في رثاء غازي الحداد: فخر أوال في حضارتها

الشاعر غازي الحداد

الشاعر غازي الحداد

ونحنُ فخرُ أوال في حضارتها
ونحنُ أعلى بني عُربانِها نسباْ
لنا شمائلُ عبد القيـسِ في كرمٍ
ومن ربيعةَ طابت ريحُنا حسباْ

 

رحم الله شاعرنا غازي الحداد(1961-2021).لم تربطني به معرفة شخصية، لكن تربطني به علاقة وجودية، هي علاقة الشاعر الذي يعالج بشعره جرحا ملتهبا في وجودنا، وجرحي الشخصي كان إسقاط جنسيتي، هو عام في حقيقته، لكنه  شخصي لأني أحمله في يومياتي ولحظاتي الخاصة، يهدأ مرة ويلتهب مرات، فأعالجه بشعر غازي الحداد “ونحنُ فخرُ أوالٍ في حضارتها”. 

هناك لحظات وجودية تضج في الكائن الإنساني، تستصرخ أعمق ما فيه، تنادي شعراء وفلاسفة وأدباء ومتصوفة يناغون هذه الأعماق ويطيبونها ببلسم كلماتهم. وكما في المقولة التراثية الشهيرة “اقرأ القرآن وكأنه نزل في شأنك” رحت أقرأ هذه الأبيات وكأن آلهة شعر غازي الحداد أنزلتها في شأني وحالي وجرحي، رحت أستحضر صوت غازي وهو يُنشدها بقوة نبره وعلو لغته وشكيمة سبكه.

هكذا أنشأت علاقتي الشخصية بغازي، صار حاضرا معي، رافعا لا مرافقا، فهو يشدني للأعلى حيث نجوم عبد قيس في حضارتها، نعم في حضارتها، ذلك هو المعنى الأكثر تأثيرا، فأنا أبحث عن انتماء يعبر عن هويتي الحضارية لا البدوية ولا القبائلية ولا الجاهلية، أنا واحد من (نحن عبد القيس) التي تجذرت في أوال منذ القرن الثالث الميلادي، غادرت ثقافة الترحال والغزو واستوطنت هنا حتى عرفتها نخيل البحرين وأحبتها وأنشأت بينها وبينهم وطنا مستقرا وشعرا يستمد من رطبها حلاوته وطلاوته، حتى قال الجاحظ «شأن عبد القيس عجيب وذلك أنهم بعد محاربة إياد تفرقوا فرقتين ففرقة وقعت بعمان وشق عمان وفيهم خطباء العرب وفرقة وقعت إلى البحرين وشق البحرين وهم من أشعر قبيلة في العرب، ولم يكونوا كذلك حين كانوا في سرة البادية وفي معدن الفصاحة وهذا عجب”.

لو قُدر للجاحظ أن يسمع شعر (غازي) لقال والأعجب في أمر عبد قيس، أنهم بعد قرون من النكبات وغزوات الأعراب التي وقعت عليهم، ظلوا مستقرين في سرة الحاضرة، وما زالوا ينتجون فحول الشعراء ولا يغادون بلاغة نطفتهم العبدية القيسية.

(غازي الحداد) ناطق بقوة، بفخر أوال الحضاري، لا جهل الجاهلينا، وجدتُ فيه الصوت الذي ألجأ إليه، وإحدى تجليات الهوية التي أذوب في جنباتها، وجنسية الانتماء التي لا يمكن أن تُسقطها بداوة الغازي ورعونته واستبداده، لا يمكن أن تسقط، ولا يمكن أن تضعف (أناي)  الحضارية وهي ممتلئة بقوة هذه الأنا الشعرية، وهي تصرخ بفرادة وبلاغة وشجاعة، عبر صوت غازي: 

أنا هنا ألهس التاريخ في خلدي 

أنا هنا واقف للرصد كالوتدِ

أنا هنا أتقصّى الأمر منفردا 

وما تقصيت أمرا غير منفردِ

(غازي الحداد) مثّل بشعره، شمائل عبد القيس، شمائلها البلاغية في الشعر واللغة والفصاحة والخطابة حتى إن أبا الأسود الدؤولي حين عُهد إليه أمر تشكيل القرآن جيء له بثلاثين رجلا من فصحاء قبائل العرب، فلم يقنعه إلا فصيح من عبد القيس. وغازي مثّل  هوية أجداده العبديين في  الرفض والثورة ضد الظلم، وهو بذلك مثّل الامتداد الحضاري لعبد قيس ليس على مستوى الاستقرار في الأرض فقط، بل والاستقرار في الولاء لهوية التشيع الرافضية التي رضعها من أمه (الملاية أم عباس) والتي شهد عليها تاريخيا جميع المؤرخين والرحالة الذين مروا من هنا. 

يحق لغازي أن يركب أعلى ما في خيلاء الشعر وهو ينطق بأناه الرافضة المتحدية (أنا هنا) ويحق له  أن ينطق بهويتنا الجماعية الفاخرة (ونحنُ فخرُ أوال). ويحق له علينا أن ننقش شعره في قلوبنا وحضارتنا ومحافلنا ونردده على مسامع أولادنا.

 

الحلقة الثانية من نقد الشيخ والتنوير: التنوير الضخم والمثقفون الموالون

أتحدث هنا عن التنوير الضخم كما

للاستماع للحلقة يمكنك الضغط من هنا

لتحميل المقالة بصيغة pdf يمكنك الضغط من هنا

تحدثت في الحلقة السابقة عن الأب الضخم. التنوير الضخم هو تنوير يتم اصطناعه عبر خلق سردية غير صحيحة تُضخّم شخصيات وأحداث وكلمات وتبني لها سياقا مقتطعا من التاريخ الوقائعي. كيف غير صحيحة؟ هذا ما سنحاول أن نبيّنه في هذه الحلقة بالكلام عن الحدث السياسي المزلزل في البحرين في 1923 وقلت مزلزل لأنه أسقط شكل دولة المشيخة والإقطاع وعزل الحاكم عيسى بن علي، وتم تأسيس إدارات الدولة الحديثة، فتحركت جماعات المصالح والمستفيدين من شكل السلطة القبلية، للدفاع عنها.

