علي الديري، في رثاء رفيقي البوسطة: حكايات البوسطة المبعثرة

لوحة أحبك يا بوسطة

لوحة أحبك يا بوسطة

خصني رفيقي أحمد البوسطة قبل رحيله عبر إحدى الصديقات المؤتمنات على مسودة من مذكراته تحت عنوان  (شيء من حياتهم وحياتي… حكايات لأوراق مُبعثرة). أتمنى ألا يحدث شيء يعكر العمل على نشرها. سأقف في رثائي على هذا الرحيل المؤلم على فقرتين وضع البوسطة عناوينهما.

الوقفة الأولى القلب المترامي بجدارة

يقول البوسطة: كتب صاحبه  ذات يوم في صفحة (سوق الجنة، جريدة الوقت 2008) غزلاً حميمياً جميلاً بين محبين يختلفان ويتوحدان في فارق الشجن وعشق الحرية، لكنهما قريبان إلى حدٍّ التوحد من الرؤية المشتركة في البياض: “لكل إنسان جنته التي يستريح فيها إلى صوره وتجاربه التي تحكي سيرته وأفكاره. وللبوسطة جنته التي يضنى فيها، رحلته طويلة ومنعرجاتها كثيرة، ويكاد يكون وحيداً دوما في بياضه، تسّود الأشياء حوله، ويبقى مناضلا كي تبقى جنته بيضاء. لا أحد يجيد سخريته الساردة التي تحيل توقيفاته ومنافيه وضياعه في المدن والأوطان جنة ضحك لا تسكت. لا تتوقف حكاياته الحمراء في جنته البيضاء، تفيض دوماً بالسخرية والتجربة” علي الديري،مقدمة سوق الجنة، أحمد البوسطة.

كم أنا فخور يا رفيقي، أنك استعدت مقدمتي في الحديث عنك، سعيد أن أكون صاحبك الذي تتحدث عنه في مذكراتك بكلمات الصحبة والمحبة والعشق والتوحد والقرب.

 لم يمنعك فارق التجربة والجيل والخلفية الثقافية أن تُجسّر المسافة وتعبرها، أحب فيك هذا العبور المبدع، ويذكرني باحتفائك بكتابي (مجازات بها نرى) ذلك الكتاب الذي تحدثت أنا فيه عن المجاز والعبور عبر الاستعارات والحكايات في الخطاب السياسي، العبور من الفكرة إلى واقع الناس السياسي.

 أحب قلبك المترامي بجدارة يا صديقي، إنه قادر أن يمتد ويعبر ويجمع المحبة والمعرفة والثقافة في موقف واحد يعبر عن الإنسان الذي ظل فيك حتى آخر رمق.

لوحة أحبك يا بوسطة

لوحة أحبك يا بوسطة

الوقفة الثانية اسمي لا أحد

يقول البوسطة “صون المبدأ من عدمه يتلخص في مواجهة كلمتين عن الراحلين: أما أن تسمعي يا ابنتي كلمة “مسكين مات وكان طيباً”، أو “يستاهل الموت هذا العفن ابن العفنة!”، إذن، اخترت أن أصون مبادئي. قال هذا الكلام ودمعة كبيرة سقطت من عينيه، اعتقد لوهلة بأنها ستبلل الكون كله، لكنها بللت خده فقط”

ليت تسمع الآن يا رفيقي، ما نقوله عنك: مات عنيدا على الحق، مات شامخ الرأس، مات صائنا النفس، مات محبًا للحرية، مات واقفا بعز. لقد صنتنا أكثر مما صنت نفسك، حفظت شرف الكلمة، وشرف المثقف، وشرف الصحفي، وشرف القلم، وشرف البحريني. 

كلنا ممثلون فيك، كلنا نقول، مات حامل شرفنا وموقفنا وكلمتنا، أنت أمة يا رفيقي، و”أبناء العفنة” الذين دنسوا شرف كلمتنا عفطة عنز. دمعتك يا صديق بللت كوننا كله، رايات محبتك مبللة بدموع عشاقك ومحبيك على امتداد وسائل التواصل كلها.

أكتب الآن يا رفيقي صبيحة اليوم الثاني لرحيلك، أفتش في الصحف التي احتربت فيها من أجل شرف كلمتك وموقفك، ولا أرى صورة تذكرك ولا كلمة ترثيك ولا سطرا يؤبنك، كأنك (لا أحد)، ألا عميت عين لا تبكي فقدك يا رفيقي، وخابت صحافة لا تُقدس اسمك وموقفك وسيرتك.

