ناصر وشبكة علاقاته مع المنظمات الحقوقية والنشطاء، هنا مدينة الثقافة والسياسة والجمال.

 الوجود والكراهية وكلب الحراسة

في طريق عودتنا من (أوتاوا) سلكنا طريق(417) بدا لنا أكثر جمالا بأشجاره وثلجه وتنوّع طبيعته، كان الحديث عن وجودية (جان بول سارتر) ومفهومه للمثقف الزائف و(كلب الحراسة) وجورج أورويل وروايته (مزرعة الحيوان).

هناك الوجود وهناك الماهية أو الجوهر، قال سارتر إن الوجود يسبق الماهية، بمعنى أننا أولاً نقرر كيف سنكون ونختار شكل وجودنا ونحدد طريقة حياتنا وماذا  نريد أن نفعل في الحياة ثم ثانياً نضع في الاعتبار ماهيتنا وجوهرنا أنثى أو ذكر على سبيل المثال. قلت لباسل إنك كنت وجوديا على طريقة سارتر حين قررت أننا نريد لهذه الرحلة أن تكون ولم تلتفت إلى تبريراتي المتعلقة بماهية الطقس والثلج، فثرت على فكرة الخيرة التي أردت أنا أن أستخدمها لثنيك عن الرحلة، يمكنك أن تقيس ذلك على أوضاع المجتمع وما يحدث فيه من حراك اجتماعي وثقافي وسياسي، وهذا يفتحنا على مفهوم (كلب الحراسة).

في كتابه (دفاع عن المثقفين) هاجم سارتر المثقف الزائف ووصفه بـ (كلب الحراسة) لأنه بدل أن يقود التغيير ويدافع عن أشكال الحياة الجديدة والتغيير السياسي، يمارس دور المحافظة على المؤسسات القائمة ويبرر للطبقة السياسية الحاكمة ويحرس مصالحها كما يحرس الكلب مصالح مالكه، ويعتبرها معبرة عن ماهية المجتمع وحقيقته، إن المثقف حين يمارس مهمات (كلب الحراسة) فإنه يقدم الماهية على الوجود.

بحكم كمية الثلج المتساقط واضطرارنا للمشي في شوارع غارقة في الثلج، دخلنا مجمع تسوق كبير(‬Bayshore Shopping Centre) نبحث عن أحذية مقاومة للماء، استأذنني باسل للحاق بمكتبة خارج المجمع تبيع كتبا مستخدمة ستغلق بعد ساعة، ما كنت راغباً في الخروج من دفء المكان، فافترقنا على أن نلتقي بعد ساعة.

حصد كمية لا بأس بها من الكتب المستخدمة، كان لافتاً لي بينها رواية جورج أورويل (مزرعة الحيوان) كنت قد حدثته في طريقنا لأوتاوا عن تجربتي في تدريس هذه الرواية لطلاب الثانوية كنشاط قرائي خارج المنهج المدرسي.

فتحنا الكتاب كضربة (خيرة) فكانت صفحة المبادئ السبعة التي صاغها قادة الثورة، وفي مقدمتها: “كل ما يدب على قدمين فهو عدو الحيوانات. كل ما يدب على أربعة أقدام أو يطير فهو صديق”. قلت له: هكذا تصنع قيادات السلطة الكراهية بخلق عدو بجمل بسيطة وساذجة، ويمكن تطبيقها عمليا، وهذا ما فعلته حكومتنا في البحرين، فصرنا خارج الحضيرة، وهذا ما يفسر لك لماذا نحن هنا نبحث عن حذاء يحمينا من برودة الثلج ورطوبته، كان الخطاب السائد في أيام السلامة الوطنية 2011 وما تلاها حتى اليوم:كل من ذهب دوار اللؤلؤة فهو خائن، كل من شارك في مسيرة فهو عدو، كل من وجهه  دائرة فهو مشبوه، كل من أيد مطالب 14 فبراير فهو عميل. هكذا كانت سيوف الكراهية تعمل في مجتمع البحرين.

في طريقنا إلى متحف الفن الوطني في كندا (National Gallery of Canada) الذي لم يعتبر السكان الأصليين أعداء ولم يستخدم ضدهم عبارات الكراهية ولا الاستنقاص، بل جعلهم جزءا أصيلا من المتحف وشكلوا بوجوههم الهندية وثقافتهم المغايرة مساحات كبيرة من ساحات المتحف، في هذا الطريق مررنا على كثير من السفارات العربية، أقولها بحسرة وألم وجدت في الحروف العربية المكتوب بها أسماء الدول العربية التي تمثلها معاني الطرد والنبذ، تذكرت وأنا أمر بسفارة مصر منعي من دخول مصر واحتجازي في مطارها في 2012، وتذكرت عند السفارة السعودية دخول قوات درع الجزيرة وخروجي من البحرين في 2011، أما السفارة الكويتية فذكرتني بإسقاط جنسيتني وإلغاء جواز سفري الذي كنت أوشك أزور به دولة الكويت لتقديم ورشة في آليات الكتابة في فبراير2015.

حين وصلنا متحف آغا خان للفنون الإسلامية في (تورنتو) قلت لباسل: انظر لهذه التحفة الجمالية الرائعة المعمار، إنها من صناعة الطائفة الإسماعيلية، تم افتتاحه في 2014، الإسماعليون هم الفاطميون الذين بنوا الأزهر وأسسوا مدينة القاهرة، إنهم العدو الذي صنعه السلاجقة في زمن الدولة العباسية في القرن الحادي عشر الميلادي، سموهم الجماعات الباطنية، كفروهم وأباحوا دمهم ولاحقوهم واعتبروهم أشد خطرا على الإسلام من الصليبيين الذين كانوا يحتلون القدس في ذلك الوقت.

كان ختام الرحلة مطعم استكانة العراقي بأجوائه الشرقية الجميلة، الطريق إليه من متحف الآغا خان، تطلب ساعة مررنا فيها ما لا يحصى من الجسور المتوحشة الطويلة والرفيعة التي  طبقنا عليها عبارات الكراهية: كل ما هو طويل ورفيع كريه. خففت أجواء المطعم توحش الطريق، كان في استقبالنا صوت أبو بكر سالم وهو يصدح:

سيبوه يلعب بالمواجع

كما الطفل المدلل

ما يحس بالوقت و أيامه العسيرة

خلوه في دنياه ضايع

ما بقي من الطريق إلى ويندزر، تركناه لأم كلثوم وليلنا الطويل الجميل طوال أربع ساعات..