هناك مجموعة من الأسئلة نريد أن نطرحها خلال هذه الحلقة. ما هو موقف ناصر الخيري من حدث 1923؟ وما هو موقف إبراهيم بن محمد آل خليفة الذي أسماه الكتاب (شيخ التنوير) من هذا الحدث؟ هل ذهب بتنويره لتأييد فكرة الدولة الحديثة والسلطة الحديثة، أم أنه دافع عن شكل دولة المشيخة ونظام عيسى بن علي الإقطاعي في ذلك الوقت؟

الإصلاحات وخطاب العزل 

سأعرض مقتطفًا من كتاب (الشيخ والتنوير) ينقل فيه رواية تقول «إن ناصر الخيري بعد أن قرأ خطاب نوكس [وهو خطاب عزل عيسى بن علي] في مايو 1923 مرض بعد ذلك مرضا شديدا متأثرا بما جاء في الخطاب، وقال إن أيادي الشيخ عيسى بن علي علينا كثيرة ولم أكن أتوقع أن أقوم بما قمت به».

يتحدث هذا المقتطف عن الخطاب الذي ألقاه ناصر الخيري في ما عُرف بمجلس العزل، وهو المجلس الذي عَزل (عيسى بن علي) ونَصّب ابنه حمد مكانه، وتم فيه إعلان شكل الدولة الحديث والقطع مع دولة المشيخة ونظام البداوة، أو ما سُمي في أحد التقارير البريطانية: نظام اللاحكم. لم تكن في البحرين حينها حكومة مركزية توزع سلطاتها، بل توجد إقطاعيات، كل شيخ يحكم إقطاعية عبر نظام الفداوية.

هذا المقتطف الذي يبدو أن الكتاب يتبناه بشكل واضح، يقول إن ناصر الخيري مرض بعد أن ألقى هذا الخطاب مرضاً شديداً، فكأنه غير مقتنع بما جاء فيه، وكأنه كان مكرهاً بوقوفه هذا الموقف وقراءته لهــذا الخطاب التاريخي الذي لا يرمي إلى عزل عيسى بن علي فحسب، بل إلى تدشين شكل الدولة الحديثة.

لماذا تبنى كتاب (الشيخ والتنوير) رواية أن ناصر الخيري ندم ومرض ومات؟ وراء ذلك سبب وجيه، هو أن الرواية الرسمية لا تريد أن تعترف بعزل عيسى بن علي. لذلك حينما نذهب الى المدونات الرسمية وهي تروي تاريخ حكم آل خليفة في البحرين، فإنها لا تقول إن عيسى بن علي قد عُزل في 1923، ولا إن ابنه حمد بن عيسى تولى الحكم في هذا العام، بل تقول إنه تولى الحكم في العام 1932، وهو العام الذي توفّى فيه عيسى بن علي. لأن هذه العقلية لا تقبل أن يتنازل الحاكم أو يُعزل حتى يموت.

بالتالي، فإن موقف ناصر الخيري -حتى في كتاب الشيخ والتنوير-  يُراد له أن يظهر بمظهر الكاتب والمثقف الذي يسير في ركب السلطة، وأن ما فعله كان مضطراً إليه لأنه كان موظفاً في الوكالة البريطانية، أي موظف لدى المستعمر، لا أنه مثقف لديه موقف نقدي حرّ من شكل الدولة وسلطة الدولة.  

هل هذا الكلام صحيح؟ هل ناصر الخيري كان كذلك فعلاً؟ لنر ماذا يقول ناصر الخيري في كتابه، وفي مقابل

ذلك نريد أن نعرف موقف من أسماه الكتاب بشيخ التنوير؛ إبراهيم بن محمد آل خليفة جدّ ميّ آل خليفة. 

موقف ناصر الخيري

يتوجه ناصر الخيري، بتقريع شديد لسلوك (صاحب المسند) أي مسند الحكم، في وقوفه إلى جانب فريق النجادة ومجاملته لهم، الأمر الذي سبب العبث بالأمن والإخلال بمسؤوليات الحاكم في حفظ الأمن والحياد 

يقول ناصر الخيري حول أحداث 1923: «وما ذلك إلا بسبب مجاملة حكومة الشيخ عيسى لفرقة النجادا (النجديين) مجاملة توجب لوم صاحب المسند (الحاكم)، وتسبب الطعن في نظرياته الغير صائبة، إذ ليس من شأن الحاكم أن يجامل فريقاً دون آخر إلى حد أن يقف مكتوف اليدين أمام ما يتخذه الفريق من الإجراءات العدوانية ضد الآخرين، مع تيقنه أن تلك الإجراءات سوف تنتج نتائج وخيمة جداً أقلها سفك الدماء والعبث بالأمنية العمومية التي هي من أول مسئوليات الحكام».

لديّ الكثير من الفقرات التي يمكن الاستشهاد بها، لكن هذه الفقرة مهمة. لماذا؟ لأن هناك حدث وقع: خلاف بين تجار النجادة (أهل نجد) وبين تجار من العجم على خلفية حادث صغير سرق فيه خادم ساعد يد وباعها في السوق. لكن الأمور كانت محتقنة في ذلك الوقت لأسباب سياسية كثيرة.

 ارتفعت وتيرة وقائع هذا الخلاف وتسببت بحدوث مشاجرات كبيرة في المنامة، فكان هذا الخلاف بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. بعد هذا الخلاف أصبح موضوع التحوّل نحو الدولة المدنية مهما جداً لأن بريطانيا تريد أن يسود النظام، وتمنع أي دولة أخرى من التدخل بحجة حماية رعاياها، أي أن مصالحها تتطلب ذلك، وسيادة النظام يعني أن يكون هناك نظام يعرف من هو البحريني ومن هو غير البحريني، ويكون هناك محاكم وعدالة جنائية وإدارات دولة حديثة. وهذا هو النظام الذي سعى ناصر الخيري لدعمه والوقوف الى جانبه.

حينما نأتي إلى تحليل موقف ناصر الخيري من فكرة دعم الحاكم للنجادة، نجده يحمل حقيقة مهمة، وهي أنه وقف ضد الحزب المناصر لعيسى بن علي، وهذا يعبّر عن موقفه من طبيعة الحكم، فليس صحيحاً أبداً أن نقول إن ناصر الخيري ندم أو أنه كان متردداً أو مرض أو مات، لأنه قدم خطاباً لا يتسق مع موقفه التاريخي.

يروي الخيري عن مجلس العزل على هذا النحو: «جمعت [الدولة البريطانية] في دار القنصل فريقاً كبيراً من رؤساء سائر الطوائف، وألقى الكرنل ناكس عليهم خطابة مسهبة بين فيها كثيراً من الأسباب التي أوجبت تداخل الحكومة البريطانية في شئون بلادهم، وأوصى الأهالي بالرضا بما قسم الله لهم، وحضهم على الطاعة وحذرهم عواقب التذمر والمخالفة، وهدد من يظهر عدم الرضا بالحالة الراهنة بصارم العقاب، ونعى على حكومة الشيخ عيسى جمودها على ما ورثته من أسلافها من أساليب الحكم القديمة وعدم مجاراة الزمان في تغيراته ودوام الحال من المحال»

لا شيء في رواية الخيري يعبر عن ندمه أو شعوره بالامتنان لحكم عيسى بن علي، خصوصاً الجملة الأخيرة «ونعى على حكومة الشيخ عيسى جمودها على ما ورثته من أسلافها من أساليب الحكم القديمة وعدم مجاراة الزمان في تغيراته ودوام الحال من المحال» إنه يرويها بلسان المتبني لها، كما يروي كتاب الشيخ والتنوير رواية الندم والشعور بالذنب والموت بلسان المتبني.

