كل مقالات علي الديري

كاتب وناقد من البحرين

لماذا أمقت سعيد الحمد؟

لماذا أمقت سعيد الحمد

“أعطني إعلاميين بلا ضمير أعطك شعبا بلا وعي” وزير الإعلام النازي، غوبلز 

مات سعيد الحمد، لكنه سيبقى في ذاكرة الضحايا التي وثقها تقرير بسيوني باسمه الإعلامي المنزوع الضمير (انظر الفقرة 807 من تقرير اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق). لا تسقط أسماء الجلادين ولا منتهكي شرف الإنسان والمجتمع.كثيرة هي قصص الحقوقيين والأطباء والمهندسين والمثقفين والصحفيين والناشطين والسياسيين، التي يحضر فيها سعيد الحمد محرضا عليهم، وواشيا بهم، ومشوها لسيرهم، ومُصوبا على أعراضهم.

نحترم الموت كفعل طبيعي جميعنا صائرون إليه، لكنه لا يعطي لأي منتهك للحق العام حصانة. نحترم الموت مع أن سعيد الحمد لم يوفر حرمة لأحد، كان ديدنه التعرض لأدق تفاصيل الحياة الشخصية لأي شخص من المحتجين الذين يريد أن ينال منهم، يتعرض لهم في برنامجه (حوار مفتوح) بكل فضائحية.

كما لا يسقط الحق العام، كذلك لا تسقط الشخصية العامة وأفعالها المخلة بشرف المهنة العامة وليس كالصحافة والإعلام مهنة دقيقة الشرف ورفيعة الشرف، والمس بها يستدعي الحماية والصيانة، لذلك الذاكرة العامة لا تنسى غوبلز الذي شوّه مهنة الإعلام بممارسته النازية، ولا تنسى محمد سعيد الصحاف بممارسته البعثية، ولن تنسى سعيد الحمد بممارسته الشعبوية التحريضية، كل هؤلاء ممقوتون لتسخيرهم الصحافة وجعلها ممارسة مقت.

“لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ” 

حضرتني هذه الآية بقوة مع خبر موته، ووجدت في (المقت) معنى عميقا، فهو يعني في اللغة شدة الغضب وشدة كراهية الفعل. الآية تتحدث عن مشهد جهنم وغضب المعاندين الكافرين بحقيقة وجود الله، غضبهم من أنفسهم وكراهيتهم لأفعالهم التي قادتهم إلى هذا المصير. يقول لهم الله هنا: أنه أشد غضبا وكراهية لأفعالهم الجاحدة حين كانوا في الدنيا يكفرون. 

ما الذي أمقته من سعيد الحمد؟ ما الفعل الذي قام به وصار يستثير المقت بدل التعاطف مع موته؟

لقد اقتلع ضمير الصحافة، جعل صحافتنا بلا ضمير، وأد ضميرها الذي يمثل حقيقتها، تماما كما يفعل الكافر، يحجب ضميره النابض بالألوهية، يُقسّيه، ليزداد كثافة وسماكة وعماية، فلا يعود يرى، هذا هو المَقت.

جعل الصحافة ناطقة بالمقت، صارت الصحافة، تحرض ضد الناس بلا ضمير، تقتل وتسجن وتشي وتفضح وتحرض وتشوش وتفتن، وتمكن السلطة وأجهزتها من وأد من لا يوافقها أو يعترض عليها.

زواج المقت هو زواج الابن من زوجة أبيه بعد موته. هو فعل ذلك بالصحافة، زوجها من الدكتاتور القاتل، أخذها ذليلة لبلاط جلالته، وراح يُطلق بذاءاته “كانوا يمارسون طقوس (المتعة) في أثناء إقامتهم في الدوّار” لم يترك الصحافة حرة في بلاطها، سخّرها ذليلة لأفعال المقت.

جعل سعيد الحمد الإعلام (حوار مفتوح) لا يحضر فيه أحد، كما قال له سهيل القصيبي في مقالته (رسالة إلى سعيد الحمد) الجريئة في ذلك الوقت 25 إبريل 2011 من أيام قانون الطوارئ (السلامة الوطنية). أي أنه جعله حسابا مفتوحا لأصحاب الآراء المختلفة لصالح أصحاب السلطة الأحادية التي وكلته نائبا مطلقا عنها. 

