ديوانية الجمعة

http://www.awan.com/las/20080711

ديوانية الجمعة يكتبها هذا الأسبوع: علي الديري

الجمعة, 11 يوليو 2008 – العدد 235

 

http://www.awan.com/node/90060

مرسم عشتار ومئوية العريض

قال لي عباس يوسف: كن غدا في مرسم عشتار، فسنبدأ العمل في ورشة مئوية إبراهيم العريض. ورشة «عشتار» هي محترف الصديقين عباس يوسف وجبار غضبان. أشعر بحميمة في أجوائها المبعثرة في كل شيء.. هي مدرسة أكاديمية من  غير م ناهج مدرسية.. أعلام من التشكيليين مرّوا من هنا. 2ومنارات من المبدعين والمثقفين مازالوا يمرون من هنا. مرّ ضياء العزاوي، مارسيل خليفة، محمد عمر خليل، منير إسلام، علي طالب، نوري الراوي، عالية ممدوح، رافع الناصري، عبدالرسول سلمان، عادل السيوي، أسعد عرابي، شربل داغر، بشار العيسى، علي السوداني، فيفيان برنس.

قطع من نصوص قاسم حداد وأمين صالح صارت ألواناً وحروفاً محفورة هنا، ساحرة قاسم حداد مرّت من هنا، وموانئ أمين صالح رست هنا، ومعارض جابت العالم، أبحرت من هنا.. وهنا يحضر قاسم حدّاد أصدقاءه الذين يضيئون له ما يلي. كلما مروا ببحر من فلك سديمنا.

هنا دوماً مكان وشيء آخر.. وفي هذا الشيء الآخر يكمن الفن والإبداع.. يأتي مرة على صورة لون، ومرة على صورة حفر، ومرة على صورة وجه، ومرة على صورة حرف، ومرة على صورة صوت.. المكان لا يتسع لأكثر من بعثرة خمسة أشخاص لكنه بالشيء الآخر يتسع، بما يخلقونه من بعثرات لون أو حرف أو صورة. فيصير المكان عالماً يسع الكون. حين جاء الدكتور عبدالهادي خلف ذات غرة سريعة للمكان، قال: هل هذا هو المكان نفسه الذي تتحدثون عنه في أعمدتكم الصحفية بطريقة خرافية؟ وهل هو نفسه المكان الذي أنتجتم فيه معرضكم التشكيلي الذي رأيته في شتاء السويد؟ قلنا له اجلس قليلاً وستكتشف الشيء الآخر الذي يجعل من هذا المكان خرافة لا يمكن لعلم الاجتماع الذي تدرِّسه في السويد أن يكتشف سرَّه.

والشيء الآخر في هذا المكان الذي يجعله متسعاً، يكمن في خبرة الفن، التي تحدث عنها يوماً جون دوي، بأنها خبرة تخرجك من فرديتك وتصلك بالآخرين. وهذا ما يجعلني أقول إن «عشتار» خبرة تصلني دوماً بما يتجاوز فرديتي ويتجاوز خبرتي بالحرف، ليصلني بخبرة الآخرين باللون والصورة والصوت والأنوثة.

في هذا المكان، شكَّلتُ كثيراً من مقالاتي، ولخبرة المكان أثرها في صياغة الكلمات أحياناً صياغة تحضر معها ظل اللون. حتى إني في أحايين كثيرة، أشتهي لبعض المقالات أن أكتبها هنا، كي أحتفظ بظلها مقروناً بخبرة اللون.

كان إميل سيوران يقول «لو كان لي أن أتخلص من ولعي بالفنون، لما تخصصت في غير العواء».

خبرة الفن دائماً تقيك من العواء، فالفن يروّض فيك الإنسان، ويؤنسن توحشك، ويجعل صوتك يغني بدل أن يعوي.

عشتار.. مكان آمن للجمال.

http://www.awan.com/node/90068

شامات لبنى الأمين

خبرة مرسم (عشتار) فتحت أفقي على مساحات جمال صرت أراها تتجلى في كل محل في هذا الكون، كان مرسم الفنانة التشكيلية لبنى الأمين، مساحة تجربة جمال لتجلي هذه الخبرة.

قبل أن أعرفها كنت مفتوناً بأبوابها القديمة المعتقة بلون الخشب، التي قدمتها في معرضها في العام 1999على صالة جمعية الفنون التشكيلية. وقد شكّلت لبنى 3لوحاتها بخبرتها العميقة بأبواب المحرق المفتوحة.. كل ما هو مفتوح يقدم لك خبرة في التواصل والخروج من ذاتيتك، أبواب المحرق المفتوحة درس بليغ في التعايش المفتوح على المختلف في العرق والطائفة والدين، ورشة قاسم حداد عن هذه المدينة (ورشة الأمل.. سيرة شخصية لمدينة المحرق)، كانت مادتها الأساسية هذه الأبواب، لو كانت الأبواب مغلقة، ما كانت ورشة قاسم قد كتبت شيئاً من سيرتها. كان انفتاح الأبواب علامة تشير إلى انفتاح قلوب أبناء بيوتات هذه المدينة التي تكاد تفقد اليوم أبوابها.

حين مررت قرب بيت المناضل الستيني عبدالرحمن النعيمي (عافاه الله من استراحته)، كان باب بيته مفتوحا، على عادته. وهو بالمناسبة أحد أهم الأبواب التي عبرت منها (لبنى) للعالم للحلم بتغيير العالم. عند هذا الباب، سألني ابني باسل (9سنوات): هل هذا الباب مفتوح دائماً، وهل سيكون بيتنا الجديد مفتوحا بابه؟ قلت له هو مفتوح دائما، لكن الناس الذين بالخارج صاروا مغلقين.

لبنى رسمت هذه الأبواب وهي تستبطن خبرة انفتاحها الجميل، الأبواب المفتوحة شامات الأرواح المفتوحة. ولأن الشامة علامة، فليس أجمل من اللوحة التشكيلية شامة نقرأ فيها تأويل الروح المفتوحة.. هكذا قرأت أبواب لبنى علامات تدل على انفتاح روح مدينتها التي كانت.

وليست لوحات لبنى أبواباً مفتوحة فقط، فكل ما في مرسمها باب يفتحك على روح متفردة، في ليلة من ليالي مرسمها، فيما كانت هي تفتحنا بأبواب ألوانها على سيرة إبراهيم العريض استعداداً لاحتفالية مئويته.. كانت مكتبتها الموسيقية النخبوية تفتحنا لأول مرة على صوت (لينا شاماميان) وهي تغني «شامات»، وهو عنوان ألبومها الثاني الذي صدر في 2007 ويضم مجموعة من الأغاني الشعبية في تاريخ الأغنية الشامية:

شآم أنت فتاتي وأمي

حضنت صبايا

فهل فيك أكبر؟

فها قطعة من رخام

تعشق رائحة الياسمين فأزهر

جوري وريحان

مسك وعنبر

فاح بصرح

تلون أخضر…

كل ما في مرسم لبنى شامة من شامات الجمال، الأناقة التي تؤثث المكان، والمكتبة الصوتية ذات الحساسية الفائقة التي تحتفي بالأصوات الجميلة والنادرة، والكتب المجاورة للوحات مجاورة تصيبك بحيرة تصنيف المكان، هل هو مكتبة أو مرسم أو استوديو أو جنّة الأصدقاء؟!

يمكنك أن تقول هو مكان.. وشيء آخر يجعل منه شامة من شامات الجمال.

http://www.awan.com/node/90064

خرائطي الفكرية

 

كان غوته يقول «إن مشقة قراءة كتاب جيد تضاهي مشقة كتابته».. لهذه المقولة وقعها الخاص بالنسبة لتكويني، فأنا لم n816474055_1034379_1184تتوافر لدي فرصة للدراسة بالخارج، ولم أتوفر في تكويني على أساتذة شاقين آخذ عنهم مباشرة، لذلك ظلت الكتب وطرقها الشاقة أداتي الوحيدة -تقريبا- في تكوين معرفتي، وفي تكثير الأصوات التي تنطق في داخلي.. وقد أشعرني هذا دوماً بالإحساس بالمديونية لمؤلفيها، وأنا هنا لا أتحدث عن مرحلتي الجامعية، ولا ما قبل الجامعية، فتلك سنوات التحصيل العام، لكني أتحدث عن التكوين ما بعد الجامعي، وهو التكوين الذي حدد مساري الفكري وشكل كتابتي وعلاقتي بالعالم.. المرحلة الجامعية، بجامعة البحرين، لم تكن بالنسبة لي، أكثر من مرحلة دراسية، عبرتها دون صدامات فكرية أو تحولات معرفية أو تكوين أكاديمي صلب، لقد دخلت الجامعة أحمل تكويناً دينياً أصوليا مغلقاً، وخرجت منها أحمل التكوين نفسه بمعرفة تخصصية في اللغة العربية تقليدية.

المعرفة الحقيقية التي شقّت كل خلية في تكويني، بدأت في 1993مع أول تجربة مشقة في قراءة (كتاب محمد أركون نقد العقل الإسلامي). وقد كتبت تجربة هذه المشقة في 2002 في كتاب (الخروج على الحس المشترك) بمناسبة زيارة أركون التاريخية للبحرين.

كانت قراءة أركون بمثابة العتبة التي فتحتني على قراءة كتب شاقة، وبقدر مشقة قراءة هذه الكتب التي تحملتها بصبر عسير، أحمل اليوم مديونية معرفية لمؤلفيها، وأكثرهم تسنّت لي الفرصة لألتقيهم وأحاورهم وأنشج معهم علاقة صداقة، وهنا سأسرد قائمة بهذه المديونية.

{ علي حرب، ساحر في بيانه وصياغته لأعقد الأفكار الفلسفية، ابتكر لغة خاصة في النقد والفلسفة، تتعلم منه خفة الدخول على النصوص، والعبث في مراكزها وشقوقها، بروح اللاعب الماهر، لا المعادي الباحث عن مثالب، لذلك هو يدخل على النصوص لا بقصد دحضها وبيان خطئها بل بقصد توسيعها وفتح مناطق عماها.

تعلمت منه فضيلة أن تقرّ بمديونيتك للخطاب الذي تشتغل على نقده، وأن تحبه، وأن تسمح له بأن يخترقك وتخترقه، وأن تستثمر إمكانات اللغة والبلاغة في صياغة خطابك صياغة فكرية وبيانية.

{ طه عبدالرحمن، إعجابي بكتب الفيلسوف المغاربي طه عبدالرحمن، لم يكن إعجاباً بمواقفه تجاه الغرب وتجاه الحداثة وتجاه ما بعد الحداثة، ولا تطابقاً معها، بقدر ما هو إعجاب بمفاهيمه المبتكرة في قراءة التراث الفلسفي، كمفهوم فقه الفلسفة ومفهوم التأثيل، أي إعجاب بهذه المفاهيم بما هي مفاتيح للرؤية والفهم والتحليل.إذا كانت الفلسفة هي عشق المفاهيم كما يقول جيل دلوز، فأنا مدين لمفهوم التأثيل عند طه عبدالرحمن في تمكيني من أن أكون عاشقاً لعوباً لمفاهيم الفلسفة والحياة والدين والسياسة والأدب.

كان مفتاح دخولي إلى خارطة المسيري، هو اعتماده النماذج التفسيرية بوصفها أدوات تحليل، وليس المنافحات الأيديولوجية، ولا التراكمات المعلوماتية.. وكم فرحت حين قرأت في سيرته غير الذاتية غير الموضوعية (رحلتي الفكرية.. البذور والجذور والثمار)، عن تذمره الشديد من التلقي المعلوماتي له.

إن التفاصيل الخاصة الصغيرة التي يجيد عبد الوهاب المسيري عبرها كشف خرائطنا الإدراكية، هي ما يعطي لكتاباته ألفة وسلاسة وبياناً بالغ البلاغة من غير تكلف ولا زخرفة. والدرس الذي يعيطك إياه المسيري في سيرته منذ الصفحات الأولى هو: انطلق من الخاص إلى العام. من تجربتك، من حكايتك، من سيرتك، من قريتك ومدينتك وحضارتك وثقافتك.

كما هو الأمر عند طه عبدالرحمن، فإعجابي بالمسيري، ليس نابعاً بمواقفه تجاه ما بعد الحداثة والغرب والصهيونية ونظام الحكم المصري. وإنما إعجاب بمفاهيمه التي ابتكرها في قراءة خطاب الحضارة الغربية، كمفهوم التحيز والخرائط الإدراكية والنماذج التفسيرية والعلمانية الشاملة والجزئية والكمونية والحلولية.

وتحليل الصور المجازية هو إحدى الخبرات الأدبية المهمة التي تمرس فيها المسيري من خلال تخصصه النقدي، وقد استخدمها بكثرة في دراسته للصهيونية، وأفدت منها كثيراً في تعميق فهمي لوظيفة المجازات وعملها في الخطابات، حتى صار هذا المجال ميدان تخصصي الدقيق.

{ (جورج طرابيشي) أستاذ النقض، لديه نفس عميق في تتبع الإشكاليات الفكرية الضمنية والظاهرة في قراءة خطابات المثقفين العرب (محمد عابد الجابري وحسن حنفي وسمير أمين وغيرهم) تتبعاً ينقض حججها التي تقوم عليها، بما يتوافر عليه من معرفة عميقة بالفلسفة والمنطق ولغة متينة البناء والبيان وموسوعية تستوعب التراث بتنوعه والحداثة بتشظيها وما بعدها بهواماتها.

http://www.awan.com/node/90062

سرمد.. والجمل الأجرب

لدى الصديق سرمد الطائي حساسية فائقة تجاه الكلمات. تمكنه من اللعب ببعض المفردات، لعباً يدخلها بمهارة في سياقات متباينة. بحيث يجعلها تتنقل بين سياق الطرافة وسياق اللعب، وسياق المفهوم الفلسفي.4

كانت بداية تعارفنا العام 2002، قد جاءت على إيقاع اللعب بمفردة «التجريب». التقط سرمد بحسِّه التجريبي كلمة «الجمل الأجرب» التي أوردتها في سياق الحديث عن تحولات تجربتي الدينية في مقالتي «أركون وحكاية الذات». كنت أتحدث عن رغبتي في أن أسترسل في سرد حياتي، بكل ما فيها من ممارسات عملية وعلاقات شخصية واختيارات وذوق وقراءات وأماكن وفاعلية ومآلات الإيمان والطقوس والعبادات والمقدسات، لكني وبسبب حساسية سياقي الثقافي والاجتماعي، التي لا يمكن أن تتقبل ما هو خارج سلطة حسها، بررت عدم استرسالي هذا على نحو مكثَّف بعبارة قلت فيها «لا أقول إنه الخوف من أن ألقى مصير الجمل الأجرب».

صارت «الأجرب» ساحة تداول بيننا، سرمد وأنا، وصرنا نتحدث عن التجربة مشتقة من مادة (ج ر ب)، وعن التجربة الجرباء والذات الجرباء والمثقف الأجرب والمعرفة الجرباء والمصير الأجرب.

وباسترسال، لا حساسية تستوقفه، صرنا نعيث في مآلات هذا الجَرَب من عقر وطلي بالقار أو القطران. وبتذوق لا إطار يحكمه، أخذنا نتمثل عدواه وبدعته على غير ما حذر منه ابن تيمية «إن صاحب البدعة تنتقل عدواه كما تنتقل عدوى الجمل الأجرب».

هكذا تحوّل مفهوم «الجمل الأجرب»، بيني وبين الصديق سرمد، إلى مفهوم، والفلسفة هي عشق المفاهيم، ومجتمع الأصدقاء منذ العصر اليوناني هو مجتمع الفلسفة والمفاهيم، بل يغدو الصديق مفهوما تعشقه بقدر طاقته على التفلسف واللعب.

http://www.awan.com/node/90066

مي.. من القرامطة إلى أركون

  القرامطة كانوا خط اتصالي الأول بميّ الخليفة. كان ذلك في العام 2000. لم تمض سوى أشهر قليلة على صدور كتابها «القرامطة من سواد الكوفة إلى البحرين». كان 1215708335561696700 ضمن برنامج أسرة الأدباء والكتاب، إقامة حلقة نقاشية حول الكتاب. وقد توليت إعداد ورقة نقدية عنوانها «القرامطة في خطاب مي الخليفة: آليات التأريخ وتمثلاتها الرمزية».

كتبتها بروح الناقد المتحمس المشحون بآليات المعرفة الحديثة.. وكأني ضمنياً كنت أريد أن أجرِّب قدرتي على تمثل هذه الأدوات، في قراءة خطاب قد أخذ حيزه الإعلامي.. فميّ أصبحت بعد سلسلة كتبها التاريخية الجريئة، شخصية تاريخية لها حضورها الإعلامي المميز. والنقد دوماً كما تعلمته من أساتذتي المغاربة هو محاولة لتفكيك سلطة حضور الخطابات السائدة، وخطاب مي في تلك الفترة، كان شاغل الساحة الثقافية، كما هي اليوم بشخصيتها الثقافية شاغلة الناس.

