«نسيج العمامة» أم نسيج وحده؟

4 

نسيج العمامة
حسين المحروس
المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2018

هو نسيج وحده، لا عمامة تشبه عمامته، هادئ تماماً من فرط الاطمئنان، لا تزلزله غير الكتابة، أخلص لها وحدها، اعتبرها أنثاه الوحيدة والأخيرة. النساء في حياته متعددات وهو لهن بقدر ما يهبنه خلوة الكتابة، الدرس الأول الذي يجب أن تتعلمه المرأة الجديدة في عالم السيد هو كيف تدخل عليه وقت الكتابة، أو بالأدق كيف تتركه في خلوة الكتابة، شعاره «الكتابة أحلى عندي من فتاة بكر في ليلة زفافها، أظل أكتب فلا أتوقف حتى يضطرب القلم في يدي. هذه علامة الوقت عندي».

فقد أمه وهو ابن سنتين وستة أشهر، فظل «يحن إليها حنين الشيء إلى نفسه» راح يبحث عنها في مياه ينابيع ماء البحرين الغزيرة، أخذ يلاحق صورتها المتخيلة في الماء المتدفق من عين قصّاري الشهيرة حيث النساء يجلسن على حواف جداول العين يمارسن طقوس الحياة بأشكالها المتعددة، لا بد من أن أمه جليلة بنت علوي القاروني القادمة من نهر الفرات وجدت في هذه الجلسات ما يأنسها ولا بد أنها باحت لماء البحرين بشوقها لماء الفرات، فأخذ سرها معه.

فقد أباه وهو ابن تسع سنين، عاش اليتم مبكراً من الجهتين، ورث نسيج عمامة أبيه، لكنه خرج عليه، هو وحيد أمه وأبيه، ولا بد أن يكون وحيد نسيجه، فقد أعطاه اليتم المبكر حرية أوسع، وأعطته التجربة زمناً أرحب.
ذهب الهند بتوصية من مستشار حكومة البحرين بلجريف، ليعود قاضيا مكان أبيه الذي تولى ثلاث مهمات دفعة واحدة: إدارة أموال القاصرين والأوقاف الجعفرية والقضاء.

فُتن السيد بمباهج الحياة وألوانها منذ طفولته، حين كان يتسلل من أبيه ليذهب مع ابن شعبان فوق حمارته إلى مدنية المنامة القريبة من بيتهم في بلاد القديم. هناك تعرّف أول مرة على الألوان والحياة بحركتها الدائمة في السوق، كسرت يده في إحدى المرات بعدما سقط الحمار أرضاً وسقط ابن شعبان فوق جسد الصغير، فافتضح أمره عند أبيه، فحظر عليه المنامة وحمارها لكن لم تُكسر رغبته، ظلت تشتعل حتى وجد امتداد سوق المنامة هناك في الهند في «لاكناو» حين وصلها في 1937 طالبا لعلوم آل محمد في حوزتها في مدرسة الواعظين. تعلم من خارج المدرسة الحياة من غير منهج، وتعلم من شيخه شيخ مدرسة الواعظين علي تقي بن أبي الحسن النقوي المنهج من غير حياة. فجمع في عقله وقلبه الحياة والمنهج. عاد البحرين مغموماً بعد سنتين بسبب الحرب العالمية الثانية حاملاً إجازة من شيخه «وإنه لشغفه بالعلم والبحث سيكون من علمائنا المحققين ورجال الدين المصلحين».

عاد مغموماً لأن ما تعلم هناك خارج المنهج لن يجده هنا، لقد تعلم كيف يوثق اللحظة في صورة، اكتشف سحر الضوء ولعبته، فراح يتعلم التصوير والتحميض، وعلى الطريقة الحوزوية راح يُدرّس ما تعلمه ويتعلم ما لا يعرفه، حتى إنه طلب من خادمه هناك أن يعلمه اللغة الانكليزية.

تعلم هناك خارج تقاليد المشايخ البحارنة في الحوزات الشيعية، كيف يركب دراجته النارية ويحرق بها نسيج برستيج رجل الدين، ويوم ضغت عليه الحكومة ليتسلم منصب أبيه في القضاء، وجد منجاته في دراجته، طار بها وسط ساحة المحكمة وأخذ يزمجر حارقاً هذه المرة هيبة رجل القضاء حتى اقتنع الجميع بمساعدة أستاذه الشيخ عبد الحسين الحلي أنه لا يمكن أن يكون قاضياً، فصار يجول بالدراجة نفسها قرى البحرين ومناطقها خطيباً للمنبر الحسيني رادفاً معه صانعه الذي يسقط به مرة ويخالف به قوانين المرور مرة أخرى مسجلاً لقب السيد أبو المخالفات المرورية.

لقد منح هذا السيد بما تعلمه سيرته حواساً، التقطها ناسج السير حسين المحروس، فاقترب منه دون أن يزعج خلوته الكتابية، قال له أريد أن أكتب سيرتك، فرد عليه السيد خذ هذا الكتيب الصغير فيه كل شيء من ترجمتي. قال له المحروس «لا يا سيد أنا أريد أن أكتب سيرتك،السيرة أكثر اتساعاً، في السيرة حركتك في المكان وحركة الزمان فيك».

لقد أبدع المحروس في كتابة حركة السيد في كل مكان مسّته حركته، مكان طفولته فقد جعل من عين قصّاري ماء سيرة، تروي تاريخ السيد وتاريخ بلاد القديم والمنامة والناس الذين عاشوا على ضفاف حركة مائها. وأبدع في كتابة حركة السيد في مكان دراسته في «لانكاو» حيث تفتح على مباهج الحياة، وفي مكان مكتبته حيث عالمه الرحب وعرشه المكين، وفي مكان محبرته حيث طاولته القريبة من الأرض إلى حد جلسته، وفي مكانه في بيت الياسمين حيث الحب فوّاح يدخل من كل مكان كرائحة الياسمين، لقد تتبع حتى حركة السيد في تسمية الأمكنة التي فيها أنفاسه: دار النسيم، دار الأرواح، دار الانشراح، دار المقام، دار السلام، دار البديع.