 

لماذا تكتب سير الملايات ومعلمات القرآن؟

أتعثر أحيانًا في الإجابة على هذا السؤال، ربما بسبب شدة وضوح جوابه في قلبي وعقلي، أو كما يقال في التعبير التقليدي “توضيح الواضحات من المعضلات”.

هذه محاولة لصياغة إجابة أظنني لن أكون راضيًا كثيراً عنها، وربما لا تكون مقنعة للسائل الذي يريد إجابة تشبه الإجابة على سؤال: ما هي آثار الإصابة بفيروس كورونا؟ 

تشدني السمات الشخصية للملايات ومعلمات القرآن، لم أشتغل على سيرة إحداهن من دون أن أقع في حبها، حب شخصياتهن الحقيقية والمفهومية، الحقيقية كما عاشوها وتفاعلوا بها في مجتمعهم، والمفهومية كما عاشوا وتفاعلوا في مخيلتي. وجدتهم قويات قياديات مفعمات بالحب والعاطفة، لديهم فائض من الحماس لممارسة فنونهن في القراءة الحسينية وتعليم القرآن وتمكين (لوليدات) من إتقان القراءة واكتساب مهاراتها التمثيلية. 

أحببت كثيراً شغفهم بالكلمات، يقدسن الخط المرسوم باليد، كريمات في عطائهن لكنّهن ضنونات بمخطوطاتهم، يلاحقن النسّاخين لإنجاز مجاميعهم. أحببت مصطلح (مجموع) حين عرفت أن الملايات يطلقنه على كتبهم. المجموع مخطوط يجمع مجموعة أشعار أو مرويات أو سرديات حول حكاية أو شخصية أو حادثة.  

شدني شعار الملاية سعدة بنت مزعل (1915-1998) “كتبي حجاب صوني” تردده باستمرار، لا تقبل أن ينزع أحد كتاباً من كتبها، تعتبره كأنه ينزع حجابها أو يُفقدها أحد مصادر قوتها وتميزها، بهذا الشعار وضعت حداً صارماً لحرمة كتبها، ولتأكيد هذا الحد تكتب على الصفحة الأولى ديباجة تملكها “أوقفته سعدة بنت يوسف مزعل إلى المأتم الذي يخصها في بيتها”.

لقد أنارت الكلمات مجاميع الملايات وشخصياتهم ومآتمهم وتجمعاتهم النسائية قبل أن يصل نور التعليم الحديث، العتمة بددتها هذه الشخصيات قبل أن تبددها المدارس، لذلك نحن بحاجة لرواية هذه السير والاحتفاظ بما تركته لنا من مخطوطات وتاريخ شفاهي، إنها تحكي التاريخ الاجتماعي من منظور النساء.

أشرت إلى ذلك في مقدمة سيرة عمة والدي (تقية بنت حجي عبدالله بن عيسى 1919-2018) قلت: في القرية نساء قويات صنعن فرادة خاصة تستحق أن تروى، وأنا أستمع لشهادات الرجال الذين تتلمذوا على يد المعلمة تقية لاحظت الإعجاب والإكبار التي تركته هذه الشخصية النسائية في نفوسهم. يفخرون أنهم تعلموا عندها. لاحظت كيف يسرد الرجل تاريخ إعجابه بما صنعته المرأة في عقله وروحه. لم يكونوا يتحدثون عن سيرة حب نسائية بل تحدثوا عن سيرة تكوين ثقافية. شخصيات نساء الدير وغيرها من المناطق في قلب تاريخ القرية ولم يعشن على الهامش، ولابد أن ينصفهن السرد ويعطيهن حيزاً مميزاً في تاريخ القرية.

لفتتني معلمة القرآن الملاية أم السادة، إلى مقطع من الزيارة الجامعة “وآثاركم في الآثار” أذهلتني من طريقة تفاعلها مع هذا النص وتأويلها له وتسييله في كلامها. رحت أفهم كتابتي لسير الملايات من خلال هذا النص، وجدت أني أقتفي آثارهم في التاريخ والهوية والمجتمع وتقاليده الثقافية. الآثار عادة لا تكون واضحة المعالم، تحتاج إلى إنصات عميق، تحتاج إلى رهافة في الحس ورقة في المقاربة، كي تكتشف ما وراءها. وكي تقدم السيرة آثار هؤلاء الملايات نحتاج أن نبتعد عن الأحكام الحادة والقاسية، أذكر أحد الأصدقاء قال لي: هؤلاء كانوا في زمن الظلام والجهل والثقافة التي يمثلونها هي مجموعة من الخرافات. قلت له لو سمعك أحد علماء الانثروبولوجيا المهتمين بدراسة ثقافة الإنسان لانتحر أو غرس قلمه في عينك لتفتح بصيرتك على آثارهن فيك وفي جيلك وهويتك. 

