د.علي أحمد الديري: في رثاء الشيخ فضل مخدر

إسكندرونهقبيل شهر رمضان الماضي بيومين، أرسلت رسالة اعتذار صوتية للشيخ فضل، لأني في زيارتي الأخيرة له  في ديسمبر 2020، وعدته أن أرسل له تعليقا على  راويته (إسكندرونه) بعد قراءتها، قلت له أنهيتها في أيام، لكن ازدحام جدول زيارتي لم يمكني من تسجيل مداخلتي عن الرواية.  وعلى عادته المهذبة واللطيفة، قال لي أنتظر رأيك دوما ولو جاء متأخرا، لكني متشوق لمعرفة رأيك في روايتي الجديدة (المنذور)سأرسل نسخة إلكترونية خاصة لك.

دوما يجدد لقائي بالشيخ فضل حماسي للأدب، خصوصا وأن اللقاء الأخير كان في مكتبته المزدانة بكتبه الجميلة وروحه المرحة الترحابة، ولوحاته البديعة، واحدة من هذه اللوحات رسمها في صباه في فترة نشأته مع عائلته بالكويت. 

في رحلتي العلمية الأولى للتعرف على بيروت ودراسة الماجستير في 2003 تعرفت على الشيخ فضل بمعية الصديق الأديب الشاعر نزار نداوي، والأشقاء حسين مرهون وعباس المرشد وفاضل عنان وحمزة جمال وحيدر جمال. سحنا في الجنوب وعلى نهر الليطاني في رحلة شواء وصلني خبر ولادة ابنتي أماسيل، فكان لاسمها حظ من ماء النهر وفيض شعر الشيخ فضل. تعرفنا على الهرمل ونهر العاصي وسمك (الترويت) النهري بمعية الشيخ، وهناك جرت المناظرة (الشهيرة) بيني وبين النائب الحالي الدكتور إيهاب حمادة، حول نظرية المجاز في التراث والدراسات الحديثة، حاولت أذكر إيهاب بها بعد لقائي به بعشر سنوات لكنه لم يتذكر، قلت له هناك شهود على الحادثة ومازالوا يضحكون علي، لأنك هزمتني فيها.

مع انقطاعات الحياة، إلا أني دوما أعود للوصل مع الشيخ فضل، فأجده أكثر نصاعة وجمالا وجوهرا إنساني. تحولت رحلتي العلمية الأولى لبيروت في 2003 إلى هجرة في 2011، كان الشيخ فضل الملاذ الأول الذي لجأنا إليه، حيث الرحابة والاستضافة وقرة العين.

في ليالي بيت الشعر بمطعم الساحة، الأربعاء الأول من كل شهر، يجمعنا الشيخ فضل، كنت أنتظر هذه الليلة بشوق، تعيدني إلى عالم الأدب والشعر، تصلني بالأصوات الشعرية والأقلام النقدية.

شيء من طيف أحلام عودتي من كندا إلى بيروت بعد إنهاء فصل جنسيتي المسقطة، الوصل بصالون ثقافي وأدبي أعيد تأسيسه مع الشيخ فضل، حيث الفكر والتاريخ والشعر والثقافة. ما كنتُ عابئا بكل ما أسمعه وأعرفه من أزمات بيروت وحصارها، هناك نداء قوي ورغبة عمياء وحاجة روحية للوصل بما أفتقده هنا في هذه البيئة الباردة في كل شيء.

في رسائلنا الصوتية الأخيرة، كنت أقول للشيخ فضل، أدهشتني بتمكنك من تقنيات السرد والكتابة الروائية، وعلى استحياء من شاعريته، قلت: ادخر ما تبقى من العمر لكتابة الرواية. حدثته عن إعجابي الشديد بحكايات الحاج نعمان في رواية (إسكندرونة) وإني ذهلت من قدرته على توظيفها بتقنيات سردية ممتعة، أتذكر من هذه الحكايات: حكاية الراهبة والجرس، حكاية أنوشروان، قصة السباط، حكاية عزرائيل، وانتزاع ثلاثة أرواح، حكاية النبي سليمان، حكاية الصالون، حكاية الحاج معروف. تحضر هذه الحكايات في المواقف السردية ومعها حمولتها الدلالية التي توحي وتشير من دون أن تكون وعظا مباشرا. قلت له وجدت في الشيخ نعمان شخصيتك الحقيقية الممتلئة بالمعنى والحكايات والظرافة والسحر.