لقد اقترب كاتب السيرة من السيد كأنه راويتها، فإضافة إلى جلسات الساعة الثامنة التي كانت تجمع كاتب السيرة وصاحبها طوال سنوات، فقد لاحق المحروس حركة السيد في كل مكان وزمان، راح يبحث عن سيرته عند كلّ مصدر: زوجاته، أولاده، أحفاده، أقربائه، تلاميذه الصنّاع، مؤلفاته، دواوين شعره، دفاترها الصغيرة، خطبه المسجلة في أشرطة الكاسيت، مخطوطاته، ألبومات صوره الفوتوغرافية، ملحوظاته بخط يده خلف وأسفل هذه الصور، أصحاب الدكاكين والمحلات التي يعتمد عليها في تمويل منازله الأربعة وحاجياته اليومية كبائع الأغذية، الحلاق، وبائع الخضروات، بائع الأقمشة، وبائع الأحذية.

لقد أعيت هذه السيرة كاتبها طوال عقدين من الزمان، لم يزده تفرده المبدع بالسرد والتصوير إلا دهشة أكثر تجاه هذه السيرة «كلما تمادى [السيد] في السرد أخذني إلى ملامح سيرة رجل في أفق غير أفق الذين تصوروه. هذا الشخص المصنوع من هذا السرد أبعد بكثير مما في بالي من نسيج أية صورة».

رابط الموضوع على جريدة الأخبار

لماذا على كل بحريني أن يقرأ هذا الكتاب؟

HDR_5076

*حصة بنت خميس

لماذا على كل بحريني أن يقرأ كتاب (من هو البحريني؟ بناء الدولة وصراع الجماعات السياسية 1904-1929)، للكاتب البحريني المسقطة جنسيته علي أحمد الديري؟

لأن “ما مضى هو في المقدمة”، كما يقول شكسبير في مسرحيته “العاصفة”.

إذا كنت تسأل عن سبب عاصفة الحاضر، فابحث عن سرّ “ما مضى”. سرُّ العاصفة المدوّية التي لا تهدأ حتى تقوم كل عقد من الزمان. لا يمكن العبور إلى الحاضر ولا فهمه أو التعامل معه دون معرفة “ما مضى”.  فكيف إذا بقي الماضي من دون مواجهة تاريخية بين أطراف النزاع، وكيف إذا ظلّ عالقاً من دون اعتراف ومصالحة. وكيف إذا هو “لم يمضِ” إلاّ زمنياً فقط، وكيف إذا بقي الحاضر يكرر الماضي بأشكال مختلفة. كل ذلك يجعله في مقدمة الحاضر، لا خلف التاريخ. فهو أول ما يُرى، وأول ما تُعرف به العاصفة وتُقرأ، وهو ما يفسّر كل ما يحدث في الحاضر.

“من هو البحريني؟” كتاب يُقدم التاريخ الذي نجهله في الفترة بين عامي 1904 و1929، يقوله لا على لسان ذاكرة شفاهية متناقلة معرّضة للنسيان أو التضخيم، ولا وفق روايات نشكك أن خيالاً جمعياً مشحوناً صاغها بتحامل، بل عبر أرشيف ضخم للوثائق البريطانية، الأرشيف الذي وثّق كل ذلك التاريخ بتفاصيله الدقيقة، فيما الإمبراطوية الكبرى آنذاك، تعمل بحزم على إصلاح الأوضاع الداخلية لمستعمرتها الصغيرة، المشتعلة بالاضطرابات، حماية لمصالحها (بريطانيا)، وضماناً لأمن تجارتها، وشعارها “تجارتنا وسلامتكم”، تجارة بريطانيا ومصالحها وسلامة حكام المشايخ الخليجية.

إنه يضعنا في سياق السلطة السياسية الإقطاعية الحاكمة في ذلك الوقت (عهد عيسى بن علي)، وصعوبات إصلاحها، والتحول من مرحلة ما أسمته الوثائق بـ”اللاحكم”، إلى تأسيس إدارات الدولة من القضاء والبلديات، وإصلاح الميناء، وإعادة تنظيم قسم الجمارك، وإصلاح أمن السوق، وإنشاء قوة شرطة نظامية بدل الفادوية، وتعيين مستشار مالي للحاكم، والعمل على وضع موازنة الدولة وترشيد الإنفاق، وإصلاح المحاكم، والإصلاحات المتعلقة بصيد اللؤلؤ، ومسح الأراضي، والأشغال العامة، والتعليم.

إنها مرحلة الصراع من أجل تمكين الدولة من تكوين شخصيتها القانونية، ومحاولة فصل شخصية الدولة الاعتبارية عن شخصية الحاكم، وفصل جيب الدولة عن جيب الحاكم، وسلطة الدولة عن سلطة الحاكم. كيف فُرضت الإصلاحات السياسية في عام 1923 بالقوة وبموجب ما عبّرت عنه الوثائق البريطانية بـ”الإذعان” والامتثال للقرارات البريطانية، وليس برغبة الحاكم لمدة نصف قرن، عيسى بن علي، في الإصلاح.

يضعنا الكتاب في سياق ممانعات الإصلاح ومقاومتها، أسمتها الوثائق بـ”المكائد السياسية” التي مارستها المجموعات الممانعة للإصلاحات، وسعيها المستميت لإفشالها. تلك المجموعات التي وجدت في الإصلاحات إضراراً بنفوذها وسلطتها، وضياعاً لامتيازاتها التجارية والاقتصادية التي كانت تنعم بها دون مساءلة أو عقاب.

يأخذنا الكتاب إلى سؤال يبدو بدهياً تماماً: “من هو البحريني؟”، لكنّ ولادته لم تكن كذلك، بل محاطة بصراعات سياسية مريرة وطويلة. كيف ولدت شخصية البحريني القانونية؟ كيف أصبح له جواز سفر في عام 1929؟ يأخذنا الكتاب إلى الصراعات التي خاضتها القوى السياسية ليولد هذا البحريني، ليكون هناك قانون يسمّيه ويعطيه هوية ويحميه، إلى العرائض التي واجهت المظالم لتنشأ عدالة قانونية، ويتم الاعتراف بأبناء الوطن بشراً متساوين يخضعون لقانون واحد، ومحكمة واحدة وحكومة واحدة وشخصية اعتبارية واحدة. الإصلاحات التي لم يكن بدّ منها بعد أن وجدت بريطانيا أن الأمر وصل إلى حد ما أسمته بـ”الفضيحة”، فكان ذلك ملزماً لها بالمضي في إصلاحات تعطي (البحريني) حقاً وتمنع عنه ظلماً.