مازلت مؤمنا بملحوظاتي النقدية على كتابها، لكني لست مؤمنا بالروح النقدية التي كتبت بها ورقتي.. كان التعقيب الذي مازلت أحفظه، والذي أدلت به مي بعد تقديم ورقتي: «إذا أخذت بكل ما قلته في ورقتك، فلن أكتب شيئاً».. أما المشاركون فقد اختلفوا حول الورقة، ما بين مؤيد ومعارض. من بينهم كان الصحافي اليساري العتيق بروح النكتة عبدالله العباسي، الذي اعترض على ورقتي، وقال: «آليات…آليات، اش آلياته؟! أنا ما فهمت شي»، وقد وجّه اللوم لي قائلا: ينبغي لنا أن نشجع جرأة مي واحتفاءها بالقرامطة باعتبارهم جماعة منشقة على السلطة ومعارضة وتؤمن بمبادئ الاشتراكية والعدالة، خصوصاً وأن الشيخة مي من العائلة الحاكمة.. وكونها تتبنى هذا الخطاب، فإن ذلك يعد أمراً استثنائياً.

كنت مأخوذاً بزهو الآليات، فقلت له: «وما ذنبي أنا إذا كانت آلياتك لم تتجاوز المطرقة والمنجل؟ (في إشارة إلى المنجل والجاكوج في علم الاتحاد السوفييتي) وأنا في ورقتي ناقد ولست معارضاً سياسياً أو داعية أيديولوجياً». لقد تركت هذه الحلقة أصداء نقاشية متباينة في الصحافة البحرينية. فصار القرامطة خط انقطاع بدلا من أن يكونوا خط اتصال بيني وبين ميّ.

في يناير 2002 كانت ميّ تستعد لتدشين «مركز الشيخ إبراهيم بن محمد الخليفة للدراسات والبحوث». وقبل التدشين بشهر عرفت أن محمد أركون سيكون ضمن قائمة الشخصيات، التي سيحتفي المركز بها في بدايات افتتاحه.

كان أركون بالنسبة لي أيقونة أحمل تجاهها مديونية خاصة. لقد تعرفت على كتاباته منذ العام 1994. وقد شكلّت هذه المعرفة تحولاً في سيرتي المعرفية، من التدين الأصولي المغلق إلى العلمنة المفتوحة الأفق. لذلك فمجيئه إلى البحرين، قد أشعل فيّ حماساً، حركني لإعادة الاتصال بمي، لأقترح عليها إصدار كتاب احتفائي بهذه المناسبة.. وكان حماس مي للمشروع قد ذوّب الجليد الذي كان بيننا.. هكذا كان أركون خط اتصالي الثاني بميّ.. وأركون هو خط اتصال دوما بالروح المشرقة بالمعرفة والانفتاح، ومازالت مي تردد دوما أن زيارة أركون للبحرين كانت حدثا ثقافيا، وقد وثقه الصديق حسين المحروس في تقرير موسع حمل عنواناً لافتاً «مرّ أركون من هنا».

توثقت علاقتي بمي، وكنت شاهداً قريباً على روحها التي تنجز بها مشاريعها الثقافية التي لم تتوقف أبداً، كان كل مشروع يفتح أفقاً لمشروع يهيئ لأفق مشروع جديد.. هكذا تتالت بيوتاتها الثقافية: بيت عبدالله الزايد لتراث البحرين الصحافي، بيت محمد بن فارس لفن الصوت الخليجي، بيت الشعر (بيت إبراهيم العريض)، مكتبة الأطفال (اقرأ)، بيت الكورار.

تتصل بي مي، صباح الجمعة الفائتة، لتقول: أنا ذاهبة إلى باريس للاحتفال بمئوية إبراهيم العريض، وعلى هامش الاحتفال سأقدم ورقة عن تجربة مشاريعي الثقافية، سيكون عنوان الورقة (الرهان على الثقافة). أريدك أن ترسل لي مقولة أركون عن المثقف التي أضأنا بها كتاب (إشراقات) 2002. كتاب إشراقات هو كتاب سنوي يضم فاعليات مركز الشيخ إبراهيم بن محمد الخليفة خلال عام كامل.

رحت أبحث عن المقولة، وبدت لي طازجة، وملاذاً آمنا للمثقف من الطائفة. يقول فيها أركون معرّفاً المثقف «كل من يتحلى بروح مستقلة، محبة للاستكشاف والتحري، ذات نزعة نقدية واحتجاجية، تشتغل باسم حقوق الروح والفكر فقط».

أركون وحكاية الذات الخروج على الحس المشترك

” في العالم من الأصنام أكثر مما فيه من الحقائق “

نيتشه

“إنما الذات جملة شروطها، أي مجموعة العلاقات والنسب والإضافات التي تقوم بينها وبين الموضوعات “

علي حرب

“أرى طرقاً ستأخذني إلى طرق ستأخذني إلى طرق

وبحراً كالمدى فيما أرى”

قاسم حداد

 

PHOTO BY:MAHMOOD DASHTY

 

لا أتحدث عن ذاتي – هنا في التقائها بأركون – بوصفها مجموعة من المكونات الفطرية أو القدرات الطبيعية أو السجايا الأخلاقية أو الاستعدادات الذهنية، بل أتحدث عن ذاتي بما هي تركيب ثقافي، أي بما هي جهد وعمل يسعى إلى تشييد بناء غير معطى، بهذا المعنى يصبح الحديث عن الذات حديث عن تجربة فيها من الأحداث والوقائع والصدمات والمواجهات والصراعات والتحولات والسياقات الثقافية ما يمكن قراءته ونقده بإعادة حكيه وتأويله .

-1-

حين تروي الذات حكايتها، حكاية تشكلها وتركيبها تحت تأثير حدث ما، فإن هذا الحدث لا يلبث أن يتلبسها ويتولى الحكي بصوته بعد أن تتمثله الذات ضمن عالمها ووعيها. أشعر الآن أن حدث التقائي بأركون هو الذي يروي ذاتي ويركب أحداث ماضيها، ويعيد قراءة مناطق عبورها ما بين التخوم والحدود، ويصل تقطعاتها وانقطاعاتها . يحضر أركون فيَّ لا بوصفه صوتاً واحداً، بل مجموعة من الأصوات تنتمي إلى أزمنة مختلفة وسياقات متعددة وعلوم إنسانية متنوعة وحضارات متعاقبة، إنها أصوات أرسطو ومسكويه والجاحظ وأبوحيان التوحيدي ودريدا وبروديو وبروديل وجاك بيرك وفوكو وبارت وياوس وغيرهم .

تروي الذات هنا أحداث تشكلها التي انتظمت في وعيها قبل ثمانية أعوام حيث التقت خلالها بأركون، لكنها ترويها بوعي اللحظة الراهنة المهددة بالنسف فيما بعد وإعادة الحكي . كلما أعادت الذات رواية حكايتها أعادت تأويل سيرتها بتقطيع أحداثها أو تمطيطها أو الحذف منها أو الإضافة إليها .

كتيت هذه المقالة احتفاء بزيارة المفكر محمد أركون إلى البحرين في مارس2002م بدعوة كريمة من مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة .

كان أرسطو يعرف الحكاية بأنها الفعل “والفعل هو ما يمارسه أشخاص بإقامة علاقات في ما بينهم ينسجونها وتنمو بهم ، فتتشابك وتنعقد وفق منطق خاص بها “([1]) وفق هذا التعريف تصبح حكاية الذات فعلها، وفعلها هو ما تنسجه من علاقات وفق منطق وعيها، وحين يتحول هذا المنطق تتحول العلاقات؛ فتنشأ حكاية جديدة تروي ذاتاً جديدة .

ما الذي تقوله هذه الحكاية ؟

-2-

في صيف 1993م كنت للتو قد أنهيت بكالوريوس اللغة العربية في جامعة البحرين، كانت الخطة المؤجلة منذ انهائي المرحلة الثانوية في 1989م تقتضي أن أتوجه نحو الدراسات الدينية، يدفعني نحوها حس أخلاقي عميق بأهمية أن أبر بوعدي لأصدقائي الذين عاهدت هم أن أكون نموذجاً لرجل دين عصري يملك تأهيلاً علمياً عالياً، شغلتني فكرة الالتحاق بـ(الجامعة الإسلامية) الحديثة التأسيس في لندن، كان لدي إحساس عميق بأهمية البحث عن شيء مختلف، غير أن التكوين الديني الذي أحمله بين جنبات ذاتي لم يكن يملك القدرة على تبصيري بالخيارات الممكنة، أقصى ما كان يستطيعه هو أن يحرض في الدافعية نحو الحج إلى أي قلعة علمية دينية موثوق في إخلاصها وتدينها، أردت أن أكون متخصصا في العلوم الدينية بشكل حديث، لم تكن صفة الحديث تملك رصيدا دلاليا في مخيلتي يتجاوز المعاني الأيديولوجية التي تأخذ بأسباب ا لعصر وحاجاته، والمعاني النضالية ضد الجبهات غير الدينية التي تثير من منطلقاتها المعاصرة إشكالاتها التشكيكية ضد الاتجاهات الدينية السياسية، لم يتجاوز مفهومي لمعنى تحديث العلوم الدينية معاني الإسلام السياسي كما أفهمه الآن.في حينها كانت صفات الجديد والحديث والمعاصر أشبه شيء في تصوري بسديم لا يمكن أن تميز من خلاله شيئاً .

-3-

في سياق هذه الحيرة بكل ما تحمله ظلال الحيرة من معاني التخبط والتردد والقلق وعدم القدرة على الحسم وعدم الوضوح التقيت بأركون عبر كتابه ” من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي ” . كانت صدفة – مازلت أفخر بها – حين عثرت على الكتاب مندساً بين رفوف إحدى المكتبات المحلية، لم أكن أعرف أركون، للوهلة الأولى أثار عنوان الكتاب – الذي طالما أرَّق أركون وهاشم صالح – حساسيتي الدينية، ظننته يقدم رؤية جديدة للاجتهاد عبر نقد الممارسات التقليدية للفقهاء الذين مازالوا لا يعيشون عصرهم ولا يلتفتون إلى مشاكله المستجدة .

لم يتوقع أفق انتظاري أكثر من ذلك، فلم يكن يملك القدرة على أن يتوقع أن النقد يمكن أن يمتد إلى ممارسات الفقهاء المعاصرين المنخرطين في الشأن العام .

لقد كان أفقي مبنياً على تمجيد وتقديس أولئك المجتهدين الذين يملكون الإحاطة التامة بالعلوم الدينية التي لا يمكن لأحد غيرهم أن يمتلكها بهذه الكفاءة العالية، إن ممارساتهم العلمية لا يمكن أن يرقى لها النقد أو الشك، بل إننا غير مؤهلين أبداً لمعرفة هذه الممارسات ولا معرفة طبيعتها، إنها أشبه شيء بالسر المقدس الذي يجب الامتثال إليه بتسليم تام ، لم يعرف هذا الأفق أن هناك نقداً يمكن أن يتجاوز نطاق الممارسات الاجتماعية والعملية وطبيعة فهمها للإسلام , وهي ممارسات رجال الدين والكوادر الدينية القيادية والمثقفين المتدينين وعامة الناس .

بقدر ما في هذا الأفق من سذاجة بقدر ما في اصطدامه بأركون من تحولات كبرى، أحدث هذا الكتاب صدمة ثقافية عميقة في ذاتي أصبحت أكثر قدرة على الرؤية ، ما زلت أستغرب من شعور الحب الذي غمرني تجاه أركون، حين أستعيد الآن لحظات القراءة أتذكر بالضبط أوضاعي الجسمية والمكان الذي كنت أقرأ فيه والأحاديث النفسية التي كانت تراودني وأنا أقلب صفحاته ، قبل أن أتم قراءة الكتاب اتصلت بأحد الأصدقاء الذين شهدوا حيرتي بكل تقلباتها النفسية لأخبره أنني عرفت ما أريد، كان من الصعب أن أفهمه ما تبلور لدي، اكتفيت بإظهار مشاعر الارتياح واللذة الروحية العميقة التي انتشيت بها، وكأني للتو اكتشفت شيئاً جديداً .

-4-

إهداء محمد أركون

كان هذا هو التلقي الأول الذي استطعت من خلاله أن أحدد طبيعة الدراسة التي أسعى إليها، كان علي أن أنتظر القراءة الثانية حيث الاشتباكات النقدية التي تعمل في ذاتي تبحث عن حلول سلام ومصالحة، لقد تطلب الأمر سنتين قاسيتين كنت أحمل أركون في داخلي حاولت أن أكيفه مع ما أنا فيه فأبى، رفض أن أُأْدلجه داخلي، لم يكن لأجهزتي أن تتمثله على الرغم من كل المحاولات التوفيقية، كان علي أن أبحث عن ذات جديدة تستطيع أن تبني علاقاتها بالعالم وأشيائه وموضوعاته وقيمه وأحداثه بشكل مغاير لعلاقات ذاتي المبنية وفق مؤسسات التقديس الرمزية .

أت ساءل الآن لماذا لم أشعر بغربة مع أركون؟ غربة تدفعني لاستيحاشه أو للنفور منه أو للشعور بالغيض من تهديماته الرمزية لسلالم مقدساتي، لماذا كانت الدهشة وحدها المسيطرة على علاقتي به ؟ هل يمكن للذات أن تدخل على عالم آخر من دون ألم الغربة ؟ هل تكفي الدهشة وحدها لوصف ما حدث ؟ ألم يخالطها شيء ؟ كيف يتحول النقد بما يحمله من عنف رمزي إلى حب ، حب ناقد ؟

-5-

لتفسير هذا الحب المنبثق من وسط كومة من عنف النقد أحتاج إلى إعادة قراءة نهاية الحد الذي كانت فيه التجربة وقراءة بداية الحد الذي دخلته .ربما تسعفنا استعارة مفهوم الحد عند هيدغر في فتح الحدين على بعضهما بدلاً من اصطناع صدام ثنائي بينهما . الحد في مفهوم هيدغر ليس نهايةً بقدر ما هو بداية لشيء آخر جديد، بهذا المعنى الحد ليس اكتمالاً ولا انتهاء ولا امتلاء، بقدر ما هو شوق إلى بداية قريبة، ووصول إليها، ووصل بها، وتعطش إلى مائها. الحد بهذا المعنى منطقة عبور تنتقل خلالها الذات من وسط إلى وسط آخر، من دون انقلابات ثوروية تستدعي القيام بأفعال التصفية والإلغاء والقطع بكل مستلزمات هذه الأفعال العنفية في أبعادها المادية، بهذا الانتقال تستطيع الذات أن تحتضن العالم بمتضاداته وانقطاعاته وتنافراته، لتثري تجربتها الإنسانية بما تقوم به من عمليات صرف واستثمار لمدخراتها الرمزية .

بهذه الروح أستطيع أن استعيد قراءاتي الدينية الفكرية المبكرة لمطهري وفضل الله والشيرازي والصدر وشريعتي (على الرغم من اختلاف نموذجه ) لأقيم معها علاقة حدية (بالمعنى السابق ) تفتحني بما تحويه من معقولية دينية متقدمة على معقوليات ثقافية أخرى أوسع . وبهذه الروح أستطيع أن أستعيد قراءاتي الدينية الروحية والأخلاقية لـ(السيد دستغيب والفهري ) لأقيم أيضاً معها علاقة حدية تفتحني بما تحويه من قيم أخلاقية وروحية دينية على قيم أخلاقية أخرى أكثر اتساعاً .

-6-

لقد بلغ هذا الحد نهايته التي هي في الوقت نفسه بداية لحد آخر، لقد بنى هذا الحد في ذاتي يقيناً صلباً، وتسليماً حاداً، واعتقاداً أرثوذكسياً لا يشك أبداً في صحة الجماعة الدينية التي أنتمي إليها، ولا يخالطه الشك في فوزها الأخروي.

لقد بلور خطاب هذا الحد حسي المشترك الذي يجمعني مع جماعتي ضمن ما يسميه أركون بالسياج العقلاني المركزي الذي يبرمج عبر تشكيلته الفكرية الاستدلالية حساسيتنا وتصورنا وإدراكنا وتفكيرنا وممارساتنا العملية .

وقد عضَّد من فرط هذا الحس قراءتي المبكرة جدا ( المرحلة الثانوية ) كتاب محمد التيجاني ” ثم اهتديت ” الذي يروي فيه رحلته العقائدية في التحول من المذهب السني إلى المذهب الشيعي . وجدت في خطابه نموذجاً إقناعياً مبهراً لممارسة هذه العقلانية المركزية ولطريقة صناعتها للحس المشترك، فتحت تأثير هذا الحس، وتوجيهات أنساقه المضمرة تشكلت حساسية ذاتي فرأيتها نموذجاً للعقلانية الحقة ذات المنطق الحجاجي الذي يملك الحقيقة التي لا يمكن دحضها.

-7-

مع أركون رحت أعيد قراءة هذه التشكيلة العقلانية لأكتشف ما فيها من خيلات ومقدسات ومأثورات ومسلمات ورموز ومتعاليات . ربما يمثل هذا

علي الديري في مكتبة حسن أحمد سلمان في العام 1994

الاكتشاف سراً من أسرار حبي العاطفي والمعرفي لأركون . لقد وجدت أن أركون وهو يحفر في العقل الإسلامي أنه يحفر بقلبه ويديه في قلب المنطقة التي أنا فيها بكل ما فيها من خيالات ومقدسات وأوهام لأول مرة أقارب العقل بعقلانية لديها القدرة على قراءة حساسيته المطمورة تحت أوهام المنطق الكوني، لم يكن أركون علموياً بارداً ولا وضعياً متعجرفاً؛ لذا كانت حروفه حارة في عروق عاطفتي الدينية لفرط قدرتها على قراءة مخيلة عقلانيتي الدينية ، لقد تلقفت مفهوم المتخيل باحتفاء الفاتحين، فقد وجدت فيه أداة علمية لفتح مفهومنا للعقل على مساحات جديدة يمكنها أن تفتح فهماً أوسع لطبيعة الممارسة العقلانية التي تضطلع بها أي ثقافة أو دين أو جماعة .

