لؤلؤة الميدان… الشهيد علي المؤمن

في الخامسة والنصف تقريباً خط علي أحمد المؤمن مشاركته الأخيرة في صفحة «الفيسبوك» وقال: «دمي فداء لوطني» وقد تحولت بعد ساعات قليلة إلى واقع وحقيقة صعقت أباه وأمه وأخوته الستة، حينما تلقوا خبر استشهاده.
علي يدرس في سنته الأخيرة هندسة بجامعة البحرين.
علي كان مع أحد أخوته في ميدان اللؤلؤ مسالماً نائماً وعاد سالماً بعد أن هجمت قوات الأمن على المتظاهرين وسجل في الخامسة والنصف مشاركته الأخيرة في «الفيسبوك» (دمي فداء لوطني) ليعود للميدان مجدداً مع أخيه حسين ويستقبل جسمه الطلقات المطاطية ورصاص الشوزن المحرم دوليا، ليموت متأثراً بجراحه وحاملا آماله معه
علم أبوه وإخوته بإصابته عن طريق إحدى القنوات الفضائية بيد أنهم لم يتعرفوا في بادئ الأمر عليه لتغير ملامحه جراء ما ألم به.

1

كان الخميس ١٧فبراير يومان لا يوم واحد، يوم ما قبل الثالثة صباحا ويوم ما بعد الثالثة، يفصل بينهما رصاص الجيش، لقد نجح الجيش في مهمته المستحيلة، جعل لنا يوماً آخر لا ينُسى في يوم كان يمكن أن يُنسى، ما أعظمك أيها الجيش خلّاق في مهماتك المستحيلة، جعلت نهارنا طويلاً طويلاً.
بفضلك أيها الجيش دخلتُ أنا – أنا الذي اعتدت رائحة الأوراق والكتب لا رائحة القتلى – في اليوم الثاني من اليوم نفسه مشرحة الموتى، إنها المرة الأولى التي أدخل فيها غرفة الموتى، دخلت كي أصدق أنك قمت فعلا بمهمتك المستحيلة، رأيت إنجازك العظيم مكتوباً على أجساد الشهداء، ورأيت أكثر مما رأته آلتك العمياء، رأيت كم أنك عارٍ من الوطن وعارٌ على الوطن.
في مساء اليوم الثاني من اليوم نفسه، أتحت لي أيها الجيش الثقيل أن أرى وجه الشهيد الشاب المهندس علي المؤمن (22سنة)معلقاً فوق جدار الشهادة الافتراضي حين فتحت صفحته على الفيسبوك. لم أره لحظة أن ذهبت ظهراً للمشرحة، فقد استعصت ندوبه على خيوط الجراحين، بقوا ينسجونها ويرقعونها حتى المساء ودماؤه تتأبّى على التوقف. ربما كان أكبر من أن أراه هناك في مشرحة الموتى.

2

فتحت جدار صفحته في الفيسبوك، لم أكن أعرفه، لكن ضوء صورته اخترق كل حواسي كما لم تفعل وجوه الأجساد في المشرحة، بقيت متسمراً أمام صورته، وجدت هناك في عمقها شيئا يناديني لأكتبه.
في محاولة عبثية طلبت منك يا علي إضافتي على صفحتك، وفي محاولة أكثر عبثاً رحت أنتظر أن تقبلني، وأعيد تنشيط الصفحة وأقول لعله فعلها، أو لعل شيئا خارقا يفعلها، كنت أريد أن أقول لك: أريد أن أكتب عن ضوئك الخاص الذي شدني إليك، امنحني شيئا من سيرتك لأفتح به كتابتي، لمّا تمنعت عن أن تجيبني، أرسلت لصديقك على هاشم الذي اكتشفت أنه في قائمتي أن يرسل لي ما يفتح حيرة تعلق مخيلتي بصورتك. فضولي لم يحتمل أن أنتظر، فرحت أبحث عنك في هذه الشبكة العنكبوتية التي صارت مقبرة لمن يظنون أنهم يمسكون كلّ الخيوط، ويظنون أنهم خالدون في أعشاش كراسيهم. وجدتك في (YOUTUBE) وجدتك حياً مفعماً بالحركة، تقدم ورشة لأناسك البسطاء الطيبين من أهل منطقتك بسترة. سمعت أسئلة ورشتك التي هي أسئلتي: كيف نختلف؟ كيف أختلف مع من يشاركني وطني، قريتي، عائلتي، ديني؟ تحسستُ أفق اختلافك الرحب الذي تؤمن به، ووجدت الآيات التي تتلوها لتأكيد قيم احترام الآخر، متسعة لوطن يحتفي بالمختلفين، ويكبر بشراكتهم، ويزهو بتعدد أشكالهم.
كنت في ورشتك، تصقل مهارة الإلقاء والتقديم ضمن برنامج (أنا أتطور) . هل كنت تعي كيف سيؤول تطورك؟
لم تكن تعرف أنك ستدخل في ورشة أكبر، ورشة بحجم الوطن، ستقودها بهؤلاء الناس البسطاء الذين يحلمون بكرامة المواطنة لا كرامة المكارم، بهؤلاء الناس الذين حملوا يوما ما زائرا كان يرسل إليهم من يحمل أبناءهم إلى الظلام، ويعدهم بالأيام التي لم يعيشوها بعد، كان يوم جنازتك منها.

3

في الموكب المهيب الذي حملتنا أنت إليه يوم عرس جنازتك، كان علم الوطن يلف جسدك الغض الطري، وكان الشبيبة المحيطين بتابوتك يُلوّحون بأعلام الوطن، يضمدون بها جروحك وجروح الآلف التي حملت أكفُها روحك، ما أجملهم وأبهاهم، حناجرهم الغاضبة من عناكب الوطن لم تفقد لحظة ثقتها في الوطن، كانوا يتلحفون به، ويلوّحون به، ويقودون به، ويفتحون الميادين به، ويموتون دونه.كانت موجعة تلك اللحظة التي توقّف فيها موكبك، ليلبي مطلب والدتك المفجوعة بزهرتك، كان مطلبها أن ننشد “يمة ذكريني من تمر زفة شباب.. من العرس محروم وحنتي دم المصاب شمعة شبابي من يطفوها..حنتي دمي والكفن دار التراب”

4

هل تعرف يا علي أننا هذا المساء في اليوم الثالث من زهرتك لم نكسر فاتحتك بل كسرنا طوق الميدان، وهناك في المكان الذي اغتالتك فيه جيوش الغدر، قرأنا لروحك الفاتحة، لتكون فاتحة عودتنا للميدان. بك يا علي وسّعنا ميدان اللؤلؤة، صار أكبر من ذلك المساء الذي وقفت فيه عارياً تحميه من غدر السلطة. لقد وسعناه بدمك الحر، صار غالياً وثمنه ليس دمك فقط بل حلمك أيضا، ألم تكن تحلم في ذلك الفجر الغادر أن شمسا جديدة ستشرق على هذا الميدان، ألم تكن تتطلع إلى أفق يأتي لنا بمستقبل جديد، لقد فاجأك رصاص العسكر، اغتالتك أرتالهم، لكن اطمئن لم يغتالوا حلمك بميدان الحرية، بقيت اللؤلؤة في قلوبنا، نحنو عليها من آلات العسكر، لقد زرعوا في قلبك رصاصة لكنها لم تصل للؤلؤة التي كنت تخبئها، ولم يكونوا يدركون أنك ستغدو بكلك لؤلؤة للميدان.
نحن في الليلة الأولى الآن من عودتنا للميدان الذي لم تغادره أنت، عدنا لك، وعدنا بك. عدنا لك لأنك صرت جوهرة الميدان، وعدنا بك لأنك تلاحقنا في أحلامنا، تدفعنا نحو الميدان، باؤك قوتنا الدافعة، في كل شاب وجدتك، لقد اشتقوا من اسمك أيها المؤمن إيمانهم بأنهم سيعودون. الكبار لم يكونوا يمؤمنون، لقد زرعت أنت ورفقاؤك فيهم هذا الإيمان، فأعدتهم إلى دين الحرية.

5

لم تهدِنا دمك وحده، بل أهديتنا جوهرة نفسك في صدفة وطنية(نفسي فدا وطني). تركتها على الفيسبوك، معلقة هناك كوصية على جدار، جدار صارت كل الثورات تكتب حريتها عليه، أمست وصيتك شعاراً نعلّق عليه مستقبلنا، كان ثوار التسعينيات يكتبون شعاراتهم على الجدارن العتيقة، ويأتي في الصباح من يمحوها كي لا تشعل ثورة. جدارك الافتراضي اليوم عصي على المحو، عصي على الحجب، عصي على الجغرافيا والتاريخ، إنه عابر لكل الأشياء، جدارك يا علي وطننا الذي فديته بحق.
صار شعارك أغنية الميدان، وقد رقصت أجساد الشباب العارية في اليوم التالي لرقصة جسدك، رقصوا أمام مدرعات الجيش وعلى مقربة من التراب الذي تقدّس بأنفاسك الأخيرة، رقصوا فداء وهم يقرأون نوتة الشهادة (نفسي فدا وطني) التي علّقتها على جدارك، صفّق لهم الرصاص الحي، صفّق في أجسادهم المنتشية طرباً، واختار الرصاص المواضع الأكثر فرحاً في أجسادهم، أحدهم اختار الرأس منه لأنه كان يهتف بالحرية، واختار القدم من أحدهم لأنه كان يشق طريقاً للؤلؤة، لؤلؤة الحرية البيضاء المعلقة في الميدان، وتحيّر في البقية، كيف يهزمها وهي تحمل شعارك وشعورك؟ فانهزم أمامها.

6

رحت أتعقبك في سيرة جنة أصدقائك، لعلي أعرف سرّ غرامي بك، في رواية أصدقائه استطعت أن أفسر شيئا من هذا الغرام الذي جعلني أدخل صورتك، وجدت في صورتك صورتي في أوائل التسعينيات، فتى مثالي يريد تغيير العالم، ومؤمن بألا مسافة بين ما يقرأ وما يعيش.
يقول صديقه حسين الحواج: علي شخصية استثنائية وإلهامية وشفافة، مفتوح على المختلفين وتشبكه علاقات تتعالى على الجروح والفروق مع الطوائف الأخرى، يقرأ بشغف كبير لعلي شريعتي ومرتضى مطهري، يجمع أطراف مختلفة الأمزجة من الأصداقاء يوحدهم في قلبه، ويمنحهم من دفئه.
صديقه علي البناء، رافقه في رحلة الميدان، كان يحدثه عن فقه الشهادة قبل أن يمنحه درساً تطبيقيا في اليوم التالي. يقول علي لقد فهمت درس الشهادة تماماً، فهمت كيف تكون مهيأ له وكيف تجعله قصة مشوقة، هذا ما فعله علي، لقد وصل إلى مستشفى السلمانية سالماً بعد أن تمكن من النجاة من المجزرة الأولى، لكن نداء الشهادة كان يشتغل في داخله ويدفعه نحو الميدان، عاد إلى الميدان في السابعة صباحاً، كانت حركته لافتة ومستبسلة للشهادة، وهذا ما أثار حنق القتلة، ليمعنوا في تشويه جسده الغض برصاص الشوزن والمطاط، لقد تهتك جسده، لكني أجزم أن قلبه لو عاد سيكون قادرا على أن يغفر لهاتيكه، فداء للوطن.
وجدت في صوت أخيك وصديقك حسين المؤمن براءة صوتك، قال لي إنه يصغرك بعامين، ويكبر أترابه بعامين، لقد أضفت له من عامَيك ما جعله أكبر، عاش في عمرك يقول، وحين سألته عن رواية شهادتك، قال لي: إيمان علي بالشهادة من أجل الحرية يفوق إيماني، تعلم من علي شريعتي أن الشهادة حياة الحرية، وحين كتب جملته (روحي فدا وطني) في الخامسة والنصف صباحاً، قال لي إن الأرض التي دنّستها آلات العسكر في هذا الفجر، لن يطهرها غير دمي العاري من من آلات الفتك.
لبس ما يليق بالحياة وخرجنا معاً، شكّلنا صفاً ملتحماً من الشباب، أخذنا نتقدم في وجه آلة الحرب، وحين هزمتنا الآلة كان علي قد انتصر عليها بدمه، وأمنيته التي رددتها معه في لحظاتنا الأخيرة (سر الانتصار تمني الشهادة). تشرّبت الأرض بكل دمه حتى آخر صبابة فيه، كان جرحه عميقاً، كما أراد لترتوي هذه الأرض بالطهارة. لم يتمكن الأطباء من شحن جسده بالدم، فجسده كان وفياً لإرادته، ظل ينزف كل قطرة تدخل فيه.