إننا أمام تفاصيل متأنية تروي كل هذه “المقدّمة”، لا بتناول تاريخي جاف، بل بطريقة روائية سلسة، تشعر معها وكأنك أمام مشاهد حيّة لفيلم متحرّك أكثر إثارة من سيناريو متخيّل، وأحداث أكثر إدهاشاً في كثير من الأحيان.

“ما مضى هو في المقدمة”، لقد نُقشت هذه المقولة على أحد مجسمات متحف الأرشيف الوطني الأميركي. فأرشيف كل دولة هو مقدّمة لحاضرها، وهو سرّ تقدّمها أيضاً. ومقدّمة الكتاب تقول أهم ما فيه، بل كل ما فيه. لقد صارت “مقدمة” ابن خلدون كتاباً لوحدها، وصارت أشهر من مؤلّفه الضخم الذي كتبها تقديماً له.

يمكن القول تجاوزاً، أن كتاب “من هو البحريني” بمثابة “مقدمة” مكثّفة، غنية، لأجزاء الأرشيف البريطاني الستة الضخمة المترجمة والصادرة مؤخراً عن مركز أوال للدراسات والبحوث. أقول تجاوزاً، لأن الكتاب يحفر عميقاً في قراءته لهذه الوثائق، وفي تناول إرهاصات الإصلاح وبناء الدولة خلال تلك الفترة، وفي الوقوف عند صراعات الجماعات السياسية ومواقفها تجاه تلك الإصلاحات. إنه الكتاب التي يحتاجه كل بحريني لمعرفة تاريخه الغائب، وهو مقدمته لفهم واقعه الحاضر. باختصار: ما مضى، تجدونه في هذه المقدمة.

الميادين: رابط الموضوع

علي الديري يطرح سؤال بريطانيا الكبير العام 1923: من هو البحريني؟

صالح شهاب*

رغم كون علي الديري أحد من نالهم انتقام إسقاط الجنسية من السلطات الحاكمة، فإنّه لم يدر فرضيّة كتابه الجديد «من هو البحريني» حول الهويات والأصول، ولا السكّان الأصليين، رغم سهولة تقديم طرح كهذا، ورغم وجود بيئة خصبة لتلقيه وليثير فيها جدلاً لم يهدأ يوماً.

يقوم كتاب «من هو البحريني؟» على فهم الأساس التاريخي الذي ولد منه «البحريني» المعترف به من «الدولة» والقوى الكبرى في العالم، ومعرفة سياقاته امتداداته ومآلاته. سيكون مخاض

هذه الولادة، وتجاوزها لعقدة «الاعتراف»، والتوافق التاريخي عليها بين الجماعات السياسية برعاية السلطة البريطانية، المدخل التلقائي لقراءة تاريخ تأسيس الدولة في البحرين؛ الدولة التي شكّلت في وجهها الحديث بعد عزل البريطانيين حاكم البحرين عيسى بن علي في العام 1923، الإطارَ الجامع الذي أمكن أن يولد هذا البحريني تحت قبّته.

سؤال الهوية والوجود

من أنت؟ وماذا لك في هذا البلد؟ وما صفة وجودك فيها؟ ومن يحكمه؟ وإلى أي عدالة يجب أن تخضع؟ حتى العام 1923، وفي ظل ما سمّاه المقيم السياسي البريطاني «نظام اللا حكم»، لم يكن لهذه الأسئلة أي إجابات، فطرحت بريطانيا سؤالها الأساسي الكبير: من هو البحريني؟ قد يكون سؤال مثل هذا غريباً جداً على أي أمّة، حتى لو كانت تحت نير الاستعمار الذي ربما لم يكن يحاول إلا تنظيم أموره ومصالحه فيها، لكنّه، في البحرين، كان واقعاً وحقيقة اعترف بها الكلّ. جماعات كثيرة ومنقسمة، هويّات متعدّدة، طبقات من الشيوخ والأتباع والمسخّرين، والأهم حكم غير منظّم لا يعترف إلا بأتباع الشيخ، ونار تحت الرماد. جعلت هذه الفوضى سؤال «من هو البحريني؟» شائكاً ومعقّداً ومركّباً على سلطة استعمارية مثل بريطانيا.
لماذا شكّلت مهمّة تعريف البحريني أوّل أساسات الدولة الحديثة وأسئلتها؟ وكيف كان شكل الدولة ومستقبلها بحسب ما رسمه البريطانيون؟ إلى أين انتهى هذا التعريف حينئذ؟ وماذا تمخّض عنه من تحوّل تاريخي كبير؟ ولماذا تملي علينا اللحظة التي نعيشها اليوم، وهي لحظة يوشك فيها مفهوم البحريني أن يفقد معناه الوجودي والتاريخي، أن نعرف كلّ ذلك؟
لماذا كانت تلك الدولة قبل مائة عام أكثر حداثةً وتقدّماً من شكل الدولة اليوم؟ و«لماذا بات يسهل اليوم كسر المواطَنة البحرينية؟»، أين تلك الدولة التي أسّس لها البريطانيون بالقوّة والهيمنة؟ وأين ذهبت وعودها والخط التاريخي المرسوم لها في وثائقهم كنموذج للخليج؟ كيف نظّر البريطانيون لأطروحة المملكة الدستورية منذ نهاية العشرينيات؟ وكيف تم القضاء على هذه الأحلام حين كانت «رغبة المُلك أكبر من رغبة المملكة»؟ كما يقول الكاتب.