-8-

رحت أقرأ مخيلتي الجماعية التي تشكلت طوال هذه القرون، أخذت أفكك مفاصلها الكبرى، فبدت لي مجازاً كبيراً منحه التاريخ والتقديس ما جعله يبدو في صيغة حقائق وثوابت لا يمكن أن تهز .

حين يهتز مجازك يهتز حسك المشترك، فتفقد أمان الحقائق الجمعية، وتفقد ألفتها الرمزية التي تمنحك إياها لتبدد غربتك الرمزية . لا يمكنك أن تبحث عن أمانٍ آخر، فكل الجماعات تبني أنظمتها الأمنية مجازياً؛ لذا لا يمكنها أن تعطيك أماناً حقيقياً . إنها تستطيع أن تعلمك شيئاً واحداً، وهو أن تكتشف ذاتك الجماعية عبرها، وهذا ما دفع الأنثروبولوجي الفرنسي ( كلود ليفي شتراوس ) إلى أن يعرف الأنثروبولوجيا بأنها ” رحلة سفر إلى ثقافاتك عبر ثقافة أخرى([2]) .

لقد فتح لي مفهوم أركون للانثروبولوجيا الدينية أفقاً آخر للتعرف لا على ذاتي الجماعية فقط بل على ذاتي الإنسانية، فالانثروبولوجيا الدينية كما يدرسها أركون تسقط الجدران الوهمية الفاصلة بين الأديان والمذاهب؛ لتدرس أنظمتها الرمزية في توليد المعنى وتقديس الأشياء ورؤية العالم والإنسان، تهتم هذه الانثروبولوجيا بالدراسة المقارنة لكل التجارب الروحية في كل المجتمعات البشرية، تفقد هنا التفاصيل الصغيرة أهميتها وتفقد الأسماء ضرورتها، فخلف كل ذلك ممارسات متشابهة تعبر عن طبيعة الإنسان وطريقة تشييد تمثلاته الرمزية للعالم .

فالتقديس على سبيل المثال كما تدرسه الانثروبولوجيا ظاهرة إنسانية يؤله عبره الإنسان الأشياء والأفكار والنظريات والشخصيات والأحداث والأمكنة والأزمنة.

-9-

بهذه الروح الانثربولوجية يمكننا أن نقرأ سردية كل جماعة دينية أو غير دينية بوصفها تركيباً ثقافياً وتاريخياً يصنعه الإنسان ويصبغ عليه من معناه وقيمه ما يعطيه مكانة رمزية أو تقديسية، فيتعالى على النقد مانحاً نفسه، عبر ما يسميه (ماكس فيبر) بمسيري شؤون التقديس، حصانةً تخيف الآخرين من الاقتراب المعرفي منه .

لم أشعر أن أركون يعري ذاتي الجماعية عبر نقد جماعتي الدينية أو العرقية بقدر ما كان يعري ذاتي الإنسانية عبر نقد كل الجماعات التي تنهل قيمها ومعرفتها من المعنى المطلق، وهذا ربما يفسر من ناحية أخرى حبي له و شغفي بعبثه النقدي بمطلقاتي ومتعالياتي .

إن المدخل الانثروبولوجي يفتح الممارسة النقدية والمعرفية على تاريخ الجماعات الإنسانية كما تحقق وتعين في حياتهم اليومية المباشرة من دون اللجوء إلى الأحكام المجردة والتصنيفات القيمية والتفاضلات العرقية .إنه – المتخيل – يستمد من تجربة الإنسان الحياتية ما به يبلور مفاهيمه وأطروحاته وفرضياته من دون مسبقات ذهنية .

-10-

لقد جعلتني ممارسة أركون المعرفية المتعددة الأدوات والمنفتحة الآفاق على الذاكرة والخيال، أرى في تجربتي الدينية بممارساتها وعلاقاتها وإضافاتها موضوعاً للقراءة، خصوصاً وأن مشروع أركون الذي أطلق عليه تسمية (الإسلاميات التطبيقية ) ينطلق “من واقع الحياة اليومية للأفراد والجماعات والإحاطة بالمشاكل الحية المطروحة في كل مجتمع، لاستنباط ما يتعلق بها من تعاليم دينية وإبداعات ثقافية وأغراض سياسية واقتصادية وتصورات أيديولوجية “([3]) .

لا يمكن للإنسان أن يقرأ ذاته قبل أن تصبح شيئاً آخر، والذات لا يمكنها أن تتحول إلى آخر إلا حين تستبدل شبكة علاقاتها ومجموع إضافاتها بشبكة أخرى، حينها يمكنها أن تقرأ تجربتها التي غادرتها، وإن كان الإنسان لا يغادر أو ينفصل عن الأشياء والأفكار والمفاهيم التي تلبسته بالمطلق، فأطيافها تظل تلاحقه في نسخ مهجنة .

-11-

سأزعم أنني غادرت ذاتي الأولى؛ ليحق لي قراءتها؛ وسأؤكد هذا الزعم باستعادة قراءتي لمفهوم الأطر الاجتماعية للمعرفة . هذا المصطلح لعالم الاجتماع (جورج غورفيتش) ويعني به أن كل أنواع المعرفة ليس مسموحاً بها ضمن أي إطار اجتماعي([4]). مثلاً، الأطر التي كانت تسمح في فترة ازدهار العصر الكلاسيكي الإسلامي بالمناظرات الحرة التي تدور بين مفكرين مسلمين ويهود ومسيحيين، لم تعد هي الأطر نفسها التي تمنع اليوم المناقشات الحرة لقضايا العقل الإسلامي كما يقاربها أركون مثلاً.

تعرفت هذا المصطلح لأول مرة من خلال توظيف أركون له في قراءته للأطر المعرفية التي تحكم سياق المجتمعات الإسلامية، لقد كان لهذا المصطلح وقع خاص في نفسي، كنت أردده كثيراً بين الأصدقاء ترديد طالب العلم الذي يحرص على حفظ الأشياء الجديدة كي لا تهرب منه. الآن يمكنني أن أفسر ولعي الشديد بهذا المفهوم بوعي أفضل، لقد فتح لي هذا المفهوم مساحة للتفكير في ذاتي بعيداً عن سلطة الجماعة العقائدية، استطعت عبره أن أقيم مسافة بين ذاتي وجماعتي، أصبحت قادراً على رؤية أطرهم المعرفية التي تجعل منهم مجتمعاً متماسكاً، وحين تستطيع أن ترى نفسك خارج جماعتك، يمكنك أن ترى ذاتك الجماعية بمنظور نقدي، عندها يمكنك أن تعلن ولادتك الجديدة، ولادة الفرد فيك!

تستمد بعض المفاهيم قوتها وتأثيرها من حضور الدلالات المادية المستعارة فيها، وهذا ما يمكن أن نستوحيه من الاستعارة المفهومية لـ(الأطر) فالإطار في معانيه اللغوية المادية المباشرة يستحضر معاني الحجز والحد والمنع والفصل، فالإطار يحجزك ويحدك ويمنع اختلاطك ويفصل بينك وبين الآخرين . تعمل الأطر الاجتماعية بمثابة حواجز وحدود تفصل بين مجتمع وآخر، وما لم تتمكن من الخروج عليها، لن تستطيع تقييم حجم العنف الرمزي الذي تمارسه على ذاتك الفردية، ولا ثقل الالتزامات التي تكبلك بها ، ولا الإكراهات التي تفرضها عليك، ولا العمى الذي تصيب به بصيرتك.

أستطيع اليوم أن أتحسس فداحة عنف هذه الأطر التي شكلتني طوال حياتي بعد أن أصبحتْ موضوعاً لقراءتي، الآن فقط بعد أن انفككت منها يمكنني تفكيكها وتفكيك كل موضوعات التي كنت أرها من خلالها : تراثي، ذاتي، ديني، مذهبي، جماعتي، هويتي، أنظمة تفكيري.

-12-

الأطر ليست مجرد حد نقف عنده، بل هي أكثر من ذلك؛ فهي مرجعنا الذي نرجع إليه حين نريد أن نصدر حكماً أو نمضي رأياً أو نميز شيئاً أو نأوَّل مجازاً أو نتوقع حدثاً أو نقرأ نصاً أو نتمثل جماعة.

تتجسد الأطر في أشكال مراوغة وتتخذ صوراً متعددة : مسلمات، معايير، نظريات، مفاهيم، سلطة، تجربة،مؤسسة،خطاب،نص ،سرديات ، مذاهب، أفكار، عقائد، بدهيات، أنساق مضمرة، أقوال مأثورة، شخصيات مقدسة، قيم سائدة…. إلخ .

الأطر بمختلف أشكالها، تمثل حسنا المشترك الذي يجمعنا، وحساسيتنا الثقافية التي نتلقى بها العالم.

والأطر بوظيفتها المرجعية التي تتيح للفرد إمكانية تأويل الأحداث والوقائع الخارجية، تمثل أنساقنا الذهنية، وتمثلاتنا الرمزية التي نقيم عبرها إنشاءاتنا الاجتماعية في إطار إيديولوجيا ما ([5]).

حين تستبدل الذات إطارها الجماعي، فإنها تستبدل ذاتها وحياتها وعالمها وحكايتها وسردياتها ويقينياتها الكبرى المتشكلة عن العالم والتاريخ والإنسان والله .

لا يمكن للذات أن تُحيِّد من سلطة الأطر الجماعية من دون أن تخضعها للحفر الأركولوجي أي للتعرية التاريخية؛ ذلك لأن هذه الأطر تقدم نفسها بوصفها تمثيلاً للطبيعة،أو للفطرة، أو للحق، أو للحقيقة، أو للعقل، أو لمعنى نقي، أو لحالة مثالية نموذجية، أو لحتمية لا بدَّ منها، وهي بهذا الوصف، تفرض نفسها، وتمارس عنفها، وتُأبِّد وجودها، وتُبعدُ عنها الأعراض التاريخية والدنيوية، بهذه المراوغة تتلبس الأطر الذات؛ فتحيلها سكوناً أبدياً يقاوم الحركة والتغيير والتحول.

إن ما يلقاها مشروع أركون الساعي إلى بلورة علمنة حرة ومنفتحة تدعو إلى إيمان جديد يقوم على الحرية والتسامح والبعد عن التعصب والتبجيل، من مقاومة من قبل رجال الدين التقليدين المحكومين بأطر ثقافية ساكنة، يمثل نموذجاً لتحكم الأطر في ذواتنا وسلوكنا ورؤيتنا .

بودي لو أسترسل في سرد الكيفية التي جسدت فيها هذه الأطر حياتي بكل ما فيها من ممارسات عملية وعلاقات شخصية واختيارات وذوق وقراءات وأماكن وفاعلية وإيمان وطقوس وعبادات ومقدسات وتمثلات، ولكن حساسية السياق الثقافي والاجتماعي لا يمكنها أن تتقبل ما هو خارج سلطة حسها . لأقل إنه الخوف من أن ألقى مصير الجمل الأجرب .

-13-

وبهذا المعنى يمكننا أن نفهم الثقافة، بوصفها مجموعة من الأعراف والتقاليد والقيم والقوانين المحكومة بإطار اجتماعي وجماعي يبرمج سلوك الإنسان ويحدد طريقة تفكيره ومعايير أحكامه ويرسم زاوية رؤيته إلى الحياة .

ويمكننا أن نفهم خطابها المنتج ضمن إطارها، بوصفه مؤسسة رمزية تحكمها شبكة خفية من المفاهيم والقوانين والمعايير الثقافية التي تَمتثل إليها أقوال أو ذوات الممثلين الرمزيين لهذا الخطاب.

مادامت هناك ثقافة تصوغ الإنسان، و أطر معرفية واجتماعية تحكم تفكيره، وأنظمة معرفية (الابستيم ) تحدد أفقه، فإن وضعية الإنسان التاريخية في كل سياق، ستبقى تتشكل عبر مستويين(([6]:

1. مستوى ما يمكن التفكير فيه للمتكلم وهو متعلق بتمكن المتكلم من اللغة التي يستعملها ، وبالإمكانيات الخاصة بكل لغة من اللغات البشرية التي اختارها المتكلم. كما أنه متعلق أيضاً بما يسمح به الفكر والتصورات والعقائد والنظم الخاصة بالجماعة التي ينتمي إليها أو يخاطبها المتكلم وبالفترة التاريخية من فترات تطور تلك الجماعة. ثم إنه يتعلق كذلك بما تسمح به السلطة القائمة في المجتمع أو الأمة التي يتضامن معها المتكلم .

2. مستوى ما لا يمكن التفكير فيه بسبب مانع يعود إلى محدودية العقل ذاته أو انغلاقه في طور معين من أطوار المعرفة. وما لا يمكن التفكير فيه يعود أيضا إلى ما تمنعه السلطة السياسية أو الرأي العام ، إذا ما أجمع على عقائد وقيم قدسها وجعلها أساساً مُؤسِّساً لكينونته ومصيره وأصالته .

يخضع تراكب هذه المستويات ، داخل الممارسة النظرية لأي مذهب من المذاهب أو أية نظرية من النظريات أو أية ذات من الذوات إلى شروط تاريخية، يتداخل فيها المعرفي بالسياسي ، والدنيوي بالديني، ولا يمكن للإنسان أن يتجاوزها بسهولة؛ لذا نحتاج في فهم طريقة تشكل ذاوتنا، إلى قراءة تاريخية تستعين بمختلف العلوم لكشف صياغات هذين المستويين : مستوى المفكر فيه، ومستوى اللامفكر فيه، لخطابها ورؤيتها .

-14-

سيصبح اجتهاد الذات إذن، مهما بلغت حدة ذكائها، مادام داخل الأطر نفسها أسيراً لوضعية تاريخية معينة ، من هنا الحاجة إلى نقد العقل الإسلامي،إذ النقد هنا يكشف ويعري كل الممارسات والأطر التي تحكم سيطرتها على الذات، وتحول دون رؤيتها وتحولها .

ليس نقد العقل الإسلامي كما يتجلى في مشروع أركون، نقداً للإسلام ولا لتجربته الروحية، كما تجلت في الوحي، لكنه نقد لتجسداته التاريخية في ممارسات البشر، ونقد للأطر المعرفية والاجتماعية والجماعية التي صاغته وصاغت العلوم التي فهمته.

إننا مدينون اليوم لأركون بما فتحه من ساحات جديدة للتفكير، وبما خلقه من إمكانات معرفية للاستثمار. وأنا مدين له ولكل صوت ينطق عبره بذاتي الجديدة وحكايتها الحديثة.

هذا ما استطعت أن أرويه من حكاية ذاتي، وهي تعيد تشكيل العالم بداخلها وفق صدمتها الأركونية.

الهوامش


 

[1] ) يمنى العيد، تقنيات السرد الروائي، بيروت، دارالفارابي، ط1، 1990م، ص27.

[2] ) عبدالله يتيم، كلود ليفي ستروس: قراءة في الفكر الأنثروبولوجي المعاصر، المنامة، بيت القرآن، ط1، 1998م.

[3] ) ميشيل فوكو في الفكر العربي المعاصر، الزواوي بغورة، بيروت، دار الطليعة، ط1، 2001م،ص68 .

[4] ) محمد أركون، من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي، دار الساقي ،ط2، 1993، ص 14.

[5] ) انظر تعريفات التمثلات الرمزية في :

– مجلة العلوم الاجتماعية، الجغرافيا والتمثلات الرمزية ، الكويت، خريف 2001،المجلد29 ، العدد 3.

([6] محمد أركون ، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل ، دار الساقي ،ط1، 1999، ص 10.

علي شــريعتي بين قراءتين أو بين سيرتين

 

هذه سيرتي مع شريعتimg044ي كتبتها في العام,1998 وحاولت أن أنشرها وقتها في الصحافة المحلية، لكني لم أتمكن من نشرها. بعد ثلاث سنوات تمكنت بحماس من عبدالله يتيم من نشرها في مجلة البحرين الثقافية، واليوم أعيد نشرها حرفياً ضمن هذا البروفايل المخصص لعلي شريعتي، بمناسبة مرور ثلاثين عاماً على استشهاده.

منذ مدة زمنية وأنا أحاول قراءة المفكر علي شريعتي إلا أني لم أجد الفرصة المناسبة، في هذه الأيام عثرت بالصدفة على كتابه ” الإنسان والإسلام ” الذي يضم ست محاضرات ألقاها في إحدى الجامعات الإيرانية العام .1967

أزحت جميع الكتب والمقالات والكتابات المتراكمة على طاولتي ورحت أقرأ فكر هذا الرجل، حاولت أن أقرأه قراءة تعرفية أولى أستمتع فيها بأفكاره وشواهده وأمثاله المندسة بين السطور، إلا أني لم أستطع الاسترسال في هذه القراءة؛ فالحس النقدي والرغبة في التحليل عادة ما يعكران مزاج هذه القراءة، حاولت أن أمنع نفسي من وضع الخطوط والإشارات وتسجيل الملاحظات إلا أنني لم أستطع بل إن القراءة تطلبت إحضار مجموعة من الأوراق تتسع لهذا الكم الهائل من الأفكار المتولدة من القراءة.