نشر في جريدة النهار بيروت

سيرة العم حجي عباس في جنة أصدقائه

سوق جنة خادم الإمام الحسين الحاج عباس فضل

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=192777

     هناك شخصيات لا تفقدها مرة واحدة، بل مرات تظل تشعر أنك فقدتهم أكثر من مرة لأنهم يحضرون بقوة في أكثر من موقف، الحاج عباس فضل(1932-2009) الذي ارتبط اسمه واسم جده بمأتم حجي عباس بالمنامة، من صنف هذه الشخصيات، عاشوراء هذا العام هو الأول الذي مرّ من دون أن يتقدم الحاج عباس موكبه. كانت لافتات صوره في وسط المنامة هذا العام تعبر عن حجم فقده في قلوب من أحبوه في هذه الأجواء. في هذه الجنة، يروي أصدقاؤه ملامح من سيرته فيهم، وهي جزء من كتيب سيصدر قريباً عن سيرته.

حجي عباس

– عزة النفس

«عزة النفس» هي الكلمة التي يمكنها أن تعبر عن شخصية الحاج عباس فضل. يقول الدكتور عبدالهادي خلف: قبل سنوات سمعتُ نقلاً عن الخال الحاج عباس بن فضل كلاماً. وفي كلام الحاج عباس حكمة جيل سبقنا ولكنه يعايش ما نعايش. فلقد أجاب على كل الأسئلة (أسئلة الصمود) في عبارة من كلمتيْن: «عزة النفس». فمن لا يحافظ على عزة نفسه أو يستخف بها لا يستطيع أن يرفع رأسه في وجه صاحب سلطان، سواء أكان هذا يحمل سيفاً أم صرة ذهب. ومن دون عزة النفس يباع التاريخ والمستقبل وتنكسر الأعين وتمتد الأيدي ذليلة تطلب العطايا بدل أن تطالب بالاستحقاقات. لقد عبّر مجايلوه ورفقاء دربه عن عزة نفسه بعبارات العصامية والاتساع والثقة والعفة وكلها تحيل إلى عزة النفس.

– بنيان القلوب

كيف تصف شخصاً، هو ذاتك نفسها، هذا لسان حال القريبين من أصدقاء الحاج عباس فضل، من أمثال الحاج عبدالوهاب خمدن والسيد علي سيد ماجد لا تكفّ قلوبهم تردد: كان الحاج عباس، شقيق روحي، كأنه قطعة من ذاتي، لا نكاد نغادر بعضنا، ولا يغادرنا فريق الحمّام، في هذا المكان توحدت قلوبنا، وتكونت مصائر طفولتنا، تعلمنا من احترافنا مهنة البناء أن تكون قلوبنا بنياناً مرصوصاً، فكانت كالبنيان المرصوص أو أشدّ قوة.

حين بدأت يدي الحاج عباس تشكيل الأسمنت والحجر، لم تكن صناعة الطابوق قد عرفت بعد، فقد كانت الأحجار هي مادة تشييد البيوت، الصبي ورفقته يتشكلون على أساتذة البناء في ذلك الوقت: الأستاذ خدادة الذي بنى مأتم المديفع والصفار وغيرها من بنايات المنامة، والأستاذ زاير حيدر والأستاذ كَلْ محمد.

مع دخول عصر صناعة الطابوق، سيصير الصبي أستاذاً، وسيشاركه الأستاذية السيد علي. وسيمارسان هذه الأستاذية مع رفاقهم بجمعية ذو الفقار، في تشييد مأتم الحاج عباس، كان ذلك في الخمسينات، المأتم قد هُجر والماء تمكن من إغراق جزئه السفلي حتى صارت أبوابه لا تفتح. لكن بقي يحمل لافتة اسم مؤسسه، ظل وفياً لهذا المؤسس الحاج عباس الكبير الذي كان يعمل في بيت الدولة، وهو جد الحاج عباس فضل. سيأخذه هذا الجد نحو الحلم بإعادة إحياء هذا المأتم، لم يكن الحاج عباس يملك غير يديه الماهرتين في هندسة الحجر والأسمنت، وسيعوض عوز اليد بغنى القلب، إنه غنى رفقته في جمعية ذو الفقار، فهؤلاء الرفقة المجتمعة على قلب واحد، كانت تحمل نبضاً شبابياً تحرّكه روح الفزعة المحلية، ولشدة طغيان هذا النبض صاروا يعرفون بجماعة الشباب، وظل هذا الاسم لصيقاً بهم، ومازالت بقايا هذا الاسم حاضرة في موكب عزائهم «موكب شباب مأتم حجي عباس». كما أنهم عرفوا بالتعبير الشعبي «الملحان»، وذلك لأنهم كانوا خارج الأسر الكبيرة المسيطرة على إدارة المآتم، وهم ينتمون إلى طبقات العمال المشتغلين في البناء والمراكب.

كانوا يضعون كل حجرة بأرواحهم ويرصونها بقلوبهم، طوال سنوات ثلاث، حين استوى هيكل المأتم احتاجوا إلى جسر حديدي (بيم) طوله 42 قدماً، لم يكن المال متوافراً والتبرعات قد استنفدها البناء، هنا اقترح عليهم (أحمد عوافي) الرجل القادم من الإحساء والمتحول إلى التشيع حديثاً، الذهاب إلى مقهى الفارة، بحسب ما تروي ذاكرة سيد علي، هناك ستكون التبرعات بقدر طول الجسر، كانت الفكرة مغامرة شبابية، ومغامرات الشباب جسور وصل بين الأجيال، هكذا تمّ لهم ما أرادوا، فصار الجسر حقيقة تنجزها مغامرة.

كانت تجربة مشروع المأتم مدرسة تعلمَتْ من خلالها رفقة الشباب مهارة تعجز المدارس اليوم عن إكسابها لطلابها، كان بناؤهم للمأتم في الخمسينات بمثابة مشروع تخرجهم على أيدي أستاذة البناء حينذاك، شعروا بأنهم أساتذة بناء حقيقيين حين تمكنوا من تشييد المأتم، وسيحمل الحاج عباس هذه الخبرة معه حتى منتصف الثمانينات حيث تقاعده، عن البناء لا عن خدمة الإمام الحسين، وسيثير معمار مأتم الحاج عباس، مأتم بن سلوم، وسيطلب منه أن يعيد بناء مأتم بن سلوم على منوال مأتم حجي عباس.

لقد تعلموا في هذه المدرسة، بناء ذواتهم بقيمها التطوعية، كان عنوان خدمة الإمام الحسين، تعني خدمة المجتمع المحلي الذي يحيط بهم، وتعني تعلم قيمة أن تعطي من روحك وجهدك وراحتك ومالك من أجل العمل في المجتمع. وتعني تعلم العمل كفريق واحد.

-الخروج من مأتم مدن

الحاج إبراهيم المنصور ورث رعاية مأتم مدن عن أبيه، وتمتد علاقته بالحاج عباس إلى مرحلة الشباب في الأربعينات، يقول وهو متكئ على أريكة مكتبه الصغير في وسط مدينة المنامة: هنا كان يجلس حجي عباس يومياً، يوم وفاته، خرج من هنا متوجهاً إلى المسجد، ليؤدي صلاته الأخيرة، نذكره يومياً، لا يغيب عن مجلسنا، نذكر هدوءه الرائع، واحترامه لخصوصيات الآخرين، والتزامه حدود حرمة الأشخاص، لا يدخل على ما يخص الأشخاص، وهذه ميزة نادرة في بيئة كل شيء فيها يدخل على كل شيء حد انعدام الخصوصية. حجي عباس نموذج للشخص العاف الكاف. يكتفي بمحبة الناس، ولا يطلب منهم أكثر من ذلك. لديه مفتاح مكتبي الذي صار مجلسنا اليومي في الضحى، كما لديه مفتاح قلوبنا، ينتظرنا أو ننتظره، هنا حيث تجلسين أنت الآن (يشير إلى فضاء بنت حجي عباس)، كان مكانه المفضل، تمتد علاقتي بالحاج عباس إلى الأربعينات، ولا تسألني (وهو يضحك) كم كان عمرنا، فالأعمار بيد الله وهي سرّ من أسراره، لكن تستطيع أن تقول كنا على مشارف الحلم، الحلم في العمر والحلم بالحياة، حلمنا، تشكله فرقاننا القريبة من بعضها ومآتمنا التي كانت ساحة نشاط شبابنا. كنا نعمل في مأتم مدن، بتاريخه العريق، فهو من أوائل من عرف ضرب القامة مع مأتم الحساوية، بعد مأتم العجم الكبير. وكعادة المآتم في الاختلاف والانشقاق وتوليد المآتم من خلافات المآتم، خرجت مجموعة من مأتم مدن، وكان من ضمنهن حجي عباس، لم يكن في خروجهم حرب ولا عداء، بدليل أن علاقتي الأخوية الحميمة بحجي عباس استمرت، وظل يأتي مأتمنا الذي لم أغادره قط، ونذهب إلى مأتمهم.

– بناء مأتم بن سلـوم

للحاج أحمد بن سلوم علاقة متفردة بالحاج عباس يسترجع هذه العلاقة بحميمة وفية لسيرة الحجي، يقول: جاءت علاقتي بالحاج عباس، امتداداً لعلاقته بأبي من جانب وامتداداً لأبوته الرمزية لشعائر إحياء كربلاء من جانب آخر، حين توفي أبي كان عمري خمسة عشر عاماً، وتشرفت في 1980 بمسؤولية إدارة مأتم بن سلوم ولم أتجاوز عشرين عاماً، كنت يتيماً من الجهتين، جهة الأبوة التي فقدتها، وجهة الخبرة التي لم أتوافر بعد عليها، لقد شكل الحجي عباس أبوتي في الجهتين، احتضنني بعطفه وقلبه الكبير الذي كان يسع الجميع، واحتضنني بخبرته وحكمته في إدارة مؤسسة المأتم، مازلت مديناً لدرسه في تسيير شؤون المأتم وشؤون الموكب، وسأظل أفتخر بأبوته التي أتاحت لي قرباً خاصاً منه، وسأظل تلميذاً يقتفي خطو حكمته وحنكته.

بعصاميته المتفردة، تمكن من إعادة بناء مأتم حجي عباس، برفقة الشباب حينها الذين دفعتهم الفزعة، لبناء المأتم، ولما كان عمي معجباً ببناء مأتم حجي عباس، طلب مباشرة من الحاج عباس، أن يبني مأتم بن سلوم وفق تصميم مأتم حجي عباس، كان ذلك في العام ,1964 ومازال مأتم بن سلوم محتفظاً بهذا التصميم وبآثار أيدي الحاج عباس في جدرانه ونسب مسافاته، كما أني ما أزال محتفظاً بأثر حجي عباس في إدارتي للمأتم وموكبه. لذلك أقول كم مدين مأتمنا لهذا الرجل! وكم هو محظوظ به، لم يعد رجال المآتم اليوم يتوافرون على هذه الصفات الشخصية المتفردة التي كان عليها جيل الحاج عباس.

في كل موقف أمرّ به معه، أكبره وأرى تعاليه على صغائر الأمور مهما بدت كبيرة، لما حصل الخلاف المؤسف حول مأتم حجي عباس، لم يتمكن موكب عزاء الديه من المشاركة في المنامة في العام الذي تلا الخلاف، حينها، استأذنته بأدب من يقدر رتبة المكانة، في أن أستقبل موكب عزاء الديه في مأتمنا، فلم يخيب ظني فيه، جاءت موافقته برحابة جعلتها أقرب إلى المباركة منها إلى الموافقة، وهنا لابدّ أن أعترف بفضله في تعليمي أهمية الاحتفاظ بالمعزين، وكيفية إدارتهم بحكمة، وكسب قلوبهم قبل صدورهم، وربما قد أعطى هذا الدرس ثمرته في الموكب الذي تفرد بحجمه مأتم بن سلوم طوال فترة التسعينات الملتهبة.