 المحيط الإنكليزي

اسمحوا لي هنا أن أستحضر رواية (لمحيط الإنكليزي) للكاتب الراحل فريد رمضان، تحديداً الفصل الخاص بالبحرين تحت عنوان (جزر الخوف) هو اسم يليق بالبحرين فعلاً خلال فترة العشرينات. تحدّثت الرواية عن التاجر (عبد العزيز النجدي)، الذي أجبر (يوسف) على الزواج من (جوهرة) العبدة الحبشية، بعد أن حملت من هذا التاجر، ليدخل هذا العبد في قصة معقدة تنتهي بأن يُضرب ويُلقى به مع عائلته دون كرامة ودون قانون. 

كان ذلك هو وضع الناس الذين لا تحميهم قبيلة ولا دولة ذات سيادة في البحرين. جاء قانون الدولة المدنية 1923 في البحرين ليضع حداً للانتهاكات التي كانت تحدث في عهد عيسى بن علي. التحول لنظام الدولة المدنية كان يعني رفع الظّلم عن هؤلاء 

الناس والرعايا الذين لم يكن هناك قانون يرعاهم ولا دولة. ناصر الخيري كان يدعم هذه الإصلاحات التي تحمي الناس الذين لا حامي لهم ولا ظهر أو قبيلة أو شيخ لهم. 

كان هذا هو موقف ناصر الخيري، فهل نجد ذلك في كتاب (الشيخ والتنوير)؟ لا نجد ذلك أبدا. الكتاب لا يضيء لنا هذا الجانب، لا يوضح لنا كيف كان نظام الحكم في البحرين؟ كيف هو موقف المثقف في ذلك الوقت؟ كيف هو موقف (شيخ التنوير) إبراهيم بن محمد آل خليفة؟ ما موقفه من شكل هذه الدولة؟ من نظام المشيخة والإقطاع؟ من التمييز وفرض الضرائب حسب العرق والطائفة؟ هذا ما سنعرفه الآن.

لغة (شيخ التنوير)

هناك رسالة كتبها الشيخ إبراهيم في 1923، توجّه بها إلى الشيخ (محمد رشيد رضا) صاحب (مجلة المنار). من هو الشيخ محمد رشيد رضا؟ هو شخصية سلفية إصلاحية كانت تريد النهوض بالعالم الإسلامي لكن من منظور سلفي، وهو ليس توصيفي إنما توصيف المختصين في هذه المرحلة، كذلك كتاب (الشيخ والتنوير) استعمل هذا التوصيف لنعت محمد رشيد رضا. لكن لا أعرف كيف يمكن أن يكون من يتواصل مع هذه المجلة ذات التوجّه السلفي كما يخبرنا الكتاب، ويقوم بدعمها مادياً، ويرفع لها تقارير عن البحرين، أن نقول أنه رجل تنوير وشيخ تنوير وهو يتجه إلى وجهة سلفية.

يقول الشيخ إبراهيم في تقديم رسالته إلى صاحب مجلة المنار: «بسم الله الرحمن الرحيم، حجّة الإسلام المُصلح الإمام الأستاذ السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار الإسلامي الأغرّ حياه الله وأحياه ومتّع المسلمين بطول بقائه..»

هذه المقدّمة توضّح تماماً أننا أمام لغة مغايرة للغة التنوير، بل إن صاحبها أقرب للتوجّه الإسلامي التقليدي، يمكنك أن تقول إن لديه توجّه إصلاحي، ربما، لكن أن تُلبسه جبة (شيخ تنوير)، هذه اللغة لا تناسبه إطلاقاً.

نكاد لا نعثر في كتاب الشيخ والتنوير على مقولات أو خطابات أو مواقف للشيخ إبراهيم، تنير لنا شخصيته التنويرية، تنتهي من الكتاب ولا تعلق في ذهنك جملة تصلح أن تضعها كاقتباس يضيء لك فكرة حرة أو يدفعك لاتخاذ موقف حر، بل على العكس من ذلك، مثلا رسالته لابنه محمر في 1929 إبان إقامته في مكة المكرمة، يقول فيها: «وبعد، أرجو ألا تنسى ما أوصيك به من طلب العلم، أعني الفقه العربية، وأكثر من قراءة القرآن، ودع عنك كتب التصوف، وكتب الطب، فإنها مضيعة للعقل ومجلبة للوسواس والأوهام».

تتساءل كيف يمكن أن يكون صاحب خطاب تنويري وهو يحصر العلم بالفقه واللغة العربية فقط، ويحذره

من قراءة كتب الطب والتصوف؟ تحاول أن تفهم تكوينه المعرفي وأين درس، فلا تجد أي معلومة توضح لك نشأته العلمية في كتاب (الشيخ والتنوير). تذهب للويكيبيديا، فتعثر على معلومة يتيمة مستلة من كتاب أبناء الشرق لإبراهيم كرديه، لكنها دالة، تقول «كان والده حاكم البلاد وسلطانها ، وعهد بتربيته إلى بعض علماء نجد». هنا يمكنك أن تفهم اللغة التي تتحدث بها هذه الشخصية بقدر ما.

رسالة (شيخ التنوير)

حسناً، لنعد لرسالته المكتوبة لشيخ المنار، محمد رشيد رضا. ما المكتوب في هذه الرسالة؟ الرسالة مكتوبة بخط صعب قراءته ولا أدري لماذا الكاتب أو المخرج تعمّد وضع 4 صفحات من هذه الرسالة في صفحة واحدة، وهي بالمناسبة من أرشيف الشيخة مي آل خليفة، لماذا لم يتم وضع كل صفحة على حدة؟ 

وجدت صعوبة كبيرة في قراءة هذه الرسالة، لكن هناك سطر يحمل دلالة كبيرة على موقف الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة من حدث 1923. ماذا يقول هذا السطر؛ يقول عن القنصلية البريطانية والوكيل البريطاني، أنهم «كانوا يهدفون إلى تهييج الشيعة الفلاحين رعايا الشيخ عيسى» ثم هناك كلمات يصعب قراءتها، وبعد ذلك يقول عن الشيعة المطالبين بالإصلاحات «قام أولئك المخدوعين بمظاهرة كبيرة في سوق المنامة ضد ملكهم الشيخ عيسى»، ثم يكمل الرسالة التي يصعب قراءتها. لكن هذه الجملة شديدة الدلالة؛ فهو ينظر إلى من قاموا بدعم الإصلاحات على أنهم فلاحون مخدوعون، وأنهم قاموا بمظاهرات في المنامة تحت تأثير هذا التحريض الذي جاءهم من المستعمر. هذا هو الموقف الذي يعبر عنه الشيخ إبراهيم.