ذكرني جوابه، بموقفي من ملايات مأتم جدتي، كنت أراهم بقايا التخلف ويجب إزالتهم وإلقاء مجاميعهن الخرافية في مزبلة الجهل، ما كنت قادرًا على الإنصات لآثارهم، ولم أملك رهافة الحس في تقدير علاقتهم بالأوراق والكلمات والكتب في زمن يُحرم على المرأة الذهاب للمدرسة وقبل ذلك في زمن لا توجد فيه مدرسة. لذلك أنا أكتب سير الملايات اليوم كنوع من الاعتذار لملايات مأتم جدتي: الحاجية مريوم، والحاجية صفوي، والحاجية شروف. وأفتخر بما تركنه من مخطوطات تحمل آثار جيلهم وآثار الأجيال التي سبقتهم.

أنا أكتب هذه السير، بحثًا عن آثار تُرى بالبصيرة لا بالبصر.

 

الدكتور علي الديري: أتمنى أن يُحرّض "طواش الدير" الناس ليكتبوا سير أجدادهم وقراهم وينشروا وثائقهم التاريخية

 

طواش الدير الحاج عبدالله بن عيسى (1888-1961)

طواش الدير الحاج عبدالله بن عيسى (1888-1961)

لتنزيل الملف بصيغة pdf

حوار مع الدكتور علي الديري حول كتاب طواش الدير الحاج عبدالله بن عيسى (1888-1961)

مع دخول العقد الثاني من الألفية الثالثة، جرت مياه كثيرة، صار التاريخ موضوعًا عامًّا، يجد الناس فيه ميدانًا للبحث عن هويتهم ووجوههم ووجودهم وذاتهم الآنية المهددة بالموت والمحو والنسيان، بدت فكرة الكتابة عن تاريخ الشخصيات والمجتمع ومعلمات القرآن ورجال القرية والعادات والظواهر الاجتماعية ملحة ومطلوبة. في هذا الحوار مع مجلة (أرشيفو) الصادرة عن مركز أوال للدراسات والتوثيق يحدثنا الدكتور علي الديري عن تجربته في توثيق تاريخ بيت طواش الدير، الحاج عبد الله بن عيسى عبر ثلاثة أجيال: الأب والابنة والحفيد، في سيرة الجد عالم الغوص واللؤلؤ، وفي سيرة الابنة صفحات القرآن وتعليم ألف لا شيلة، وفي سيرة الحفيد التعليم الحديث ودخول عالم شركات النفط والإنشاء والمقاولات لبناء البحرين الحديثة.

أرشيفو:كيف كان شعورك بعد أن رأيت كتاب طواش الدير مطبوعًا؟

الديري: بدأت فكرة الكتاب بحوار مع أبي في 2007م، كنت حينها بسبب تشخيص مرضه أخشى فقده وفقد ذاكرة العائلة التي هي جزء من ذاكرة قرية الدير ببحرها وزرعها. بعد طباعة الكتاب، شعرت أنني احتفظت بأبي، وثبّت جنسيتي، وحققت وصلا بقريتي، وأقررت عين أمي، وأنقذت ذاكرة توشك أن تُنسى. لقد سردت ذاكرة عزيزة على قلبي والسرد أداة وصل بين الأب والابن والجد.

كتاب طواش الدير

أرشيفو:من هو الطواش حجي عبدالله بن عيسى؟

الديري: هو جد والدي، كان طواشًا معروفًا، فقد سفنه في سنة الطبعة 1925م، إحدى بناته المشهورات هي معلمة القرآن الملاية تقية (ت 2018) التي تتلمذ على يديها جيل كامل من قرية الدير وقد كتبت سيرتها في (ألف لا شيلة)، وأحد أبنائه المعمرين هو الحاج عيسى الشيرازي، توفي في 2006 عن عمر 105 سنوات، وهو من كان يمسك دفاتر أبيه ويكتب حسابات اللؤلؤ.