– امتداد الأبوة

(أبوحسّان) الحاج علي الونان، من أبرز الشخصيات التي كانت تلازم الحجي، وتعرف تفاصيل شخصيته وسيرة مأتمه، يقول في شهادته: كان امتداداً لأبي، كأني ورثت حجي عباس عن أبي، من أجمل الأشياء التي تركها لي أبي. ولد أبي في 1920 وقد أسس مع الحجي جمعية ذو الفقار، وخاض معه السنوات الصعبة في بناء مأتم حجي عباس، كانا قريبين من بعضهما، وكنت قريباً من علاقتهما الحميمة، أبي يكبر الحاج عباس بأربعة عشر سنة تقريباً، لقد جعل فارق السن علاقتهما أشبه بالأب والابن، أبي كان أباه، ولما توفي في 1985 صار حجي عباس أبي، صار في قلبي وصرت في روحه. وجدت في كنفه أبوة حانية وأخوة ندية وصداقة متينة، لم يكن أحد غير حجي عباس قادراً أن يجمع في قلبه الواسع بين هذه الصفات، صفات الأبوة والأخوة والصداقة، يناديني أحياناً يا ولدي، وأحياناً يا (أبوحسّان) وأحياناً يا أخي. وهذا ما جعله واسطة تصل أجيالاً مختلفة ببعضها، يجد فيه الشباب متسعاً لحماسهم المفرط واندفاعهم، ويجد فيه الكبار مكاناً للحكمة والتروي، لذلك أحبه الجميع، واحترمه حتى من اختلفوا معه، وهو قليل الخلاف. لا أذكر أني اختلفت معه إلا فيما كنت فيه مندفعاً من دون حسبة لما سيؤول إليه الأمر، في هذه اللحظات، يوقفني ليردني باتساع حكمته إلى ما هو أكثر عقلانية واتزاناً. لذلك لا عجب أن أحبه بإفراط، وأثق فيه بإفراط أكثر، فروحه الشفافة البيضاء لا تترك لك مجالاً أن تسيء للحظة في ذمته أو دقته، حتى أني لم أسأله يوماً وأنا القريب منه، كم لدى الجمعية من المال؟ بل كنت أقول له: في حدود كم من المال أتحرك للقيام بهذه المهمة؟ ليست ثقتي فيه نابعة فقط من يقيني ببياض سيرته، وكفاف يده وتعفف روحه التي لم تعرف يوماً غير التعالي على صغائر الأمور مهما كانت كبيرة، بل كانت مبنية كذلك على معرفتي بطرق توثيقه للحسابات، وحرصه على بيانها بوضوح في دفاتره.

– المبيت في الزنزانة

إنها ربما المرة الأولى التي يبيت فيها حجي عباس في ليالي محرم، خارج فريق الحمّام، في أيام عشرة محرم، لا يغادر ليالي الحي، يظل حتى ساعات الفجر الأولى يتفقد موكب العزاء واحتياجاته، ويتابع ما يستجد من أحداث، ويحل ما يتعقد من مشكلات. إنها ليالي الاستنفار، وكلما تقدمت ليلة في محرم زادت حالة الاستنفار، وارتفعت درجة القلق، فكل مراسم العزاء تتم في منطقة جغرافية صغيرة نسبياً إذا ما قيست بعدد المشاركين في الشعائر، وهناك احتقانات سياسية تجد متنفسها في المواكب العزائية.

في إحدى ليالي أحداث التسعينات، كان محرم قد هلّ، والجميع في أقصى حالات توتره، لا نعرف كيف سيكون الأمر، يقول أبوحسّان، ويدنا على قلوبنا من أن ينفجر الوضع لأي سبب من الأسباب. أتذكر في إحدى ليالي العشرة، كنا في اجتماع للهيئة في بيت منصور بن رجب، وقد اشتدّت بعض الاختلافات، وصار الوضع متوتراً في الداخل كما هو في الخارج، فالأحداث السياسية تترك آثارها على اجتماعات الهيئة. كنت والحاج عباس قد خرجنا من الاجتماع، ونحن في الطريق، أخبرونا أن الشرطة تبحث عنا، وحدثت بلبلة في الموكب بسبب توزيع مناشير. لم نرجع إلى بيوتنا، ولم يعرف أحد من بيت الحجي عن الأمر، فقد اعتادوا تأخره في ليالي العشرة، بتنا في سجن مركز شرطة الحورة، فيما كان حجي عباس، يجلس بهدوئه الجليل مستنداً إلى الجدار، كنت أنا في توتري المعهود، أذرع السجن ذهاباً وإياباً، تبرع أحد الموقوفين بقطعة بسكويت وآخر تبرع بمرتبة النوم، مع أذان الفجر، صلينا وأخذنا نترقب الصبح وما يسفر عنه، مع الساعة التاسعة، تفاجأنا بأن لغة الحوار معنا تغيرت والمعاملة الجافة صارت ترحيباً، وفناجين القهوة دارت بيننا، عرفنا فيما بعد أن الحاج أحمد منصور العالي، قد تفقدنا في اجتماع للهيئة في مبنى الأوقاف الجعفرية ولم يجدنا، وحينها أدرك أن اجتماعاً لا يحضره ممثلون عن موكب مأتم حجي عباس، سيكون ناقصاً بشكل كبير، فقد كان لموكبنا ثقله. أجرى الحاج أحمد اتصالاته، وتدخل بقوة لإخراجنا حالاً، وهذا ما كان، خرجنا من المركز في التاسعة والنصف إلى الاجتماع مباشرة.

بيت أم عاشور

بيت أم عاشور، هو أول وقف يسجل باسم مأتم حجي عباس، وحالياً هو مطبخ جمعية ذو الفقار التي تدير أمور موكب العزاء، ولأم عاشور حكاية تمتزج فيها الحقيقة بالأسطورة، لقد عايش الكثير من أهل الفريق أم عاشور، ورأوها امرأة فارعة الطول بيضاء متأنقة في لباسها، قبل أن يباغتها الحزن ويضع عصابة سوداء على جبينها، كأنها شامة لا تغادرها، صار لا يغادرها السواد ولا الحزن، زوجها عبدالرضا المسكتي جاء من لنجة، وهي جاءت من العراق، غادرت ديانتها اليهودية مبكراً، على يدي زوجها، عشقت حب الإمام الحسين من خلال زوجها، وشاركته إحياء عاشوراء، يقال إن زوجها هو أول من عرّف الناس بطبخة البرياني، فقد كان بخير ويسهم من أيام الجد الكبير حجي عباس فضل في طباخ مأتم حجي عباس، ترك لها الصبي عاشور بعد وفاته، وحين بلغ مبلغ الرجال، وحانت ليلة زفافه، فجع أمه بوفاته صبيحة أيام عرسه، فلبست الحزن الكربلائي، وظل عاشور عاشوراءها اليومي. لم تجد وفاء لزوجها وابنها غير أن تهب بيتها للإمام الحسين، ونحن اليوم هنا بفضل هذه المرأة.

يقال فيما يشبه الأسطورة، إن عاشور جاءها ذات يوم من أيام طفولته، يخبرها أنه لمح أخواله اليهود في الطريق، فوضعت جمرة في يده، ليتعلم درساً قاسياً في النسيان، نسيان اليهودية وأهلها الذين غادرت ديانتهم، وليتذكر أنه يجب أن ينسى. أتذكر اليوم، طعم «الآجار» اللذيذ الذي كانت تصنعه وتبيعه في الفريق لتبقى بكرامتها من دون أن تمد يدّ المساعدة لأحد، كما أنها كانت تبيع من شجرتها (لصبار) بطعم حموضته اللاذعة. يتذكرها اليوم الناس بمحبة بالغة، ولقد تركت لها ما يبقيها حية في قلوبنا وفي حيّنا.

– أم حـسن

أم حسن في السبعينات من عمرها اليوم، ارتبطت ذاكرتها بحجي عباس من خلال إقامتها في بيت أم عاشور وقيامها على شأن مطبخ مأتم حجي عباس، تستقبلنا بحرارة من غير مقدمات، لتقول: البارحة رأيت أباك )تخاطب فضاء بنت حجي عباس) في منامي يقول لي: ستأتيك ابنتي غدا ومعها طفلها فاستقبليها. فإذا بك الليلة هنا، أحلامي يحضر فيها من أحبهم، وأعرف في الأحلام ما سيحدث، لقد رأيت الأئمة كلهم في أحلامي، ولم أعرف من أحد موت حجي عباس، بل رأيته في الحلم قبل شهرين من وفاته، كان يطمئنني بأنه أوصى أبناءه بي خيراً، ويقول لي لا تخافي، فأبنائي هم أبناؤك وسيكونون سنداً لك. (لم يغال علي شيئاً في حياته) يستقبلني بتحيته دوماً وابتسامته التي لا تفارقه وحنانه الذي غمرنا به، بكيته بكاء العزيز في وفاته، وسأظل وفيةً لذكره حتى وفاتي، أوصي أبنائي دوماً بقراءة الفاتحة على روحه وزيارة قبره. لقد عرفت حجي عباس، منذ جئت إلى هذا البيت الذي كانت تسكنه أم عاشور، فبعد أن وهبته وقفاً للإمام الحسين لصالح مأتم حجي عباس، صار مكاناً للإيجار، فانتقالنا إليه بإيجار رمزي، وحين أراد أصحاب المأتم أن يستخدموا ساحته للطبخ، قلت لهم أنا سأكون طباختكم، وسأجعل من أبنائي وبناتي خدماً للمأتم، وهذا ما كان فكان الأولاد في المطبخ والبنات يتولين فرش السجاد وتنظيف المأتم بعد العزاء. كنا نطبخ على الحطب، ويتم جمع الأخشاب قبل شهرين، وتذبح الذبائح أمام الموكب والنساء تتولى تنظيف الرز وتحضير البصل وتنظيف اللحم إضافة إلى الطبخ قبل أن يصبح مهمة للرجال. لمّا كان حجي عباس في صحته وقوته كان يتولى بنفسه إدارة القدور، ولم تكن تفتح أغطيتها قبل أن يحضر الحجي بنفسه. نحن في هذا البيت منذ أربعين عاماً، تغيرت خارطة البيت حسب تغير مطبخ المأتم، في كل مرة يتم فيها تطوير المطبخ، يتغير تبعاً له بيتنا، تزداد غرفه أو حواجزه أو طوابقه.

سوق جنة صفاء الناصر

دمه المسرطن يجري في روحي.. وروحي تجري في دمه

سوق جنة  صفاء الناصر

New Picture

”قال لي أحد المى: ما الجدوى من آلامي؟ لست شاعرا حتى استثمرها أو أفتخر بها” ليس الشعراء وحدهم الذين يستثمرون آلامهم أو يفتخرون بها، كل من يتألم يمكنه أن يستثمر ألمه في جنة تروي بفخر سيرة مرضه. في هذه الجنة تروي صفاء الناصر بفخر سيرتها مع مرض ابنها ماجد علي إسماعيل بسرطان الدم.

 

أرشيف المرض

* بداية ظهور عوارض المرض في الأسبوع الأخير من أكتوبر/ تشرين الأول 2004

* لم يتمكن من المشي تماما في الأسبوع الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني 2004

* اكتشاف المرض رسمياً وتشخيصه (لوكيمياء) 25 أبريل/ نيسان 2005

* عاود المشي مع عرج في رجله اليمنى في أبريل/ نيسان 2006

* إنهاء العلاج الكيماوي في يونيو/ حزيران 2007

* عودة المرض في أكتوبر/ تشرين الأول2007

* علاج الكيماوي للمرة الثانية من أكتوبر/ تشرين الأول2007 إلى يناير/ كانون الثاني 2008

* المغادرة إلى الأردن في 8 فبراير/ تشرين الثاني 2008

* إجراء عملية زراعة النخاع في 21 سبتمبر/ أيلول 2008

* في 8 فبراير/ تشرين الثاني 2009 يكمل عاما من رحلة العلاج بالخارج.