لدي هنا وقفتان، الأولى: واضح من هذا التوصيف أن الشيخ إبراهيم يتبنّى نظرة الحاكم الشيخ عيسى بن علي، لذلك يسميه في هذه الرسالة (ملكهم)، ويصفه بأنه «الشخصية المحبوبة وهو الأكبر سنا بين ملوك العرب». لقد كان داعماً لنظام المشيخة، وداعما لاستمرار الدولة الإقطاعية. لا (إشكال تنويري) لديه في الحكم الإقطاعي، هو مع توزيع البحرين إلى إقطاعيات محكومة من قبل شيوخ آل خليفة من أبناء عيسى بن علي وإخوته. 

الفلاحون المخدوعون

الوقفة الثانية حول هذه الرسالة: يبدو أنه كان يرى الشيعة بأنهم محض رعايا وفلاحين ومخدوعين، ليســـوا  أصحاب مطالب إصلاحية واضحة، وليسوا أصحاب تاريخ وحضارة وأرض، وكأن ليس لديهم علماء أو شخصيات مثقفة أو شخصيات تجارية، ليس لديهم أي من ذلك. في حين تكشف لنا الوثائق أن العرائض التي وقعها الشيعة في ذلك الوقت كانت تحمل أسماء كبيرة، بينها تجار، وشخصيات وطنية معروفة ترى مستقبل البحرين في أن تتحول إلى شكل الدولة الحديثة. 

أستحضر هنا قامة وطنية مثل الحاج (أحمد بن خميس)، وهناك كتاب صدر عنه عن مركز أوال يحمل اسم (قمر السنابس). كان  أحمد بن خميس شخصية وطنية دفع من ماله وثورته وأمنه في سبيل إقرار هذه الإصلاحات وتمّت ملاحقته. 

شخصية أخري مثل الشيخ (عبدالله العرب)، وهو شخص تحدثت في كتاب (من هو البحريني؟) وخصصت له حلقتين (بودكاست) للحديث عنه وعن ما قدمه من أجل بناء فكرة الدولة الحديثة في 1923. كان رجل علم ودين معروف دفع دمه من أجل إقــــرار هذه الإصلاحات، لقد أراد للبحرين أن تتجـه لعصر الدولـــــــة المدنية. كيف نصف مثل هؤلاء بأنهم مجرد فلاحين مخدوعين؟ ليس وصف الفلاّح عيباً، وتعلّق البحرينيين بالفلاحة والنخلة والبحر هو جزء من حضارتهم واستقرارهم وتحضّرهم، وهو يعبر عن ابتعادهم عن عقلية البداوة التي كانت تتخذ من الترحال والسلب والهجوم والحرب وسيلة للمعيشة. هذا هو البحريني، فكيف تأتي يا (شيخ التنوير) وتصفهم بأنهم مجرد فلاحين مخدوعين؟ هؤلاء لديهم تراث (ضخم) حقيقي غير مؤسطر، يشكل لهويتهم أبوة حضارية، يكفي أن مجالسهم النسائية تضمّ تراثا من المخطوطات قد خُطّت بأقلام كانت ترى النور في الكتابة، وما زالوا يحتفظون بهذه المخطوطات كتراث إنساني، في الوقت الذي كان فيه جدّك وأبوك مجرد جماعات أمية كما وصفهم ناصر الخيري.

تبييض وجه الإقطاع 

لنذهب الآن إلى كتاب (الشيخ والتنوير)، ماذا يقول عن مجلس الشيخ إبراهيم بن محمد؟ 

يقول: «يمكننا أن نعرف مقدار الأهمية التي يمثلها مجلس الشيخ إبراهيم في تاريخ البحرين الحديث إذا أخذنا كل هذا بعين الاعتبار، فقد كان هذا المجلس أول منتدى ثقافي ينخرط فيه المثقفون البحرينيون، وقبل انتشار التعليم الحديث، في نقاشات أدبية واجتماعية عامة. ويمكننا القول أنه لم تكن هناك مساحة مفتوحة للنقاش العام قبل هذا المجلس». هل هذا صحيح؟ 

الغريب أن كتاب (الشيخ والتنوير)، وفي الصفحة ذاتها، يُعزي نشأة الصالونات والنوادي والمقاهي الأدبية في أوروبا في القرن 18، إلى أنها «مساحات أخذت في الظهور مع تفكك بنيات المجتمعات الإقطاعية وتوطّد الحقوق المدنية وحقوق الأفراد في التجمع والتنظيم والتعبير». ويؤكد أن وجود هذه الفضاءات كان له «تبعات سياسية، إذ سرعان ما لعبت هذه الفضاءات العامة دور الرقيب على أداء الحكومات وصلاحيتها ومصدر شرعيتها».

إذا كان مجلس الشيخ إبراهيم -كما يزعم الكتاب- أول منتدى ثقافي ينخرط فيه المثقفون في هذا المجال، فما هو موقف هؤلاء من بُنيات المجتمعات الإقطاعية في 1923؟ هل ساهم هذا المنتدى في تفكيك بنيتها؟ هل عمل على توطيد الحقوق المدنية للأفراد؟ هل دافع عن حقهم في التجمع والتنظيـــم والتعبير؟ وهل واجـــه تبعات سياسية؟ هل مارس دوراً رقابياً على أداء الحكم أو حاول إصلاحه؟ أم أنه تماهى مع طبيعة الحكم ودعم بنيته المشيخية القبلية الإقطاعية؟

الرسالة التي قرأناها، والتي بعثها شيخ هذا المنتدى إلى صاحب مجلة المنار ذات التوجهات الإصلاحية السلفية، تعبّر عن موقفه المناهض لحق الأفراد في التجمع والتنظيم والتعبير، فهو بدلاً من أن يدافع عن حق الناس الذين خرجوا في المظاهرة الكبيرة المطالبة بالإصلاح في سوق المنامة، يصفهم بأنهم فلاحون مخدوعون. و بالمقابل يعلن موقفه الداعم للإقطاع والمجتمعات الإقطاعية والمتماهي مع طبيعة حكم شيخ القبيلة. لقد وقف شيخ هذا المنتدى مع الإقطاع، وراسل الخارج ليثبّت قدم هذا الإقطاع ويبيض وجهه. هذا هو توجه صاحب من يقول عنه الكتاب بأنه صاحب أول منتدى ثقافي تنويري في تاريخ البحرين.