أرض الجنوب، أسطورة الشيخ فضل الملهمة، تمثلها في أدبه، فهو (ابن التراب) كما أدبه كذلك، جعل هذا التراب حكاية تُروى، في رواية (المنذور) يقول زبيب بطل الرواية “يحكي [جدي] دائماً مع أرضه، وعندما أسأله ماذا تقول لها، يقول: أجيب أسئلتها وتجيب أسئلتي. قال لي الأرض هي أسطورتي أنا وسأحكيها لك يوماً”.

قلت للشيخ فضل، أنا فُتنت بشخصية زبيب في الرواية، وأسطورته، حتى إنه جاءني في المنام يقترح علي مدخلا لحلقة البودكاست التي أعددتها حول الرواية.

 لا أجد في هذه اللحظة غير (زبيب) أتحدث معه عنك يا شيخ، سأصعد إلى عرزاله (بيت فوق الشجرة) بضيعة الشرقية الجنوبية على مقربة من مقام النبي جليل هناك، سأسله عنك، عن خلوتكما معا، عن الرواية التي خصك بأسرارها، وخلّقتها روائيا، فجعلتها رواية تُقرأ بعد أن كانت معتقدا يُروى.

يا زبيب، أخذت معك صديقي حيث أنت والنبي جليل في مقام الخلود، حفرت قبر النبي جليل، وخبأت عنا قبر الشيخ الجليل. قلت لأهل الضيعة إن علامة صدقك أن تموت ليلة أول جمعة بعد أن تكمل بناء المقام، ولم تقل لنا أن شيخنا الجليل سيموت ليلة الجمعة بعد أن يكتب رواية المقام التي هي روايتك، لم تقل لنا إنه مثلك (منذور) أيضا. 

كنت يا زبيب، تتكرر في الرواية حين تفهم سر شيء أو حين تتعلق بشيء من الأشياء أو بشخصية من الشخصيات الاستثنائية (يلمس روحي وتلمس روحه). أجزم بيقين الحب أن شيخ فضل لمس روحك وروح الأرض وروح الأسطورة وروح المقام، واليوم أجزم بيقين الموت أنكم لمستم روحه، فرحل إليكم مسرعا وتركنا مع الرواية نقرأ جدلية الحضور والغياب “إن الله يحضر حيث يحضر الإنسان، والإنسان يحضر حين تحضر الحرية والكرامة، وحقه في الحياة. وإن الله يغيب حين تغيب الذات البشرية، والذات البشرية تغيب حين تغيب حرية الإنسان، وكرامته وحقه في الحياة”.

رحمك الله يا شيخ فضل، ما أوحش الجنوب بعدك.

في رثاء غازي الحداد: فخر أوال في حضارتها

الشاعر غازي الحداد

الشاعر غازي الحداد

ونحنُ فخرُ أوال في حضارتها
ونحنُ أعلى بني عُربانِها نسباْ
لنا شمائلُ عبد القيـسِ في كرمٍ
ومن ربيعةَ طابت ريحُنا حسباْ

 

رحم الله شاعرنا غازي الحداد(1961-2021).لم تربطني به معرفة شخصية، لكن تربطني به علاقة وجودية، هي علاقة الشاعر الذي يعالج بشعره جرحا ملتهبا في وجودنا، وجرحي الشخصي كان إسقاط جنسيتي، هو عام في حقيقته، لكنه  شخصي لأني أحمله في يومياتي ولحظاتي الخاصة، يهدأ مرة ويلتهب مرات، فأعالجه بشعر غازي الحداد “ونحنُ فخرُ أوالٍ في حضارتها”. 