أرشيفو: هل استعنت بدفاتر طواش الدير في كتابة سيرته؟

الديري: مع الأسف، لم يصلنا شيء منها، أمر قبل وفاته بحرقها والتخلص منها، كي لا يطالب من بعده أحد أحدًا قد يكون معوزًا، كان معروفًا أن عطاءه يكبر ويكثر في الخفاء، لذلك احتفظت بها قلوب كبار السن، ووثقتها في ذاكرتها.

أرشيفو: كيف دخلت على سيرة طواش الدير وقد توفي في 1961 وأنت لم تعاصره؟

الديري: أجريت حوارين مطولين مع أبي قبل وفاته في 2009، لفتني حديثه المستفيض عن جده الطواش، وعن البيت الكبير. وأنا صغير كنت مدهوشًا ببيتنا باتساعه وجماله وألوانه وغرفه وزراعته وزريبة البقر فيه، عرفت من أبي أن هذا البيت الذي قضيت طفولتي فيه هو جزء من بيت أكبر لحجي عبدالله بن عيسى، كان بيت وجاهة وضيافة ويقصده العلماء، ازداد تعلقي بسيرة هذا البيت، فرحت أتقصى سيرته في قلوب الناس وما تبقى من ذاكرتهم.

جواز الطواش الحاج عبد الله بن عيسى، صادر في العام 1956م، تحت رقم 006550، وفيه إشارة إلى مهنته طواش وسنة ولادته في العام 1888م

جواز الطواش الحاج عبد الله بن عيسى، صادر في العام 1956م، تحت رقم 006550، وفيه إشارة إلى مهنته طواش وسنة ولادته في العام 1888م

أرشيفو: هل كنت تكتب تاريخ عائلتك أو تاريخ قريتك؟

الديري: على هذه الجزيرة الصغيرة “البحر هو التاريخ” تاريخ الغواص والبحار والنوخذة والطواش واللؤلؤ، وسيرة حجي عبد الله بن عيسى هي سيرة تاريخ بحر الدير. وذاكرة القرية في جانب منها هي سيرة الأشخاص والعوائل، الوثائق التي نشرتها في هذا الكتاب، هي وثائق ذاكرة قرية الدير، أتمنى أن يُحرّض هذا الكتاب الناس ليكتبوا سير أجدادهم وجداتهم وعوائلهم، ويعملوا على نشر الوثائق التي يتوفرون عليها، هكذا سنكون كتبنا تاريخ القرية الاجتماعي والشفاهي. لقد قررنا نحن عائلة الحاج عبدالله بن عيسى، أن نوقف مبيعات هذا الكتاب لتأسيس صندوق لدعم مشاريع تخدم الذاكرة الاجتماعية والشفاهية تحت (صندوق طواش الدير الحاج عبدالله بن عيسى لدعم مشاريع توثيق الذاكرة الشفاهية).

أرشيفو: هل حصلت على وثائق ذات قيمة تاريخية؟

الديري: كنت أتفاجأ من ازدياد الوثائق التي أعثر عليها كلما تقدم العمل في الكتاب، هناك وثائق لم أتخيل أبدا أن تقع بين يدي، على سبيل المثال، وجدت ختم الطواش حجي عبدالله بن عيسى في وثيقة تعود للثلاثينيات، ووجدت جواز سفره حين كان الجواز ورقة، واكتشفت بين كتب حفيده وابن أخته الحاج سلمان آل عباس رسالة موجهة له من النجف تعود إلى عام 1931، والبحث عن وثائق الغوص قادني للعثور على وثيقة نادرة تعود إلى 1922 وهي دفتر سجل غواصين يخص النوخذة الحاج مكي بن الحاج علي (1885-1950) والد أبو منير، الدكتور عيسى مكي.

صفحة من دفتر حسابات الغواصين والسيوب العاملين مع النوخذة الحاج مكي الحاج علي من قرية الدير، يبدو بحسب التاريخ الهجري المدون أن هذا الدفتر استخدم في الفترة بين 1341هـ - 1445هـ / 1922م-1926م. تخص هذه الصفحة حساب الغيص حبيب الجزيري بن حبيب، تتكون بنود حساب كل غيص من هذه العناوين: الباقي في حسابه، تسقام بيده، سلف البيت، خرجية بيده. يبدو من تاريخ حسابات دفتر الحاج مكي، أن بعض النواخذة ألزموا أنفسهم بتسجيل حسابات الغواصين قبل فرض نظام الدفاتر مع إصلاحات مهنة الغوص التي فرضتها الإصلاحات البريطانية في العام 1923م (انظر: علي أحمد الديري، من هو البحريني؟، ص276)