سخّر الصحافة والإعلام شاشات إذلال للضحايا، وتهديدا لمن هم على طريق الضحايا، ومصدر قلق وخوف لكل عائلة يرد اسم ابنها في لسانه أو قلمه. يشمت ويشتم ويغمز ويخوّن بلا ضمير صحفي وهو يعرض مقاطع فيديوهات صورتها أجهزة المخابرات ووزارة الداخلية لاعترافات واعتذارات واحتجاجات الضحايا. لا يمكن أن ننسى آيات القرمزي، الفتاة العشرينية وهي تقدم اعتذارا مذلا لإنسانيتها، تعتذر عن قصيدة حرة ألقتها في ميدان عام يضج بأصوات شعب يبحث عن نفس الحرية.

لا يمكن أن ننسى بذاءاته ضد الحقوقين وغمزه ولمزه المقززين، وقد حصد الحقوقيان  العالميان نبيل رجب ويوسف المحافظة حلقات مطولة من كراهياته، ولم يكتف بسجن نبيل، بل راح يكيل صفات الخيانة والتشويه على المحافظة ويطالب الحكومة باعتقاله وإرجاعه للبلاد.

 حين سألتني ابنتي في كتاب (بلا هوية.. إسقاط الجنسية كما شرحتها لأماسيل): كنت أشاهد صورتك في الجرائد قبل أن أدخل المدرسة. هل يعقل أنه لم يدافع عنك أحد في هذه الصحف، لم أجد لأجيبها أقبح من ثلاثة مقالات كتبها سعيد الحمد، يُمعن فيها في النيل مني، أقتبس هنا فقرة من إحداها “لا عجب أن يخرج علينا المدعو علي الديري بعد أن قبع في المنفى الاختياري لشهور صامتاً ويعمل من وراء الكواليس خوفاً من أن يخرج إلى نور الشاشات، فقد اعتاد أن يمشي في الساس يخرج علينا بحثاً عن بطولة، ليدعي أن حكومة البحرين أوعزت إلى السلطات في مصر وإلى الجهات المعنية عن معرض الكتاب هناك لمنعه من دخول الأراضي المصرية ومنع كتابه”سعيد الحمد، جريدة الأيام، العدد 8331 الثلاثاء 31 يناير 2012.

لقد وثّق لنا تقرير بسويني في تقريره الحقوقي، المقت الذي مارسه سعيد الحمد، عبر تلفزيون البحرين ضد الكادر الطبي، تحت عنوان “الحملة الإعلامية من قبل التليفزيون البحرينى ومسئولين حكوميين آخرين ضد الكوادر الطبية المتهمة” في الفقرة 807 يقول بسيوني “وفى برنامج سعيد الحمد على التليفزيون البحرينى، والذى بُث يوم 30 مايو2011، تم التعريف بثلاثة من الأطباء المتهمين بأنهم قادة خلية إرهابية. وقد أقر اثنان من الأطباء المتهمين فى نفس البرنامج أنهما كانا قد قدما بيانات كاذبة إلى وسائل الإعلام”.

الموت لا يسقط الحق العام بل هو خاتمة للاقتصاص العام، وجاك الموت يا تارك الضمير.

 

الشيخ والسخرة: ماذا تريد عصا الفداوي؟1-7

الشيخ والسخرة: ماذا تريد عصا الفداوي؟ 1-7

أنا أتحدث معكم عن العام 1904. وقعت حادثة صغير في هذا العام ولكنها تركت أثرًا كبيرًا سنراه بشكل واضح في العام 1923.

ما هذه الحادثة؟[1]

سأقول لكم قصتها في الحلقة القادمة، ولكن دعوني هنا أعرفكم على نظام السخرة:

السخرة هي الأعمال التي تُفرض عنوة تحت التهديد. لا يكون الشخص قد تطوع بإرادته ولا أراد ذلك، ولم يكافء بمال، إنما يؤخذ جهده وعمله وعرقه مجانًا لصالح من يملك القوة. ومن الذي يملك القوة في ذلك الوقت؟ الجواب سنجده في كتاب أحد البحرينيين الذين خاضوا نضالًا في الخمسينيات هو يوسف الفلكي. ويوسف هو اسم مستعار لأحد المناضلين في أحداث الهيئة في الخمسينيات، التي تشكلت من جميع  أطياف البحرين من أجل الإصلاح السياسي.