هناك لحظات وجودية تضج في الكائن الإنساني، تستصرخ أعمق ما فيه، تنادي شعراء وفلاسفة وأدباء ومتصوفة يناغون هذه الأعماق ويطيبونها ببلسم كلماتهم. وكما في المقولة التراثية الشهيرة “اقرأ القرآن وكأنه نزل في شأنك” رحت أقرأ هذه الأبيات وكأن آلهة شعر غازي الحداد أنزلتها في شأني وحالي وجرحي، رحت أستحضر صوت غازي وهو يُنشدها بقوة نبره وعلو لغته وشكيمة سبكه.

هكذا أنشأت علاقتي الشخصية بغازي، صار حاضرا معي، رافعا لا مرافقا، فهو يشدني للأعلى حيث نجوم عبد قيس في حضارتها، نعم في حضارتها، ذلك هو المعنى الأكثر تأثيرا، فأنا أبحث عن انتماء يعبر عن هويتي الحضارية لا البدوية ولا القبائلية ولا الجاهلية، أنا واحد من (نحن عبد القيس) التي تجذرت في أوال منذ القرن الثالث الميلادي، غادرت ثقافة الترحال والغزو واستوطنت هنا حتى عرفتها نخيل البحرين وأحبتها وأنشأت بينها وبينهم وطنا مستقرا وشعرا يستمد من رطبها حلاوته وطلاوته، حتى قال الجاحظ «شأن عبد القيس عجيب وذلك أنهم بعد محاربة إياد تفرقوا فرقتين ففرقة وقعت بعمان وشق عمان وفيهم خطباء العرب وفرقة وقعت إلى البحرين وشق البحرين وهم من أشعر قبيلة في العرب، ولم يكونوا كذلك حين كانوا في سرة البادية وفي معدن الفصاحة وهذا عجب”.

لو قُدر للجاحظ أن يسمع شعر (غازي) لقال والأعجب في أمر عبد قيس، أنهم بعد قرون من النكبات وغزوات الأعراب التي وقعت عليهم، ظلوا مستقرين في سرة الحاضرة، وما زالوا ينتجون فحول الشعراء ولا يغادون بلاغة نطفتهم العبدية القيسية.

(غازي الحداد) ناطق بقوة، بفخر أوال الحضاري، لا جهل الجاهلينا، وجدتُ فيه الصوت الذي ألجأ إليه، وإحدى تجليات الهوية التي أذوب في جنباتها، وجنسية الانتماء التي لا يمكن أن تُسقطها بداوة الغازي ورعونته واستبداده، لا يمكن أن تسقط، ولا يمكن أن تضعف (أناي)  الحضارية وهي ممتلئة بقوة هذه الأنا الشعرية، وهي تصرخ بفرادة وبلاغة وشجاعة، عبر صوت غازي: 

أنا هنا ألهس التاريخ في خلدي 

أنا هنا واقف للرصد كالوتدِ

أنا هنا أتقصّى الأمر منفردا 

وما تقصيت أمرا غير منفردِ

(غازي الحداد) مثّل بشعره، شمائل عبد القيس، شمائلها البلاغية في الشعر واللغة والفصاحة والخطابة حتى إن أبا الأسود الدؤولي حين عُهد إليه أمر تشكيل القرآن جيء له بثلاثين رجلا من فصحاء قبائل العرب، فلم يقنعه إلا فصيح من عبد القيس. وغازي مثّل  هوية أجداده العبديين في  الرفض والثورة ضد الظلم، وهو بذلك مثّل الامتداد الحضاري لعبد قيس ليس على مستوى الاستقرار في الأرض فقط، بل والاستقرار في الولاء لهوية التشيع الرافضية التي رضعها من أمه (الملاية أم عباس) والتي شهد عليها تاريخيا جميع المؤرخين والرحالة الذين مروا من هنا. 