تحولت إذاً القراءة من الاستطلاع والتعريف؛ لتأخذ وضع الاشتباك والتصيد والاكتشاف، رحت أقرأ الأسماء والإحالات والنبرات، لا أخفي أنني كنت أحاول في حركة خبيثة تصنيف الرجل، كانت تنتابني أسئلة من نوع هل هو إسلامي؟ إلى أي درجة يتماثل مع أفكار الكتاب الإسلاميين؟ هل يحمل خطابه شيئاً جديداً يستحق القراءة؟ إلى أي درجة يخضع خطابه لما يسميه محمد أركون إيديولوجيا الكفاح؟

هذه الأسئلة الأولية كانت مهمة بالنسبة لي شخصياً، لقد كنت أخشى أن أصاب بالخيبة، فأفق انتظاري كان يتوسم في الرجل قدراً كبيراً من الانفتاح المعرفي يميز خطابه عن بقية الخطابات الإسلامية المغلقة بأيديولوجيتها، لقد كانت الخشية تزداد اضطراباً مع كل سطر وبعد كل صفحة خصوصاً حين ترد مفردات (الإسلام – الغرب – الشرق – الرؤية الدينية) فالشحنات التي تحملها هذه الكلمات كفيلة بإشعال حرب فكرية تحرق الأخضر واليابس من العقول المعرفية.

ب دأ الخوف يتلاشى؛ فأسماء المفكرين والفلاسفة المعاصرون بدأت تأخذ مكانها والإجراءات المنهجية لعلم الاجتماع الديني بدأت تمارس فعلها، شعرت بالرغبة في التحول إلى مبشر يوجه العقول المتدينة نحو قراءة كتابات هذا المفكر؛ ففيها تحولات كبيرة نحو تحديث img042خطاب الفكر الإسلامي وفيه ثوابت تحفظ الضمير العقائدي من آلام الجروح المعرفية التي تخدش قلوب المفعمين بثوابت الدين التقديسية.

شعرت بارتياح لا لكون الرجل يراعي حساسية شعوري الديني؛ فأنا مارست خدش هذه الحساسية بنفسي منذ أن اشتبكت بمنهجيات العلوم الإنسانية الحديثة، وأنا الآن لا أشعر بالألم فقد تولت هذه المنهجيات استئصال هذه الحساسية ومنذ ذلك الحين وأنا لا أشعر بأي حساسية والحمد لله.

ما مبعث الارتياح إذاً؟

سؤال يحاول أن يطوق مراوغة خطابي، وأنا وإن كنت أحاول أن أتخلص من هذه المراوغة – بالمعنى المعرفي وليس الأخلاقي – إلا أني أجد نفسي بشكل لا شعوري أتخفى وراءها، ربما تكون هذه الاستراتيجية سمة بنيوية لا تبرأ منها الخطابات، فالخداع والمراوغة يمثلان – كما يرى فوكو – البنية التي يقوم عليها كل خطاب.

لأرجع إذاً إلى السؤال – صدقوني إني أحاول أن أقاوم هذه المراوغة – سؤال الارتياح من هذا الخطاب، الحقيقة – كما تبدو لي الآن – هي أني وجدت في خطاب شريعتي ما يمكن أن يمثل قنطرة يمكن العبور بواسطتها نحو مرحلة التحرر من الايديولوجيا الدينية، أي يمكن قراءة شريعتي من قبل المتأدلج دينياً قراءة مقبولة بوصف شريعتي مدافعاً عن الإسلام وإيديولوجيته وإن كان هذا الدفاع يخرج على الكثير من التصورات التقليدية، تبقى محاولة شريعتي مقبولة طالما أنها لم تعلن قطيعتها مع المبادئ الايديولوجية ذات الأبعاد الدينية.

التحديثات التي أدخلها شريعتي على خطاب الحركة الإسلامية – وإن كانت التسمية غير دقيقة في هذا الموضع – تستدعي قراءة نقدية تبرز أهمية المحاولة وما حققته من إنجازات وما أخفقت فيه من محاولات وما وصلت إليه من فتوحات معرفية.

إننا مع خطاب شريعتي أمام محاولة تحديثية تستعين بالمنجزات الفكرية الغربية لقراءة واقعها الاجتماعي ذي التكوين الديني، إنها تستعين بهذه المنجزات لكي تقوم بعملية تطوير وتحديث من دون أن تخرج عن روح مجتمعها وثوابته الدينية، وهذا ما يجعل من قراءته مقبولة إلى حد ما في البيئات الدينية، إلا أننا لا نقرأه من هذا المنطلق ولا نؤوله انطلاقاً من هذه الثوابت، فقراءتنا أبعد ما تكون عن الارتهان إلى ثوابت اجتماعية أو أطر مجتمعية تحدد نطاق حركتنا النقدية، إننا نقرأ خطاب شريعتي بوصفه محاولة فكرية رامت تجديد الخطاب الديني عبر تقديم محاولة تأويلية لمتبنياته العقائدية ومنطلقاته الفكرية (انظر على سبيل المثال التمايزات التي يقيمها بين التشيع الصفوي والتشيع العلوي).

لقد قرأت شريعتي في سنتي الجامعية الأولى فوجدت في خطابه ثورة تجديدية تقوم على إحداث قطيعة مع التصورات التقليدية للدين فأغرتني هذه الثورية لاعتناق الايديولوجيا الدينية في شكلها الحديث الذي يقدمه خطاب شريعتي، إلا أني اليوم أعاود القراءة من جديد – بعد ثماني سنوات من القراءة الأولى – لأكشف ما كان مستوراً عني لعلي أعيد الاعتبار لذاتي المفكرة التي كانت خاضعة لمنطق وصائي تابع، ربما هذه القراءة تكون إعلاناً بشكل من الأشكال عن مرحلة الاستقلال التي كانت مغيبة تحت تراكمات خطابية لعبت دور الملقن الذي يقول لنا ما ينبغي أن يقال وينطقنا بما يجوز النطق به.

ستكون القراءة إذاً خلافية وربما تكون من الناحية النفسية انتقامية، تثأر لنفسها بما انتهك من حقها في الماضي من استغفال واستحمار- كما يوحي بذلك كتاب شريعتي ( النباهة والاستحمار ) – الانتقام هنا ليس من شريعتي ولا من خطابه بل من طريقة التلقي التي شكلتها خطابات تلك المرحلة، التلقي كان يعني تسلّم أفكار العظماء من الكتاب والمفكرين، تسلّما يحل أفكارهم ورؤاهم في ذاتنا من غير أن يكون لهذه الذات حضور تعلن به عن نفسها، الانتقام يأتي اليوم على صورة إعادة اعتبار لهذه الذات لتقول هي أيضاً رؤيتها الخلافية. كيف يبدو خطاب شريعتي إذاً وفق رؤية هذه الذات ؟.

شريعتي مثقف ملتزم، وهذه الصفة هي مصدر قوته، وفي الوقت نفسه مصدر ضعفه بوصفه مفكرا، قوته لأنها دفعته لقراءة واقعه الاجتماعي والثقافي وحركته لتغييره، وضعفه لأنها شغلته كثيراً لدرجة أنه لم يكن يرى إلا ما يمكن أن يمثل التزاماً اجتماعياً وسياسياً كل ما لا يجد أثره المباشر من الأفكار في واقعه الاجتماعي كان يغيب عن ساحة تفكيره بل إن هذه الصفة دفعته في كثير من الأحيان لتبني مواقف تقييمية يطلق من خلالها أحكام قيمة على الأشياء من غير اعتبار لذاتها فالمهم هو ارتباطها بالمجتمع، وبمدى قدرتها على التغيير تكتسب قيمتها الإيجابية ربما كان شريعتي يعمل تحت مظلة مقولة ماركس ” علينا أن ننشغل بتغيير العالم لا بفهمه ”.

لimg053قد كان الالتزام موقفاً تقدمياً جعل من خطاب شريعتي خطاباً جماهيرياً بعيداً عن النخبوية كما أنه أكسب نبرة خطابه بعداً تحريضياً يستثير القارئ للنزول إلى الشارع للثورة ضد قيمه وعاداته المتخلفة.

الالتزام كان يشغل خطاب شريعتي وأفق قارئه بالتغيير وأساليبه، يقول أبو الحسن بني صدر ”في العام 1963 كنا معاً في باريس، نبحث عن جواب عن السؤال الملح : ما العمل ؟ ”

الفهم يأتي ضمن خطة العمل لكنه لا يحضر كأولوية بل كمتطلب يخدم هدفا أسمى؛ لذلك كثيرا ما يُضحى به حين يكون وقع العمل أشد من وقع متطلبات الفهم، لم يكن العمل ضمن خطة الفهم؛ فالظرف التاريخي والسياق الاجتماعي يقولان للمثقف عليك الالتزام بنا والانشغال بقضايانا المباشرة، وهذا النداء هو الذي استجاب له شريعتي وصاغ مشروعه النهضوي على أساسه، لقد كان شريعتي يتمثل بمقولة الفيلسوف شاندل ”إن مجتمعا متخلفاً وغير واع، إنما يحتاج إلى قيادة ثورية هادية. ففي هكذا مجتمع، تكون الديمقراطية عدوة للدمقراطية”.

إذا كانت الديمقراطية السياسية تعد في هذا المجتمع المتخلف عدوة لنفسها، فإنها تعد على المستوى الفكري ترفاً ينبغي الحد من التمتع بملذاته، القيادة الثورية هي خلاف ما تبدو عليه في هذه المقولة، فهي ليست سياسية وإدارية كما قد تبدو بل هي قيادة فكرية تتولى تحريك أفكار الجماهير من غير أن تسمح بممارسة ديمقراطية التفكير تلك الديمقراطية عدوة ذاتها.

إن شريعتي لا يكتفي بالتنظير الثوري لمجتمعه بل راح يقرأ التاريخ وفق هذه الرؤية، وأخذ يعطي تفسيرا لفكرة الإمامة يتطابق وهذه الرؤية، الإمامة المبنية على فكرة الوصاية في التاريخ الإسلامي تمثل ” الفلسفة السياسية لمرحلة معينة من الثورة، حيث كانت الحاجة لاستمرار الرسالة الاجتماعية للمؤسس الفكري والاجتماعي للحركة وحيث كانت الإمامة قائمة على أساس ثوري وضرورة من أجل إتمام رسالة الثورة عبر أجيال حتى تتمكن الجماعة من الوقوف على قدميها، آنذاك كانت نهاية الإمامة ونهاية مرحلة الوصاية التي كانت مرحلة ثورية خاصة ومحددة وبدأت مرحلة الشورى والبيعة والإجماع أي مرحلة الديمقراطية وهي الشكل الدائم والاعتيادي واللامحدود لتنظيم وقيادة المجتمع ” / الأمة والإمامة، نقلا عن فاضل رسول ”هكذا تكلم على شريعتي”.

هذه الفكرة تثير الكثير من الجدل وتستثير الكثير من القضايا والنتائج التي يمكن أن تقرأ في ضوئها كثيرا من المتبنيات العقائدية، لكننا لن نخوض في ذلك لكوننا نقرأ القضايا الكبرى التي شغلت فكر شريعتي وأنتجت خطابه، ولكون الأطر الاجتماعية الدينية لا تسمح لنا بذلك. على هذا النحو تعمل إذاً صفة الالتزام، إنها لا تكتفي ببناء الذات بناء رساليا يثير فيها الإحساس بالمسؤولية الملقاة على عاتقها، بل تتغلغل في آليات اشتغال العقل لتوجه الذات المفكرة وهي تنتج خطابها وجهة ملتزمة بخط ثوري، أي أن صفة الالتزام لا تكتفي بحض الذات على العمل والإنتاج والإحساس بالمسؤولية الاجتماعية بل تتدخل في فرض خططها وطريقة تفكيرها وإعطاء مسمياتها.

لنمضي مع خطاب شريعتي وهو يتحلى بهذه الصفة الالتزامية في قراءته للتاريخ.

إذا كان شريعتي متأثرا بالفلسفة الماركسية قد قرأ التاريخ قراءة مغايرة للتاريخ التقليدي الذي كان يحكي قصص الملوك والأمراء ويروي قصص البطولات الخارقة فإنه لم يتمكن من التخلص من الروح الانتقائية التي كانت توجه القراءة التقليدية، قراءة شريعتي هي قراءة مضادة للقراءة التقليدية لكنها لم تغادر روحها القائمة على إبراز جانب وإخفاء جوانب أخرى أو الاحتفاء بنموذج واحتقار نماذج أخرى، لقد كان شريعتي ينقب في التاريخ عن روح التمرد ضد الظلم والاستلاب والتخدير أي عن روح الثورة في كل شكل من أشكالها، كل ما كان خارج هذه الروح كان مصيره الإهمال والإغفال، لم تكن هذه القراءة إلا الوجه الآخر من وجه القراءة التقليدية الانتقائية الموجهة التي تسبر التاريخ برؤية تبحث عما يتطابق معها أي تبحث عن شواهد تعزز مقولاتها، من هنا يأتي احتفاء شريعتي بأبي ذر وسلمان الفارسي والإمام الحسين وكل النماذج الثورية.

إن روح الذات الثورية التي كانت تمثل الجانب المفعم من شخصية شريعتي حاضرة في هذه القراءة تنتقي وتختار ما يتطابق معها ويعزز نهجها ويخدم توظيفاتها المعاصرة، التاريخ يحضر في كثير من الأحيان كشاهد ونموذج للاقتداء. 

img060

لابد أن نسجل هنا أن شريعتي كان يتمتع بقدرات ذكية في تأويل الأحداث التاريخية تأويلا معاصرا، لا يتعارض مع منطق العلم الحديث والفلسفة الثورية إلا أن هذه التأويلات التي تبدو للوهلة الأولى مقنعة جدا، لا تلبث أن تكشف عن تورط أيديولوجي وإن كان يحمل صبغة حديثة، هذا التورط يتمثل في أن شريعتي لم يتمكن من التجرد من إطاره المذهبي في قراءة التاريخ الإسلامي قراءة اجتماعية نفسية مجردة تنظر إلى التشكلات المذهبية والحزبية بوصفها رهانات معنى وصراع تأويلات، إنه بدلا من ذلك راح يُسبغ على جذوره الدينية التي شكلت مذهبه العقائدي صبغة حديثة تتلاءم مع الوعي الحديث القائم على فكرة مقاومة الاضطهاد والاستغلال واليقظة بأهمية تشكيل مجتمع يتمتع بحقوق إنسانية متساوية.

إن شريعتي يقدم سردية جديدة للتاريخ الإسلامي بوجه عام وللتاريخ الشيعي بوجه خاص هذه السردية رغم تقدمها على النمط التقليدي فإنها أوقعت نفسها في المأزق الأيديولوجي الذي لم يستطع التخلص من أثر التكوينات العقائدية التي تفرض على المفكر الإخلاص لرسالتها ولجماهيرها، لقد كانت الجماهير المثقفة تتلقى رواية شريعتي بشيء من الانتشاء؛ فهو كراوٍ استطاع أن يخلص (مرويه) من كثير من الشوائب التي علقت به طوال مسيرة تاريخه، والجماهير (مروي) لها كانت تشد على أيدي هذا الراوي الذي نذر نفسه لها رغم أنه كان يقدم سرده للتاريخ في صورة تأويل حديث وليس في صورة مادة خام مكونة من نصوص عتيقة – تبدأ بقال وحدث وروى لتفتح سلسلة العنعنات على مجموعة من الرواة الذين يطوقون النص المروي – رغم ذلك فإنه قد نجح في إقناع كثير من الجماهير المثقفة بروايته، ولا عجب في ذلك؛ فهو مفكر ثوري يحسن الدفاع عن أفكاره ويجيد توضيحها ويتقن أساليب التبشير بها كما لا يفوته إيجاد التبريرات المناسبة لما يتعارض مع تأويلاته.

لقد استضاء شريعتي في قراءته للتاريخ بمنجزات العلوم الإنسانية الحديثة التي تلقها في فرنسا حين كان طالب دراسات عليا، ولم يدفعه تكوينه الديني ليقف منها موقفاً مضاداً، وهذه من المرات القلائل التي يتقبل فيها مثقف ديني هذه المعرفة الحديثة ويوظفها في قراءة ثقافته قراءة تاريخية.

ومن المفارقات غير المألوفة أن يكون شريعتي المنحاز للرؤية الدينية للكون من الممجدين للفلاسفة الغربيين المعاصرين الذين تجاوزوا الديانات وأعلنوا موت الإله بل إنه يضعهم فوق قمة مخروطه – يتكون من ثلاث طبقات النجوم والانتلكجول (المشتغلين بالعقل) وعامة الناس – بوصفهم نجوماً يعملون على تبديل الأنماط السائدة في المجتمع ويقدمون رؤية جديدة لعصرهم وينقلون النسق الحاضر للفكر والشعور والأخلاق والثقافة والعلم والحياة الاجتماعية إلى نسق آخر’’ الإنسان والإسلام/ص.157 إن هذا المثقف صاحب الرؤية الدينية لا يكتفي بذلك بل يعمد في إحدى محاضراته التي قدمها في الستينات لطلبة كلية النفط إلى تعداد أسماء هذه النجوم والإشادة بها والتعريف بأهم كتبها المنقولة إلى لغات العالم الثالث، يحضر في هذه الإشادة سارتر واينشتاين وهايدجر وشاندل وماكس بلانك. .. الخ.