قراءة في التاريخ البحرينيّ

تقوم فرضيّة الكتاب على أن مشكلة البحرين التاريخية التي بلغت حد عدم «الاعتراف» بالبحريني، هي أن الدولة لم «تستقلّ» بشخصيتها عن شخص الحاكم، و«ظلَّ هذا الحاكم يقاوم استقلال الدولة، ورفض جميع محاولات إصلاح الدولة من 1904 حتى تمّ عزله في 1923، وأراد أن يكون شخصه الطرف المهيمن في كل شيء». يقدّم الديري قراءة روائية لأحداث الربع الأول من القرن العشرين، ويعيد سردها بشكل ممتع، معتمداً في الأساس على روايات تاريخية تخرج إلى النور للمرة الأولى عن أرشيف الوثائق البريطانية. كان البريطانيون يسجّلون كل شيء، بما فيه حركة عصا الشيخ وفداويته.
فضلاً عن الأرشيف، يعضد الكتاب روايته المتماسكة بكتابين لمؤرّخين عاصرا تلك المرحلة، وكان لأحدهما دور فيها، وهما: ناصر الخيري، صاحب كتاب «قلائد النحرين في تاريخ البحرين»، ومحمد علي التاجر صاحب كتاب «عقد اللآل في تاريخ أوال».
إنَّ الخوض في مواضيع الكتاب لن يكفّ عن إذهال القارئ الذي سيظل يتساءل عن العلاقة بين كل هذه المواضيع وسؤال الكتاب، وهو ما يفكّك الصورة الغريبة التي انعطف بها تاريخ البحرين الحديث في العام 1923، فكيف انبثق كل ما بُني في العشرينات من هذا السؤال تحديداً؟ وكيف تحوّل هذا السؤال إلى سؤال السياسة والجغرافيا والحكم؟
«لم يكن مطروحاً على هؤلاء الذين يعيشون على أرض البحرين فعلاً سؤال «من هو البحريني؟»… في تلك الفترة، لم يكن هناك قانون، ولو كان شكلياً… كان هناك نظام سخرة، تمايزات بين من ينتمي إلى قبيلة وبين من لا ينتمي إلى قبيلة، تمايزات بين من ينتمي إلى جنسية أجنبية وبين المحلي».
مستغلّةً تململ السلطات البريطانية من طريقة إدارة حاكم البلاد، ومحاولاتها السيطرة على الأوضاع والحفاظ على مصالحها، بعد حوادث العام 1904، «خاضت القوى الاجتماعية صراعات ليكون هناك قانون، ولتنشأ عدالة، ولكي يتم الاعتراف بأبناء الوطن بشراً متساوين».
لم يكن هناك حراك واحد تمخّضت عنه نتيجة واحدة. كانت أحداث مركّبة جداً امتدت لأكثر من 30 عاماً وتقاطعت فيها العديد من الظروف. خلال ذلك الوقت، تحرك البريطانيون على أكثر من صعيد، بل وأصدر التاج البريطاني بنفسه مرسوماً مفصلاً خاصاً بالبحرين: مرسوم البحرين الملكي 1913.
حاول البريطانيون عمل الكثير لتنظيم الفوضى في البلاد وضمان الاستمرار من الاستفادة من موقعها ومواردها، بما فيها القوى العاملة فيها، لكنهم اصطدموا بعناد وتصلّف لا يُحتمل من عيسى بن علي. «عارض الحاكم مشروع إنشاء البلدية، وتأسيس المحاكم المدنية، ورفض العرائض الشعبية ومشاريع الإصلاح السياسي. وجدها خلعاً لعظمة شخصه، وتنصيباً لعظمة شخصية اعتبارية (مجلس، مؤسسة، شعب، دولة)». انتهى الأمر بعزل الحاكم عيسى بن علي، وانتهت مهمّة تعريف البحريني إلى صيغ قانونية ومجالس بلدية ومجالس عرفية وإدارات بيروقراطية، شكّلت أول أساسات الدولة الحديثة، وكان ذلك بخطة واضحة قرأ تفاصيلها المقيم السياسي البريطاني بنفسه في خطاب العزل.
هكذا، يقول الكتاب، وُلد تعريف البحريني، ماراً بتأسيس بلديات ومجالس وإدارات، وسنّ قوانين، وتغييرات في هرم السلطة من رأسها إلى عقبها، فضلاً عن إعادة تأسيس النظام القضائي وسلطات الأمن، وما وازى ذلك من إصلاح للنظام الاقتصادي، على رأسه مسح الأراضي، والسيطرة على السوق والميناء والجمارك، وتنظيم بيت الحكم السياسي.

الوثائق البريطانية: مصدر الرواية

يتزامن صدور كتاب «من هو البحريني؟» مع صدور المجلدات الستّ الأولى من الترجمة العربية لسجلّ البحرين في أرشيف الوثائق البريطانية التي كانت مصدر الكتاب وروايته، بحكم اطّلاع المؤلّف عليها قبل صدورها. «لقد جرى تغييب هذا الأرشيف من التاريخ الوطني، وما زالت هذه الوثائق محظورة، وهي عرضة للاجتزاء والتوظيف المغلوط والتزوير، وما كان لهذه الدراسة أن تكون لولا أن توافر لها لأول مرة ترجمة كاملة لهذه الوثائق عبر مشروع مركز أوال للدراسات والتوثيق».
لقد جعل الأرشيف، بوثائقه التي أمكن الاطلاع عليها مترجمةً للمرة الأولى، من رواية الكتاب فتحاً جديداً في أغوار تاريخ هذه البلاد. هنا، ستُسرد معلومات للمرة الأولى، وستكتمل صورة أحداث وقصص تاريخية معينة كانت حلقاتها مفقودة، وسنسمع رواية التاريخ مقروءة على لسان أُصيب به.

(اسم الكتاب: من هو البحريني؟ بناء الدولة وصراع الجماعات السياسية 1904-1929/ الناشر: مركز أوال للدراسات والتوثيق، لبنان، الطبعة الأولى، 2017/ عدد الصفحات: 372 صفحة)
* باحث وكاتب بحريني.

رابط المقال في جريدة الأخبار

العدد ٣٣٥٨ الخميس ٢٨ كانون الأول ٢٠١٧

"من هو البحريني؟" .. علي الديري يُقلّب صفحات الأرشيف البريطاني

HDR_5096

*رؤى شمس الدين

يبدو جواب تساؤل الكاتب علي الديري الذي طرحه في كتابه الجديد بديهياً، لولا أن الأمر يتعلق بـ”الهوية”. من هو البحريني؟ لم تكن الإجابة عليه بمقاربة معنية بالأصل والأصالة، إنما ببحث تاريخ الصيغة الدستورية التي نتجت عن المواقع والصراع السياسي في هذا البلد الذي لم يشهد استقراراً كاملاً منذ قرن.