يقول يوسف في كتابه “قضية البحرين”: “كان العبد [يقصد الفداوي] من عبيد آل خليفة يقف أمام دكان أي بائع ويقول له إن عصاي تريد كذا ربعة من السكر، وكذا منًّا من الأرز، وكذا رطلًا من الشاي”[2] إنها صورة بليغة ومختصرة لفكرة السخرة.

هذا النظام يستعين بالفداوية، أي القوة الضاربة التي كانت تعمل من أجل الشيوخ من آل خليفة في ذلك الوقت. هؤلاء يتسلطون عن الناس، ويأخذونهم عنوة من الطريق ليعملوا في مزارع  الشيوخ، أو ليعملوا في البحر أو ليقوموا بأي عمل يطلبه هؤلاء، وليس لهم أن يرفضوا. هؤلاء الفداوية أيضًا يفرضون على الآخرين الذين يبيعون أن يعطوا عن يد وهم صاغرون، بمعنى أنهم مجبرون على تقديم جهدهم وعملهم من أجل هؤلاء من دون أن ينالوا أي مردود مادي.

كانت العصا هي التي تنطق، بمعنى القوة، والهيمنة، والشيخ الذي يفرض نفسه على الآخرين. لذلك اخترت لهذه الحلقات صورة معبرة  كشعار للسخرة؛ كان تلفزيون البحرين عرض مسلسلًا اسمه “نيران”، وهو يحكي عن فكرة السخرة في البحرين. العصا الموجودة في هذا الشعار هي عصا العبد أو الفدواي التي يُلَوِّح بها لكي يهدد الآخرين ويأخذ جهدهم من غير مقابل. إنها عصا السلطة في ذلك الوقت، وعصا التسلط والاستغلال والظلم والقهر وانعدام المساواة وانتهاك حقوق الإنسان. هذه العصا سترتكب خطأً كبيرًا سيقود إلى تغييرات كبرى؛ ما الخطأ الذي قامت به هذه العصا؟ وما القصة التي ترتبت عليها؟ في الحلقة القادمة أحدثكم عن عصا الشيخ علي بن أحمد آل خليفة.

هوامش

[1] لمعرفة تفاصيل الحادثة، انظر رسالة السيد (روبرت فونك هاوس) إلى (جيه. سي. جاسكن) مساعد الوكيل السياسي،

مؤرّخة في 29 أيلول/ سبتمبر 1904. أرشيف البحرين، أوال، مج 3، ص 305.

[2]

الشيخ والسخرة

قضية البحرين، يوسف الفلكي، ص 18.

د.علي أحمد الديري: في رثاء الشيخ فضل مخدر

إسكندرونهقبيل شهر رمضان الماضي بيومين، أرسلت رسالة اعتذار صوتية للشيخ فضل، لأني في زيارتي الأخيرة له  في ديسمبر 2020، وعدته أن أرسل له تعليقا على  راويته (إسكندرونه) بعد قراءتها، قلت له أنهيتها في أيام، لكن ازدحام جدول زيارتي لم يمكني من تسجيل مداخلتي عن الرواية.  وعلى عادته المهذبة واللطيفة، قال لي أنتظر رأيك دوما ولو جاء متأخرا، لكني متشوق لمعرفة رأيك في روايتي الجديدة (المنذور)سأرسل نسخة إلكترونية خاصة لك.

دوما يجدد لقائي بالشيخ فضل حماسي للأدب، خصوصا وأن اللقاء الأخير كان في مكتبته المزدانة بكتبه الجميلة وروحه المرحة الترحابة، ولوحاته البديعة، واحدة من هذه اللوحات رسمها في صباه في فترة نشأته مع عائلته بالكويت. 

في رحلتي العلمية الأولى للتعرف على بيروت ودراسة الماجستير في 2003 تعرفت على الشيخ فضل بمعية الصديق الأديب الشاعر نزار نداوي، والأشقاء حسين مرهون وعباس المرشد وفاضل عنان وحمزة جمال وحيدر جمال. سحنا في الجنوب وعلى نهر الليطاني في رحلة شواء وصلني خبر ولادة ابنتي أماسيل، فكان لاسمها حظ من ماء النهر وفيض شعر الشيخ فضل. تعرفنا على الهرمل ونهر العاصي وسمك (الترويت) النهري بمعية الشيخ، وهناك جرت المناظرة (الشهيرة) بيني وبين النائب الحالي الدكتور إيهاب حمادة، حول نظرية المجاز في التراث والدراسات الحديثة، حاولت أذكر إيهاب بها بعد لقائي به بعشر سنوات لكنه لم يتذكر، قلت له هناك شهود على الحادثة ومازالوا يضحكون علي، لأنك هزمتني فيها.