صفحة من دفتر حسابات الغواصين والسيوب العاملين مع النوخذة الحاج مكي الحاج علي من قرية الدير، يبدو بحسب التاريخ الهجري المدون أن هذا الدفتر استخدم في الفترة بين 1341هـ – 1445هـ / 1922م-1926م. تخص هذه الصفحة حساب الغيص حبيب الجزيري بن حبيب، تتكون بنود حساب كل غيص من هذه العناوين: الباقي في حسابه، تسقام بيده، سلف البيت، خرجية بيده. يبدو من تاريخ حسابات دفتر الحاج مكي، أن بعض النواخذة ألزموا أنفسهم بتسجيل حسابات الغواصين قبل فرض نظام الدفاتر مع إصلاحات مهنة الغوص التي فرضتها الإصلاحات البريطانية في العام 1923م (انظر: علي أحمد الديري، من هو البحريني؟، ص276)

أرشيفو: هل كنت ستكتب سيرة طواش الدير، لو لم يكن جد أبيك؟

الديري: هناك محرض شخصي للكتابة، لا بد أن يتوافر ليكون دافعًا لك للإنجاز، لكن ذلك لا يعني أنك تكتب للمفاخرة والمباهاة. لقد كتبت سيرة أم السادة وأنا لا أعرفها، كان هناك دافع شخصي يتعلق بكونها تمثل الثقافة والبيئة الاجتماعية التي أحن إليها وأحبها وأشعر أنها جزء من هويتي، كذلك سيرة مكية بنت منصور العكري وسيرة جدتي سلامة سلوم، وحاليا أنا أكتب سيرة مخطوطات المآتم النسائية والنساخ الذين كتبوها والملايات اللاتي  يقتنينها ويقرأنها. بطبيعة الحال جدتي سلامة ونساء مجلسها ومأتمها وتربيتي وسط هذه الطقوس، محرضات شخصية جعلتني متحمسًا للذهاب لهذا المشروع، لذلك أؤكد أهمية المحرض الشخصي في التوثيق والكتابة.

أرشيفو: هل تعتقد أن هناك وثائق موجودة تتعلق بكتاب طواش، ولم تصل إليها؟

الديري: لدي هذا الاعتقاد بعد أن عاينت بنفسي كيف تتكاثر الوثائق وتقود بعضها لبعض، كذلك لدينا الشهادات الشفاهية، وهي تشكل جرءًا مهما من ذاكرتنا، على سبيل المثال بعد أن دفعت بالكتاب للمطبعة، نشرت (قناة الدير للميديا) مقابلة مع المرحوم حسن خليفة، كان يتحدث باستفاضة عن حجي عبدالله بن عيسى، والمثال الآخر الذي يمكن أن أستشهد به، هو سيرة أخت الحاج عبدالله بن عيسى، وهي الحاجية زينب بنت عيسى صاحبة أول مأتم بالقرية، المعروف بمأتم الحاجية وصار يعرف لاحقًا بابنها مأتم حجي سلمان وحاليا باسم حفيدها مأتم حجي عباس. كنت أبحث عن سيرتها كونها معلمة قرآن وملاية وصاحبة مأتم وشخصية لها مكانتها، لم أتوصل مع الأسف حتى لعام وفاتها، لكني بعد طباعة الكتاب، وأثناء العمل على (مخطوطات المآتم النسائية) أجرى فريق العمل مقابلة مع الملاية المعروفة في القرية فطام بنت الزين، فأفادتنا بمعلومات قيمة عنها وأخبرتنا أنها أحاطتها برعايتها وحنانها وأوصت ابنة أختها معلمة القرآن والملاية آمنة بالاهتمام ببنت الزين، فاحتفظت التلميذة بهذا الجميل في ذاكرتها.