يتساءل الديري: “لماذا يسهل إسقاط الجنسية؟ هل هناك خلل في تاريخ تأسيسها، ليكون سهلاً إسقاطها بهذا العدد الكبير عن مواطنين أصليين؟”. لقد أراد بذلك إعادة “قراءة حكاية تأسيس الدولة الحديثة، وصراعاتها الاجتماعية والسياسية والدينية، فذهب إلى الوثائق البريطانية، وما توافر من كتابات تاريخية محلية”.

يبدو أمر الكتابة أكثر جرأة عندما يلامس الهويات، لكن الديري يرى إمكانية “تشكيل وحدة وطنية صلبة ببناء هوية بحرينية دستورية، من دونها نحن جماعات متحاربة”. بل على النقيض من ذلك يرى الكاتب أن ما يهدد وحدة المجتمع ويعمق انقساماته، ليس فتح ملفات التاريخ بعقل نقدي، بل التوظيف السياسي للتاريخ”.

وفنّد الديري خطاب مي الخليفة (وزيرة الثقافة سابقاً) في كتابها (سبزآباد ورجال الدولة البهية) الذي دافعت فيه عن عيسى بن علي الحاكم الإقطاعي واعتبرته المؤسس الحقيقي للدولة الحديثة.

هاجم الديري بقسوة عهد عيسى بن علي (1869-1923) ورأى في خطاب عزله من قبل البريطانيين “إعلان ولادة للدولة الحديثة وللبحريني المواطن”. فيما يلي حوار شامل حول كتابه (من هو البحريني.. بناء الدولة وصراع الجماعات السياسية 1904-1929).

الميادين نت: أليس جواب (من هو البحريني؟) بديهيّاً؟ لماذا يحتاج إلى كتاب للإجابة عنه؟

الديري: جواب سؤال (من هو البحريني؟) ليس بديهياً، فالهوية ليست معطى فطرياً أو طبيعياً، بل هي نتاج المواقع والصراع السياسي، جميع الشعوب تسأل نفسها سؤال الهوية مع كل تغيير سياسي أو اهتزاز اجتماعي. لدي مثال لنموذجين متضادين، الأول من الولايات المتحدة الأميركية، فقد طرح صامويل هانتنغتون هذا السؤال في كتابه الذي صدر عام 2004 “من نحن؟ التحديات بالنسبة لهوية أميركا الوطنية”، والثاني من إيران فقد أشار أحد الأبحاث إلى أن 40% من أطروحات رسائل الماجستير والدكتوراه في العلوم السياسية في ثماني جامعات في طهران في الفترة (1991-2006) كانت عن الهوية بشكلٍ مباشر أو غير مباشر.

الميادين نت: أشرت إلى أن سؤال الهوية يطرح مع أي حدث يسبّب تغييراً سياسياً أو اهتزازاً اجتماعياً، ما الحدث الذي قاد إلى طرح سؤال (من هو البحريني)؟

الديري: لقد وقع حدث بسيط في 1904م، اعتدى فداوية(حرس) شيخ من آل خليفة على عمال شركة ألمانية، مع التداعيات صار الحدث كبيراً، وطرح سؤالاً قانونياً مهماً، من أجل حماية عمال الشركات الأجنبية من نظام السخرة، كان السؤال المطروح من هو الأجنبي؟ وهو سؤال استلزم سؤال من هو البحريني؟ تطور الأمر فيما بعد إلى وضع صيغ قانونية تحدد البحريني والأجنبي، وتحدد القضاء الذي يخضع له الطرفان.

الميادين نت: توقعنا أنك أنهيت موضوع إسقاط جنسيتك في كتابك (بلا هوية) وإذا بك تفاجئنا بعنوان كتابك الجديد الذي وضعته في صيغة سؤال يقع في صميم الموضوع نفسه (من هو البحريني؟). ما العلاقة بين الكتابين؟

الديري: كنت في كتابي (بلا هوية) معنياً بتجربة إسقاط الجنسية في الحاضر، وفي كتابي (من هو البحريني؟) أنا معني بتاريخ تأسيس الجنسية في الماضي. في الكتاب الأول سردت تجربتي الشخصية، وانطلقت من تعريف الهوية باعتبارياتها: انتماء وأرض وثقافة وتاريخ وأجداد. في الكتاب الثاني كنت أتساءل لماذا يسهل إسقاط الجنسية؟ هل هناك خلل في تاريخ تأسيسها، ليكون سهلاً إسقاطها بهذا العدد الكبير عن مواطنين أصليين؟ أردت أن أعيد قراءة حكاية تأسيس الدولة الحديثة، وصراعاتها الاجتماعية والسياسية والدينية، فذهبت إلى الوثائق البريطانية، وما توافر لدينا من كتابات تاريخية محلية.

الميادين نت: لماذا لم تستند إلى الذاكرة والتاريخ والانتماء وغيرها من الأمور كمحددات أساسية لهوية البحريني، واستندت إلى تعريف قانوني؟

الديري: فعلاً مقاربتي لهوية البحريني في هذا الكتاب، ليست معنية بالأصل والأصالة والولاء والثقافة، أنا معني في هذا الكتاب، بالصيغة القانونية الدستورية، وكيف أصبح لدينا قانون يعرّفنا كبحرينيين ويمنحنا جوازت في عام 1929. أدرس الأحداث الاجتماعية والسياسية والصراعات التي قادت إلى صناعة ملامح المواطنة الدستورية. أريد أن أعرف كيف تحول البحريني من أن يكون عرضة للسخرة، يخطفه “الفداوية” ويجبرونه على العمل في مزرعة الشيخ من غير احترام ولا كرامة ولا حق،  إلى أن يكون لهذا البحريني هوية قانونية، تمكّنه أن يرفع قضية في المحكمة ضد من ينتهك حقه وكرامته؟ وكيف رجع به الأمر اليوم ليكون عرضة للانتهاك وإسقاط الهوية؟

الميادين نت: لكن التعريف القانوني مكتوب على ورق، ولا يُعطي المفهوم الحقيقي للهوية؟

الديري: التعريف القانوني ليس مكتوباً على ورق كما تقولين، بل هو مكتوب بالدم، فالقانون وُضع بعد صراع مرير راح ضحيته مناضلون وشهداء. إنه خلاصة تجربة النضال من أجل الاعتراف، وأنا أستعرض في كتابي سياقه التاريخي، لذلك فالصياغة القانونية تحمل وجهاً تاريخياً ونضالياً. لقد جرت صراعات اجتماعية وسياسية مريرة لصياغة هوية قانونية للبحريني. نحتاج اليوم إلى مراجعة تاريخ هذه الصراعات، لنعرف الخلل الذي يجعل هوية البحريني القانونية سهل كسرها بالإسقاط والحرمان والتلاعب والتجنيس والامتهان، حتى غدت الجنسية البحرينية مثار سخرية وتندر.