مع انقطاعات الحياة، إلا أني دوما أعود للوصل مع الشيخ فضل، فأجده أكثر نصاعة وجمالا وجوهرا إنساني. تحولت رحلتي العلمية الأولى لبيروت في 2003 إلى هجرة في 2011، كان الشيخ فضل الملاذ الأول الذي لجأنا إليه، حيث الرحابة والاستضافة وقرة العين.

في ليالي بيت الشعر بمطعم الساحة، الأربعاء الأول من كل شهر، يجمعنا الشيخ فضل، كنت أنتظر هذه الليلة بشوق، تعيدني إلى عالم الأدب والشعر، تصلني بالأصوات الشعرية والأقلام النقدية.

شيء من طيف أحلام عودتي من كندا إلى بيروت بعد إنهاء فصل جنسيتي المسقطة، الوصل بصالون ثقافي وأدبي أعيد تأسيسه مع الشيخ فضل، حيث الفكر والتاريخ والشعر والثقافة. ما كنتُ عابئا بكل ما أسمعه وأعرفه من أزمات بيروت وحصارها، هناك نداء قوي ورغبة عمياء وحاجة روحية للوصل بما أفتقده هنا في هذه البيئة الباردة في كل شيء.

في رسائلنا الصوتية الأخيرة، كنت أقول للشيخ فضل، أدهشتني بتمكنك من تقنيات السرد والكتابة الروائية، وعلى استحياء من شاعريته، قلت: ادخر ما تبقى من العمر لكتابة الرواية. حدثته عن إعجابي الشديد بحكايات الحاج نعمان في رواية (إسكندرونة) وإني ذهلت من قدرته على توظيفها بتقنيات سردية ممتعة، أتذكر من هذه الحكايات: حكاية الراهبة والجرس، حكاية أنوشروان، قصة السباط، حكاية عزرائيل، وانتزاع ثلاثة أرواح، حكاية النبي سليمان، حكاية الصالون، حكاية الحاج معروف. تحضر هذه الحكايات في المواقف السردية ومعها حمولتها الدلالية التي توحي وتشير من دون أن تكون وعظا مباشرا. قلت له وجدت في الشيخ نعمان شخصيتك الحقيقية الممتلئة بالمعنى والحكايات والظرافة والسحر.

أرض الجنوب، أسطورة الشيخ فضل الملهمة، تمثلها في أدبه، فهو (ابن التراب) كما أدبه كذلك، جعل هذا التراب حكاية تُروى، في رواية (المنذور) يقول زبيب بطل الرواية “يحكي [جدي] دائماً مع أرضه، وعندما أسأله ماذا تقول لها، يقول: أجيب أسئلتها وتجيب أسئلتي. قال لي الأرض هي أسطورتي أنا وسأحكيها لك يوماً”.

قلت للشيخ فضل، أنا فُتنت بشخصية زبيب في الرواية، وأسطورته، حتى إنه جاءني في المنام يقترح علي مدخلا لحلقة البودكاست التي أعددتها حول الرواية.

 لا أجد في هذه اللحظة غير (زبيب) أتحدث معه عنك يا شيخ، سأصعد إلى عرزاله (بيت فوق الشجرة) بضيعة الشرقية الجنوبية على مقربة من مقام النبي جليل هناك، سأسله عنك، عن خلوتكما معا، عن الرواية التي خصك بأسرارها، وخلّقتها روائيا، فجعلتها رواية تُقرأ بعد أن كانت معتقدا يُروى.

يا زبيب، أخذت معك صديقي حيث أنت والنبي جليل في مقام الخلود، حفرت قبر النبي جليل، وخبأت عنا قبر الشيخ الجليل. قلت لأهل الضيعة إن علامة صدقك أن تموت ليلة أول جمعة بعد أن تكمل بناء المقام، ولم تقل لنا أن شيخنا الجليل سيموت ليلة الجمعة بعد أن يكتب رواية المقام التي هي روايتك، لم تقل لنا إنه مثلك (منذور) أيضا. 