رغم هذه الإشادات التي أبعدت خطاب شريعتي من أسلوب رجم الغرب هذا الأسلوب المألوف في الخطاب الديني إلا أن شريعتي لا يفوت فرصة النقد وإثبات سلسلة الإخفاقات التي مني بها الغرب بسبب فشله في إيجاد الإنسان المتوازن في حاجاته النفسية والمادية، لم يكن الآخر الغربي / المادي يحضر في خطاب شريعتي بوصفه شريكاً إنسانياً في المعرفة بل بوصفه مبدعاً – ليس بالمعنى الديني -ضالاً يجب إبطال رؤيته الكونية بإثبات صحة خطاب رؤية الأنا الإسلامية، لكن نمط هذا الحضور لم يمنع شريعتي من أن يستفيد من هذا الآخر ويحاوره ويستثمر إنتاجه المعرفي ويدين له بذلك، إن شريعتي يستورد هذه العدة المنهجية في التحليل والنقد من الغرب كما نستورد التكنولوجيا ولكن من غير أن يتأثر برؤيته الكونية المادية.

إنه ينتصر للرؤية الدينية للكون ويعيد إنتاجها ويمنحها بعداً دلالياً حديثاً وفق img046 منطق نظري مثالي بعيد عن المنطق التاريخي وشروطه إنه لا يقرأ هذه الرؤية ضمن نطاق شرطها التاريخي، أي كيف تجسدت تاريخيا، فهو يكتفي بهذا الطرح المثالي الذي يسوقه في معرض هجائه للرؤية المادية التي أفرغت الإنسان من مضمونه الروحي الذي حرصت الرؤية الدينية على إشباعه. يبدي علي شريعتي اهتماما شديدا بقراءة تشكل المفاهيم الاجتماعية المتعلقة بالدين وتشكل المفاهيم الدينية المتعلقة بالمجتمع وتأويل المجتمع لها، يقرأ كل هذه التشكلات الخطابية قراءة تاريخية حديثة تستعين بمنهجيات علوم الإنسان التي بلورتها الحضارة الغربية إلا أن هذه القراءة تقف عند مقدسات لم تستطع تجاوزها؛ فهي تبعد من ساحة تفكيرها ما يتعلق بطبيعة المعرفة الدينية ورؤيتها وصياغتها للإنسان تاريخيا، تتعالى هذه الرؤية عن النقد والقراءة ويتجند شريعتي للدفاع عنها لحمايتها من ضربات التاريخ، وهي تبعد أيضا عن تفكيرها إمكان إخضاع مفاهيمها العقائدية للقراءة النقدية هي تكتفي بإعطاء تأويل حديث لها مع توجيه انتقادات لتاريخ تشويهها، إنه يقوم بإعادة صقلها ولكن من دون القدرة على تجاوزها، تشحن هذه المفاهيم بحمولات جديدة توسع من قدراتها وتضمن بقاءها حية تمارس هيمنتها الدينية، هذه هي الاستراتيجية التي اتبعها في قراءة مفاهيم : الوصاية والإمامة والعصمة والولاية والشفاعة والتقليد والانتظار والغيبة.

تبقى هذه المفاهيم منتظمة في تشكيلتها الخطابية التي تصوغ ايديولوجية المتدين من دون أي زحزة تراتبية أو قيمية، يكفي أن ننفض عن هذه المفاهيم الغبار التاريخي الصفوي في الحالة الشيعية والأموي في الحالة السنية لتتألق قدراتها في صياغة الإنسان والمجتمع.

لماذا لم تطل ثورة شريعتي منظومة المفاهيم ونظم تشكيلها للإنسان، واكتفت بإعادة تأويلها بنفض غبار التاريخ الاجتماعي عنها؟ لماذا لم تزح الغبار المعرفي؟

سؤال يضعنا في قلب السياق المعرفي الذي كان يشتغل فيه شريعتي، فالمعرفة النقدية التي كان يشتغل فيها محكومة بسياق اجتماعي وسياسي وحضاري، سياق الصراعات الأيديولوجية بين مختلف التيارات التي كانت تتنافس على الفوز بمناقصة مشروع النهضة والتقدم، صاحب المشروع هو الشعب الذي كان بتطلعاته وأمنياته ومتخيلاته يحدد شروط إنتاج خطاب علي شريعتي، لقد فرضت هذه الشروط على هذا الخطاب أن يتبنى إيديولوجية تضع في اعتبارها مكونات الجماهير الثقافية وتراثها الروحي.

لقد كان شريعتي واعيا لأهمية إنتاج هذه الإيديولوجيا ومدركا لأثرها الثوري في صنع الحضارات؛ وتأكيدا لأهميتها بالنسبة لمشروعه أخذ يفسر القفزات الحضارية للشعوب عبر التاريخ بهذه الروح الثورية التي تعمل الأيديولوجيا على ضخها.

قدمت هذه الأيديولوجيا نفسها في صياغة مقنعة عبرت عن نفسها بمشروع ‘’ العودة إلى الذات ‘’ الذات الإسلامية بعد تنقيتها من أجواء التاريخ الملوث، لقد كان مفكرو بلدان العلم الثالث مشغولين ببناء ذوات مجتمعاتهم المعرضة للاستلاب والاستحمار من قبل الدول المستعمرة، الذات /الأيديولوجيا التي كانت تشغلهم هي الذات الثقافية وما تحمله من تراث حضاري وزاد روحي، العودة إلى الذات هنا عودة إلى محمولات ومضامين الروح الجماعية التي تمثل الوجود الحقيقي بما فيه من ماهية وهوية لا الوجود المجازي الفيزيقي – هذا التمييز بين الوجودين يستعيره شريعتي من هايدجر – الذات في هذا المشروع تبحث عن وجودها الحقيقي الخاص؛ لتطرحه سلاحَ مقاومة للثقافة الغربية التي يسعى الاستعمار لفرضها كثقافة أممية كونية.

التجديد في المضامين والمحمولات الثقافية تطلب من شريعتي مناهضة المشروعات الأخرى ذات الطروحات الغريبة على الأنا الاجتماعية ذات الصبغة الدينية كما تطلب أيضا مقاومة المشروعات الحديثة ذات الطروحات الدينية التي احتفت بأشكال ثقافية يعدها شريعتي متخلفة كمطالبة بعض المتدينين ‘’ بالسيطرة من جديد على المدارس القديمة وإحياء اللحى والعمائم التي ضاعت والعودة إلى التكايا وإقرار إنشاد الروضة – قراءة السير والمقاتل والمواليد – في المنازل وتشكيل هيئات الدق على الصدور والضرب بالسلاسل ‘’ العودة إلى الذات /ص.57 هذه هي مشاغل العودة إلى الذات في خطاب شريعتي، لم تطرح الذات بوصفها عقلا يمتلك نظام تفكير معرفي (ابستملوجيا) بحاجة إلى مراجعة آليات إنتاجه، لم تطرح الذات بوصفها عقلا مكوَّنا كونتها مجموعة من المنطلقات والمبادىء المنطقية والشروط التاريخية، ولم تطرح بوصفها عقلا مكوِّنا يفرض نمط تفكيره وشروط إنتاجه على كل العقول التي تعيش في محيطه. ربما يكون الظرف التاريخي وراء هذه المغيبات عن ساحة التفكير، وربما يكون الهم الأيديولوجي يتطلب إبعاد التفكير عن كل ما يتسبب في تفكيك الذات ولو على المستوى المعرفي؛ فالذات أحوج ما تكون في هذا الظرف إلى الصفاء النفسي لكي لا تزعج نفسها بكشف عورات نظم تفكيرها.

رغم كل ذلك يبقى مشروع شريعتي محاولة جريئة مميزة من بين كل المشروعات التحررية، يحمل من الأصالة الفكرية ما يستحق تجشم عناء القراءة والنقد والحوار، ولعل الجرأة التي تكبد عناءها هذا المشروع هي التي تقف وراء استبعاده من قبل كثير من المتدينين والمتحررين الإيديولوجيين، المتدينون لم يتحملوا جرأته والمتحررون لم يستوعبوا أو لم يريدوا أن يستوعبوا الحياة الجديدة التي بعثها شريعتي في الشكل الثقافي الديني، لقد أخرج شريعتي المكون الديني من الصومعة والطقوس العبادية التقليدية إلى فضاء الممارسات الإنسانية والثقافات الكونية متحررا من ثقل التراث الاجتماعي الديني الذي كان ينوء بثقل عصور التصومع والدروشة. ولا نبالغ إذا ما قلنا إن خطاب شريعتي بوصفه خطابا إسلاميا يعد أكثر جرأة وأشد اشتباكا بالقضايا المعرفية من كثير من الخطابات الأكاديمية الإسلامية المعاصرة.

ربما تبدو لغتي هنا أكثر مهادنة ووفاء وتبجيلاً إلا أنها لا تتناقض مع لغة القراءة التي سبرتُ بها خطاب شريعتي؛ فالنقد والاشتباك المعرفي يعدان الوجه الآخر للوفاء؛ فالتبجيل الذي يأتي في سياق هذه القراءة تبجيل بعيد عن المبالغات والسذاجات، من هنا يمكن القول إننا نجل المفكرين بقدر ما نعيد قراءتهم قراءة خلافية، تكشف المستورات من شخصياتهم، وتفتح المستغلقات من إشكالياتهم.

علمانية الراهب..شــيء مـــــن ســــيرة الرهبنــــة والعلمــنــة

25758414-lg

الراهب هنا، ليس كنيسة، ولا أسقفاً ولا قديساً، إنه مسجدنا في قرية الدير، الراهب هو من أقدم مساجد قريتنا، وأرفعها شأناً وجغرافية، وربما لشيء من تسامحنا حافظنا على تسميته المسيحية، من دون تحرج، كما حافظنا على تسمية الفريق المحيط بالمسجد، باسمه المسيحي، مازال هذا الفريق يسمى بفريق الراهب أو فريق الكلية. وكان بالقرب منه، عين، تسمى عين الراهب، وكان موقعها في مدرسة الدير الابتدائية للبنات (القديمة) وقد طمرت.

والكلية كما يخبرنا الباحث الديري علي هلال هي بمعنى الدير أو بيت العبادة، والقلية كالصومعة واسمها عند النصارى القلاية، ولما كان الأهالي يقلبون القاف كافاً كما في ”قران = كران / وقديم = كديم / وقام = كام” وهي لهجة معروفة من لهجات العرب، فكذلك ” القلية = الكلية”. وأصبحت على لسانهم بدلا من القلية، إذاً القلية اسم آخر للدير ولكن انحصر إطلاقه على المكان الذي بني فيه المعبد فقط، أما اسم الدير فقد فاز بالشهرة على المنطقة كلها حتى أصبح اسما للقرية فيما بعد.

رهبنة العلمنة

شهد هذا المسجد بدايات الدروس الدينية في نهاية السبعينات، وأذكر أن أول درس ديني حضرته أنا، كان في هذا المسجد الصغير، كان ذلك في ,1982 كنت حينها في الصف السادس الابتدائي. الواجبات الركنية في الصلاة هو الموضوع الأول الذي شرحه لنا ببراعة الشيخ حمزة الديري، مازلت أذكر فيها تشبيهه لأركان الصلاة بركن المرمى، استقر هذا التشبيه في مخيلتي كهدف، علي تذكره في كل صلاة. ومازلت أذكر أننا كنا نستمتع وقت خروجنا من المسجد، بالنزول السريع من المنحدر أو التلة التي يقع وسطها هذا المسجد المعتق بالتاريخ.

لم يؤسس الشيخ حمزة، مع رفقائه وأساتذته مشروع الصحوة الجديد عبر الدروس الدينية فقط، بل ترافق ذلك مع تأسيس مكتبة المأتم الجنوبي في الدير، وهي المكتبة التي لم أشهدها، لكنها ظلت في مسموعاتي الأسطورية التي تستعاد دوما بفخر، إلى جانب هذه المكتبة، كانت هناك مكتبة مسجد الراهب، وهي المكتبة الأولى التي عرفتها في حياتي، إلى جانب مكتبة الوالد التي ذهبت إليها عبر بوابة مكتبة الراهب.

على رغم قلة كتب مكتبة الراهب، لكنها كانت مفهرسة ومنظمة، ولديها نظام للاستعارة، وأوقات لفتح المكتبة. معظم الكتب أو كلها فيما أذكر كانت دينية إلى جانب أن بعضها سياسية، ومن ضمنها أعداد من مجلة الشهيد. لا أذكر اليوم من هذه المكتبة سوى كتاب محمد مهدي شمس الدين عن العلمانية، تصفحته، وقرأت فيه كلمات من نوع الاستعمار والإسلام والكفر والتغريب. بدا لي الكتاب صعباً، لكن بالاستعانة بأمين المكتبة عرفت أن العلمانية ضد الإسلام وأنها (شي مو زين).

علمانية الراهب

هذا هو الدرس الأول فيما سأسميه بعلمانية الراهب. أي العلمانية التي تعرفت عليها في مسجد الراهب. لقد خلق هذا المسجد في نفسي ألفة مع الكتب، لكنه لم يفتحني على القراءة، سيبدأ مشروع القراءة في الصف الثاني الإعدادي، مع تأسيس مكتبتي الخاصة عبر مشروع (50 فلساً لبطنك و50 فلسا لعقلك).

هي لم تكن مكتبتي، لكنها نواة لما سيكون فيما بعد مكتبتي الخاصة. كان مشروع الخمسين فلساً، استجابة إلى النداء الداخلي الذي صاغته فينا الدروس الدينية في القرية، هناك في داخلك ما يحركك لتعي واقعك وعالمك ودينك، والكتب هي إحدى وسائل بناء الذات المؤمنة الرسالية الواعية، كنا مدفوعين بهذا النداء أنا وصديق الطفولة والمأتم والمدرسة، أحمد رمضان وعقيل عبدالرضا.

كونَّا صندوقاً تأسيساً للمكتبة، من دون جمعية عمومية طبعاً، كنا ندخر خمسين فلساً يومياً من مصروفنا الخاص للمكتبة، فيما تذهب الخمسين الباقية إلى بطوننا.كما توفرت المكتبة على مصدر دخل آخر، فقد تعلمنا صناعة المسابيح من التربة الحسينية من مصنع الترب في مسجد الخيف بالقرية، وفتحنا مشروع صناعة المسابيح الحسينية، وبحسنا الديني النقي، وجدنا أن المتاجرة بالتربة الحسينية لا ينبغي لها أن تكون دنيوية، وكانت الكتب فيما نراها تجارة للآخرة، لأنها تعدك لتكون مسؤولاً في الدنيا عن تحقيق رسالتك السماوية.

نداء الكتب

بعد مفاوضات يسيرة، اتفقنا أن نجعل مقر مكتبتنا أرفف مجلس بيتنا، كانت تأتينا الكتب من مشروع دار التوحيد بالكويت، والبقية نشتريها في الإجازات من مكتبة الماحوزي والإرشاد والبحرين والوطنية، والمكتبة الإسلامية، كان النقل العام وسيلتنا لبلوغ المنامة، وأحياناً يأخذنا أساتذتنا في المأتم.

القراءة وتكوين المكتبة مثّل لنا عملا دينيا تماما كما العبادة هي عمل ديني. لم يكن أحد من أساتذتنا في المأتم يحدد لنا ما نقرأه. لكن دروسهم كانت تقول لنا ذلك بشكل غير مباشر، ودرس علمانية الراهب، ظل أيضا يقول لنا ذلك بشكل غير مباشر.

الدرس الذي استقر في تكويننا، ظل يذكرنا دوماً بالحذر من الكتب غير الدينية، صارت حساسيتنا القرائية محكومة برسالة تقول: لا تقرأ كتاباً يهز يقينك الديني، إن لم تكن تملك حصانة تحميك من كتاب ما فلا تقرأه. ليس لأننا نمنعك من القراءة، وليس لأننا نخاف من المختلفين عنا، وليس لأننا لا نملك حجة في الرد، بل خوفا عليك، ولأنك لا تملك ما يُمكّنك من الرد. كنا مشبعين بيقن مفرط بالفكر الديني الذي نصدر عنه، لديه حل لكل شيء، ولديه رد على كل شيء، ولديه الأفضل في كل شيء، لم يساورنا الشك أبداً في أننا نملك الحقيقة كلها.

درس العلمنة الأول

في المرحلة الإعدادية، كانت مكتبة والد صديقي أحمد رمضان، قريبة من مجلسهم وهو مكاننا المفضل للاستعداXY5G9972د لامتحانات نهاية العام الدراسي، في هذا المكان شاهدت لأول مرة جهاز يسمى كمبيوتر، كما شاهدت لأول مرة كتبا لا تشبه أغلفتها أغلفة كتب مكتبة مسجد الراهب، وعناوينها لا تصدر عن إيقاع موسيقى كتب مكتب الراهب، وأسماء مؤلفيها لم تألفها حساسية ذاكرتي المأتمية.