الميادين نت: لقد أهديت كتابك إلى ست شخصيات تمثّل السنة والشيعة (ناصر الخيري، أحمد بن خميس، عبدالرحمن الباكر، عبد الرحمن النعيمي، إبراهيم شريف، الشيخ علي سلمان)… هل هي محاولة  لتخفيف حدة الانقسام التاريخي الذي تعاني منه الهوية البحرينية؟

الديري: إنها شخصيات وطنية، ناضلت من أجل بناء هوية للبحريني تعترف بحقه السياسي في مواطنة تحترم إرادته وخياراته. لم تُجامل هذه الشخصيات الوضع السياسي ولا العائلة الحاكمة، وتركت لنا خطابات حقوقية، ونضالات وطنية تمثّل تراثاً يستحق أن يُدرّس للأجيال.

الميادين نت: تتحدث بلغة جامعة… لكن ألم تكن تخشى وأنت تقلب تاريخ الصراع العرقي والطائفي، أن يشكّل بحثك عاملًا للانقسام لا عاملًا للجمع، خصوصاً وأن كتابك معني بتحديد هوية البحريني؟

الديري: يمكننا أن نشكّل وحدة وطنية صلبة ببناء هوية بحرينية دستورية، من دونها نحن جماعات متحاربة. هذا ما حدث في بداية العشرينيات من القرن العشرين، عرائض سياسية متضاربة وجماعات وقوى اجتماعية وعرقية وطائفية متحاربة. بدأنا مع نهاية العشرينيات نبني مواطنة مشتركة بعد أن تمّ تثبيت الإصلاحات السياسية بعزل عيسى بن علي في عام 1923 وبناء إدارات الدولة الحديثة ومراقبة موازنة الدولة وإصلاح القضاء.

ولابد من التذكير أن ما يهدد وحدة المجتمع ويعمق انقساماته، ليس فتح ملفات التاريخ بعقل نقدي، بل التوظيف السياسي للتاريخ توظيفاً لا يحترم الوقائع وسياقاتها وهذا ما حدث مع تاريخ تأسيس البحرين الحديثة في عام 1923. كما فعلت مي الخليفة في كتابها (سبزآباد ورجال الدولة البهية) دافعت عن عيسى بن علي الحاكم الإقطاعي واعتبرته المؤسس الحقيقي للدولة الحديثة.

الميادين نت: تبدي آراءً قاسية وقطعية فيما يتعلق بعهد عيسى بن علي، هل كان عهده معيقاً لولادة مفهوم البحريني الحديث؟

الديري: لقد حكم البحرين لمدة نصف قرن تقريباً، ولولادة البحريني الحديث كان لا بد من تصفية حساب كوارث عهد، دعيني أستحضر مقطعاً من خطاب المقيم السياسي البريطاني نوكس الذي ألقاه في مجلس عزل هذا الحاكم السيء. يخاطب نوكس آل خليفة بكل صراحة: “يا سادة آل خليفة، عند الرجوع إلى الماضي، أخشى أنّه من واجبي تحذيركم أنّ مجرّد وجودكم في الحياة، لا يعني أنه من حقكم العيش على حساب المجتمع، سواءٌ أكان ذلك عبر مخصصات تقتطع من عائدات هذه الجُزُر أو عبر استغلال الفقراء والمساكين. إنّ المثل القائل: “من لا يعمل، لا يأكل” هو شعارُ جيد، والأفضل لكم تطبيقه على حالتكم”.

هذا الخطاب غير مسبوق. فلأول مرة يقول أحدهم لآل خليفة عليكم أن تعملوا، ومن لا يعمل لا يأكل. يقول نوكس لآل خليفة إن الاستغلال البشع الذي كنتم تعملون به في عهد عيسى بن علي عبر نظام السخرة، وسرقة أراضي الآخرين وأموالهم، وفرض ضرائب ظالمة عليهم دون وجه حق، لم يعد مسموحاً به. إن هذا الزمن قد انتهى، وعليكم أن تعملوا لتكسبوا.

الميادين نت: هل بإمكاننا القول إن خطاب المقيم السياسي في مجلس عزل عيسى بن علي، بمثابة إعلان ولادة للدولة الحديثة؟

الديري: نعم، بكل تأكيد، بالإضافة إلى كون هذا الخطاب فاصلاً في التاريخ السياسي للبحرين، ومؤسساً لمرحلة فارقة، فقد شمل اعترافاً بجميع مكوّنات المجتمع، وورد فيه لأول مرة مبدأ المواطنة المتساوية، والضرائب على الجميع، والقضاء العادل، والتحول إلى حكومة مركزية تصدر عنها القرارات السياسية والاقتصادية. إنه إعلان ولادة بكل تأكيد للدولة الحديثة وللبحريني المواطن.

    الميادين نت: تنظر بإيجابية إلى هذا الخطاب وإلى مشروع الإصلاحات البريطانية، ألا تخشى أن تتهم بالتصفيق للاستعمار؟

الديري: وأنا أعمل في هذا الكتاب، إنتابني خوف من أن أُواجَه بخطاب من يصفون على نحو الإطلاق كل ما يقوم به المستعمر بالشر ويُمعنون في الإدانة والتخوين ضد كل ما يتصل ومن يتصل بمشاريعه أو يتقاطع معها أو يحاول مقاربتها على نحو مختلف. وهنا لا بد أن أذكر أني وجدت في كلام الباحث التاريخي أحمد العبيدلي ما يخفف من هذا الخوف، فقد كان ينتقد القوى الوطنية التي لم ترَ في العلاقة مع الوجود البريطاني غير صفة المستعمر على نحو مطلق.