كنت يا زبيب، تتكرر في الرواية حين تفهم سر شيء أو حين تتعلق بشيء من الأشياء أو بشخصية من الشخصيات الاستثنائية (يلمس روحي وتلمس روحه). أجزم بيقين الحب أن شيخ فضل لمس روحك وروح الأرض وروح الأسطورة وروح المقام، واليوم أجزم بيقين الموت أنكم لمستم روحه، فرحل إليكم مسرعا وتركنا مع الرواية نقرأ جدلية الحضور والغياب “إن الله يحضر حيث يحضر الإنسان، والإنسان يحضر حين تحضر الحرية والكرامة، وحقه في الحياة. وإن الله يغيب حين تغيب الذات البشرية، والذات البشرية تغيب حين تغيب حرية الإنسان، وكرامته وحقه في الحياة”.

رحمك الله يا شيخ فضل، ما أوحش الجنوب بعدك.

في رثاء غازي الحداد: فخر أوال في حضارتها

الشاعر غازي الحداد
الشاعر غازي الحداد

ونحنُ فخرُ أوال في حضارتها
ونحنُ أعلى بني عُربانِها نسباْ
لنا شمائلُ عبد القيـسِ في كرمٍ
ومن ربيعةَ طابت ريحُنا حسباْ

 

رحم الله شاعرنا غازي الحداد(1961-2021).لم تربطني به معرفة شخصية، لكن تربطني به علاقة وجودية، هي علاقة الشاعر الذي يعالج بشعره جرحا ملتهبا في وجودنا، وجرحي الشخصي كان إسقاط جنسيتي، هو عام في حقيقته، لكنه  شخصي لأني أحمله في يومياتي ولحظاتي الخاصة، يهدأ مرة ويلتهب مرات، فأعالجه بشعر غازي الحداد “ونحنُ فخرُ أوالٍ في حضارتها”. 

هناك لحظات وجودية تضج في الكائن الإنساني، تستصرخ أعمق ما فيه، تنادي شعراء وفلاسفة وأدباء ومتصوفة يناغون هذه الأعماق ويطيبونها ببلسم كلماتهم. وكما في المقولة التراثية الشهيرة “اقرأ القرآن وكأنه نزل في شأنك” رحت أقرأ هذه الأبيات وكأن آلهة شعر غازي الحداد أنزلتها في شأني وحالي وجرحي، رحت أستحضر صوت غازي وهو يُنشدها بقوة نبره وعلو لغته وشكيمة سبكه.

هكذا أنشأت علاقتي الشخصية بغازي، صار حاضرا معي، رافعا لا مرافقا، فهو يشدني للأعلى حيث نجوم عبد قيس في حضارتها، نعم في حضارتها، ذلك هو المعنى الأكثر تأثيرا، فأنا أبحث عن انتماء يعبر عن هويتي الحضارية لا البدوية ولا القبائلية ولا الجاهلية، أنا واحد من (نحن عبد القيس) التي تجذرت في أوال منذ القرن الثالث الميلادي، غادرت ثقافة الترحال والغزو واستوطنت هنا حتى عرفتها نخيل البحرين وأحبتها وأنشأت بينها وبينهم وطنا مستقرا وشعرا يستمد من رطبها حلاوته وطلاوته، حتى قال الجاحظ «شأن عبد القيس عجيب وذلك أنهم بعد محاربة إياد تفرقوا فرقتين ففرقة وقعت بعمان وشق عمان وفيهم خطباء العرب وفرقة وقعت إلى البحرين وشق البحرين وهم من أشعر قبيلة في العرب، ولم يكونوا كذلك حين كانوا في سرة البادية وفي معدن الفصاحة وهذا عجب”.

لو قُدر للجاحظ أن يسمع شعر (غازي) لقال والأعجب في أمر عبد قيس، أنهم بعد قرون من النكبات وغزوات الأعراب التي وقعت عليهم، ظلوا مستقرين في سرة الحاضرة، وما زالوا ينتجون فحول الشعراء ولا يغادون بلاغة نطفتهم العبدية القيسية.