طاقة الطفولة

طاقة الطفولة، تكمن في الرجلين، لا تهدأ رجل الطفل من الحركة حتى يكون رجلا، الطفل يكبر حين تعقل رجلاه، حين تُضبط حركتهما.

بدأت حكاية ماجد من رجليه، كانت طاقة طفولته قد توقفت عن الحركة يوماً، الحركة المشاكسة التي لا تعرف الهدوء ولا الضبط. كم تسلقت من جدران، وكم 1224articles_imagesاشتكى منها الجيران، وكم قفزت مسافات، وكم أشعلت أماكن الطفولة بشقوتها المبهجة.

فجأة توقفت، ليس لأنه صار رجلا برجلين عاقلتين؛ بل لأن حكاية جديدة في فصل طفولته ستغير مسار حركته من جدران الجيران وملاعب الطفولة إلى جدران الغرف المعقمة والأسرة البيضاء وروائح الكيمياء، كيمياء المرض لا كيمياء المحبة.

صارت رجلاه التي لم تمر بالمستشفى إلا يوم ولادته، محل تأويلات واجتهادات، الجميع راح يؤول طاقتها المفقودة، أحد الأطباء قال هي حالة نفسية سببها غيرته من أخته الصغرى مريم، أراد أن يلفت الانتباه إليه بالعضو الأكثر تميزاً فيه. بعضهم ممن لا يحسن الإصغاء إلى رهافة طاقة الرجل قال إنه كاذب ويجب أن يعاقب في رجليه.

رحنا نبحث عن تأويل يقنع قلوبنا المشدودة لطفولة رجله، ألفنا زيارة المستشفيات الخاصة، ولم تكن مختبراتها قادرة على تفسير لغز طاقة رجله، نتائجهم لا تشير إلى أمر غير اعتيادي، الحالة غريبة والنتائج مألوفة، وضاعف الاستغراب أن رجله كانت قادرة على ركوب الدراجة الهوائية ببراعة، لكنها لا تستطيع المشي.

سرّ الدم

هل هناك سرّ؟ المختبرات تعرف الأسباب، لكنها لا تعرف فك الأسرار، ذهبت إلى مفككي الأسرار، أخذته إلى شيوخ الأسرار، وقد أجمعوا على أنها حالة مس من جان. صار الجن في رؤوسنا، وظل السرّ لا يكشف بل صار يتمادى في اللعب برؤوسنا المجنونة.

توقفت رجلاه، لكنه لم يتوقف، في البيت كان يحبو كطفل في شهره التاسع، وحين تعبت ركبتاه أخذ يزحف، لم يكن يتوقف، فقد ظل متوهجاً بحركة روحه. لم يكترث بالخجل، ولا بالآخرين، كنا نحمله إلى صفه بالمدرسة، ونجلسه كطفل لم تستوِ رجلاه بعد. كان الضعف الذي أصاب رجله، قد عوضه في روحه التي ظلت قوية ولم تعرف الخجل أبداً رغم الحرج الذي كان توقعه فيه رجلاه. وربما هذا ما ساعده في هزيمة المرض في حربه الأولى قبل أن يعود ثانية بضراوة أشد. أراد رؤية بيت لله، فأخذته على كرسي متحرك فكان كالمشلول الذي استطاع أن يصل إلى أعلى قمة في العالم بصموده وصبره. بعد ستة أشهر من المعاناة العمياء التي لم تشكف لنا عن سبب يرينا علة المرض، بدا جسمه يضعف وظلت حرارته مرتفعة مدة شهر كامل. في العلاج الطبيعي، فرض عليه أن يمارس المشي بطريقة قاسية، فأصيب بعدة كسور، وفقدت رجلاه استواءهما، وكانت هذه أول خسائر الحرب، وحتى اليوم لم تعد رجلاه لميزانهما الطبيعي.

بعد يوم من حادثة الكسر أصيب بالسلمونيلا التي تصيب الجسم الضعيف، فتقضي عليه، وأثناء علاجه بالمضادات والتغذية عبر الوريد، اكتشفنا الكارثة الكبرى الكامنة في دمه منذ ستة أشهر، إنه مصاب بلوكيميا الدم، وهي نوع من السرطانات الشائعة.

باشر العلاج الكيماوي وهو على سريره برجليه المكسورتين، فكانت قروح جسده من جهة وقروح دمه من جهة أخرى، الأمر الذي جعل من حالته استثنائية بكل المقاييس.

who is Majed?

أ1226articles_images عشق التدريس بالفطرة، كأني خلقت معلمة، هذا ما أشعر به، وربما هذه الفكرة هي التي استطيع أن أفسر بها جزءا كبيرا من سيرتي واختياراتها المتعبة. الفطرة تجعلك دوما مشدودا إلى صوتك الداخلي الخاص، وفي التدريس تكون مشدودا أكثر إلى هذا الصوت، وبه تصنع شخصيتك الخاصة. أجد في الكتاب المدرسي أداة للذين لا يحسنون التدريس، أولئك الذين فطرتهم غير مفتوحة على موهبة التدريس.

تسألني طالباتي دوما متى نفتح الكتاب؟ أقول لهن الكتاب ليس في الورق، الكتاب ما يعبر بيني وبينكم، في هذه المنطقة أجد متعتي الخاصة، وتجد طالباتي كتابهن الخاص الذي نصنعه معا. ذات يوم أحضرت لهن قصة عنوانها ”ماجد الطفل الشجاع يهزم السرطان” كانت القصة منشورة في إحدى الجرائد المحلية باللغة العربية، كانت دهشتهن تقول: لماذا القصة باللغة العربية؟ والمادة لغة انجليزية ومعلمتنا المفطورة على الخروج عن الكتاب، لا تخرج لغتها عن الإنجليزية في حصتها. ما الذي تضمره لنا من مفاجأة؟ كنَّ مشدودات لقراءة القصة من أجل اكتشاف سرّ هذه المغامرة الجديدة على حصة اللغة الإنجليزية. بمجرد أن بدأن قراءة القصة راح يسيطر عليهن حزن عميق، وصمت رهيب أخذ يحكم أجواء الصف الذي لا يعرف الهدوء، لفرط حيوية طالباتي. كنت أتجلد وأنا أقرأ صمتهم، وخشية تتملكني من أن يثيرهم اسمي الوارد في القصة، كنت لا أريدهم أن يسألن:

Teacher: your name is written. who is Majed?

إنه السؤال الذي فطر قاعة الدرس، حتى فطرتي لم تسعفني لحظتها لمواجهة هذا السؤال، كنت أريدهم أن يترجموا القصة بلغتهم الخاصة، لكنهم بللوها بدموعهم المفطورة على ماجد، صار ماجد موضوعاً لحكاية مفتوحة على مفاجآت لا أعرفها، وأحزاناً أنتظر وجوهها، وشمعة أتوجس أن تفقد شيئا من وهج تألقها، وحرب انتصاراتها أن تقبل الخسائر ولا تنكسر.

لقد أعطتني طالباتي قلوبهن كلها، وقلبي الذي ادخرته فيهن صار قلوباً ناصعة بياضها، صار قلبي قوياً، لكن ليس بالفطرة هذه المرة، بل بالقلوب المفطورة.

كيمياء المرض

كل من عرف ماجد، تلمس كيمياء دمه الموزون وفق مقاسات الفرح والبهجة وحب الحياة، لم يفقد ماجد هذه الكيمياء رغم عنف الخلايا السرطانية التي تلعب بكيمياء دمه بشقاوة لا تشبهها إلا شقاوة مرحه.

في ليلة سفرنا نحو رحلة العلاج الأخيرة ضمن سلسة رحلات سابقة، ليلة 8 فبراير/ تشرين الثاني ,2008 احتفلنا مع مجموعة من الأصدقاء في إحدى مطاعم المنامة، اخترنا مكاناً لا ينـــام طــــوال 24 ساعة، فطاقة المرح التي يختزنها دم ماجد لا تكفيها ليلة كاملة. إنها تفيض على ساعات الصباح.

أخرج أحد الأصدقاء كاميرا الفيديو ليسجل مع ماجد لقطة مرح يحتفظ بها لزمن ربما لا يعود، استطالت اللقطة لتكون ساعة ونصف الساعة، كانت شاشة الكاميرا كلها وجه ماجد، وهو يروي بسخرية لاذعة سيرة دمه والمرض ومن تعاقب عليه من أطباء وممرضات. كان يبتكر صيغه اللغوية الساخرة من أبيه وأمه وجدته وإخوته وكل من حوله. كانت حفلة مبهجة لم يوقفنا فيها ماجد لحظة لاسترداد أنفاسنا الذاهبة معه في رحلته الطويلة.

من يتوفر دمه على كيمياء هذا المرح، كيف تتجرأ خلايا تدمير بهجة الحياة من الاقتراب منه؟ سألت ماجد ذلك، فنظر إلى كتاب كان يقرأ فيه أبيه منذ أسابيع، كان الكتاب رواية (جاك المؤمن بالقدر) لديدرو. حفظنا جميعاً عنوان هذه الرواية؛ لفرط ما كان ماجد يردده بسخرية لاذعة من جاك ومن أبيه ومن مرضه. كان ماجد مؤمن بالفرح الذي هو قدره الوحيد، وما عداه عرض زائل، وقد مكنته كيمياء هذا الإيمان من مواجهة أشدّ لحظات آلام العلاج الكيماوي الذي أخذ كل شيء في جسده، لكنه لم يتمكن من أخذ مرحه. لقد لعبت أدوية بنسب كيميائية مختلفة بدمه، لكنها لم تتمكن من اللعب بنسبة كيمياء مرحه، حتى صار يسخر من أدويته:

6 septrinprednisolon=

,prograf,syclosporin,tidilor,chemo theraphy"flag",mycosat,t=

,morfen,hexetidine,ezilax,)

كلها أسلحة كيماوية فتّاكة، مرة تفتك بلونه ومرة بوزنه ومرة بشعره ومرة بصلابة عظامه ومرة بشكله، ومرة بعينه اليمنى، لعبت بخلقته حتى لم يعد له شكل ثابت، ومع كل ذلك بقيت عاجزة عن أن تفتك بروحه العصية على الهزيمة.

مـــــــريم

”أعرف أنكم تواجهون صعوبات مع مريم، تتعلق بعنادها وسلوكها العنيف أحياناً، وعدم استجابتها لm24 توجيهاتكم، أرجو أن تتفهموا أنها تعاني من مشكلة في الاتصال العاطفي مع الآخرين، لم أستطع أن امنحها من أمومتي ما يشبع طفولتها، والسبب في ذلك أن أخاها الذي يكبرها بخمس سنوات يعاني من مرض لوكيمياء الدم منذ ولادتها، لقد أخذ كل شيء فينا، وأنا روضت مريم قبل مغادرتي إلى رحلة العلاج بالخارج التي تدخل اليوم شهرها الثالث عشر من دون استراحات توقف. جاءت مريم في 2003 وجاء مرض ماجد وهي للتو بدأت تدخل عامها الثاني.

فأخذني ماجد في رحلة مرضه، ومازالنا في أعماق هذه الرحلة منذ الأسبوع الأخير من أكتوبر/ تشرين الأول .2004

اعتادت في سنوات حضانتها مع أمي أن ترفع يدها بعد كل صلاة وتدعو لماجد بالسلامة. كانت تتحدث إلى السماء، لكنها لم تتمكن من أن تتحدث إليّ. الأمومة لغة حوار، وحين فقدتها مريم، أخذت تبتكر لها حيلاً تعويضية، ظلت تتحدث مع نفسها كثيرا، كما لاحظها الكثيرون، تتخيل شخصيات تحاورها، لست أدري ماذا تفعل في هذا العالم المتخيل، لكنها حتما كانت تخاطبني وتبحث عني وتوبخني، وتعوض عن فقدي.