يمكنني أن أقول إن درس العلمنة الأول تعلمته بشكل عرضي في هذه المكتبة، والدرس هو أن هناك عالما آخر من الكتب هو غير الكتب الدينية أو الكتب التي تصدر عن فكر ديني. كنت بفضول أقرأ عناوين هذه الكتب، وأتصفح أوراق الجريدة اليومية التي يحرص والد صديقي عيسى رمضان على قراءتها، شاهدت مرة كلمة العلمانية بخط كبير وإلى جانبها رجل أصلع  اسمه فرج فوده، قرأت شيئاً يسيرا من المكتوب وعرفت أنه يهاجم الإسلاميين، فكرهته حد البغض. لكني لاحقاً وجدت كتبه في مكت بة والد صديقي، فاستعرتها فضولاً وأتذكر أني لازمت قراءة كتابه (الحقيقة الغائبة) حتى وأنا أنتظر موعدا لي بالمستشفى، أعجبتني جرأته في قراءة تاريخ الخلفاء العباسيين ووجدت فيها ما يؤيد موقف دروسنا الدينية من الخلافة العباسية والأموية، لكني أخفيت هذا الإعجاب، فالرجل يبقى علمانياً وضد الإسلام.

 

الذهاب إلى جامع الدراز

في السنة الجامعية الأولى، من العام ,1990 بدا لنا أن الدرس الجامعي يقدم لنا ما يصدر عن غير ما كنا نصدر عنه، استشعرنا لأول مرة بخطر غزو الآخر، شعرنا أن طهارة معرفتنا ونقاءها، مهددة بهذا الدرس. أخذتنا الغيرة الدينية إلى الذهاب إلى جامع الدراز، صلينا الظهر خلف الشيخ عيسى قاسم، أنا وصديق قراءاتي جعفر إبراهيم الطعان، وطلبنا أن نتحدث مع الشيخ على انفراد، شرحنا له مخاوفنا، وأوضحنا له أننا لا نخشى على أنفسنا فلدينا من اليقين والمعرفة والقراءة ما يحصننا، لكننا نخشى على الآخرين من أن يتأثروا بأفكار لا تلتقي مع الفكر الإسلامي الأصيل، طلبنا من الشيخ ضرورة التحرك السريع لوضع حد لهذا الخطر. لا أتذكر الآن رد الشيخ، أتذكر فقط أنه شكر غيرتنا ووافقنا أو بدا أنه وافقنا الشعور بهذه الخطورة.شعرنا بارتياح لأننا قمنا بواجبنا الديني، ولأن الشيخ تفهم الخطر الذي شعرنا به، ولأن رسالتنا أوصلناها بشكل جيد.

مضينا في درسنا الجامعي، مشككين في أصالة المعرفة التي يقدمها، وكنت شخصياً أنتظر بفارغ الصبر إنهاء سنواتي الجامعية، لألتحق بدرس الحوزة، فهناك المعرفة الحقة الأصيلة التي يمكن الوثوق فيها. عرفت لاحقاً أن الشك في صدق المعرفة ومصدرها وقيمتها ومعياريتها، مسألة تقع في قلب العلمنة، عرفت ذلك من خلال الالتقاء بكتاب أركون (العلمنة والدين) وكتاب عادل ضاهر (الأسس الفلسفية للعلمانية).

وهذه المعرفة اللاحقة، هي المبرر الذي جعلني أبدأ سرد سيرة تمثلي لمفهوم العلمانية، من المعرفة الأولى حيث دروس مسجد الراهب ومكتبته، فطبيعة هذه المعرفة التي شكلتني، صاغت موقفي وفهمي للعلمانية، وهي بحاجة اليوم إلى مراجعة من أجل أن أفهم تحولاتي وأن أفهم كذلك مجتمعي من خلال هذه السيرة.

صدمة الهشاشة

لقد فتحتني الدروس الدينية على القراءة ونمت لدي إحساسا بالواجب تجاهها، لكنها صاغت فيّ يقيناً مفرطاً وغروراً بامتلاك الحقيقة الحقة الصحيحة، بهذا اليقين المفرط أو لأقل بهذا الغرور المعرفي المفرط، تلقيت كتاب عادل ضاهر (الأسس الفلسفية للعلمانية) في العام 1993م. كان صديقي جعفر الطعان هو من اكتشف الكتاب، وحمله إليّ بعد قراءة الفصول الأولى، قال لي هذا كتاب خطير ومهم، وبحاجة إلى أن يردّ عليه. كان يصدر عن حساسية اليقين الديني نفسه، قلت له لابد أن أحداً من مفكرينا الإسلاميين سيتولى هذا الأمر، وسيظهر ضعفه وتهافته كما فعل السيد محمد باقر الصدر في كتابه (فلسفتنا) و(اقتصادنا).لم نكن نشك أبدا أن لدينا الحقيقة الدامغة، هي فقط تحتاج إلى من يظهرها.

استمر جعفر في قراءته، وكان يطلعني على أوراق تلخيصه للكتاب. ويدفعني إلى قراءته، من أجل أن نعقد جلسات نقاش حوله، كما كنا نعقد جلستنا مع كتاب العدل الإلهي للشهيد مطهري، لكن مع فارق أننا كنا نريد تفنيد الكتاب، في حين كنا مع مطهري نريد تثبيت الكتاب، تثبيته في قلوبنا وعقولنا، لنزداد يقينا.

بدت لي لغة الكتاب صعبة وجافة، ووجدت أن معرفته المنطقية والفلسفية تفوق تكويني، لكني لم أعترف بهذا النقص، وكابرت، وعقدنا بعض الجلسات التي فتحت لي مغاليق هذه الأسس الفلسفية. ظلّ الكتاب معنا مدة طويلة، ولولا حماس جعفر وإصراره لكنت انصرفت عنه. إضافة إلى أن خوفي من الشعور بالهزيمة الداخلية تجاه المعرفة الرصينة التي يقدمها هذا الكتاب، كان سيصرفني عنه، وهو خوف بطبيعته نرجسي ونفسي وجماعي أيضا.

الدرس الأعمق الذي فضحني فيه هذا الكتاب، يتمثل في أنه كشف لي هشاشة تكويني المعرفي، لقد اكتشفت أنني لا أتقن شيئاً من درس الفلسفة، ولا أملك معرفة منطقية رصينة.لا أملك غير تكوين ديني أيديولوجي، فيه الإيمان أكثر من المعرفة، واليقين أكبر من الشك، والامتلاء لا يدع مجالا للعوز، والتبشير يفوق التنظير، والدفاع يسبق الفهم.

الأسس الفلسفية

لأول مرة عرفت أن العلمانية لها أسسها الفلسفية، وأن المعرفة الفلسفية لا تحتاج إلى شواهد من التاريخ ولا نصوص من الدين، أنت أمام حجاج عقلي، عليك أن تصوغ حجتك بالمنطق وتسوغها بالفلسفة. لن يسعفك الاحتجاج بدولة الرسول وممارساته السياسية، ولن تخدمك النصوص القرآنية ولا الأحداث التاريخية.

بدا لي تعريف العلمانية ”فصل الدين عن الدولة” قاصراً عن استيعاب مفهوم العلمانية، ربما هو أحد نتائجها، أو أحد سماتها التاريخية، أو غاية من غايتها، لكن لا يمكن الانطلاق منه لفهم العلمانية، صارت العلمانية مفهوماً مركباً ومعقداً، ولا يمكن اختصارها في جملة جامعة مانعة، كما كنا  نفعل في المدرسة.

غرض كتاب عادل ضاهر أن يبين عن طريق اللجوء إلى اعتبارات فلسفية خالصة (أبستمولوجية ومنطقية أو مفهومية) أن الموقف العلماني هو موقف لا مفر منه من منظور عقلاني وأن مفهوم الدولة الدينية مرفوض من حيث المبدأ.

بهرتني قدرة الكتاب على إدارة هذه الاعتبارات، ووجدت في قوة معالجته، فضحاً لهشاشة الكتابات الإسلامية التي تربيت عليها، بدت لي وكأنها كتب دعوة أكثر منها كتب فكر.استرجعت فكرة صديقي حول أهمية الرد على هذا الكتاب، ووجدتها مستحيلة، فالمعرفة التي ينطلق منها هذا الكتاب ليست من جنس المعرفة التي ينطلق منها الكتاب الإسلاميو ن الذين عرفXY5G9940تهم وقرأتهم، فهم ينطلقون من مسلمات أيديولوجية ودينية وخطابية، وهو ينطلق من أسس فلسفية صلبة. وربما تعزز عندي هذا الاعتقاد أكثر حين قرأت الفصل الثاني من الكتاب، وفيه يفرق بين طبيعة المعرفة الدينية والمعرفة العملية.

المعرفة الدينية هي أي معرفة تكون لدينا عن وجود الله أو صفاته أو أفعاله أو مقاصده وأية معرفة نشتقها منطقيا من السابقة.وهي تبدأ بمعرفتنا أن الله موجود بوصفه الخالق الواحد الأحد والأزلي لكل شيء وبوصفه كلي الحضور وكلي القدرة وكلي المعرفة وكلي الخير وكامل الحرية ومصدرا للإلزام الأخلاقي وواجب الوجود.

المعرفة الدينية

هذه المعرفة هي التي تربيت عليها، وذهبت إلى جامع الدراز أستصرخ الشيخ من أجل تمكينها من أن تكون هي درسنا الجامعي. هذه هي المعرفة التي وجدت في أسسها نهاية العالم ونهاية المعرفة ونهاية الإنسان، لا يمكنك أن تحرك لسانك ولا عقلك ولا جسدك ولا روحك إلا وفق هذه المعرفة، ولا يمكنك أن تشيّد معرفة لا تجد منتهاها في هذه المعرفة.

حتى ما تنشئه من تنظيمات حزبية وأيديولوجية وسياسية عليك أن تشقه من هذه المعرفة، كل ما لا يتخذ من هذه المعرفة مقدمة له أو قناعا له يفقد شرعيته، سواء أكان دولة أو رأياً أو فكرة أو نشاطاً أو سلوكاً أو معرفة.الموقف من هذه المعرفة وأولويتها هو ما يحدد وجودك الشرعي في الحياة، بل الحياة تفقد شرعيتها حين لا تكون هذه المعرفة أساسها.

هذه المعرفة يمثلها (النقل)، وبما هي نقل فهي تسبق الإنسان، تسبق وجوده وعقله، على الإنسان أن يُحكّم هذا السابق في وجوده اللاحق، أي أن يُحكّم النقل. والجملة الشهيرة المعبرة عن هذا التحكيم هي (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها).

التاريخي والمنطقي

تعلمت من هذا الكتاب أن أفرق بين ما هو ذو شأن تاريخي وبين ما هو ذو شأن منطقي، فالعلمانية لا يمكن أن أعرّفها بالأغراض التاريخية التي استهدفت تحقيقها الحركات العلمانية في الغرب. وهي أغراض كانت تهدف إلى التخلص من هيمنة الكنيسة على شؤون السياسة وتحرير السلطة السياسية من أي تأثير مباشر أو غير مباشر من قبل السلطة الدينية المتمثلة بسلطة الأكليروس.

كان مفهوم (النواة السيمانتية أي الدلالية) تجسيداً لهذا التفريق بين ما هو تاريخي وما هو شأن منطقي، وأذكر أني تولعت بهذا المفهوم تولعا غريبا، وربما أفسره اليوم، بأنه يعود إلى أن طبيعة المعرفة الأيديولوجية التي تقدمها الحركات الدينية أو غير الدينية حتى تقوم دوماً على الفوضى الدلالية والخلط الدلالي للمفاهيم، وعبر هذا الخلط تسمم المفاهيم التي لا تريدها فتتشوه في نظر أتباعها، وبهذا تضمن بقاء مؤيديها ضمن هيمنتها. لقد منحني هذا المفهوم مفتاحاً لكشف هذه الاستراتيجية والحذر من آلية عملها في تكويني، وربما كان مفهوم العلمانية هو الشاهد الأكثر دلالة على ذلك. وبدأت أفهمها بكشف أقنعة هذه اللعبة لعبة الخلط الدلالي.

النواة المفهومية

النواة السيمانتية الجوهرية للمفهوم أو السمات الضرورية للمفهوم، هي كما يقدمها كتاب عادل ضاهر، تلك السمات الأبسط للمفهوم ذات الأسبقية المنطقية على كل سماته الأخرى، إنها المكونات الأساسية للمفهوم، إنها ما نشتق منه كل سمات المفهوم الأخرى، سمات مفهوم الديمقراطية مثلا هي الحرية والمساواة بين أعضاء المجتمع بالنسبة للحق في الانتخابات.فهاتان السمتان تحققان غرض الديمقراطية وهو حكم الشعب لنفسه. وبهما السمتين يمكن للمحكومين أن يمنحوا الحاكمين موافقتهم الحرة ليتولوا شؤون الحكم.

من هذه النواة الدلالية المنطقية بدأت النظر إلى العلمانية من منظور كونها موقفا من الإنسان والقيم والدين وموقفا ابستمولوجيا من طبيعة المعرفة العملية ومن طبيعة علاقتها الدينية. وهي مشتقة ليست من العلم، بل من العالم، من دور الإنسان في العالم الدنيوي واكتشافه وعيشه معتمدا في هذا الاكتشاف وهذا العيش عقله مرجعا له. وهذا يعني إعطاء الأولوية للاعتبارات العقلية في كل ما له علاقة بالشؤون الدنيوية. وهذا يعني أيضا أن المعرفة العملية أي المعرفة المطلوبة لغرض تنظيم شؤوننا الدنيوية، لا تجد منتهاها في الدين.

وهذا ما يجعل من العلمانية هي تقديم العقل على النقل. وبهذا التعريف، صار عليّ أن أقلب سيرتي المعرفية التي بدأت بتقديم النقل على العقل.

المتبقي من العلمنة الضاهرية

بدت لي العلمانية من خلال كتاب ”الأسس الفلسفية للعلمانية” موقفاً عقلياً محضاً، لا روح فيه، ولا خيال، ولا خصوصية ثقافية تميزه. موقف متصلب من المعرفة، ومتجهم من الدين، يحتل العقل فيه ذروة السيادة. والمعرفة والأخلاق والقيم تجد منتهاها ومعياريتها في العقل وحده، والإنسان قادر على أن ينشئ عالمه بنفسه، وقادر على أن يدير كل شيء باستقلالية تامة، ومن دون أن يكون بحاجة إلى مرجعية تتجاوزه، والعلمانية الضاهرية – نسبة إلى عادل ضاهر – بدت لي حقبة معرفية يصلها الإنسان بتجاوز الدين، تماما كما هو الأمر عند الوضعية المنطقية كما تجلت عند أوغست كونت، يصلها الإنسان بتحكيم العلم ورفض الخرافة ثم رفض الدين.

لقد كانت الأدوات المنطقية والقدرة الفلسفية التي تميز بها خطاب عادل ضاهر، قادرة على أن تريني هشاشة خطاب الإسلاميين، وأن تشبع فيني استعلاء يريني مقولاتهم في صورة خطاب شعبوي، لا قدرة إقناعية له إلا على العامة من المتدينين البسطاء.

علمنة الروح

مع أركون بدت لي العلمنة موقفا للروح تجاه العالم، وهي إحدى مكتسبات الروح البشرية في بحثها عن الحرية، وهذا لا يعني أنها ليست موقفاً تجاه المعرفة، بل هي كذلك، والإنسان لا تتحرر روحه من غير المعرفة، موقف روحه من المعرفة يحدد شكل وجوده ونمط عيشه.

الروح في خطاب أركون تستحضر تركيبة الإنسان المعقدة، تستحضر عقله وقيمه وسلوكه وخياله ومنطقه وقلبه وحركته المتجلية في كل ما يدل على إنسانيته، لذلك لا غرابة أن يذهب أركون في بحثه عن تجربة العلمنة في السياقات الإسلامية إلى جيل مسكويه والتوحيدي، وهما يصوغان بانفتاح روحيهما حركة (الهوامل والشوامل).

لقد كان التوحيدي مهموماً بفهم الحركة، وتعريف الإنسان من خلالها، وقد اتخذت من فهمه عنواناً لحركة (مدونتي) على الإنترنت، كان هكذا يرى تجليات الحركة في الإنسان ”ثم إن الحركة بعد ذلك في العين طرف، وفي الحاجب اختلاج، وفي اللسان منطق، وفي النفس بحث، وفي القلب فكر، وفي الإنسان استحالة، وفي الروح تشوف، وفي العقل إضاءة واستضاءة”.

لقد فهمت العلمنة بهذا المعنى الروحي، تحرير حركة روح الإنسان بتجلياتها المتعددة من هيمنة الذروة أو السيادة العليا أو الحاكمية المطلقة، سواء جاءت في شكل علم وضعي صارم وأحادي في فهمه للحقيقة، أو جاءت في شكل دين مؤدلج بالسياسة والمصالح والانغلاق، أو جاء في شكل حزب سياسي حديدي إقصائي، أو جاءت في شكل ولاية مطلقة تُعطى لفقيه أو ولي أمر أو زعيم روحي، أو جاء في هيئة سوق رأسمالي مادي يجعل من الإنسان سلعة محوسلة.