  الميادين نت: وهل يمكن أن تتعارض مصالح بريطانيا مع حكام المشيخات، وتتفق مع مصالح المجتمع؟

الديري: خاطبتْ بريطانيا حكام الخليج في العام 1903 بهذا الشعار “تجارتنا وسلامتكم”. سلامة حكم المشيخات وتجارة بريطانيا، تطلبا فرض الإصلاحات البريطانية في العشرينيات. لم تكن هذه الإصلاحات تتعارض مع مصالح هذه المجتمعات، وتأسيس البلديات والمحاكم الحديثة وتسجيل الأراضي وإيقاف نظام السخرة، كان يتعارض مع مصالح الحاكم عيسى بن علي وتفرده المطلق بالحكم. تضررت مصالح التجار في ذلك الوقت ورجال القبائل بالإصلاحات، لذلك وقفوا  ضدها في البداية، كما تتعارض اليوم مع مطالب الإصلاح السياسي.

الميادين نت: لقد أفردت فصلاً كاملاً لمرسوم البحرين الملكي لعام 1913 الذي تعتقد أن مشروع الإصلاحات في العشرينيات إنبنى عليه خصوصاً ما يتعلق بشؤون القضاء. ما أهمية هذا المرسوم؟

الديري: لن أبالغ إذا قلت إن البحرينيين لا يعرفون هذا المرسوم، ولا يعرفون كيف تأسست البحرين الحديثة عليه. التاريخ الرسمي يكذب علينا حين يعتبر أن عيسى بن علي هو من بنى الدولة الحديثة في البحرين، لقد تأسست البحرين الحديثة على هذا المرسوم الذي أصدره الملك جورج. لنأخذ قانون بلدية المنامة، لقد صدر في عام 1921 مؤسساً على المادة 70 من هذا المرسوم الصادر عن ملك بريطانيا والمفروض بالقوة على نظام الإقطاع، ومن هذا المرسوم تأسست المحاكم والقضاء الحديث. بفضل هذا المرسوم صار البحراني والقبلي والفارسي والنجدي يقفون أمام محكمة واحدة وقانون واحد. لقد أنهى هذا المرسوم تركة القاضي الشيخ قاسم بن مهزع المفتقد للعدالة التي تساوي بين مختلف الناس، فقد كان قاضي العائلة الحاكمة، وهو من بقايا تركت الحكم الإقطاعي لعهد عيسى بن علي، سيبدو كلامي صادماً وجارحاً، أعرف ذلك، فالأمر يحتاج إلى جرأة في قراءة تأسيس تاريخ البحرين الحديث، والتمجيد لن يتيح لنا أن نقرأ تاريخنا قراءة نقدية.

الميادين نت: تطرقت إلى تأسيس البلديات وتنظيم الجمارك وغيرها من مؤسسات الدولة الحديثة… فما علاقة ذلك بالإجابة على سؤال من هو البحريني؟

الديري: أنا معني في هذا الكتاب بتعريف الدولة للبحريني واعترافها به، والدولة مجموعة مؤسسات حين تتطور يتطور مفهومها للمواطنة، بمعنى أن البحريني من غير مؤسسات إدراية هو مجرد سخرة غير معترف بها، ولا حقوق لها ولا هوية قانونية. وهو كذلك حين تفقد هذه المؤسسات قوتها الدستورية وتتحول إلى شكل كما هو الأمر الآن. تأسيس البلدية، فرض على الأجنبي والبحريني دفع ضريبة، وأعطاه حق مساءلة الدولة: ماذا قدمتِ  لي أيتها الدولة في مقابل الضريبة التي دفعتها لك؟. هكذا أصبح للبحريني بلدية، وأصبحت له سلطة مراقبة، وصار يُعرّف كمواطن عليه واجبات وله حقوق.

تنظيم الجمارك وإصلاح ميناء المنامة، سحب من الحاكم عيسى بن علي ملف فساد مالية الدولة، فقد ترك للهنود (البانيان) منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى قُبيل عزله أن يلعبوا بهذا المورد الخطير في مقابل السُلف التي كانوا يعطونها له، ليصرفها ببذخ على ملذاته وأهله من غير رشد. كما أن هذا الإصلاح كسر فساد مدير الجمارك والتجار، الأمر الذي أمد خزانة الدولة بمداخيل جديدة كانت تذهب هدراً، وهذا الأمر ساهم فيما بعد في بناء مدارس للتعليم والتربية، فأصبح البحريني هو الذي يقرأ ويكتب ويعرف ويحمل شهادة تعليمية.

الميادين نت: بدأ تبلور تعريف البحريني انطلاقًا من تعريف الأجنبي (غير البحريني)، ثم تدحرج ليصف البحريني في نهاية المطاف. من هو البحريني اليوم برأيك، بغض النظر عن أي تعريفات قانونية أو عرفية أو غيرها؟

الديري: كتبت لأحد الأصدقاء إهداء على الصفحة الأولى من كتابي (بلا هوية): “لا ينتسب الإنسان إلى وطن لا شهداء له تحت ترابه .. يجدد الشهداء بناء الأوطان، ويُجذّرون هويتنا في تربانها”. لقد كسر البحريني بنضاله نظام السخرة، وأسقط نظام عيسى بن علي الإقطاعي، ورفع عرائض قادت في النهاية إلى عزله وبناء مؤسسات الدولة الحديثة التي دخل الجميع تحت مظلتها وقبلوا بها وتوافقوا عليها. لقد قدّم هذا البحريني العابر للطائفة والقبيلة شهداء طوال تاريخه، وخرج منه منفيون في الخمسينيات، وأنشأ أحزاباً عابرة للطوائف، وحركات سياسية بتوجهات مختلفة، وقاد حراكاً عمالياً في الستينيات، وكتب دستوراً عقدياً وشكّل برلماناً منتخباً في السبعينيات، وقاد انتفاضة طوال عقد التسعينيات، وقام بثورة لا مثيل لها في تاريخ الخليج في عام 2011. هذا هو البحريني، شخص ينشد الحرية، ويوسّع مجالها العام بسلميته، ويغذي أرضها بدماء شهدائه، ويظل يحلم بوطن حر ومواطنة تحفظ كرامته.