أستحضر دوماً قصة الأولاد الثلاثة الذين أزعجوا أحد ركاب القطار لفرط حركتهم، فاضطر إلى أن يوجه كلامه إلى الأب الذي كان لائذا بصمته وحزنه: ألا يسكت أحد هؤلاء الأولاد. فقال له الأب: ماذا تريدني أن أٌقول لأولاد للتو عادوا من دفن أمهم؟!! ماذا أقول أنا إلى صبية فقدت أمها حية، لم تعد لها أمها بعد، أشعر كأن مريم تناديني دوما بحركاتها وأصواتها وعنادها وتصلبها، كأنها تحتج على أمومتها المفقودة، كأنها تلفت من حولها إلى أن من يفقد حنان الأمومة يفقد السكينة. هي لم تفقد أمومتي فقط، بل فقدت أمومة الوطن وأمومة اللغة وأمومة صديقاتها، فقد اضطرت إلى أن تغادر الوطن وروضتها وصديقاتها ولهجتها المحلية، لتلتحق بنا في رحلة العلاج، حيث ماجد في المركز وهي في هامشه تتحرك بلغة الاحتجاج التي لم تتقن أكثر منها لغة. صار احتجاجها يحمل تهماً وإدانات قاسية، كانت تقول لي: أنت حرمتني من ربعي، أنت لا تحبيني، أنت لا تريديني أن ألعب. كأنها كانت تقول لي أنت لست أمي. أرادت الرجوع إلى البحرين، ولم نستطع أن نقنعها أن تبقى في روضتها الجديدة إلا بعد أن تمكنت من أن تألف لهجتها غير المألوفة على طفولتها.

المرض تجربة في التوغل

”المرض منفذ لا إرادي إلى ذواتنا، يجبرنا على التوغل في العمق” المرض تجربة بقدر ما يتيح لنا التوغل في أعماق ذواتنا، مرض ماجد، كان تجربة حقيقية لذاتي وذاته، أو لأقل ذاتنا؛ لأننا فعلا لم نعد في هذه التجربة نعرف حدود ذواتنا، أين تنتهي حدود ماجد فيّ؟ وأين تنتهي حدودي في ماجد؟ على المستوى الفيزيولوجي كنا نعرف حدود أجسادنا، لكنا لم نكن نعرف حدود الألم، كان دمه المسرطن يجري في روحي، وكانت روحي تجري في دمه. كنا معاً في التجربة، وحتما نحن معا في عمق التوغل الذي ما زال المرض يجبرنا عليه.

صارت طاقة رجل ماجد في قلبي، المرض أخذ العضو الفيزيولوجي، لكنه وهبني الطاقة، أحسست في أعماق قلبي بشجاعة لم أعرفها من قبل.

1227articles_images كان ظلام الغرفة يخيفني، فصار ظلام الغربة يحرضني على المواجهة والتحدي. كان النوم وحدي في غرفة يثير أشباح الخوف، فأبحث عن بصيص ضوء يطمئني قلبي الوجل من تحرك الأشياء في الظلام، صرت الآن أضيء الظلام بقلبي، فيتبدد الخوف وأحرك الأشياء في مخيلتي بحرية المطمئن. تجربة التحدي دفعتني إلى مواجهة معوقات الغربة حتى صرت مركزا يلجأ إليه أهالي المرضى الذين يدخلون على وجوههم تجربة مرض السرطان وينسون قلوبهم، ينسون أن القلب مركز الشجاعة.

الشجاعة اختبرتها في صناعة القرار وسرعة الحسم وتحمل نتائجه، كانت أعماقي مرجعيتي التي أضاءها المرض، دافعت عن قرارات وقف ضدها الجميع، الأهل ومن يوهمونا أنهم وحدهم القادرين على التحكم في مصيرنا، والخائفون من هؤلاء. مرة حملت رسالة احتجاج وضعتني في مواجهة إدارة المستشفى الوحيد في معالجة السرطان، المستشفى الذي لا بديل له لمعالجة ماجد، تركت قلبي يدير الأمر، فكانت النتيجة، معاملة طبية غير، وخدمات صحية غير، ووضع نفسي جديد لجميع العائلات المغتربة بأمراضها.

أحد المسؤولين قالي لي إذا كنت واثقة من كفاءة العلاج من الناحية الفنية، فلم هذه الاحتجاجات على أساليب التعامل والخدمات المساندة.

قلت له أنت لا تعرف معنى أن المرض تجربة فريدة محلها أعماق النفس، والدم ليس مجموعة كريات بقدر ما هو مجموعة خليات تسكن فيها أرواح نفوسنا، وأنا سأدافع عن كريات ماجد وعن روح خلاياه حتى آخر نقطة في عمقها.

أن لا ننقص واحداً

15 فبراير هو اليوم العالمي لسرطان الأطفال، كان هناك ملصق إعلاني مكتوب عليه (سرطان الأطفال يخسر كثيرا في حربه معنا) وأسفله مسابقة تطلب من الأطفال أن يحكوا قصة سعيدة، طلm23 بت من ماجد أن يحكي لي قصة سعيدة احتفالا بهذا اليوم، قال لي: أن تجتمع العائلة. تلك هي القصة. كيف تجتمع عائلة يوزعها سرطان ماجد في أمكنة متباعدة، عائلتي تسكن في البحرين، في منطقة جدحفص التي تبعد عن قلب مدينة المنامة بمسافة بسيطة، يأخذني السرطان وجزءا من عائلتي إلى الأردن، إلى مركز الحسين للسرطان، أنا وأمي هنا منذ 8 فبراير/ تشرين الثاني ,2008 أبي الأستاذ بجامعة البحرين يدير ما تبقى من العائلة في البحرين، ويدير معها قلبه الذي ما زال على سفر بين جغرافيات العائلة المتباعدة، لا يكاد يستقرّ في مكان، كأنه ربان فقد بحر سفينته، وأخي الأكبر محمد في ماليزيا، ذهب منذ عام حاملا حلم أبي وأمي كي يكمل دراسته الجامعية، فيما نحن ذهبنا منذ عام إلى هنا، كي نحلم بسعادة الانتصار على مرض السرطان. نحن في ثلاث جهات من الأرض، أن نلتقي في جهة واحدة، فتلك قصة السعادة بالنسبة لي، وهي تستحق أن تروى وأن أتذكرها باستمرار. في أغسطس/ آب 2008 التقت الجهات الثلاث في جهة العقبة بالأردن، كأن ماء البحر قد جمعنا، وصار يغسل أجسادنا بفرح، التقينا هناك، فكانت السعادة أن لا ننقص واحداً، أمي وأبي ومحمد وميثم ومريم وأنا. صارت السعادة بالنسبة إلى ماجد في بحر العائلة كاملة.

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=153425

ديوانية الجمعة

http://www.awan.com/las/20080711

ديوانية الجمعة يكتبها هذا الأسبوع: علي الديري

الجمعة, 11 يوليو 2008 – العدد 235

 

http://www.awan.com/node/90060

مرسم عشتار ومئوية العريض

قال لي عباس يوسف: كن غدا في مرسم عشتار، فسنبدأ العمل في ورشة مئوية إبراهيم العريض. ورشة «عشتار» هي محترف الصديقين عباس يوسف وجبار غضبان. أشعر بحميمة في أجوائها المبعثرة في كل شيء.. هي مدرسة أكاديمية من  غير م ناهج مدرسية.. أعلام من التشكيليين مرّوا من هنا. 2ومنارات من المبدعين والمثقفين مازالوا يمرون من هنا. مرّ ضياء العزاوي، مارسيل خليفة، محمد عمر خليل، منير إسلام، علي طالب، نوري الراوي، عالية ممدوح، رافع الناصري، عبدالرسول سلمان، عادل السيوي، أسعد عرابي، شربل داغر، بشار العيسى، علي السوداني، فيفيان برنس.

قطع من نصوص قاسم حداد وأمين صالح صارت ألواناً وحروفاً محفورة هنا، ساحرة قاسم حداد مرّت من هنا، وموانئ أمين صالح رست هنا، ومعارض جابت العالم، أبحرت من هنا.. وهنا يحضر قاسم حدّاد أصدقاءه الذين يضيئون له ما يلي. كلما مروا ببحر من فلك سديمنا.

هنا دوماً مكان وشيء آخر.. وفي هذا الشيء الآخر يكمن الفن والإبداع.. يأتي مرة على صورة لون، ومرة على صورة حفر، ومرة على صورة وجه، ومرة على صورة حرف، ومرة على صورة صوت.. المكان لا يتسع لأكثر من بعثرة خمسة أشخاص لكنه بالشيء الآخر يتسع، بما يخلقونه من بعثرات لون أو حرف أو صورة. فيصير المكان عالماً يسع الكون. حين جاء الدكتور عبدالهادي خلف ذات غرة سريعة للمكان، قال: هل هذا هو المكان نفسه الذي تتحدثون عنه في أعمدتكم الصحفية بطريقة خرافية؟ وهل هو نفسه المكان الذي أنتجتم فيه معرضكم التشكيلي الذي رأيته في شتاء السويد؟ قلنا له اجلس قليلاً وستكتشف الشيء الآخر الذي يجعل من هذا المكان خرافة لا يمكن لعلم الاجتماع الذي تدرِّسه في السويد أن يكتشف سرَّه.

والشيء الآخر في هذا المكان الذي يجعله متسعاً، يكمن في خبرة الفن، التي تحدث عنها يوماً جون دوي، بأنها خبرة تخرجك من فرديتك وتصلك بالآخرين. وهذا ما يجعلني أقول إن «عشتار» خبرة تصلني دوماً بما يتجاوز فرديتي ويتجاوز خبرتي بالحرف، ليصلني بخبرة الآخرين باللون والصورة والصوت والأنوثة.

في هذا المكان، شكَّلتُ كثيراً من مقالاتي، ولخبرة المكان أثرها في صياغة الكلمات أحياناً صياغة تحضر معها ظل اللون. حتى إني في أحايين كثيرة، أشتهي لبعض المقالات أن أكتبها هنا، كي أحتفظ بظلها مقروناً بخبرة اللون.

كان إميل سيوران يقول «لو كان لي أن أتخلص من ولعي بالفنون، لما تخصصت في غير العواء».

خبرة الفن دائماً تقيك من العواء، فالفن يروّض فيك الإنسان، ويؤنسن توحشك، ويجعل صوتك يغني بدل أن يعوي.

عشتار.. مكان آمن للجمال.

http://www.awan.com/node/90068

شامات لبنى الأمين

خبرة مرسم (عشتار) فتحت أفقي على مساحات جمال صرت أراها تتجلى في كل محل في هذا الكون، كان مرسم الفنانة التشكيلية لبنى الأمين، مساحة تجربة جمال لتجلي هذه الخبرة.

قبل أن أعرفها كنت مفتوناً بأبوابها القديمة المعتقة بلون الخشب، التي قدمتها في معرضها في العام 1999على صالة جمعية الفنون التشكيلية. وقد شكّلت لبنى 3لوحاتها بخبرتها العميقة بأبواب المحرق المفتوحة.. كل ما هو مفتوح يقدم لك خبرة في التواصل والخروج من ذاتيتك، أبواب المحرق المفتوحة درس بليغ في التعايش المفتوح على المختلف في العرق والطائفة والدين، ورشة قاسم حداد عن هذه المدينة (ورشة الأمل.. سيرة شخصية لمدينة المحرق)، كانت مادتها الأساسية هذه الأبواب، لو كانت الأبواب مغلقة، ما كانت ورشة قاسم قد كتبت شيئاً من سيرتها. كان انفتاح الأبواب علامة تشير إلى انفتاح قلوب أبناء بيوتات هذه المدينة التي تكاد تفقد اليوم أبوابها.

حين مررت قرب بيت المناضل الستيني عبدالرحمن النعيمي (عافاه الله من استراحته)، كان باب بيته مفتوحا، على عادته. وهو بالمناسبة أحد أهم الأبواب التي عبرت منها (لبنى) للعالم للحلم بتغيير العالم. عند هذا الباب، سألني ابني باسل (9سنوات): هل هذا الباب مفتوح دائماً، وهل سيكون بيتنا الجديد مفتوحا بابه؟ قلت له هو مفتوح دائما، لكن الناس الذين بالخارج صاروا مغلقين.