العلمنة أن أنفك من هذه الحاكمية المطلقة في صورها المتعددة، وأمارس حريتي بانفتاح على الخيال والعقل والدين والعلم والسياسة والعالم والإنسان والتراث والآخر، العلمنة بهذا المعنى أن تعيش العالم في أوسع ما يمكن.

العلمنة بهذا المعنى نضال روحي قلق ومتوتر تجاه كل ما يحول بينك وبين المعرفة، معرفة نفسك والعالم والآخر، سواء كان ما يحول بينك وبين العالم أيديولوجيا مغلقة أو دين مغلق أو مذهب يقدم نفسه في صيغة طوق نجاة، بعزلك عن الانفتاح على العالم وتناقضاته.

العلمانية تجربة

بهذا أفهم العلمنة تجربة في الوجود في العالم، لا يمكن لأحد أن يحتكرها، ولا يمكن لصيغة من الصيغ أن تستنفد معناها، وهذا ما جعل أركون من أشد الناقدين لتجربة أتاتورك العلمانية، وتجربة اليساريين والاشتراكيين والقوميين، فتجربة أتاتورك مثلا تجربة علموية وليست علمانية، لأنها لم تأخذ في اعتبارها تجربة الإنسان الروحية ومناخها الرمزي وتركيبها التاريخي، كما أنه وقف في الاتجاه المضاد لعلمانية فرنسا في إقصائها للدين من دائرة المعرفة التعليمية في المدارس، لكن لم يفعل ذلك على طريقة من يريدون أن ينشئوا معهدا دينيا لكل طائفة، بل على طريقة من يريد أن يدخل الدين كتجربة روحية وإنسانية تعيشها البشرية في تجليات متعددة.

كما أنه وقف في الاتجاه المضاد للعلمانية التي تريد أن تحتكر العلمنة في تجربة الغرب والمسيحية، وكأنها شأن مسيحي لا يمكن للآخرين كالمسلمين أن يدخلوها. لقد دخل أركون نضالات علمية ومعرفية من أجل أن يثبت أن تجربة العلمنة ممكنة في السياقات الإسلامية.

الجانب الروحي الذي نفاخر فيه في الإسلام من غير العلمنة، يغدو مجرد دوائر صغرى تأخذ تسميات مذهبية وطائفية، وتصبح لكل دائرة روحها المغلقة عليها، هي روح مغلقة على طائفتها ومذهبها وغايتها الخلاص ليس في الدنيا بل الخلاص في الآخرة، وهي مستعدة أن تموت وتعيش محنتها في صراعها الوجودي مع الدوائر الأخرى، بل إن روحانيتها المغلقة لا تتسع للآخرين، وتضيق هذه الروحانية عليها حتى الاختناق. والشاهد على ذلك، ما نشهد من صراعات واحترابات بين دوائر الجماعات الدينية المحلية، صراعات تستنفر فيها أقصى طاقاتها الروحية المذهبية. وربما تكون المنتديات الإلكترونية بعنفها خير ممثل لهذه الروحانية الموتورة.

الدرس الذي نتعلمه من هذه الروحانيات ذات الدوائر المغلقة، أننا بحاجة إلى علمنة تفتح الجانب الروحي في الإسلام على الدنيا والعالم، كي تحتضن روحك كل العالم، وتجاربه الزمنية.

بهذا المعنى لا يمكن أن نفهم العلمنة على أنها احتكار غربي، وقد ولدت في الغرب لأسباب تاريخية صراعية بين الكنيسة والعلم أو بين الكنيسة والعالم، وكي يثبت أركون أنها ليست شأناً مسيحياً خالصاً، راح يقرأ هذه

التجربة في سياق تحرير الإنسان ومعناه في الحضارة الإسلامية، متحررا من أي سلطة تحتكر المعرفة أو الأرض أو السماء أو الإله أو الإنسان أو الشعب أ و التشريع.

 

بهذا التحرير نحمي الدين من أن تتسلط عليه أي جماعة أو سلطة، ونمنحه فضاء حراً ليعيش في الناس كما تتمثله تجاربهم.

بهذا الفهم رحت أفتح روحي على العالم وتجاربه، فالعلمنة بسط تجربتك الروحية، من قبض الانغلاق.

علمنة المعرفة الدينية

المعرفة الدينية، ستغدو شيئاً من التاريخ الماضي إن لم تتعلمن، وتلك مهمة يقوم بها اليوم علم الكلام الجديد، في انتعاشته الإيرانية اليوم، إنه يمثل روحا جديدة منفتحة على العالم بحركة أسئلته ومنطلقاته وغاياته وأفقه ومفاهيمه. المعرفة الدينية التي أنتجها علم الكلام القديم، تشهد على موتها الصراعات الكلامية المذهبية، والحجاجات العقيمة في المنتدياتXY5G9968 الإلكترونية والتلفزيونية التي تنازعها روح طائفية وخلافات عقائدية.

لا غنى للإنسان عن المعرفة الدينية، فهي تجيب عن أسئلته الوجودية والميتافيزيقية، لكنها إن بقيت جامدة خارج حركة العالم وزمانه اعتراها الفساد.فالحركة كما يخبرنا التوحيدي في مقابساته”الحركة كون وفساد، ونمو ونقصان، واستحالة وإمكان، وإنما تباينت هذه الأسماء لمعان تحققت في النفس بالاعتبار الصحيح، فالحركة في النار لهب، وفي الهواء ريح، وفي الماء موج، وفي الأرض زلزلة”.

يبقى الحديث عن العلمنة كما تلقيتها عند عبدالوهاب المسيري، وتلك مهمة أتركها لفسحة أخرى

علي الديري في مكتبة حسن أحمد سلمان في العام 1994

تفكك الهوية وانفتاح الرؤية.. حوار حول تشكل سيرتي الذاتية

أجرى الحورا في مايو 1995: عبدالإله رضي.

يشكل الحدث السيرة؛ فتروي الذات حدث تشكيلها باستعادته في زمن مفارق لزمن الحدث، إنها تتخذ من هذا الزمن المفارق فضاء لحكيها؛ لأنها لا تروي الحدث بقدر ما تروي وعيها بالحدث.

لكن ذاتي – العجولة – لم تنتظر الزمن المفارق؛ لتروي وعيها الكامل ؛ فقد فضلت أن تروي حكايتها في أتون زمن الحدث الذي تشكلت فيه؛ ذلك لأنها لا تروي وعياً كاملا ؛ فالوعي دائماً، ناقص، ويتوق إلى الاكتمال بتصحيح حقائقه الخاطئة .

ما هو هذا الحدث ؟

اقرأ هذا الحوار – غير المنشور- الذي أجراه معي صديقي عبد الإله يوسف رضي ، في مايو عام 1995م ، ففيه جزء كبير من ذاتي ، ما زلت أحتفظ به، وأخطط لنسفه .
عبد الإله : في إطار السعي نحو تشكيل أطر واضحة المعالم للفكر الحداثي كمشروع يحاول الخروج بالمجتمع العربي من نفق الأزمة التـــي يعيشها، ومن خلال السعي لتشكيل م
عالمفكر حداثي واضحة المعالم لدى الفرد الذي يتبنى الرؤية الحداثية تأتي هذه الأسئلة:

1- ماذا يعني لديك أن تكون حداثيا؟

الحداثة كمصطلح برز في الساحة الثقافية العربية، يثير الكثير من الإشكالات المتعلقة أولا: بالبيئة التي انبثق منها، وثانيا: بالمدلول المفهومي الذي يحيل إليه. ورغم هذا الكم الكبير من الآراء المتضاربة حول مشروعية ومدلولية هذا المصطلح ـ خصوصا بعد مجيء مصطلح ” ما بعد الحداثة “، فقد اتخذت لنفسي تعريفا إجرائيا أحاول أن أجعل منه ممارسة عملية فكرية. فالحداثة في سلوكي اليومي رؤية وموقف.

رؤية تستمد أفقها البعيد من كل الكتابات والنظريات المعاصرة المتجاوزة للأطر الكلاسيكية التي ظلت ترسخ قواعدها الجامدة في كل موطئ قدم، وهذا الاستمداد الفكري يتجاوز الطرق التقليدية التي تتلقى الأشياء بقدسية انبهارية، تقع أسيرة لمنتجاتها الفكرية، وهذا التجاوز يضعني دوما في الضفة الأخرى، لأطلق سهامي النقدية التي تحاول تفكيك وتقويض ما كان مبنيا أو ما يحاول أن ينبني بداخلي من مسلمات ومتعقدات إيدلوجية .

إنها رؤية تعيش دوما قلقا معرفيا ينظر دائما إلى الأمام.وهي موقف عملي يرتبط بشعائرية ما كنت أظنه حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش، ويرتبط أيضاً بالكيفية التي أزاول بها أنشطتي الثقافية في البيئة الاجتماعية والمهنية التي أعيش فيها وأرفض أن أتنفس هواء أفكارها.

و إنها موقف يستمد من الرؤية ما يجعلني في حالة خصام دائم مع الفاعلين الاجتماعين، الذين يمثلون سلطات قمعية ضد كل من يحاول أن يكون خارج سلطتهم.

ومن خلال الموازنة مابين الرؤية والموقف تبرز شخصيتي .

2- هل كون الفرد مسلما حداثيا يتعارض مع الممارسة العملية للإسلام كأيدلوجيا؟

أقدر دقتك الفكرية في طرح السؤال ، بشكل يستفسر عن التعارض بين الذات المسلمة والممارسة العملية لفكرة الإسلام ، بدلاً من الإسلام ذاته.

ولكن اسمح لي أن أعتبر السؤال قد طرح في البداية بشكل تقليدي على النحو التالي :

” هل هناك تعارض بين الإسلام وفكر الإنسان الحداثي ؟

هذا الطرح سيتيح لي توضيح نقطة في غاية الأهمية .ـ أظنك قد تجاوزتها منذ مدة ـ فمحاورتك اليوم معي ـ كما أفهم ـ هي محاورة إشكالية، لا استفهامية.

إن صيغة السؤال المعدل تفترض وجود إسلام لا تاريخي يعيش فوق الزمان والمكان ، ويبتعد عن الممارسة العملية ، وهذا النوع من الإسلام لا أقبل ـ الآن ـ مناقشته لإني لا أؤمن بوجوده أو على الأقل لا أستطيع أن أراهن عليه، فكل ما هو مطروح من مماحكات تستمد رؤاها من هذا الإسلام التاريخي المؤدلج، ولا علاقة لها بهذا المفهوم النظري الذي تحاول أن تثيره بعض العقليات التبجيلية، إذن ما سنتحدث عنه هنا هو التجربة الإسلامية التاريخية ، لا الرمزانية الإيحائية لمحتوى الوحى التي تشكل رأس المال الرمزي لكل الحركات.

لنعد لسؤالك، ونناقش إمكانية وجود هذا التعارض، بشكل مباشر، يمكن القول إن هذا التعارض موجود وبشكل واضح بين هذين الانتماءين. انتماء المسلم إلى الحداثة، بالمفهوم الذي أتبناه، والانتماء إلى الممارسات الإيدلوجية للإسلام، بل إن هذا التعارض يكاد يشكل تقابلا حادا بين الاتجاهين، فكون المسلم حداثيا يعني أنه يرفض الهالات القداسوية لكل الممارسات التاريخية لـلإسلام، بل ويرفض كل الثوابت المنتجة من العقليات التي تبنت الإسلام كأيدلوجيا، وبتعبير أكثر شمولا إنه يعني الوقوف من هذا الكم الهائل المنتج الذي يردف دائما بمشتقات الإسلام وقفة نقدية إشكالية تشكيكية، وهذا يتطلب حفرا أركولوجيا يعري كل الممارسات من فاعليتها المخدرة، من أجل إعادة بناء هذا المنتج الثقافي الضخم، وهذا يستدعي نزعا لكل الأقنعة التقدسية المغلفة للرموز.

وهذا الطرح ما لا يمكن أن يقبله الممارسون للإسلام ، لا ، لأنهم يرفضون مكتسبات الحداثة ولكن لأنهم عاجزون عن هضمها، إنهم مازالوا يفتقدون هذه النظرة التاريخية، ومازالوا يعيشون مخلفات الحروب الدينية الطائفية، وهذا ما يجعل خطاباتهم للماضي دائما تتسم بالتبجيل البعيد عن الممارسات النقدية التي تتيح للإنسان أن يرى الأشياء خارج دائرته الذاتية . إنهم غير مدركين أن الواقع التاريخي الذي يحضر دائما في خطاباتهم في صورة صراع، قد تحول منذ زمن بعيد إلى نصوص، نحتاج في قراءتها إلى منهجية علمية حديثة تتيح لنا مقاربات نقدية أكثر تمثلا واستيعابا لهذه النصوص. من جانب آخر، هناك الاعتقاد اليقيني بوجود الحقيقة المطلقة المحتكرة لدى هذا التيار، وهذا لا يتفق أبدا مع مبدأ التعددية الفكرية والحقيقة النسبية غير المملوكة التي يعتقد بها الفكر الحداثي.

3- لو شئنا أن نعقد تقابلا ما بين الإطار الأيدلوجي الذي كنت تعيش فيه والإطار الحاثي الذي تحاول التموضع فيه الآن، فما هي نقاط التقابل ؟

التقابل بين هذين الإطارين تقابل بين نظامين مختلفين، نظام أيدلوجي تسيطر فيه (الفكرة ) ونظام ابستملوجي (معرفي ) يسيطر فيه ( المنهج ) الذي يولد الفكرة والفرق بينهما شاسع كبير.

عندما كنت بالمرحلة الثانوية والسنوات الأولى من الجامعة أتلقى الشحن الأيدلوجي المفعم بالحماس الثوري ، لم تكن الرؤية واضحة بعد ، فقد كانت تحركني مجموعة من الأفكار الدوغمائية المغلقة التي لا تستطيع أن تحفر لها قواعد سليمة، ولم تكن مسألة كيفية نشؤء الأفكار وتأثيرها في نفسيات وعقليات المتلقين لها قد اتضحت بعد عندي، لذا فقد كنت أحاكم الأشياء من حولي وفقا لهذه الأطر المستمدة كلها من أدبيات التيارات الإسلامية التي انبثقت منها، وهنا لابد أن أشير إلى أن هذه التيارات لم تكن تمثل جمودا تقليديا كما هو الحال بالنسبة للجماعات السلفية، بل كانت تمثل أقصى التيارات الإسلامية حداثة في نظريتها وتأويلها للإسلام، إلا أنها لم تكن ترقى لتكون لها نظاما معرفيا حداثيا، وذلك بسبب كثرة التناقضات الابستملوجية التي تحملها وعدم قدرتها على هضم مكتسبات الحداثة.

ربما يكون هذا الانتماء الأيدلوجي الذي وُجدْتُ فيه المهد لخروجي من الإطار الأيدلوجي إلى الإطار الحداثي. إن المرحلة السابقة حقا كانت تجربة مفيدة بالنسبة لي تمثلت _فيما أتصور _ أجمل وأفضل ما فيها وهذا ما قد أكسبت شخصيتي نمطا خاصا ، يعده البعض نوعا من (الازدواجية ) السلوكية المعرفية.

أعود مرة أخرى لأتحدث عن هذا الإطار الحداثي الذي أحاول أن أتموضع فيه ، فقد بدأ هذا الإطار في التشكل في السنة الأخيرة لي في الجامعة، وقد أخذ ينمو بعد ذلك ويتطور في صورته الحالية نتيجة لالتقاء أمرين. الأول هو الهم المعرفي التجديدي الذي ظل يلازمني ويتطور ببطء طوال مرحلة التكوين الأيدلوجي، والثاني هو التقاء هذا الهم بالكتابات الفكرية الحداثية، وقد بدأت بكتابات الجابري حول بنية العقل العربي وتطورت بشكل ملحوظ بالاصطدام مع كتابات محمد أركون حول (نقد العقل الإسلامي ) الذي وجدتُ فيه ضالتي المنشودة .

مع هذا الكتاب بدأتُ الرؤية الحداثية لبنائي الذاتي تتضح بصورة قوية جدا، وأصبح القلق الذي يراودني دائما وأنا أفكر في شق طريق جديد يفتح لي أفاقا معرفية جديدة تتعلق بالموروث الإسلامي الأقل حدة.

من هذه الرؤية الحداثية للعقل الإسلامي بدأت أشكل إطاري المعرفي ، فأصبحت نظرتي إلى الأشياء أكثر اتساعا وانفتاحا، وأعمق فهما، وشرعت أعيد بناء ذاتي وأصيغ علاقتي بالأشياء صياغة جديدة، لا تقبل التسليم، ولا تعرف مكانا ممنوعا من التفكير، في هذا التموضع الحداثي أجد نفسي مهموما في البحث من جديد في كل المسلمات اليقينية، وقد فتح لي الاطلاع على منجزات العلوم الإنسانية الحديثة، بابا واسعا، لإدخال كل المواقف والاعتقادات والممارسات اليومية إلى ميدان البحث من أجل الخروج بنسق جديد يربط كل هذه المدخلات بعلاقات علمية تستمد مشروعيتها من آخر اكتشافات هذه العلوم.

4- ما هي القطعيات المعرفية التي تخلفها الحداثة كنظام ابستمولوجي راهن مع الفهم السائد للإسلام؟

ينبغي هنا الالتفات إلى أن الحداثة لا تعني أبدا قطيعة معرفية مع المورث، بل على العكس من ذلك فالحداثة تبدأ من قراءة الموروث، ولكن بشكل مختلف.