مصالح رواد المنتدى 

أما رواد منتدى (الشيخ والتنوير) الذين يقدمهم باعتبارهم أول من فتح المجال العام، هؤلاء كانوا يغلقون المجال العام، يحاربون من يدعم هذا الإصلاح. لم يكن موقفهم مشرفاً، لم يكن موقفهم داعما لهذه الدولة في شكلها الحديث. لا أعرف كيف يمكن أن نعتبر هذا المنتدى أول منتدى في البحرين للفعل الحر وأول منتدى للمثقفين؟ 

التنوير هو العمل على تفكيك البنيات الإقطاعية للمجتمعات، هو العمل على تثبيت الحقوق المدنية وحريات الأفراد، هذا الفعل هو ما كان يسعى الداعمون لفكرة الإصلاح له، وهم من يسميهم (شيخ التنوير) بالفلاحين المخدوعين. هذا هو ما سعى إليه أحمد بن خميس ومن معه، وهذا ما كانت العرائض التي يقودها الشيعة يذهبون إليه ويطالبون به. أما من أسماهم كتاب الشيخ والتنوير بالمثقفين في مجلس الشيخ، فلم يكونوا، في غالبيتهم، إلا شبكات مستفيدة من هذا الإقطاع وتعمل على إدامته. 

هذا الكلام لا أقوله بلساني وإنما أقوله بلسان (ميّ الخليفة) وقد تحدثت عن ذلك في كتابي «من هو البحريني؟». هؤلاء استفاروا من شبكة المصالح التي وفرها نظام القبيلة، نظام الحكم المشيخي القبلي. 

على خلاف ما تسبغه بعض الكتابات التاريخية والسياسة الحديثة من تمجيدات على المؤتمر الذي عُقد في أكتوبر/تشرين الأول 1923 وضمّ القوى السنية المعارضة للإصلاحات، تقدم (مي)    صورة سلبية لهذا المؤتمر وما انبثق عنه، فهو ينطلق من رؤية محافظة وإسلامية سلفية ويدافع عن مصالح خاصة تقول مي «كان رد المجلس التشريعي، (الذي يحلو للبعض تسميته بالحركة الوطنية أو الجهاد أو الثورة!)، يأتي في معظم الأحيان من تفاعل اقتصادي نتيجة لمخاوف من ضياع الامتيازات التجارية والاقتصادية وحتى السلطوية!».

تمعن (مي) في تصوير النخبة المثقفة من التجار بأنها تمثل في أكثر الأحيان أفرادا أو بيوتاً تجارية تنظر بعين الاعتبار لمصالحها أولا، وتؤكد أنه ما كانت هناك قاعدة شعبية تتبنى أفكار النخبة «ومع أن البعض حاول إظهار العرائض بأنها دستور وقانون ومطالب شعبية إلا أنها بقيت ضمن دائرة الموقعين وانتهت بنفي فرد أو اثنين منهم!».

هل ندم ناصر الخيري؟

كان ناصر الخيري المتخفف من الانتماءات القبلية والمصالح التجارية وحده من تفرّد من بينهم، مثّل موقف المثقّف الناقد الذي يذهب إلى المستقبل، وهذا ما أثبته في كتابه. لذلك حينما قرأ ناصر الخيري خطاب نوكس (لن أقول خطاب الاستعمار البريطاني، بل خطاب الإصلاح البريطاني في ذلك الوقت) كان 

مقتنعا بكل كلمة يقولها، وسأعرض مقتطعاً واحداً فقط من هذا الخطاب، وعليكم أن تحكموا إذا كان يتعارض مع قناعات ناصر الخيري أم لا.  

خصصتُ لخطاب العزل فصلا كاملاً في كتابي (من هو البحريني)، وهو خطاب في غاية الأهمية، ومع الأسف كتاب (الشيخ والتنوير) لم يذكر حرفاً واحداً من خطاب العزل، في حين أن كل كلمة وردت في هذا الخطاب تفسر ذلك التاريخ الذي هو تاريخنا اليوم. 

في فقرة واحدة فقط يخاطب آل خليفة ويقول: «يا سادة آل خليفة، عند الرجوع إلى الماضي أخشى أنه من واجبي تحذيركم، أن مجرد وجودكم في الحياة، لا يعني أنه من حقّكم العيش على حساب المجتمع، سواء أكان ذلك على حساب المجتمع عبر مخصصات تقتطع من عائدات هذه الجزر، أو عبر استغلال الفقراء والمساكين، إن المثل القائل (من لا يعمل لا يأكل)، هو شعار جيد، والأفضل لكم تطبيقه على حالتكم. أما الذين يجلسون بلا عمل ، ينبغي أن يرضوا بمرتب زهيد فقط  من أجل العيش».

هــل كان ناصر الخيري ســـيمرض وينــدم ويموت، لأنـــه قال هذه العبارة التي تحمل توصيفاً تاريخياً دقيقاً لطبيعة الحكم في البحرين، أم هي من صميم قناعات صاحب كتاب (قلائد النحرين)؟ من يستطيع أن يقول هذا الكلام اليوم؟ هل شيخ التنوير يستطيع أن يقول هذا الكلام؟ هل مثقف (الشيخ والتنوير) يستطيع أن يقول هذا الكلام؟ من يستطيع أن يقول هذا الكلام هو ناصر الخيري، وقد دفع حياته ثمنا لذلك، لا ندماً على ذلك (كما يزعم الكتاب).

التضخيم والتضئيل

هذا هو التضخيم الخطير الذي مارسه كتاب (الشيخ والتنوير)؟ لقد ضخّم رأس محمد بن خليفة وجعله قائدا أسطورياً، وضخّم رأس إبراهيم بن خليفة وجعله شيخاً تنويراً أسطورياً، أما نظام الإقطاع، فلم يسلط عليه الضوء، لم يُرنا كيف أنه نظام كان يأكل المواطنة والمواطنين، لم يرنا كيف أن هذا النظام كان بحاجة إلى حدث تاريخي كبير جداً يقطع شبكته.

بمقابل هذا التضخيم، ضأّل الكتاب من أشخاص ومواقف شديدة الأهمية، ضأّل من تاريخ 1923 وعبّر عنه بأنه مجرد (رغوة) أو (حدث سطحي عابر لم يستحق الاهتمام). كذلك ضأّل موقف ناصر الخيري من حكم المشيخة وحكم القبيلة، وضأّل موقف الذين دافعوا عن الإصلاحات ودفعوا دماءهم وأرواحهم ثمناً لولادة بحرين حديثة، يكون فيها محاكم وإدارات وسلطات متساوية وقضاء عادل. 