لبنى رسمت هذه الأبواب وهي تستبطن خبرة انفتاحها الجميل، الأبواب المفتوحة شامات الأرواح المفتوحة. ولأن الشامة علامة، فليس أجمل من اللوحة التشكيلية شامة نقرأ فيها تأويل الروح المفتوحة.. هكذا قرأت أبواب لبنى علامات تدل على انفتاح روح مدينتها التي كانت.

وليست لوحات لبنى أبواباً مفتوحة فقط، فكل ما في مرسمها باب يفتحك على روح متفردة، في ليلة من ليالي مرسمها، فيما كانت هي تفتحنا بأبواب ألوانها على سيرة إبراهيم العريض استعداداً لاحتفالية مئويته.. كانت مكتبتها الموسيقية النخبوية تفتحنا لأول مرة على صوت (لينا شاماميان) وهي تغني «شامات»، وهو عنوان ألبومها الثاني الذي صدر في 2007 ويضم مجموعة من الأغاني الشعبية في تاريخ الأغنية الشامية:

شآم أنت فتاتي وأمي

حضنت صبايا

فهل فيك أكبر؟

فها قطعة من رخام

تعشق رائحة الياسمين فأزهر

جوري وريحان

مسك وعنبر

فاح بصرح

تلون أخضر…

كل ما في مرسم لبنى شامة من شامات الجمال، الأناقة التي تؤثث المكان، والمكتبة الصوتية ذات الحساسية الفائقة التي تحتفي بالأصوات الجميلة والنادرة، والكتب المجاورة للوحات مجاورة تصيبك بحيرة تصنيف المكان، هل هو مكتبة أو مرسم أو استوديو أو جنّة الأصدقاء؟!

يمكنك أن تقول هو مكان.. وشيء آخر يجعل منه شامة من شامات الجمال.

http://www.awan.com/node/90064

خرائطي الفكرية

 

كان غوته يقول «إن مشقة قراءة كتاب جيد تضاهي مشقة كتابته».. لهذه المقولة وقعها الخاص بالنسبة لتكويني، فأنا لم n816474055_1034379_1184تتوافر لدي فرصة للدراسة بالخارج، ولم أتوفر في تكويني على أساتذة شاقين آخذ عنهم مباشرة، لذلك ظلت الكتب وطرقها الشاقة أداتي الوحيدة -تقريبا- في تكوين معرفتي، وفي تكثير الأصوات التي تنطق في داخلي.. وقد أشعرني هذا دوماً بالإحساس بالمديونية لمؤلفيها، وأنا هنا لا أتحدث عن مرحلتي الجامعية، ولا ما قبل الجامعية، فتلك سنوات التحصيل العام، لكني أتحدث عن التكوين ما بعد الجامعي، وهو التكوين الذي حدد مساري الفكري وشكل كتابتي وعلاقتي بالعالم.. المرحلة الجامعية، بجامعة البحرين، لم تكن بالنسبة لي، أكثر من مرحلة دراسية، عبرتها دون صدامات فكرية أو تحولات معرفية أو تكوين أكاديمي صلب، لقد دخلت الجامعة أحمل تكويناً دينياً أصوليا مغلقاً، وخرجت منها أحمل التكوين نفسه بمعرفة تخصصية في اللغة العربية تقليدية.

المعرفة الحقيقية التي شقّت كل خلية في تكويني، بدأت في 1993مع أول تجربة مشقة في قراءة (كتاب محمد أركون نقد العقل الإسلامي). وقد كتبت تجربة هذه المشقة في 2002 في كتاب (الخروج على الحس المشترك) بمناسبة زيارة أركون التاريخية للبحرين.

كانت قراءة أركون بمثابة العتبة التي فتحتني على قراءة كتب شاقة، وبقدر مشقة قراءة هذه الكتب التي تحملتها بصبر عسير، أحمل اليوم مديونية معرفية لمؤلفيها، وأكثرهم تسنّت لي الفرصة لألتقيهم وأحاورهم وأنشج معهم علاقة صداقة، وهنا سأسرد قائمة بهذه المديونية.

{ علي حرب، ساحر في بيانه وصياغته لأعقد الأفكار الفلسفية، ابتكر لغة خاصة في النقد والفلسفة، تتعلم منه خفة الدخول على النصوص، والعبث في مراكزها وشقوقها، بروح اللاعب الماهر، لا المعادي الباحث عن مثالب، لذلك هو يدخل على النصوص لا بقصد دحضها وبيان خطئها بل بقصد توسيعها وفتح مناطق عماها.

تعلمت منه فضيلة أن تقرّ بمديونيتك للخطاب الذي تشتغل على نقده، وأن تحبه، وأن تسمح له بأن يخترقك وتخترقه، وأن تستثمر إمكانات اللغة والبلاغة في صياغة خطابك صياغة فكرية وبيانية.

{ طه عبدالرحمن، إعجابي بكتب الفيلسوف المغاربي طه عبدالرحمن، لم يكن إعجاباً بمواقفه تجاه الغرب وتجاه الحداثة وتجاه ما بعد الحداثة، ولا تطابقاً معها، بقدر ما هو إعجاب بمفاهيمه المبتكرة في قراءة التراث الفلسفي، كمفهوم فقه الفلسفة ومفهوم التأثيل، أي إعجاب بهذه المفاهيم بما هي مفاتيح للرؤية والفهم والتحليل.إذا كانت الفلسفة هي عشق المفاهيم كما يقول جيل دلوز، فأنا مدين لمفهوم التأثيل عند طه عبدالرحمن في تمكيني من أن أكون عاشقاً لعوباً لمفاهيم الفلسفة والحياة والدين والسياسة والأدب.

كان مفتاح دخولي إلى خارطة المسيري، هو اعتماده النماذج التفسيرية بوصفها أدوات تحليل، وليس المنافحات الأيديولوجية، ولا التراكمات المعلوماتية.. وكم فرحت حين قرأت في سيرته غير الذاتية غير الموضوعية (رحلتي الفكرية.. البذور والجذور والثمار)، عن تذمره الشديد من التلقي المعلوماتي له.

إن التفاصيل الخاصة الصغيرة التي يجيد عبد الوهاب المسيري عبرها كشف خرائطنا الإدراكية، هي ما يعطي لكتاباته ألفة وسلاسة وبياناً بالغ البلاغة من غير تكلف ولا زخرفة. والدرس الذي يعيطك إياه المسيري في سيرته منذ الصفحات الأولى هو: انطلق من الخاص إلى العام. من تجربتك، من حكايتك، من سيرتك، من قريتك ومدينتك وحضارتك وثقافتك.

كما هو الأمر عند طه عبدالرحمن، فإعجابي بالمسيري، ليس نابعاً بمواقفه تجاه ما بعد الحداثة والغرب والصهيونية ونظام الحكم المصري. وإنما إعجاب بمفاهيمه التي ابتكرها في قراءة خطاب الحضارة الغربية، كمفهوم التحيز والخرائط الإدراكية والنماذج التفسيرية والعلمانية الشاملة والجزئية والكمونية والحلولية.

وتحليل الصور المجازية هو إحدى الخبرات الأدبية المهمة التي تمرس فيها المسيري من خلال تخصصه النقدي، وقد استخدمها بكثرة في دراسته للصهيونية، وأفدت منها كثيراً في تعميق فهمي لوظيفة المجازات وعملها في الخطابات، حتى صار هذا المجال ميدان تخصصي الدقيق.

{ (جورج طرابيشي) أستاذ النقض، لديه نفس عميق في تتبع الإشكاليات الفكرية الضمنية والظاهرة في قراءة خطابات المثقفين العرب (محمد عابد الجابري وحسن حنفي وسمير أمين وغيرهم) تتبعاً ينقض حججها التي تقوم عليها، بما يتوافر عليه من معرفة عميقة بالفلسفة والمنطق ولغة متينة البناء والبيان وموسوعية تستوعب التراث بتنوعه والحداثة بتشظيها وما بعدها بهواماتها.

http://www.awan.com/node/90062

سرمد.. والجمل الأجرب

لدى الصديق سرمد الطائي حساسية فائقة تجاه الكلمات. تمكنه من اللعب ببعض المفردات، لعباً يدخلها بمهارة في سياقات متباينة. بحيث يجعلها تتنقل بين سياق الطرافة وسياق اللعب، وسياق المفهوم الفلسفي.4

كانت بداية تعارفنا العام 2002، قد جاءت على إيقاع اللعب بمفردة «التجريب». التقط سرمد بحسِّه التجريبي كلمة «الجمل الأجرب» التي أوردتها في سياق الحديث عن تحولات تجربتي الدينية في مقالتي «أركون وحكاية الذات». كنت أتحدث عن رغبتي في أن أسترسل في سرد حياتي، بكل ما فيها من ممارسات عملية وعلاقات شخصية واختيارات وذوق وقراءات وأماكن وفاعلية ومآلات الإيمان والطقوس والعبادات والمقدسات، لكني وبسبب حساسية سياقي الثقافي والاجتماعي، التي لا يمكن أن تتقبل ما هو خارج سلطة حسها، بررت عدم استرسالي هذا على نحو مكثَّف بعبارة قلت فيها «لا أقول إنه الخوف من أن ألقى مصير الجمل الأجرب».

صارت «الأجرب» ساحة تداول بيننا، سرمد وأنا، وصرنا نتحدث عن التجربة مشتقة من مادة (ج ر ب)، وعن التجربة الجرباء والذات الجرباء والمثقف الأجرب والمعرفة الجرباء والمصير الأجرب.

وباسترسال، لا حساسية تستوقفه، صرنا نعيث في مآلات هذا الجَرَب من عقر وطلي بالقار أو القطران. وبتذوق لا إطار يحكمه، أخذنا نتمثل عدواه وبدعته على غير ما حذر منه ابن تيمية «إن صاحب البدعة تنتقل عدواه كما تنتقل عدوى الجمل الأجرب».

هكذا تحوّل مفهوم «الجمل الأجرب»، بيني وبين الصديق سرمد، إلى مفهوم، والفلسفة هي عشق المفاهيم، ومجتمع الأصدقاء منذ العصر اليوناني هو مجتمع الفلسفة والمفاهيم، بل يغدو الصديق مفهوما تعشقه بقدر طاقته على التفلسف واللعب.

http://www.awan.com/node/90066

مي.. من القرامطة إلى أركون

  القرامطة كانوا خط اتصالي الأول بميّ الخليفة. كان ذلك في العام 2000. لم تمض سوى أشهر قليلة على صدور كتابها «القرامطة من سواد الكوفة إلى البحرين». كان 1215708335561696700 ضمن برنامج أسرة الأدباء والكتاب، إقامة حلقة نقاشية حول الكتاب. وقد توليت إعداد ورقة نقدية عنوانها «القرامطة في خطاب مي الخليفة: آليات التأريخ وتمثلاتها الرمزية».

كتبتها بروح الناقد المتحمس المشحون بآليات المعرفة الحديثة.. وكأني ضمنياً كنت أريد أن أجرِّب قدرتي على تمثل هذه الأدوات، في قراءة خطاب قد أخذ حيزه الإعلامي.. فميّ أصبحت بعد سلسلة كتبها التاريخية الجريئة، شخصية تاريخية لها حضورها الإعلامي المميز. والنقد دوماً كما تعلمته من أساتذتي المغاربة هو محاولة لتفكيك سلطة حضور الخطابات السائدة، وخطاب مي في تلك الفترة، كان شاغل الساحة الثقافية، كما هي اليوم بشخصيتها الثقافية شاغلة الناس.

مازلت مؤمنا بملحوظاتي النقدية على كتابها، لكني لست مؤمنا بالروح النقدية التي كتبت بها ورقتي.. كان التعقيب الذي مازلت أحفظه، والذي أدلت به مي بعد تقديم ورقتي: «إذا أخذت بكل ما قلته في ورقتك، فلن أكتب شيئاً».. أما المشاركون فقد اختلفوا حول الورقة، ما بين مؤيد ومعارض. من بينهم كان الصحافي اليساري العتيق بروح النكتة عبدالله العباسي، الذي اعترض على ورقتي، وقال: «آليات…آليات، اش آلياته؟! أنا ما فهمت شي»، وقد وجّه اللوم لي قائلا: ينبغي لنا أن نشجع جرأة مي واحتفاءها بالقرامطة باعتبارهم جماعة منشقة على السلطة ومعارضة وتؤمن بمبادئ الاشتراكية والعدالة، خصوصاً وأن الشيخة مي من العائلة الحاكمة.. وكونها تتبنى هذا الخطاب، فإن ذلك يعد أمراً استثنائياً.