الميادين نت: يُقال إن التاريخ يعيد نفسه، إلى أي مدى تعتقد أن البحرين منذ عام 2011 تعيد ما جرى في العشرينيات؟

الديري: التاريخ البحريني يعيد نفسه في صورة مأساة. مع الأسف، البحرينيون لم يقرأوا ما حدث في العشرينيات، ليدركوا حجم مأساتهم، مسرح الأحداث متشابه إلى حد التطابق، جوهر المطالب الإصلاحية في العشرينيات هو نفسه جوهر مطالب عام 2011. الموالون للسلطة من تجار وقبائل ورجال دين لعبوا الدور نفسه في رفض الإصلاحات خوفاً على مصالحهم، التحجج بالتدخلات الخارجية هو نفسه، موقف السعودية الرافض للإصلاحات هو نفسه، الانقسام الطائفي هو ذاته، وكان على مسرح أحداث عام 1923. الجماعات التي مارست دور (البلطجة) في عام 2011 ضد مؤيدي الإصلاحات، وقد أطلق عليهم المؤرخ محمد علي التاجر (جمعية الإرهاب).

لقد تبلورت صيغة المواطنة البحرينية من خلال أحداث هذا التاريخ، وقد أعطت إجابتها على سؤال من هو البحريني؟ وهذا هو موضوع كتابي “من هو البحريني؟”.

الميادين: رابط الموضوع

يا هلال الدير.. في نعي الدكتور علي هلال

كنا صغاراً نحضر الاحتفالات الدينية في المسجد الغربي بقرية الدير. أستمع إليك بإعجاب شديد، يشدني صوتك الإذاعي الجهور، ولغتك الواضحة المخارج، وكلماتك المعربة، واستعاراتك البلاغية، ما كان ينافس ناصية منصتك عريف آخر. لكأنك كنتَ تقدم خطابا إذاعيا لجمهور ألف نبرات صوتك المميزة.

لم نكن نجرؤ على الاقتراب منك، أوحى لنا مدرسونا في المأتم الذين هم تلامذتك المباشرون، أننا نحتاج أن نرتقي أكثر لنكون في مقام القرب منك. لاحقا فهمت أن كلمة السر تكمن في (العلم) و(الثقافة)، لم تولع بشيء قدر تولعك بالكتب وعالمها وطلب العلم ومراتبه. من يريد الاقتراب منك عليه أن يعرف هذا السر ويعمل على فتحه.

جئت من بيئة شديدة الفقر، في المال والعلم والشهرة، حفرت فيها عميقاً وشققت منها طريقاً، صرت علامة فيه، ولم تنس أبداً أن تأخذ معك أبناء قريتك، كنت تحترق لتدفعهم نحو الطريق، ظللت بكلماتك تنير لنا الدرب، تستفزنا نحو المعرفة، تستحقر كل شيء لا يكون مضاءً بقنديل الكلمات. حقاً لقد كنتَ هلال الدير.

في هذه اللحظات أقرأ كلماتك الأخيرة لي بدموع حارقة، لكأني أفتقد أبوتك الروحية الملهمة، أسترجع تصبيحتك قبل أشهر وأنا أبشرك بقرب صدور كتابي الجديد (بلا هوية.. إسقاط الجنسية كما شرحتها لأماسيل)، فتفتح صباحي بنور كلماتك “أهلا دكتور أبا باسل، صباح الثقافة والتنوير، تلك بشرى في ترقبها”. وأدعوك لمحاضرتي في الصيف الماضي في العراق فتجيبني بلوعة الشوق “يا ليتنا كنا من الحاضرين.. دمت موفقا دكتورنا أبا باسل”.

كم هو حارق لقلبي أني لم أستطع أن أوصل لك هذا الكتاب، بسبب هذا الحظر الذي يمارسه وطني ضد كلماتي التي تهجيت مقاماتها البلاغية تحت منصة أستاذيتك. أسترجع صورك وأنت تحضر في بيتي حيث صالون هيبا الثقافي، حفل تدشين كتابي (نصوص متوحشة) ما كنتُ أنا حينها هناك، لكن صورك وأنت تضم الكتاب أعطتني إحساس الاحتضان، وكأني كنت أسمع تعليقاتك السريعة البديهة وضحكاتك التي تكشف جانبا من شخصيتك الشعبية المحببة.

أتذكر لحظات تحولي الفكرية في بداية عشرينياتي، كنت في مجلسك تحيط بي كتبك، أراجع معك أسئلتي الجامحة لندوة أردت أن أكون فيها فوق منصتك في المسجد الغربي من قريتنا، أردت أن أحاورك حول هواجسي المعرفية الجديدة، لم تجفل من أسئلتي ولم تكبح اندفاعتي، وكنتَ تتبسم وأنا أردد كلمة جديدة تعلمتها (الدوغمائية)، قلت لي هل تريد أن تخرج المعتقدات عن طبيعتها الجامدة، حينها لن تكون معتقداً، ستكون فكرة عابرة، خجلت من نفسي حينها وتعلمت من درسك الضمني ما جعلني أكثر ثقلاً وأنا أقارب معتقدات الآخرين.

أسترجع الآن، بروفايل الشيخ حمزة الأب الآخر الذي تربيت على أخلاقه الروحية الجميلة، حين انتهيت من كتابته “الشيخ حمزة الديري.. سيرة الحُسن الناقص” دفعته إليه، بانتظار أن تصحح شيئا أو تعدل تاريخاً أو معلومة فأنت مرجعنا في تاريخ القرية وتاريخ رجالها، بأدبك الجم كنت تخجلني، بكلمات لا أستطيع أن أكتبها الآن.

وأنا أُحدث باسل في هذه الغربة، كثيراً ما كنت أستمتع وأنا أسرد له سيرتي في القرية وسيرة أساتذتي وفضلهم الكبير في صناعة شخصيتي، كنت أتطلع إلى أن أعرفك به في زيارتنا القادمة للعراق التي عشقها باسل كما عشقتها أنت حتى صارت مهبطاً لروحك المشرقة، أتحسر الآن على رحيلك المبكر، قبل أن أتمكن من تقديمه إليك، باعتباره أحد ثمرات كلمات منصتك البليغة، لقد عشق (السر) الذي أودعته أنت في طفولتنا وربيتنا عليه.

سنبقى أطفالاً دوماً، نتطلع إليك من تحت منصتك، تدوي كلماتك في فضاء أرواحنا، تملأنا بالحماس لملاحقة النور وظلاله، سنكمل كتابة تاريخ الدير، وسندشن منصة هذا التاريخ تحت اسمك هلالاً مكتملاً.