(غازي الحداد) ناطق بقوة، بفخر أوال الحضاري، لا جهل الجاهلينا، وجدتُ فيه الصوت الذي ألجأ إليه، وإحدى تجليات الهوية التي أذوب في جنباتها، وجنسية الانتماء التي لا يمكن أن تُسقطها بداوة الغازي ورعونته واستبداده، لا يمكن أن تسقط، ولا يمكن أن تضعف (أناي)  الحضارية وهي ممتلئة بقوة هذه الأنا الشعرية، وهي تصرخ بفرادة وبلاغة وشجاعة، عبر صوت غازي: 

أنا هنا ألهس التاريخ في خلدي 

أنا هنا واقف للرصد كالوتدِ

أنا هنا أتقصّى الأمر منفردا 

وما تقصيت أمرا غير منفردِ

(غازي الحداد) مثّل بشعره، شمائل عبد القيس، شمائلها البلاغية في الشعر واللغة والفصاحة والخطابة حتى إن أبا الأسود الدؤولي حين عُهد إليه أمر تشكيل القرآن جيء له بثلاثين رجلا من فصحاء قبائل العرب، فلم يقنعه إلا فصيح من عبد القيس. وغازي مثّل  هوية أجداده العبديين في  الرفض والثورة ضد الظلم، وهو بذلك مثّل الامتداد الحضاري لعبد قيس ليس على مستوى الاستقرار في الأرض فقط، بل والاستقرار في الولاء لهوية التشيع الرافضية التي رضعها من أمه (الملاية أم عباس) والتي شهد عليها تاريخيا جميع المؤرخين والرحالة الذين مروا من هنا. 

يحق لغازي أن يركب أعلى ما في خيلاء الشعر وهو ينطق بأناه الرافضة المتحدية (أنا هنا) ويحق له  أن ينطق بهويتنا الجماعية الفاخرة (ونحنُ فخرُ أوال). ويحق له علينا أن ننقش شعره في قلوبنا وحضارتنا ومحافلنا ونردده على مسامع أولادنا.

 

في رثاء الخالة نصرة

سيرة سلامة سلوم

د.علي أحمد الديري

رحم الله الخالة أم عبدالجليل، نصره عيسى حسن جواد، توفيت فجر اليوم، صديقة عمر جدتي سلامة سلوم، انعقدت صداقتهم منذ الخمسينيات، حين كان جدي حجي عبدالحسين طرار وحجي مهدي نصيف علي السماك في شراكة عمل في سوق السمك بالمنامة. 

زارت نصرة الدير لأول مرة في حفل زفاف الحاجية صفيــــة بنت الحاجي عبدالله محسن (توفيت في فبراير2004) التي ستصير لاحقا واحدة من الملايات الرئيسيات في مأتم جدتي، جاءت زفة العروس من رأس رمان، وضمن خطط النساء تم ترتيب لقاء زوجتي الشريكين من دون علم الأزواج حجي مهدي وحجي عبدالحسين، فلمست كل واحدة ألفة في روح الأخرى، آنست سلامة لقلب نصرة وآوت نصرة لقلب سلامة. تعود نصرة إلى المنامة بحكاية يبدو اتفقتا على حبكها، قالت لزوجها مهدي، حلمت البارحة أني زرت بيت صديقك حجي عبدالحسين طرار بالدير، كان بيتا كبيرا وواسعا وبه لياوين (جمع ليوان) فخذني إليه لأتعرف على زوجته. فأخذها حجي مهدي على جناح هذا الحلم، وهناك انعقدت صداقة عمر تشبه الأسطورة.

كلما جاءت جدتي على سيرة ولادتي في المستشفى الأمريكي في العام 1971، والأحراز التي أحاطتني بها بسبب فقد أمي لولادات كثيرة، تأتي سيرة نصرة جارة المستشفى، تقول لي: تأتي (خيوتي) كل يوم لأمك بالريوق وتعتني بها، ما كنا نشعر بالمسافة بين الدير والمستشفى لأن هناك بيتا آخر لنا يستقبلنا ويهتم بنا ويطمئن أمك حين عودتنا. 

تقول أمي، أحاطتني الخالة نصرة بمحبتها قبل حتى ولادتي بك، في زواجي تصرفت وكأني ابنتها، عزمت باصين وأحضرت الملاية فاطمة المصفي من رأس رمان لتقرأ ميلاد زواجي، وكذلك حفلة الجلوة هي من قامت بها. أشعر اليوم كأني فقدت أمي مرة ثانية برحيلها، والموحش أننا محرومون من أن نعزي حتى بعضنا بعضا بهذا الرحيل، أريد أن أضم أخواتي من بناتها لأسلو من حرارة هذا الفقد.