كنت مأخوذاً بزهو الآليات، فقلت له: «وما ذنبي أنا إذا كانت آلياتك لم تتجاوز المطرقة والمنجل؟ (في إشارة إلى المنجل والجاكوج في علم الاتحاد السوفييتي) وأنا في ورقتي ناقد ولست معارضاً سياسياً أو داعية أيديولوجياً». لقد تركت هذه الحلقة أصداء نقاشية متباينة في الصحافة البحرينية. فصار القرامطة خط انقطاع بدلا من أن يكونوا خط اتصال بيني وبين ميّ.

في يناير 2002 كانت ميّ تستعد لتدشين «مركز الشيخ إبراهيم بن محمد الخليفة للدراسات والبحوث». وقبل التدشين بشهر عرفت أن محمد أركون سيكون ضمن قائمة الشخصيات، التي سيحتفي المركز بها في بدايات افتتاحه.

كان أركون بالنسبة لي أيقونة أحمل تجاهها مديونية خاصة. لقد تعرفت على كتاباته منذ العام 1994. وقد شكلّت هذه المعرفة تحولاً في سيرتي المعرفية، من التدين الأصولي المغلق إلى العلمنة المفتوحة الأفق. لذلك فمجيئه إلى البحرين، قد أشعل فيّ حماساً، حركني لإعادة الاتصال بمي، لأقترح عليها إصدار كتاب احتفائي بهذه المناسبة.. وكان حماس مي للمشروع قد ذوّب الجليد الذي كان بيننا.. هكذا كان أركون خط اتصالي الثاني بميّ.. وأركون هو خط اتصال دوما بالروح المشرقة بالمعرفة والانفتاح، ومازالت مي تردد دوما أن زيارة أركون للبحرين كانت حدثا ثقافيا، وقد وثقه الصديق حسين المحروس في تقرير موسع حمل عنواناً لافتاً «مرّ أركون من هنا».

توثقت علاقتي بمي، وكنت شاهداً قريباً على روحها التي تنجز بها مشاريعها الثقافية التي لم تتوقف أبداً، كان كل مشروع يفتح أفقاً لمشروع يهيئ لأفق مشروع جديد.. هكذا تتالت بيوتاتها الثقافية: بيت عبدالله الزايد لتراث البحرين الصحافي، بيت محمد بن فارس لفن الصوت الخليجي، بيت الشعر (بيت إبراهيم العريض)، مكتبة الأطفال (اقرأ)، بيت الكورار.

تتصل بي مي، صباح الجمعة الفائتة، لتقول: أنا ذاهبة إلى باريس للاحتفال بمئوية إبراهيم العريض، وعلى هامش الاحتفال سأقدم ورقة عن تجربة مشاريعي الثقافية، سيكون عنوان الورقة (الرهان على الثقافة). أريدك أن ترسل لي مقولة أركون عن المثقف التي أضأنا بها كتاب (إشراقات) 2002. كتاب إشراقات هو كتاب سنوي يضم فاعليات مركز الشيخ إبراهيم بن محمد الخليفة خلال عام كامل.

رحت أبحث عن المقولة، وبدت لي طازجة، وملاذاً آمنا للمثقف من الطائفة. يقول فيها أركون معرّفاً المثقف «كل من يتحلى بروح مستقلة، محبة للاستكشاف والتحري، ذات نزعة نقدية واحتجاجية، تشتغل باسم حقوق الروح والفكر فقط».

مرآة الطائر2-2

 

مرآة الطائر(2-2)

المرأة في الانتخابات الكويتية

 

"غالبية الحيوانات لا تدرك فكرة أن الصورة في المرآة متصلة بهم وليس بحيوان آخر. لقد أدركت هذه الحقيقة بقوة في أحد فصول الربيع. كان ذكر طائر الكردينال عندما تكون الشمس على ارتفاع معين، يخوض قتالا شرسا مع صورته المنعكسة على نافذة غرفة معيشتنا. من الواضح أنه كان يرى صورة منافس له على مقاطعته" جيمس ترفيل

 n816474055_790555_8497 كنت في الكويت في انتخابات 2006 و2008، كنت أمثل صفتي الشخصية، وهي صفة تسمح لي أن أكون حراً في الشق الذي أرى من خلاله الديمقراطية الكويتية في حدث الانتخابات.

عاينتها في 2006 من خلال شق البدون (بدون جنسية بدون ملكية بدون صوت بدون بطاقة انتخابية بدون اعتراف بدون جواز بدون مواطنة بدون رأي).اخترت أن أرى الانتخابات كعلامة نقص على الديمقراطية، لا علامة كمال، وذلك من خلال ما تستبعده هذه الانتخابات وتهمشه وتصادره وتسلبه حق الفعل في تقرير مصير البلاد.

وفي هذه الانتخابات حاولت أن أعاينها من خلال شق المرأة من خلال علاقتها بمرآتها. والمرأة هنا ليست موضوع تنمية، بل موضوع ثقافة، وعلى الرغم من العلاقة بين التنمية والثقافة، لكني معني بشق الثقافة الذي يكاد لا يُرى أكثر من عنايتي بموضوع التنمية الذي يمكن الاستدلال عليه بمؤشرات إحصائية.

الديمقراطية تجربة تتيح لثقافة المجتمع أن تتغير، فما الذي أتاحته تجربة الديمقراطية الكويتية من تغيير يتعلق بالطريقة التي ترى بها المرأة نفسها ويرها بها المجتمع؟

حملة مرايا

إذن المرأة تحتاج إلى أن تصل إلى مرحلة المرآة، بأن تكون المرأة مرآة للمرأة أي مرآة لنفسها، كي تصل إلى البرلمان، وربما تحتاج مؤسسة أداء إلى (حملة مرايا) تكون رسالتها: عزيزتي المرأة مرآتك مرآتك، لكنها ليست المرآة التي تضعينها في شنطتك كلما دخلت الحمام أو غرفة المكياج أو صالون الحلاقة، تلك مرآتك الشخصية التي ابتكرها لك الرجل وطورها وقدمها من أجلك ومن أجله، لكن هناك مرآة في المجتمع كبيرة اكتشفي صورتك فيها.

طوال العقود الأربعة من عمر الديمقراطية الكويتية بأعراسها وأتراحها لم تتمكّن المرأة من وعي المرآة. و(وعي المرآة) مرحلة من وعي الإنسان متقدمة، كما يخبرنا عالم النفس والفيلسوف ما بعد الحداثي (جاك لاكان) الذي كان يُعرّف التحديق(the gaze) بأنه "النظر مشحونا بقصد"([1]) والمرأة لا تنظر إلى صورتها في المرآة بقصد مشحون بالوعي، فهي لا تحدّق فيها بقصد الوعي بذاتها، بل تنظر إليها بنقص الوعي بذاتها، فتحاربها وتحارب أي ظهور لصورتها، المرآة في قصدها ليست محلاً لظهور ذاتها، بل هي سطح لظهور شكل سطحها. لذلك هي لا تستطيع أن تعمّق علاقتها بالمرآة وتعرف ما هو أعمق من سطحها، ففي المرآة أغوار ولا يمكنك أن تصل إليها إلا حين تجتاز سطح المرآة، أي حين تحوّل المرأة إلى مفهوم في شكل مجاز مركب، يعبر عن فكرة تريك واقعك.

وهذا ما دفع محمود رجب في دراسته عن (المرآة والفلسفة) إلى التساؤل([2]): هل هناك حقاً علاقة وثيقة بين المرآة من حيث هي أداة تقنية وبين الوعي بالذات؟ فوجد أن القرنين السادس عشر والسابع عشر قد تطورت صناعة الزجاج بعد اكتشاف البلور الزجاجي، وأمكن مع هذا التطور إنتاج مرآة ممتازة، وهي المرة الأولى التي تمكن فيها الإنسان من أن يرى صورة عن نفسه مطابقة لما يراه الآخرون. ومع هذا الإنتاج التقني، صار استخدام مجاز المرآة في التعبير عن وعي الإنسان بذاته وبالآخرين، استخداماً أكثر تركيباً.

اختلاق الصورة

الإنسان يتحرك وفق ما يرى نفسه، أي وفق صورته، فهو لا يرى نفسه إلا في صورة من خلال مرآة. وإذا لم يستطع أن يرى نفسه، لن يرى طريقه، ولن يتحرك.

الانتخابات محل الصور، تتنافس الصور في المجتمع خلال الانتخابات، وترشح كل صورة نفسها ممثلة للمجتمع ومتطابقة مع مصلحته وهويته، وبقدر ما تسوّق الصورة نفسها في الانتخابات تكسب وتقنع وتفوز. الصورة محل صراع، وستظل المرأة تعارك صورتها قبل أن تتصالح معها وتتعرف عليها وتضعها حيث يحق لها أن تضعها، حينها بدلا من أن تتعارك مع صورتها بوصفها عدوة، ستتعارك من أجل صورتها لتموضع نفسها في الميدان العام للمجتمع.

نموذج ذلك المرشحة (رولا دشتي) التي صارت تعارك من أجل موضعة صورتها في الميدان العام، بعد أن حققت وعياً بمرآتها جعلها ضمن الأكثر تأثيرا من بين 100 شخصية عربية على مستوى العالم لعام 2007، ومكنها هذا الوعي من أن تفوز بجائزة الملك حسين الإنسانية لعام 2005، وهي إلى جانب وعيها العميق بذاتها، تحمل شهادة الدكتوراه في اقتصاد السكان من جامعة جونز هوبكنز بالولايات المتحدة الأمريكية.

في مقهى مجمع المهلب التجاري، كنت في صبيحة الانتخابات مع جماعة مركز التنوير الكويتي، مع نخبة من المثقفين الليبراليين في المجتمع الكويتي، كان الدكتور أحمد البغدادي للتو قد عاد من ترشيح (رولا دشتي) حاملاً تفاؤلاً بتمكن صورتها من تثبيت ذاتها في معركة الميدان العام، لكن شباب التنوير، كانوا يشيرون إلى الدكتور البغدادي، بأن يعاين صw8(4)ورة (رولا) إلى جنب السيد حسن نصر الله. في جريدة الشاهد الأسبوعية، لقد اختارت الجريدة أن تدخر لها هذه الصورة ليوم الانتخابات على صدر صفحتها الأولى، وكتبت الجريدة أسفل الصورة "ومن أهم هذه الشائعات تسريب صورة للناشطة الليبرالية الاقتصادية رولا دشتي مرشحة الدائرة الثالثة وهي ترتدي الحجاب وتقف بجانب الأمين العام لحزب الله اللبناني السيد حسن نصرالله، ما جعل من قاموا بتسريب الصورة يطرحون تساؤلاً عريضاً وهو: كيف ترتدي رولا دشتي الحجاب لمقابلة نصرالله، وهي من تزعمت حملة وزيرة التربية نورية الصبيح برفض ارتدائها الحجاب في مجلس الأمة المنحل حين أدت القسم أثناء توليها الوزارة؟ فما هذا التناقض؟ في حين يرى البعض أن الصورة مركبة وغير صحيحة تماماً"([3])

الأسئلة المطروحة على الصورة والتعليقات المصاغة بشكل استنكاري عليها والسياق السياسي العام الكويتي، كلها تشكل إطاراً ومرآة لرؤية الصورة، فالصورة تُرى من خلال مرآة هذا الإطار، وكلما خلقنا إطاراً جديداً لصورة، نكون قد اخترعنا أو اختلقنا صورة جديدة.