وثيقة تبين أن الحاج أحمد أقرض (جمعية التوفيق الحسينية) مبلغ ألفي دينار لشراء أرض لبناء مأتم (الإمام المنتظر) في 15 مارس 1980م، وفيها يشير إلى تنازله عن قسط ثلاثمائة دينار من القرض مساهمة منه للمأتم، وقد شهد على هذه الوثيقة الحاج عيسى عبد الله الفن، والحاج علي حسين المؤمن «نحن الموقعين أدناه: السيد علي السيد حسن ( بصفتي رئيس هيئة التوفيق الحسينية) والحاج رضي حسين المؤمن (بصفتي نائب رئيس هيئة التوفيق الحسينية): نفيد بأننا نيابة عن أعضاء هيئة التوفيق الحسينية قد استلمنا مبلغ ألفي دينار بحريني فقط من الرجل أحمد علي عبد الله مطر القاطن في قرية الدير-المحرق وذلك لأجل تسديد قيمة قطعة أرض مشتراة إلى هيئة التوفيق الحسينية وذلك لغرض استعمالها مأتمًا في قرية الدير».

وثيقة تبين أن الحاج أحمد أقرض (جمعية التوفيق الحسينية) مبلغ ألفي دينار لشراء أرض لبناء مأتم (الإمام المنتظر) في 15 مارس 1980م، وفيها يشير إلى تنازله عن قسط ثلاثمائة دينار من القرض مساهمة منه للمأتم، وقد شهد على هذه الوثيقة الحاج عيسى عبد الله الفن، والحاج علي حسين المؤمن «نحن الموقعين أدناه: السيد علي السيد حسن ( بصفتي رئيس هيئة التوفيق الحسينية) والحاج رضي حسين المؤمن (بصفتي نائب رئيس هيئة التوفيق الحسينية): نفيد بأننا نيابة عن أعضاء هيئة التوفيق الحسينية قد استلمنا مبلغ ألفي دينار بحريني فقط من الرجل أحمد علي عبد الله مطر القاطن في قرية الدير-المحرق وذلك لأجل تسديد قيمة قطعة أرض مشتراة إلى هيئة التوفيق الحسينية وذلك لغرض استعمالها مأتمًا في قرية الدير».

أرشيفو: هل لديك ما تود أن تقوله؟

الديري: أتمنى أن يكون هذا الكتاب محفزًا لأهالي قرية الدير، لنعمل على إنتاج سلسلة تاريخية تخص تاريخ القرية، وسيكون جميلًا لو تمكنا سنويًا من طباعة كتاب واحد، لدينا مهتمون بالتاريخ الاجتماعي ومدونون وباحثون، رحم الله الدكتور علي هلال، وأبقى الله لنا أصدقاءه وزملاءه وتلامذته: الدكتور أبو منير، عيسى مكي، الأستاذ أبو صادق، إبراهيم حسن إبراهيم، الأستاذ حسن الوردي، الشاعر سيد سلمان سيد محمد الموسوي، الأستاذة رملة عبدالحميد، وغيرهم.

رواد مجلس حجي رضي المؤمن

رواد مجلس حجي رضي المؤمن

“مهاجر في زمن الجدري”: لماذا يهاجر البحراني؟

“توارث أهل الحلة [سماهيج] عن أجدادهم أن الله يفرش للمهاجر في البحر طريقًا يَبَساً”.

 

حين وصلتني رواية الصديق دكتور عمار الخزنة (مهاجر في زمن الجدري) كنت منهمكًا في قراءة رواية (الموريكسي) للروائي حسن أوريدي، تحكي الرواية قصة الموريسكيين. وهذا تعبير قدحي يشير إلى المسلمين من العرب والأمازيغ وغيرهم من الذين طردوا من الأندلس بعد سقوطها والفشل في جعلهم مسيحيين مؤمنين، تعرضوا لمحنة إنسانية أيام محاكم التفتيش، اضطروا فيها لإخفاء إسلامهم ولغتهم.

تعرض الرواية سيرة عائلة مسلمة مكوّنة من الأب (قاسم: دييغو) الذي يضطر لإخفاء إسلامه واسمه وإسلام زوجته (فاطمة) وإسلام أبنائه (أحمد: بيدرو وزهرة: إيناس). يُخفي الأب الفقيه هويته في شكل فلاح مسيحي بسيط، لكنه في الخفاء يحرص في غرفة صغيرة ملاصقة لحظيرة الحيوانات على تعليمهم اللغة العربية والإسلام، ويطلب منهم أن يتكتموا على العالم السري الذي يعيشونه في البيت، كي يحافظوا على الحياة التي هي أعظم ما وهبه الله لنا.