(نصرة) الاسم الأكثر دورا في لسان جدتي، منذ كنت طفلا لا يفارقها، لا يتوقف قطار الزيارات بينهما، حين تعنّ عليها رؤيتها، تصحو باكرا وتنتظر ساعة خروج أبي لعمله، فتلحق به ليأخذها للمنامة حيث فريق (سنككي). كانت المحبة تتسع لزيارة صباحية يفتح فيها الباب قبل السابعة صباحا، تفطران معا وكأنهما طفلتان تقضيان أجمل ساعات التجمع واللعب. 

تقول لي أمي، كانت جدتك تفضل زيارة السيدة زينب سنوياً على زيارة الأماكن المقدسة الأخرى، والسبب هو أن صادق ابن خيوتها نصرة مهجر هناك، حتى إن والدك كان يمازحها ويقول لها حين يعود ابن أختك ستهجرين السيدة. ما كانت تتوقع أنها في السنة الأخيرة من عمرها، سيضطرها الشوق لتذهب أبعد من سوريا لزيارة ابن آخر لها مهجر في لبنان في 2013.

في مكالمتي الأخيرة مع الخالة أم عبد الجليل (نصرة) مطلع هذا العام، حدثتني عن (خيوتها) وكأن المحبة التي بينهما لا يمكن أن تفتر، فائق الاشتياق والحب لا يمكن أن تقاومه دموعك وأنت تسمع الكلمات المشحونة بحياة كاملة الدفء والصدق والعفوية. تقول أختي فاطمة، منذ رحيل جدتي والخالة نصرة تشعر بحرقة الفقد، لا تخلو مكالمة معها من رثاء وبكاء وحرقة، وكأن صوتنا يفتح في قلبها جرح الفقد.

تقول خالتي خاتون، بالإضافة إلى الألفة الروحية بين أمي والخالة نصرة، فقد جمع بينهما الحسين، كلتاهما تذوبان في الخدمة الحسينية، وطوال العام أجندة أيامهما مليئة بالاحتفالات والمجالس والدعاء، تنتهي مجالس عاشوراء في مأتمنا، وتبدأ إعادة العشرة عند الخالة نصرة، وأتذكر صديقتهما الحميمة الملاية المنامية أم عبد علي، فاطمة بنت خضير، ترافقهم عادة حين يأتون الدير أم عبد الرضا. 

إذا كان من معنى حقيقي لل(النُّغْصَةُ) فهو المعنى الذي تحمله الأطباق المتبادلة بينهم، تشعر أن اللقمة محاطة بمحبة عميقة وأن هناك مجسات روحية بينهم، و أن (النُّغْصَةُ) تحفر في قلب كل منهما ولا يكتمل الإحساس بالسعادة وتحقق الرغبة إلا بوصول ما تأكله هذه لفم ما ترسله تلك. بل امتد الأمر حتى للأبناء، كانت الخالة نصرة تخصني دوما بهدية كلما عادت من زيارة من زياراتها للأماكن المقدسة، تراني امتدادا لقلب جدتي، وهذا ما يلخصه مثلها الأثير “الي يحب الشيخ، يحب تبعه”.

يقول ابن الخال جلال عيسى الفن: صداقات عمتي سلامة، تدخل في نسيج العائلة ولعل علاقتها مع الخالة نصرة تكون من أكثر العلاقات التي عمقت صداقاتنا مع أبنائها، صادق ومجيد وجليل، كانوا ينامون معنا ونقضي أوقات جميلة في اللعب معهم، أذكر أن صادق تحداني أتسلق سور في بيت عمي حجي علي، وقال لي باللهجة المنامية، والله إذا تركب أعطيك (ربيتين ونص). وأذكر زوج عمتي سلامة، حجي طرار، الله يرحمه في موسم الروبيان يحضر كميات كبيرة ويفوحها في قدور طباخ محرم الكبيرة، وبعد أن ينضج ينشره فوق السطح للتجفيف، وبعد يوم نتسلل فوق السطح، قبل أن يضعه في الخياش، ونسرق منه ما يسد جوعنا، فإذا تمكن من رؤيتنا، انهال علينا بقاموس الشتائم.