كذلك ضأّل من مرسـوم البحرين الملكـــي 1913(Order in Council for Bahrain)، وهو مرسوم بحاجة إلى حلقة واسعة للحديث عنه، وكيف على أساسه بُنيت البلدية وبُني شكل الدولة الحديث، بحيث أن أعداء الإصلاحات اعتبروه مرسوما للاستعمار، وما زالوا يستخدمون هذا المصطلح، ولولا هذا المرسوم لبقينا سخرة تحت سلطة حكم القبيلة.

أشكر طول صبركم. وأعتذر لأني أخذت كثيراً من الوقت، هناك أفكار كثيرة بودي أن أناقشها لأنها تعلق بهذا التاريخ، لكن قانون الوقت يحكمني.

 

في رثاء الحاج محمد علي المزعل..الحركة والجسارة والدليل

واحدة من الطرائف التي صارت تراثا عزيزا يُتداول في بيت المزعل، أن الحاج محمد علي المزعل ذات يوم وبينما كان يتحدث مع شخص في أحد مجالس البحرين، التحق بهم شخص ثالث صديق للشخص الأول لكن ليس بينه وبين الحاج محمد علي معرفة سابقة، فأراد الأول تعريف الحاج لصاحبه قائلا هذا الحاج محمد علي شقيق الحاجيّةّ الملايّة بنت مزعل، وقبل أن يرحب به الصديق الجديد، غضب الحاج وأخذته الذّكوريّة الشّرقيّة، وقال: صارخاً: هي أختي! تُعرّف بي! لا أُعرف بها.

في بحثي عن سيرة الحاجة سعدة بنت مزعل، افتتح الابن الأكبر لأخيها (علي المزعل) حديثه عن عمته بالجملة التالية “قائمة بذاتها”. وجدت في الشخصيتين تفردا حقيقيا وقيمومة ذاتية مستقلة في سيرة كل واحد منهما. رحت أُعرّف كلا منهما بالآخر، وأفهم سيرة الأخ والأخت بالإحالة على بعضهما، وفي داخلي أكتم ضحكة ساخرة، وأنا أتخيل الحاج محمد علي غاضبا لشأنيته، والحاجة سعدة تضحك وهي تتذكر طفولته وربما حملها إياه وهي تكبره بما لا يقل عن خمسة عشر عاما.

بعد أن انتهيت من سيرة الحاجية سعدة بنت مزعل، سألتني أم جعفر، صديقة بنت الحاج محمد علي المزعل، متى ستبدأ سيرة أبي؟ قلت لها ضاحكا: هو يُعرف بها، وسيُعرف بسيرتها، فلا داعي أن نكتبها مرتين.

رحل اليوم الحاج محمد علي، لكنه ترك فوق مجاميع مخطوطات أخته النادرة خط يده، وهو يسجل عليها وقفياتها:”هذا الكتاب أوقفته سعدة يوسف مزعل إلى مأتمها الذي في بيتها  وهو مأتم الحسين”. ستُعرف مجاميع هذه المخطوطات به كما سيعرف هو بها. بل أنا اليوم أجد أقرب طريق للتعريف به من جهتي، بأنه الأخ الأصغر للحاجة سعدة بنت مزعل، كما أني كنت أعرفها وأنا أكتب سيرتها بأنها أخت الحاج محمد علي المزعل.

التقيت بالحاج محمد علي في 2007 في مجلسه العامر، كنت أعد ملفا لملحق بروفايل جريدة الوقت، خرجت من الجلسة بصفحة كاملة نشرتها في الجريدة، صارت بعد ذلك معلقة في برواز جميل بالمجلس احتفاء بالمادة التي صارت نواة لسيرة تُعرّف لأول مرة بشكل مكتوب ومكثف بشخصية الحاج.

لفتتي شخصيته القوية وأريحيته التي تسمح له أن يبكي أحيانا من غير سبب سوى أنه تذكر لحظة من لحظات نعم الله عليه وسعة الرزق التي أعطاها له، أحببت فيه هذه الأريحية ولمستها بقوة وأنا أتجول معه على الرغم من كبر سنه في مارس 2014 في لبنان من شمالها لجنوبها برفقة النائب السابق محمد المزعل، ابن أخيه الأكبر الحاج يعقوب وزوج ابنته الذي تربى على يديه حتى فاضت الأبوة أكثر من العمومة فيه. كان يوقفنا لحظات وهو يتطلع إلى السماء ويخاطب الله بامتنان الشاكر، الحنو البذخ الذي كان يظهره ابن الأخ لعمه، حنو أبوة فائضة بالحب والامتنان، ولحظتها ما تمكنت أن أفهمها إلا حين عملت على سيرة الأخت الحاجية سعدة، وعرفت كيف أصر الحاج محمد علي على استرجاع أمانة أخيه بعد موته وأصر على إدخاله مدرسة سترة، وقال جملته التي تنم عن بعد نظره “إذا ظل في (الجزيرة) لن يكون إلاّ نخلاويا أو بحّاراً”.

 في لقائي الأول بالحاج محمد علي، كان يحدثني عن عمله في بابكو وكيف تعلم الحسابات وظل يتمرس فيها مدة 14 عاماً وحين خرج منها في 1964 لم يخرج من الحسابات، التحق بـ(ستاندرد تشارترد بنك)، قال لي تعلمت من تجربة الحسابات حكمتين، الأولى “كل حركة بركة” والثانية “فاز باللذات من كان جسورا”.

التحدي ليس أن تتعلم الحكمة، بل أن تحيلها سلوكاً وفعلا ومهارة تتصرف بها، وهذا ما فعله، حين حول مهنة (الدلال) إلى حركة دائمة يجوب فيها البحرين منقبا عن الأراضي ليشتري ويبيع فيها بجسارة استثنائية، حتى صار الجميع يحتكمون إليه في تحريك عجل السوق وتحديد لحظة: بع أو لا تبع.

جسارته في البيع والشراء امتداد لجسارته في تكوين رأيه وموقفه، وهذا لفتني في شخصيته، كنت أتساءل كيف لرجل قروي مثله شديد التدين ومحاط برجال الدين وشديد الاحترام والتعلق بهم، وزوج لابنة أكبر مرجعية دينية بالبحرين (شيخ إبراهيم المبارك) كيف له أن يصبح جسورا في التعامل معهم وتحدي مسلماتهم واختراق سكونهم، يحدوثنه عن الزهد فيحدثهم عن تجارة خديجة، يحذرونه من تعليم البنات، فيفتتح مدرسة، يحدثونه باسم الشرع ويقدمون له عمائمهم ليسكتوه، فيطالبهم بالدليل ويقول لهم لست بحاجة للعمامة بقدر حاجتي لدليل يُريني الطريق الصحيح.