الأطر الابستملوجية الحديثة تقترح مقاربات علمية معاصرة، لمعالجة المسائل التراثية، وهذه المقاربات تستمد وجودها من مختلف إنجازات العلوم الإنسانية الحديثة التي طورت الكثير من الأدوات العلمية المستخدمة لقراءة التراث.

ولكون الإسلام يتاقطع في قسمة الأكبر مع هذا التراث، فقد أصبحت القراءة الحديثة للإسلام ، تستلزم تعمقا كبير ا وواسعا لتاريخ الحضارة الإسلامية، ولن تتم هذه القراءة بدون أدوات علمية حديثة تؤمن للقارى ء على الأقل الحد الدنى من الموضوعية والانفصال عن الذات . وهنا يمكن أن نرصد _معتمدين على هذه الأدوات _ مجموعة من القطعيات المعرفية مع الفهم السائد للإسلام.

hdath أولى هذه القطعيات، تتمثل في تعرية جوانب القداسة المحيطة بالأفكار المربوطة بالرموز البشرية، التي ظلت لفترات طويلة تمارس فاعليتها في نفسيات وعقليات المتلقين بصورة عاطفية غير مدركة لحقيقة وكيفية ولادتها. وهذه القطيعة تتطلب حفرا أركولوجيا في كل المنظومات الفكرية والشعائرية الممارسة في الوقت الحاضر كثوابت لا يمكن الخروج عليها. ولن يتم ذلك دون حدوث انشراخات حادة ومؤلمة في نفسيات الجماهير التي لا تحب أبدا أن تصطدم بالحقيقة وتفضل الترضيات النفسية.

وثاني هذه القطيعات تتمثل في فتح ساحات التفكير المغلقة أو كما يعبر عنها أركون ساحة “اللا مفكر فيه” هذه الساحات تزداد يوما بعد آخر بسبب هيمنة الروح القداسوية المفروضة من قبل المجتمع ورموزه الدوغمائية ، لقد كانت هناك حركة علمية نشطة إبان عظمة الحضارة الإسلامية ولم تكن هذه الحركة تغلق ساحات التفكير ، بل على العكس من ذلك كانت دوما مسكونة بهاجس البحث والمساءلة للمناطق المحظورة التي تمثل مسلمات اجتماعية صاغها المتخيل الجماعي.

إننا اليوم بحاجة لفتح ساحات النصوص المحظورة، من أجل إعادة قراءتها من جديد في ضوء هذا الكم الهائل من الاكتشافات المنهجية الحديثة.

هاتان القطيعتان هما الطريقان لاستشراف فهم جديد للإسلام يتجاوز البعد الاختزالي الذي يحصر تأويل لإسلام في مجموعة من الممارسات السلوكية المتشددة والقناعان الفكرية المنغلقة، التي تتخذ لها فيما بعد تطبيقا اجتماعيا يولد تنميطا سلوكيا يحُاكم من خلاله الأفراد. و قد قلص هذا الاختزال البعد الثقافي الروحي للإسلام، كما هو حاصل في أغلب الكتابات الموجودة الآن البعيدة عن البحث عن روح الإنسية العالمية في موروث الإسلام الثقافي، وتحول الأمر إلى البحث عن الفرقة الناجية من النار باستدعاء مجموعة من النصوص المقروءة قراءة أيدلوجية.

5- ما هي الخطوات الأولى برأيك للدخول إلى عالم الحداثة كمشروع فكري راهن؟

سؤال بهذا المستوى من الضخامة، ليس بمقدوري الإجابة عنه، لاعتبارات عدة، يأتي في مقدمتها، وضعيتنا نحن الثقافية وأعنى بـ “نحن ” الجماعة المنبثقة من رحم التيارات الإسلامية التي ظلت لفترة طويلة تتشبع بروحها، و تبني أفكارها، إنها أنا وأنت وبقية الشباب الذين يتقاطعون معنا في هذا الخط الحداثي المبني على إرث الأيدلوجيا الإسلامية.

فنحن ما زلنا في طور التشكل ، وما زالت الرؤيا بعد لم تأخذ نسقها المنظم الذي يتيح لها أن تبرز كمشروع قادر على الظهور_ على الأقل _في ساحتنا الثقافية التي تعج بمختلف التوجهات.

إن وضعية ثقافية كهذه لا يمكن لها أن تقترح مشروعا متكاملا لدخول هذا العالم الحداثي ، هناك الكثير من الطروحات المقدمة من قبل كبار المفكرين في العالم العربي، تتعلق بدخول عصر الحداثة بل بعضها تجاوز ذلك للحديث عن عصر ما بعد الحداثة ، ورغم ذلك ، فما زالت هذه الطروحات متعثرة وغير قابلة للتنفيذ، وبعضها يعاني من أخطاء منهجية وضعف تشخيصي لأمراض الواقع .

نعم يمكن الحديث عن هذا العالم الحداثي من زاوية ضيقة تتعلق بوضعيتنا الثقافية الإسلامية ، و لتكن الشيعية بصورة أضيق و لنتخذ الساحة البحرينية نموذجا.

الملاحظ هنا وجود نمطين ثقافيين يختلفان في الدرجة فقط ، و يتفقان في الآلية المنتجة لكل منهما. هناك النمط التقليدي المحافظ جداً ، و يمثله رجال الدين القدماء، وفي هذا النمط تختفي الطروحات السياسية والتجديدات الفقهية، ويكاد ينحصر هذا التيار في كبار السن.

أركون وهناك النمط الثاني وهو الأكثر شهرة واتساعا، والأكثر راديكالية ، و رغبة في تغيير الواقع، وهذا التيار يسعى لإكساب الأحكام الشرعية صفة عصرية عن طريق التأويل البسيط أو عن طريق توسيع ساحة الطرح ؛ ليدخل المستجدات العصرية ساحة الأحكام الفقهية، و يتلقى هذا النمط مصادر ثقافته من الرموز الثورية لرجال الدين _ فالساحة تعاني من شحة المنظرين الأيدلوجيين _ ويضم تحت لوائه مختلف القطاعات المتعلقة بمختلف تخصصاتها، ويتراوح أتباع هذا الخط في درجة التشدد والانفتاح ، ولكن يجمعها شعار واحد هو “الإسلام هو الحل الوحيد ” أو ” الإسلام هو البديل “.

إن هذا الشعار الذي يستمد منه محركو الجماهير الطاقة لتجييشها ، لا يتم تحليله وتفكيكه بصورة عقلانية مقنعة تستطيع الصمود أمام الاعتراضات والإشكالات النقدية ؛ لذا فهم يكتفون بتركه فضفاضا، ليدغدغ مشاعر جماهيره .

إن هذا التيار رغم كل تناقضاته الابستمولوجية ، و تشدداته الأيديولوجية، إلا إنه يمكن الدخول في حوار معه من أجل تطويره ودفعه للأمام، وتجربتنا هي خير دليل على ذلك، فقد استطعنا أن نهضم مقولات الحداثة ، ونبلور خطا جديدا يصعب الآن إطلاق أي تسمية عليه.

إذن فالرهان الذي يمكن أن نساوم عليه هو هنا في هذا التيار . إننا لا يمكن أن نرفض كل ممارسته الاجتماعية، فالحداثة لا تعنى الرفض أبداً، ولا يمكن إحداث قطيعة معرفية أو وجودية كلية معه، فالموقف الحداثي يفرض فينا قدرة على التعايش معه من أجل تحليله وتفكيكه بطريقة عقلانية بعيدة عن اتخاذ المواقف الانفعالية المتشددة.

إذن فدخولنا عالم الحداثة يبدأ من هنا، الاشتغال على كل هذه المعتقدات المترسخة في المتخيل الجماعي لأفراد هذا التيار وهذا يتطلب منا قدرة على تحديد الآليات المعرفية التي تنتج هذا المتخيل وتغذيه.

6- من خلال حديثي معك حول الحداثة وهمومها، تبين لي أنك تعرضت لبعض الحملات القاسية حول توجهك الجديد فما موقفك أمم هذه الحملات؟

حين تكلمت عن الإطار الأيديولوجي الضيق الذي يميز غالبية الحركات الإسلامية، أشرتُ إلى صعوبة الخروج من سور الأفكار المغلقة التي تكون هذا الإطار، لذلك يمكن القول أن الأحادية تعتبر صفة أساسية لهذا الفكر. من هنا فالخروج يعني المجازفة والمغامرة _ لا بالرأس فهذا لم نصله بعد _ ­ويعني أيضا التنحي عن الدور التنويري الذي يمكن أن تمارسه مع أي عقلية كانت.

لقد عشت فترة ومازالت أخاف من البوح بحقيقة الرؤية المتشكلة لدي ؛ لذا فقد كنت أقرأ وأفكر وحدي ، أحيانا كثيرة كنت التقي ببعض من يحملون التوجه نفسه ، وهم قلة قليلة جداً نتبادل النقاش لساعات طويلة، لقد كان لهذه النقاشات أثرها الكبير في بلورة الكثير من المواقف العملية والفكرية.

ورغم هذه المحاولات لإخفاء حقيقة التوجه الجديد ؛ فإن خيوطا كثيرة بدت تتسرب الأمر الذي يضطرني في أحايين كثيرة _ بسبب المراهقة الفكرية _ إلى الخوض في جدال عقيم مع الممثلين الاجتماعيين للفكر المتأدلج ، وهذا ما سبب لي إحراجات كثيرة اضطرتني إلى الانسحاب من ساحة العمل، لأعكف على ذاتي من أجل استكمال بقية المسيرة التغيرية .

وكم كنت موفقا حين التقيت مجموعة من الشباب الذين يحملون التوجه نفسه، وأنا مازلت مصرا على المضي في الطريق نفسه.

7- إلى أي مدى يمكننا هنا في مجتمعنا مقاربة الرؤية الأركونيه كرؤية حداثية تتلمس المناهج الألسنية والعلوم الإنسانية بغرض الخروج بالفكر العربي من مأزقه؟

الرؤية الأركونية لمسائل التراث الإسلامي ، تعتبر من أحدث المشروعات النقدية الحديثة في العالم الإسلامي ،ولست أعرف باحثا ذا أصول إسلامية ،يعيش هم التغيير ،والإنتاج في مجال العقل الإسلامي كأركون ،فأنا شخصيا لا أستطيع أن أخفي إعجابي به ،ولا يمكنني أن أخفي الثأثير الكبير الذي أحدثه في منهجيتي العقلية التي باتت تدين له بالكثير .

أرجو ألا يفهم من هذا الإطراء ،إنني أقف من أركون موقفا تبجيلياً تقديسيا، فهذا ما لا أقبله أبداً ،وما لا تقبله منهجية أركون أصلا ،إنها ترفض تقديس الأشخاص والأفكار ، والاستسلام للطروحات الفكرية دون تمعن وتحض على التعامل النقدي دائماً ، مع الأشياء،لذا ففي الوقت الذي أبدي فيه إعجابي الشديد بتوجهات هذا الرجل فإنني أمارس النقد _معكم_ ضده ،وأقرأ بتلهف الدراسات النقدية الموجهة لمشروعه.

ينبغي هنا الالتفات إلى أن التطبيقات الأركونية للمناهج الألسنية والعلوم الإنسانية على مسائل الفكر الإسلامي ،لا تستمد أصالتها من إبداعاته الذاتية ،فأغلب النظريات والمنهجيات والأدوات العلمية التي يستخدمها ، هي من صنع كبار الفلاسفة الأوروبيين أمثال”فوكو وهيدجر وباشلار ودريدا” وأركون إذ يقوم باستثمارها في مجال التطبيقات الإسلامية ،فإنما يقوم بنوع من أنواع التناص الفكري الذي يساعده على توفير مدخل كلي يفيد من كل الإنجازات المنجزة في مختلف العلوم ،وهذا لا يعني أبداً غياب كلي لشخصية أركون لأنه يتمثل هذه المنجزات ويعيد صياغتها من جديد في صورة حديثة ،وهذا ما يتفق مع نظريات التناص الحديثة التي ترفض فكرة الإبداع الخالص النقي.

لنعد مرة أخرى للرؤية الأركونية،وكيفية الإفادة منها في الساحة العربية ،الرؤية الأركونية لا تختلف عن بقية الرؤى المتبنية من قبل كبار المفكرين في العالم العربي كثيراً فكلها يدعو إلى التحديث ،ولكن الرؤية الأركونية تتميز عن الكل في أنها أولا تفيد بشكل مباشر من تطورات العلوم الإنسانية في الغرب وذلك بحكم وجود صاحبها في فرنسا وكتاباته الفرنسية وثانيا أعادت الاعتبار ووجهت الاهتمام إلى مسألة الدين هذه التي حاولت أغلب التيارات تجاهلها ،وعودة أركون لمسألة الدين وبحثه الدائب في تأثير الإسلام في عقليات ونفسيات المجتمع الإسلامي ،أكسب مشروعه خصوصية معينة لم تتوافر في المشاريع النهضوية ،خاصة إذا وضعنا في عين الاعتبار الكيفية التي تمت بموجبها هذه المعالجة .

من هنا فإن الاشتغال مع هذه المقاربة الأركونية –فيما أعتقد- هي أفضل مشروع يمكن أن ننخرط فيه ،وهذا ما أحاول رغم الصعوبات العلمية التي تعترضني ، والانخراط في هذا المشروع لا يعني أبداً تبينه بشكل حزبي أيدلوجي يدفع بنا إلى الدخول في المهاترات والمماحكات الجدالية غير المفيدة ، فنحن أحوج ما نكون إلى الاقتراب أكثر من التيارات الأخرى والدخول معها في حوارات نقدية تطور من كل المشاريع ،وهذا يتطلب منا أولا تطوير مهاراتنا وقدراتنا الفكرية ؛ لنستطيع هضم هذه المكتسبات الحديثة، فنحن ما نزال في بداية الطريق ،ومراهقتنا الفكرية ما تزال بعد لم ترق إلى مستوى الاشتغال العلمي الخالص .

8- هل لديك خطة واضحة تعمل من أجلها لبلورة معالم حداثية مختلفة تطرح فيها خصوصيات وضعنا الحالي؟

لست لي خطة بهذا الحجم ،ولا أستطيع أن أزعم إمكانية أن تكون لي مثل هذه الخطة، ولكن لدي تــــوجه طموح نحو( تحديث الثقافة الإسلامية ) بشكل عام والشيعية بشكل خاص ، وأرجو ألا يفهم من ذلك ، إني ما زلت أسير هذه التسميات الأيدلوجية. كما أن هذا الاهتمام الخاص لايكشف عن عقلية ما زالت تعيش بمفاهيم قروسطية، بل على العكس من ذلك ، فالاتجاهات الحديثة غالبا ما توجه بؤرة اهتمامها نحو الهامش الذي يظل خارج دائرة الاهتمام الرسمي، وأعتقد إن الثقافة الشعية مازالت تعيش على الهامش، وما زالت مبعدة عن دائرة الاهتمام البحثي وقليل هم الذين برزوا لتحديثها وتطويرها ودراسة ما فيها من خصوصية، وأنا أتحدث عن هذا الجانب المهمل، لا أبشر بإمكانية اكتشاف جزء جديد من العقل الإسلامي فجميع المذاهب الإسلامية تلتقي إلى حد كبير في آليات تفكيرها العقلية ولكنها ربما تختلف فقط في المصادر المغذية لهذه الآليات، إذن ما الجدوى من البحث في هذا الجانب؟

لاشك إن للمخزون الثقافي التراثي الشيعي، أثره الكبير في خطابات الفاعلين الدينين وله أيضا وقعه الخاص عند المتلقين المؤمنين وهذا الموروث إذا لم يتم دراسته وفقا للمناهج الحديثة من أجل استثمار ما فيه من نقاط قوة وتجاوز أخطائه المعرفية، فإنه سيكرس مزيدا من التخلف وسيبقى مصدرا غير نقي يغرف منه الخطباء مادة لخطبهم الني تستحوذ على الكثير من الناس.

من الجانب آخر فنحن لا نستطيع تجاوز هذا التراث وإغفاله ونطلب من الناس أن يبحثوا لهم عن ثقافة حديثة تتناسب مع معطيات هذا العصر، لأنهم يعيشون هذا التراث ويتنفسونه في كل ممارساتهم اليومية، ويتحرك فكرهم وفقا لآلياته، كما أنه مصدر من مصادر اعتزازهم وافتخارهم، أضف إلى ذلك الدراسات الأنثروبولوجية التي تؤكد أهمية فهم سلوك وعادات الناس من أجل التأثير فيهم، والتأثير هنا لا يتم من أجل استغلالهم بل من أجل تطويرهم. وبعد هذا كله فهذا التراث فيه الكثير من الصفحات المشرقة التي ينبغي التأكيد عليها.

لنعد مرة أخرى إلى موضوع الخطة، فأنا شخصيا مولع بهذه الدراسات وأسعى جاهدا لتفهم مناهجها، ولكن تبقى مسألة التخصص العلمي في الدراسات العليا حاجزا يحول دون التركيز ومع ذلك فأنا أسعى إلى البحث عن هذه الاهتمامات مع مجال التخصص الرئيسي خصوصا أن الحواجز الفاصلة ما بين العلوم بدأت تتلاشي، لتلتقي مختلف التخصصات في مصب واحد