يحق لغازي أن يركب أعلى ما في خيلاء الشعر وهو ينطق بأناه الرافضة المتحدية (أنا هنا) ويحق له  أن ينطق بهويتنا الجماعية الفاخرة (ونحنُ فخرُ أوال). ويحق له علينا أن ننقش شعره في قلوبنا وحضارتنا ومحافلنا ونردده على مسامع أولادنا.

 

في رثاء الخالة نصرة

سيرة سلامة سلوم

د.علي أحمد الديري

رحم الله الخالة أم عبدالجليل، نصره عيسى حسن جواد، توفيت فجر اليوم، صديقة عمر جدتي سلامة سلوم، انعقدت صداقتهم منذ الخمسينيات، حين كان جدي حجي عبدالحسين طرار وحجي مهدي نصيف علي السماك في شراكة عمل في سوق السمك بالمنامة. 

زارت نصرة الدير لأول مرة في حفل زفاف الحاجية صفيــــة بنت الحاجي عبدالله محسن (توفيت في فبراير2004) التي ستصير لاحقا واحدة من الملايات الرئيسيات في مأتم جدتي، جاءت زفة العروس من رأس رمان، وضمن خطط النساء تم ترتيب لقاء زوجتي الشريكين من دون علم الأزواج حجي مهدي وحجي عبدالحسين، فلمست كل واحدة ألفة في روح الأخرى، آنست سلامة لقلب نصرة وآوت نصرة لقلب سلامة. تعود نصرة إلى المنامة بحكاية يبدو اتفقتا على حبكها، قالت لزوجها مهدي، حلمت البارحة أني زرت بيت صديقك حجي عبدالحسين طرار بالدير، كان بيتا كبيرا وواسعا وبه لياوين (جمع ليوان) فخذني إليه لأتعرف على زوجته. فأخذها حجي مهدي على جناح هذا الحلم، وهناك انعقدت صداقة عمر تشبه الأسطورة.

كلما جاءت جدتي على سيرة ولادتي في المستشفى الأمريكي في العام 1971، والأحراز التي أحاطتني بها بسبب فقد أمي لولادات كثيرة، تأتي سيرة نصرة جارة المستشفى، تقول لي: تأتي (خيوتي) كل يوم لأمك بالريوق وتعتني بها، ما كنا نشعر بالمسافة بين الدير والمستشفى لأن هناك بيتا آخر لنا يستقبلنا ويهتم بنا ويطمئن أمك حين عودتنا. 

تقول أمي، أحاطتني الخالة نصرة بمحبتها قبل حتى ولادتي بك، في زواجي تصرفت وكأني ابنتها، عزمت باصين وأحضرت الملاية فاطمة المصفي من رأس رمان لتقرأ ميلاد زواجي، وكذلك حفلة الجلوة هي من قامت بها. أشعر اليوم كأني فقدت أمي مرة ثانية برحيلها، والموحش أننا محرومون من أن نعزي حتى بعضنا بعضا بهذا الرحيل، أريد أن أضم أخواتي من بناتها لأسلو من حرارة هذا الفقد.

(نصرة) الاسم الأكثر دورا في لسان جدتي، منذ كنت طفلا لا يفارقها، لا يتوقف قطار الزيارات بينهما، حين تعنّ عليها رؤيتها، تصحو باكرا وتنتظر ساعة خروج أبي لعمله، فتلحق به ليأخذها للمنامة حيث فريق (سنككي). كانت المحبة تتسع لزيارة صباحية يفتح فيها الباب قبل السابعة صباحا، تفطران معا وكأنهما طفلتان تقضيان أجمل ساعات التجمع واللعب. 

تقول لي أمي، كانت جدتك تفضل زيارة السيدة زينب سنوياً على زيارة الأماكن المقدسة الأخرى، والسبب هو أن صادق ابن خيوتها نصرة مهجر هناك، حتى إن والدك كان يمازحها ويقول لها حين يعود ابن أختك ستهجرين السيدة. ما كانت تتوقع أنها في السنة الأخيرة من عمرها، سيضطرها الشوق لتذهب أبعد من سوريا لزيارة ابن آخر لها مهجر في لبنان في 2013.