لقد أوقفت قراءة رواية (الموريسكي) وشرعت في رواية (المهاجر) أنهيتها خلال 24 ساعة، ما شعرت أني غادرت الحكاية، فالمشاعر التي تملكتني وأنا أتابع قصة عائلة قاسم هي نفسها المشاعر التي تملكتني وأنا أتابع قصة علي بن غانم وأبنائه عيسى ومحمد وخزنة ونرجس، عاشوا في قرية سماهيج في القرن التاسع عشر، حيث البساتين والنخيل وعيون الماء والبحر وحظور صيد السمك المعروفة وسفن الغوص وعالم اللؤلؤ والنواخذة والغاصة والطواشين.

يصطدم الأب بن غانم ذو الأنفة والعزة والكرامة بفداوية الشيوخ (أولاد إبليس) فيضطر لاتخاذ البحر طريقًا للهجرة إلى البصرة ويبقى هناك حتى موته. وبعدها بعقود من السنوات يعيد ابنه عيسى الذي يحمل طباع أبيه القصة نفسها بعد أن يعمد الفداوية إلى سرقة (حظرته) فيدافع عن كرامته ويقتل اثنين منهم في سر (حظرة الهاشمية) بالحربة التي كان يحملها عادة البحار معه حين يباري مصائده، فيلحق بطريق أبيه حيث يتخذ البحر مهربًا. إنها القصة نفسها التي تعرضت لها العوائل الموريسكية المسلمة فقد سلّط عليهم القشتاليون المرتزقة الذين يستخلصون أجورهم من النهب والسلب.

والحظرة طريقة تقليدية شائعة لصيد السمك القريب من السواحل [انظر الفيديو المرفق] تتكون من شباك مثبتة بأعمدة بشكل شبه مثلث وبها مدود وسر، يجتمع معظم السمك في سر الحظرة وقت الجزر. ولكل حظرة اسم ووثيقة ملكية.

لماذا هاجر بن غانم؟

لأنه لا يريد أن يكون غريبًا داخل وطنه، فضل الغربة عن وطنه، الغربة بالنسبة له أن يفقد كرامته، ويُهدد برجال الشيوخ الإقطاعيين “إنك تتكلم على أسيادك وتحرض الناس على العصيان”. أن يكون هناك فداوي مرتزق نهّاب يحرق حضار (سور) بستانه (مسعّد) ويعبث بحق ملكيته وإرادة تصرفه وحرية قدرته ويحولون بينه وبين بستانه، ما عاد قادرًا على أن يرفع رأسه في مستوى نخيله، صار يشعر بالغربة بين رأسه ورأس نخلته، وما عاد ابنه عيسى قادرًا على أن يحفظ سر حظرته (الجوجبية والهاشمية) مصونًا عن النهّابة المحميين من قبل الشيوخ.

عاش بن غانم على أطراف ميناء البصرة وظلت عيونه لأكثر من أربعين عامًا على البحر، يحلم بالعودة إلى ديرته الحلة (سماهيج)، ينشد معبرًا عن شوقه لبستانه وحظرته وأهله:

يا ناس أنا بي علة

من واحد (بالحلة)

يا ريتني (طير) له

وأسامره طول الليل…

هاجر رجال العائلة، وماتت نرجس من وباء الجدري، وبقيت (خزنة) تحفظ البيت والعائلة والحقل والحظرة، كانت تجهّز زوادة الطريق للمهاجرين من عائلتها وتولّد نساء القرية وتزرع الأمل بالعودة. تركت لنا وثيقة تاريخية مهمة تثبت ملكية الحظرة لأبيها بن غانم. في ذاكرة (خزنة) سر تهجير أبيها، وسر قصته، وسر كرامته، وخزانة حكاية الحلة (سماهيج). لاحقًا صار بيت بن غانم يعرف ببيت أولاد خزنة، وصارت القابلة خزنة واهبة الحياة والكرامة مانحة ألقاب، فأصبح أحفادها يُلقبون باسمها ويُعرفون بعائلة (الخزنة).

رواية"مهاجر في زمن الجدري" للدكتور عمار الخزنة

رواية”مهاجر في زمن الجدري” للدكتور عمار الخزنة

كل مولود لابن غانم يأتي على رأس حلم يشي بسيرهم ومصائرهم في الحياة، حلم تجري أحداثه في (سر حظرته) فيكتسب المولود طبائع شخصيته من طبيعة الحلم الذي يجري في (السر). أودع بن غانم فيهم خير السرّ وبركاته وعلّمهم أن كرامتهم دونه، عليهم أن يحفظوه ليصونوا وطن كرامتهم.