عُرف أبناء الحاج يوسف المزعل بالحركة بصدق والجسارة بدين، بالحركة جالت الحاجية بنت مزعل مجالس البحرين من أقصاها لأقصاها، وبجسارة صوتها وطورها تركت بصمتها الخاصة في مآتم البحرين. 

بسيارته (المرسيدس) السبعينية التي ظلت ترافقه إلى عهد قريب، لا أحد في محيطه الستراوي يملك مثلها حينها، جال الحاج محمد علي  البحرين، السيارة منحته سرعة في الحركة وجسارة في شق طرق لم يطرقها أحد قبله.

لم يكن الهاتف قد انتشر بعد، فكانت نشرة أسعار السوق العقاري يذيعها بسيارته، مقابل فنجان قهوة و10 دنانير. حين طلب أحد التجار من (المزعل) أن يوقف السوق، كان يوقفه، لم يكن له منافس في الدلالة، حين احتج أحد الدلالين الكبار على تفضيل التاجر له، قال له: المزعل صادق وأنت كاذب. ظل المزعل يحكم تدينه في حركته في السوق، فكسب ثقة الكبار.

انفتحت حركة الأراضي، وصار (المزعل) يبيع بسمعته، ويكسب بسمعته، ويدلل بخبرته، صار يطلبه الكبار، ويمنحونه ثقة التقييم ويعترفون له بخبرة لحظة البيع والشراء. كانت تقديراته، يختصرها في (بع) أو (لا تبع)، ولم تخذله يوماً أمام الناس الذين كانوا يجدون فيه جهة تقدير الأرض والعقار.

كان الكبار يقرؤون المستقبل بتقديرات (المزعل) وخبرته في الحركة، لكن الصغار الفقراء لم يكونوا يقرؤون ولا يرون ولا يحلمون بمستقبل. مازال (المزعل) بحسه الديني الحريص على مصلحة من يتوسطه في الدلالة يتذكر بمرارة بالغة القسوة، كيف فرط هؤلاء بمستقبل أراضيهم وأبنائهم، كما فعل أحدهم بدولابه في سار، باعه، ولم يسمع اعتراضاته، ولم يصغ إلى تقدير (لا تبع). فباع، والمفارقة التي أبكت قلب الدلال الجسور الذي صار فيما بعد مقاولا كبيراً يبني الفلل الفخمة، أن مناقصة بناء الدولاب وقعت عليه، وكان أحد العمال قد جاءه يوماً يستحث ذاكرته، فلم يذكره، فقال له: أنا ابن ذاك الذي باع هذا الدولاب يوم قلت له (لا تبع)!!

رحم الله الحاج محمد علي المزعل، ورحم الله شقيقته الحاجة سعدة بنت يوسف، في حركة كل منهما جزء من تاريخنا الاجتماعي وأحداثه، وفي جسارتهما جزء من أسرار التغيير الاجتماعي وتحولاته، لذلك لا عجب أن نُعْرَف بهما معا. 

علي الديري، في رثاء رفيقي البوسطة: حكايات البوسطة المبعثرة

لوحة أحبك يا بوسطة

لوحة أحبك يا بوسطة

خصني رفيقي أحمد البوسطة قبل رحيله عبر إحدى الصديقات المؤتمنات على مسودة من مذكراته تحت عنوان  (شيء من حياتهم وحياتي… حكايات لأوراق مُبعثرة). أتمنى ألا يحدث شيء يعكر العمل على نشرها. سأقف في رثائي على هذا الرحيل المؤلم على فقرتين وضع البوسطة عناوينهما.

الوقفة الأولى القلب المترامي بجدارة

يقول البوسطة: كتب صاحبه  ذات يوم في صفحة (سوق الجنة، جريدة الوقت 2008) غزلاً حميمياً جميلاً بين محبين يختلفان ويتوحدان في فارق الشجن وعشق الحرية، لكنهما قريبان إلى حدٍّ التوحد من الرؤية المشتركة في البياض: “لكل إنسان جنته التي يستريح فيها إلى صوره وتجاربه التي تحكي سيرته وأفكاره. وللبوسطة جنته التي يضنى فيها، رحلته طويلة ومنعرجاتها كثيرة، ويكاد يكون وحيداً دوما في بياضه، تسّود الأشياء حوله، ويبقى مناضلا كي تبقى جنته بيضاء. لا أحد يجيد سخريته الساردة التي تحيل توقيفاته ومنافيه وضياعه في المدن والأوطان جنة ضحك لا تسكت. لا تتوقف حكاياته الحمراء في جنته البيضاء، تفيض دوماً بالسخرية والتجربة” علي الديري،مقدمة سوق الجنة، أحمد البوسطة.

كم أنا فخور يا رفيقي، أنك استعدت مقدمتي في الحديث عنك، سعيد أن أكون صاحبك الذي تتحدث عنه في مذكراتك بكلمات الصحبة والمحبة والعشق والتوحد والقرب.

 لم يمنعك فارق التجربة والجيل والخلفية الثقافية أن تُجسّر المسافة وتعبرها، أحب فيك هذا العبور المبدع، ويذكرني باحتفائك بكتابي (مجازات بها نرى) ذلك الكتاب الذي تحدثت أنا فيه عن المجاز والعبور عبر الاستعارات والحكايات في الخطاب السياسي، العبور من الفكرة إلى واقع الناس السياسي.

 أحب قلبك المترامي بجدارة يا صديقي، إنه قادر أن يمتد ويعبر ويجمع المحبة والمعرفة والثقافة في موقف واحد يعبر عن الإنسان الذي ظل فيك حتى آخر رمق.

لوحة أحبك يا بوسطة

لوحة أحبك يا بوسطة

الوقفة الثانية اسمي لا أحد

يقول البوسطة “صون المبدأ من عدمه يتلخص في مواجهة كلمتين عن الراحلين: أما أن تسمعي يا ابنتي كلمة “مسكين مات وكان طيباً”، أو “يستاهل الموت هذا العفن ابن العفنة!”، إذن، اخترت أن أصون مبادئي. قال هذا الكلام ودمعة كبيرة سقطت من عينيه، اعتقد لوهلة بأنها ستبلل الكون كله، لكنها بللت خده فقط”

ليت تسمع الآن يا رفيقي، ما نقوله عنك: مات عنيدا على الحق، مات شامخ الرأس، مات صائنا النفس، مات محبًا للحرية، مات واقفا بعز. لقد صنتنا أكثر مما صنت نفسك، حفظت شرف الكلمة، وشرف المثقف، وشرف الصحفي، وشرف القلم، وشرف البحريني. 