وتماما كما نقول معنى الكلمة يظهر في سياقها الذي هو بمثابة إطارها الذي يعطيها معناها. ويمكنك أن تختلق كلمة بمجرد أن تضعها في سياق يجعلها تقول معنى غير المعنى الذي تقوله في حالتها العامة. كذلك يمكننا أن نقول عن اختلاق الصور، اختلاق الصور آلية من آليات حرب المرايا، إطار كل صورة يضع الشخص في مرآة ما، والاختلاق يكمن بالضبط في الإطار والمرآة، حين تختلق إطاراً ما للصورة كي تجعلها تُرى في مرآة معينة، فأنت قمت بعملية اختلاق للصورة، فمعنى الصورة يظهر في إطارها الذي هو بمثابة المرآة.

يوم الاقتراع، اختلقت جريدة ”الشاهد” الأسبوعية، صورة جديدة لرولا دشتي، تظهر فيها في صورة قديمة مع السيد حسن نصر الله مرتدية الحجاب. تأتي هذه الصورة كأداة انتخابية توظفها الجريدة ضد دشتي، في وسط ذو ذائقة سياسية معينة. وكأن بلاغة الخطاب المضاد حين أعجزته بلاغة المرأة التي ظهرت بها رولا دشتي، لجأ إلى حيلة أخرى، وكي يحمي نفسه قانونياً وإعلامياً وأخلاقيا، استخدم بلاغة مفضوحة يقول فيها " ويقال إن الصورة مفبركة". ولكن البلاغة المفضوحة لا تحمي صاحبها من الاختلاق والفبركة. فالاختلاق ليس تركيب صورة، بل تركيب خطاب الصورة. وحتى لو كانت الصورة صحيحة، فالخطاب ليس صحيحاً بل مختلقاً ومدان أخلاقيا حتى لو كان بريئاً قانونياً.

ذكرى صورة

الصور الفوتوغرافية والصور المتحركة وغيرها من الأشكال التقنية، هي نماذج للصورة بمعناها العام، وتكاد تكون هي النموذج الأكثر قدرة اليوم على تقديم صورة الشخص. فهي قد أتاحت للشخص أن يقدم شخصه للمجتمع العام بطريقة عامة لا يتفاوت الناس في التعرف عليها، كما كان الأمر مع الكتابة والكلام حيث الناس يتفاوتون في قدرتهم على فك الكتابة وفهمها. منطق اليوم دع صورك تتحدث عنك وتكتب عنك وتشخّصك للمجتمع، أصبح الكلام فائضاً على الصورة، ويأتي حاشية عليها. بل كثيراً ما تُسكت الصور الكلام. كما أن غياب الصورة اليوم يسكت أيضا الكلام. فهل نحتاج إلى كلام حين تغيَّب مرشحة صورتها من لوحة إعلان المرشحين؟

هذا ما فعلته المرشحة (ذكرى سعود مبارك المجدلي) لم تستخدم صورتها في الحملة الانتخابية، ليس لأنها لم تتوفر على دعم من مؤسسات دعم المرأة، وليس لأنها لا تملك ميزانية لطباعة صورتها في لوحات كبيرة تعلق في الشوارع العامة، فقد منع القانون المرشح من وضع أي إعلان في الأماكن العامة، في المقابل ألزم القانون وزارة الداخلية أن تضع إعلانا كبيرا في كل منطقة يحمل اسم وصورة المرشح.

مربع مشحون بالبياض

في الدائرة الرابعة لفتني مربع أبيض مشحون بقصد الفراغ من الصورة وسط مربعات مشحونة بقصدٍ، بالصور، كان عددها يتجاوز الخمسين، وهو عدد المرشحين في هذه الدائرة التي تعد ثاني أكبر دائرة انالانتخابات الكويتية2008تخابية وقبلية، تضم 94 ألف ناخب، والدائرة التي تسبقها بالعدد تضم 104آلاف ناخب، وهاتان الدائرتان تضمان التكتلات القبلية (الرشايدة، والعوازم والعجان ومطير) وتعدان حصنا من حصون القبائل التي سيطرت على مجلس أمة2008.ومن هذه الدائرة فاز ثلاثة مرشحين ضمن قائمة الحركة الدستورية الإسلامية (حدس) محسوبين على الأخوان الذين منوا بخسارة فادحة في هذه الانتخابات.

صورة ذكرى الفارغة مشحونة بوعي هذه التركيبة القبلية و(حدسها) الديني. وهو وعي مشحون بعداء للمحل أو للمرآة الذي تظهر فيه المرأة صورتها، تجد (ذكرى) في المربع الفارغ من الصورة أي المربع الذي هو في الأصل مرآة لظهورها، تجد فيه مكاناً للشيطان ومحلا لظهور ممكنات مغرياته، هو مكان يجب معادته ومقاومته كما نقاوم الشيطان حين يريد أن يظهر فينا. لذلك لم تضع (ذكرى) صورتها، لأنها حين تضعها ستجدها تجسّد ما تعاديه داخل نفسها، فالصورة تظهر الشيطان الذي فينا. يصبح المربع ذكرى صورة، أو ذكرى صورة ذكرى.

الصورة الوحيدة لذكرى، تظهر عينيها فقط من بين نقاب، وتبدو هي الصورة الوحيدة التي تمكن قانون الانتخاب من إظهارها لها، فالقانون يريدك أن تظهر بهويتك بدون ستر، وهو يستعين بكل ما يمكن لإثبات هويتك الخاصة، لذلك أمام القانون لا يمكنك أن تتذرع بما يعفيك من إظهار صورتك التي تدل عليك.

لقد وضعت (ذكرى) في برنامجها الانتخابي ما ينسجم مع هذا المربع المشحون بالفراغ بقصد. وبرنامجها يدعو صراحة النساء إلى تجنب ضوء الديمقراطية، كي لا تظهر صورتهن وصوتهن في المجتمع، تريد أن ترجعهن إلى صندوق البيت الآمن، فالضوء يخيف، وهي تقول علانية برنامجي يدعو المرأة للعودة إلى البيت.

تريدها أن تعود إلى المبيتات وراء البراقع، تلك الأماكن التي هجتها الروائية السعودية رجاء عالم في روايتها خاتم "أنا لا أطيق البقاء مع أخواتي في المبيتات ووراء البراقع، أحب نظر الناس في عيني ونظري في عيون الناس على الطريق، لا أطيق خروج الحمارة دون أن أكون على ظهرها"([4]).

خاتم الشخصية التي تلبس ثياب الرجال متنكرة، كي تنظر في عيون الناس على الطريق، وكي تتمكن من أن تركب الحمارة.تريد ذكرى في حملتها أن تختم على عينيها كي لا ترى تركب الحمارة وترى الطريق.

بقي أن نعرف أن ذكرى سعود مبارك المجدلي حاصلة على ليسانس حقوق محامية وتحظى بعضوية جمعية المحامين الكويتية. وقد حصلت على 300صوت في الانتخابات واحتلت المرتبة 38 ضمن قائمة المرشحين التي تضم 54مرشحاً.

دوائر الصورة

الدوائر الخمس لم تمكّن عدسة الديمقراطية من أن تظهر صورة المرأة. يبدو أن تركيز الحساسية في دوائر خمس بدل من خمس وعشرين ما زال بعد غير كافٍ. بل حتى حساسية الدائرة الواحدة ربما لن تكون كافية، فالحساسية ليست في عدد الدوائر وليس في قوانينها، لكن في حساسية الثقافة المغلقة على لون واحد وذوق واحد ومرآة لا ترى.

لم نكن ننتظر من صندوق مغلق على لونه ورائحته مدة خمسين سنة أن يصغي في السنة الواحدة والخمسين لصوت جديد في لونه ورائحته ووجهه المقبل على الحياة الديمقراطية الجديدة، تحتكم حساسية الصندوق لحساسية نور السلطة التي تدير قوانين انغلاقه وانفتاحه. فالصندوق الذي تنتقل فيه السلطة ضمن أطر عائلية وعشائرية وطائفية لا يمكن لسلطته أن تتسع لأطر ألوانها لا يراها ظلامه المغلق؟!! سيحتاج الصندوق لدورات أخرى كي يجدد نفسه في دورات حياة جديدة، حينها سيرى ويسمع ويتسع ويتعدد ويتنوع فيكون قلب الديمقراطية النابض برهافة الأنثى.

لم نكن ننتظر من صندوق مغلق على لونه ورائحته مدة خمسين سنة أن يصغي في السنة الواحدة والخمسين لصوت جديد في لونه ورائحته ووجهه المقبل على الحياة الديمقراطية الجديدة، تحتكم حساسية الصندوق لحساسية نور السلطة التي تدير قوانين انغلاقه وانفتاحه. فالصندوق الذي تنتقل فيه السلطة ضمن أطر عائلية وعشائرية وطائفية لا يمكن لسلطته أن تتسع لأطر ألوانها لا يراها ظلامه المغلق؟!! سيحتاج الصندوق لدورات أخرى كي يجدد نفسه في دورات حياة جديدة، حينها سيرى ويسمع ويتسع ويتعدد ويتنوع فيكون قلب الديمقراطية النابض برهافة الأنثى([5]).

ولعل في إشارة فارس الوقيان في تحليله للانتخابات الكويتية إلى مشكلة العقول المسطحة، ما يلتقي مع فكرة المرايا المسطة " أنفر من تلك الأفكار والمعالجات التي ترد أسباب الأزمة والانحدار لدينا، إلى قانون هنا أو لائحة هناك، وكأن كل آلامنا ومعاناتنا متوقفة على ذلك، فالمسألة أكبر وأعمق من تشريع، بل هي كامنة في العقول المسطحة وآلية التفكير المختلة التي تدير شؤوننا الإدارية والتنموية"([6]).

العقول المسطحة لا تستطيع أن تدرك عمق المرآة ولا أن تكون وعياً بذاتها عبر سبر أغوار المرآة، العقول المسطحة هي مرايا مسطحة، لا تستطيع الذات معها أن تسبر عمق نفسها.

إذا كانت الديمقراطية، تتيح للمجتمعات أن تتحرك وتطير متجاوزة أزماتها وصراعاتها وتخلفها، فإنها لا يمكن أن تطير من غير جناحين، وجناحا المجتمع هما الرجل والمرأة، إذا ما بقيت المرأة تهاجم أحد جناحي المجتمع وتكسره، وذلك بأن تكون عدوة نفسها وتهاجم وجهها الظاهر في المجتمع، فلن يطير المجتمع نحو عالم أفضل.

سنبقى نردد مع إميل سيوران"تكمن فينا أماكن معتمة لا تسمح إلا بضياء متأرجح"([7]) والضياء المتأرجح، لا يتيح للصورة أن تخرج من عتمتها، ولا للمجتمع أن يحقق تجربة تنويره، ولا للمرآة أن تظهر أشخاصنا.

وسنظل نتأرجح بمعنويات رولا دشتي التي خذلها ضياء التاريخ "معنوياتي مرتفعة وأعتقد أن أهل الكويت سيصنعون التاريخ في 17مايو2008"([8]) وضحكات فارس الوقيان التي لم تكتمل "أضحك كثيرا حين يقولون إن حقوق المرأة اكتملت بممارسة حقوقها السياسية، في حين أن حقوقها مرتبطة بثقافة ورؤية مجتمع مازال ذكورياً حتى النخاع"([9])

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=117675

الهوامش


[1] ) دليل الناقد الأدبي، ميجان الرويلي وسعد البازعي، بيروت: المركز الثقافي العربي.

[2] ) محمود رجب، المرآة والفسلفة، ص30.

[3] ) انظر: مجلة الشاهد

http://alshahed.com.kw/index.php?option=com_content&task=view&id=489&Itemid=27

[4] ) رجاء عالم، رواية خاتم، بيروت: المركز الثقافي العربي،ص60

[5] ) انظر: جريدة الوقت، علي الديري، شارع ملون بالأنوثة…صندوق مظلم بالذكورة، الاثنين, 3 يوليو, 2006.

[6] ) انظر: جريدة أوان:

 http://www.awan.com/node/74004http://www.awan.com/node/74004

[7] ) إميل سيروان،المياه بلون الغرق، دار الجمل، ص23.

[8] ) جريدة الأنباء الكويتية، بتاريخ 17مايو2008.

[9] ) انظر: جريدة أوان:

 http://www.awan.com/node/74004http://www.awan.com/node/74004