الدرس الذي يتذكره أبناء بن غانم ويروونه لبعضهم بعضًا كان في سر حظرة الهاشمية، قال لهم: السمك كباره وصغاره يموت بصمت إلا سمكة (الزمرور: القرضي) الصغيرة فإنه يُعلّم قاتله إنه لن يموت بصمت، يعكر مزاج قاتله بصوته، لذلك لا تسمحوا لأحد أن يقتلكم بصمت.

حفظ أبناء خزنة هذا الدرس (لا تسمح لأحد أن يقتلك بصمت)، هذه الرواية (مهاجر في زمن الجدري) هي صوت عيسى بن غانم وأبيه وعائلته من أبناء خزنة وأحفادها، ظلوا يروونها جيًلا بعد جيل من خزانة القلب حتى صارت رواية في خزانة الورق.

*كاتب بحريني مهاجر، مقيم في كندا.

رسالة إلى صديقي سجين الرأي محمد النهام

الأستاذ محمد حسن النهام (مواليد1971) مدرس أول علوم في المعهد الجعفري، صديق صباي في قرية الدير، اعتقل في 2017 ضمن ما سُمي بـ(مجموعة الدير) وحكم عليه بالسجن 15عامًا.

إلى صديقي سجن الرأي محمد حسن النهام

أكتب إليك لأنه لم يعد هناك وطن يصلني بك، لم يعد هناك وطن يجمعنا، غادرنا صديقنا الشهيد زكريا العشيري مبكرا في 2011، وأنت لم يتسع لك البحر الذي عشقته وخبرته منذ كنت طفلًا تبحر مع أبيك، ضاق بك فصرت سجينًا، وأنا لم يتسع لي ذلك الذي تأملت أن يكون وطنًا، فصرت مهاجرًا أو منفيًا أو مطرودًا. وُضعنا جميعنا في قوائم الإرهاب، لا أعرف أرهبنا من؟ لكني أعرف فقط قلوب أمهاتنا المرتعشة حزنًا وكمدًا وهضيمة. حكايتنا واحدة في تجليات ثلاث: الشهادة والسجن والهجرة، كلها تعبر عن جوهر واحد، فقدان وطن يلملم بأجنحته أبناءه، ويعطف عليهم بظلاله.

كل منا دفع ثمن صدق ما آمن به، ما كان لنا أن نحافظ على إنسانيتنا وسط هذا التوحش اللاإنساني، وما كان لتربيتنا أن تُعطي إلا ما فيها من أمثولات وأحلام بالعدالة والحرية والحق.

أسترجع الآن الأديب المناضل (برتولد بريخت) في كتابه (حوارات المنفيين) كان يكتب باستمرار لمواطنيه، ويبعث فيه الأمل، ويوقد إرادتهم، ويشجعهم على مقاومة الفاشية والدكتاتورية، لذلك كانت كتبه تحظر وتحرق في ألمانيا الهتلرية، أسترجعه الآن لأنه يُلهمني للكتابة إليك، ولأن هذه الرسالة  محظورة أن تصل إليك، وكتبي كذلك محظورة ومصادرة، أشعر أن (بريخت) أحد الآباء الرمزيين لأمثالنا من المنفيين في أوطانهم أو خارج أوطانهم.

أحتفظ بصورة جميلة لك، من صور الصبا، الفتى ذو الابتسامة الدائمة والضحكة الحاضرة في المواقف والمقالب والحكايا، صاحب الذاكرة النقية القوية الذي يستطيع استرجاع المعلومات وأبيات الشعر والأحداث بشكل مدهش، الفتى الذكي حاضر البديهة القادر على جمع معطيات تفصيلية كثيرة، والقادر على سردها بشكل منتظم وواضح، مادة الأحياء بتفاصيل كائناتها وأجهزتها وأسمائها ما كنا قادرين على تحملها، وكنت أنت متفرد بها، حتى صرت مدرسها الأول قبل اعتقالك.

حاضر بقوة اسم والدتك في مخيلتي (مريم سلطان) تردده أمي بمحبة ووفاء، لصداقة وعشرة دامت بينهم، ما كنت أقول لها إنني في بيت محمد النهام، بل كنت أنسبك لأمك: أنا في بيت محمد ولد مريم سلطان. أسأل أمي عنها، فتقول لي: علاقتنا بجارتنا أم كريم، فتحتنا على مريم سلطان، وصارت واحدة من أهل (الدريشة، دريشة أم كريم) تتبادل معنا الأطباق والمحبة والنغصة، كانت أم محمد “ما تاكل عنا حارة ولا باردة”. 

عل