كلنا ممثلون فيك، كلنا نقول، مات حامل شرفنا وموقفنا وكلمتنا، أنت أمة يا رفيقي، و”أبناء العفنة” الذين دنسوا شرف كلمتنا عفطة عنز. دمعتك يا صديق بللت كوننا كله، رايات محبتك مبللة بدموع عشاقك ومحبيك على امتداد وسائل التواصل كلها.

أكتب الآن يا رفيقي صبيحة اليوم الثاني لرحيلك، أفتش في الصحف التي احتربت فيها من أجل شرف كلمتك وموقفك، ولا أرى صورة تذكرك ولا كلمة ترثيك ولا سطرا يؤبنك، كأنك (لا أحد)، ألا عميت عين لا تبكي فقدك يا رفيقي، وخابت صحافة لا تُقدس اسمك وموقفك وسيرتك.

 

لماذا تكتب سير الملايات ومعلمات القرآن؟

أتعثر أحيانًا في الإجابة على هذا السؤال، ربما بسبب شدة وضوح جوابه في قلبي وعقلي، أو كما يقال في التعبير التقليدي “توضيح الواضحات من المعضلات”.

هذه محاولة لصياغة إجابة أظنني لن أكون راضيًا كثيراً عنها، وربما لا تكون مقنعة للسائل الذي يريد إجابة تشبه الإجابة على سؤال: ما هي آثار الإصابة بفيروس كورونا؟ 

تشدني السمات الشخصية للملايات ومعلمات القرآن، لم أشتغل على سيرة إحداهن من دون أن أقع في حبها، حب شخصياتهن الحقيقية والمفهومية، الحقيقية كما عاشوها وتفاعلوا بها في مجتمعهم، والمفهومية كما عاشوا وتفاعلوا في مخيلتي. وجدتهم قويات قياديات مفعمات بالحب والعاطفة، لديهم فائض من الحماس لممارسة فنونهن في القراءة الحسينية وتعليم القرآن وتمكين (لوليدات) من إتقان القراءة واكتساب مهاراتها التمثيلية. 

أحببت كثيراً شغفهم بالكلمات، يقدسن الخط المرسوم باليد، كريمات في عطائهن لكنّهن ضنونات بمخطوطاتهم، يلاحقن النسّاخين لإنجاز مجاميعهم. أحببت مصطلح (مجموع) حين عرفت أن الملايات يطلقنه على كتبهم. المجموع مخطوط يجمع مجموعة أشعار أو مرويات أو سرديات حول حكاية أو شخصية أو حادثة.  

شدني شعار الملاية سعدة بنت مزعل (1915-1998) “كتبي حجاب صوني” تردده باستمرار، لا تقبل أن ينزع أحد كتاباً من كتبها، تعتبره كأنه ينزع حجابها أو يُفقدها أحد مصادر قوتها وتميزها، بهذا الشعار وضعت حداً صارماً لحرمة كتبها، ولتأكيد هذا الحد تكتب على الصفحة الأولى ديباجة تملكها “أوقفته سعدة بنت يوسف مزعل إلى المأتم الذي يخصها في بيتها”.

لقد أنارت الكلمات مجاميع الملايات وشخصياتهم ومآتمهم وتجمعاتهم النسائية قبل أن يصل نور التعليم الحديث، العتمة بددتها هذه الشخصيات قبل أن تبددها المدارس، لذلك نحن بحاجة لرواية هذه السير والاحتفاظ بما تركته لنا من مخطوطات وتاريخ شفاهي، إنها تحكي التاريخ الاجتماعي من منظور النساء.

أشرت إلى ذلك في مقدمة سيرة عمة والدي (تقية بنت حجي عبدالله بن عيسى 1919-2018) قلت: في القرية نساء قويات صنعن فرادة خاصة تستحق أن تروى، وأنا أستمع لشهادات الرجال الذين تتلمذوا على يد المعلمة تقية لاحظت الإعجاب والإكبار التي تركته هذه الشخصية النسائية في نفوسهم. يفخرون أنهم تعلموا عندها. لاحظت كيف يسرد الرجل تاريخ إعجابه بما صنعته المرأة في عقله وروحه. لم يكونوا يتحدثون عن سيرة حب نسائية بل تحدثوا عن سيرة تكوين ثقافية. شخصيات نساء الدير وغيرها من المناطق في قلب تاريخ القرية ولم يعشن على الهامش، ولابد أن ينصفهن السرد ويعطيهن حيزاً مميزاً في تاريخ القرية.

لفتتني معلمة القرآن الملاية أم السادة، إلى مقطع من الزيارة الجامعة “وآثاركم في الآثار” أذهلتني من طريقة تفاعلها مع هذا النص وتأويلها له وتسييله في كلامها. رحت أفهم كتابتي لسير الملايات من خلال هذا النص، وجدت أني أقتفي آثارهم في التاريخ والهوية والمجتمع وتقاليده الثقافية. الآثار عادة لا تكون واضحة المعالم، تحتاج إلى إنصات عميق، تحتاج إلى رهافة في الحس ورقة في المقاربة، كي تكتشف ما وراءها. وكي تقدم السيرة آثار هؤلاء الملايات نحتاج أن نبتعد عن الأحكام الحادة والقاسية، أذكر أحد الأصدقاء قال لي: هؤلاء كانوا في زمن الظلام والجهل والثقافة التي يمثلونها هي مجموعة من الخرافات. قلت له لو سمعك أحد علماء الانثروبولوجيا المهتمين بدراسة ثقافة الإنسان لانتحر أو غرس قلمه في عينك لتفتح بصيرتك على آثارهن فيك وفي جيلك وهويتك. 

ذكرني جوابه، بموقفي من ملايات مأتم جدتي، كنت أراهم بقايا التخلف ويجب إزالتهم وإلقاء مجاميعهن الخرافية في مزبلة الجهل، ما كنت قادرًا على الإنصات لآثارهم، ولم أملك رهافة الحس في تقدير علاقتهم بالأوراق والكلمات والكتب في زمن يُحرم على المرأة الذهاب للمدرسة وقبل ذلك في زمن لا توجد فيه مدرسة. لذلك أنا أكتب سير الملايات اليوم كنوع من الاعتذار لملايات مأتم جدتي: الحاجية مريوم، والحاجية صفوي، والحاجية شروف. وأفتخر بما تركنه من مخطوطات تحمل آثار جيلهم وآثار الأجيال التي سبقتهم.

أنا أكتب هذه السير، بحثًا عن آثار تُرى بالبصيرة لا بالبصر.