في مكالمتي الأخيرة مع الخالة أم عبد الجليل (نصرة) مطلع هذا العام، حدثتني عن (خيوتها) وكأن المحبة التي بينهما لا يمكن أن تفتر، فائق الاشتياق والحب لا يمكن أن تقاومه دموعك وأنت تسمع الكلمات المشحونة بحياة كاملة الدفء والصدق والعفوية. تقول أختي فاطمة، منذ رحيل جدتي والخالة نصرة تشعر بحرقة الفقد، لا تخلو مكالمة معها من رثاء وبكاء وحرقة، وكأن صوتنا يفتح في قلبها جرح الفقد.

تقول خالتي خاتون، بالإضافة إلى الألفة الروحية بين أمي والخالة نصرة، فقد جمع بينهما الحسين، كلتاهما تذوبان في الخدمة الحسينية، وطوال العام أجندة أيامهما مليئة بالاحتفالات والمجالس والدعاء، تنتهي مجالس عاشوراء في مأتمنا، وتبدأ إعادة العشرة عند الخالة نصرة، وأتذكر صديقتهما الحميمة الملاية المنامية أم عبد علي، فاطمة بنت خضير، ترافقهم عادة حين يأتون الدير أم عبد الرضا. 

إذا كان من معنى حقيقي لل(النُّغْصَةُ) فهو المعنى الذي تحمله الأطباق المتبادلة بينهم، تشعر أن اللقمة محاطة بمحبة عميقة وأن هناك مجسات روحية بينهم، و أن (النُّغْصَةُ) تحفر في قلب كل منهما ولا يكتمل الإحساس بالسعادة وتحقق الرغبة إلا بوصول ما تأكله هذه لفم ما ترسله تلك. بل امتد الأمر حتى للأبناء، كانت الخالة نصرة تخصني دوما بهدية كلما عادت من زيارة من زياراتها للأماكن المقدسة، تراني امتدادا لقلب جدتي، وهذا ما يلخصه مثلها الأثير “الي يحب الشيخ، يحب تبعه”.

يقول ابن الخال جلال عيسى الفن: صداقات عمتي سلامة، تدخل في نسيج العائلة ولعل علاقتها مع الخالة نصرة تكون من أكثر العلاقات التي عمقت صداقاتنا مع أبنائها، صادق ومجيد وجليل، كانوا ينامون معنا ونقضي أوقات جميلة في اللعب معهم، أذكر أن صادق تحداني أتسلق سور في بيت عمي حجي علي، وقال لي باللهجة المنامية، والله إذا تركب أعطيك (ربيتين ونص). وأذكر زوج عمتي سلامة، حجي طرار، الله يرحمه في موسم الروبيان يحضر كميات كبيرة ويفوحها في قدور طباخ محرم الكبيرة، وبعد أن ينضج ينشره فوق السطح للتجفيف، وبعد يوم نتسلل فوق السطح، قبل أن يضعه في الخياش، ونسرق منه ما يسد جوعنا، فإذا تمكن من رؤيتنا، انهال علينا بقاموس الشتائم. 

 

في رثاء الحاج محمد علي المزعل..الحركة والجسارة والدليل

واحدة من الطرائف التي صارت تراثا عزيزا يُتداول في بيت المزعل، أن الحاج محمد علي المزعل ذات يوم وبينما كان يتحدث مع شخص في أحد مجالس البحرين، التحق بهم شخص ثالث صديق للشخص الأول لكن ليس بينه وبين الحاج محمد علي معرفة سابقة، فأراد الأول تعريف الحاج لصاحبه قائلا هذا الحاج محمد علي شقيق الحاجيّةّ الملايّة بنت مزعل، وقبل أن يرحب به الصديق الجديد، غضب الحاج وأخذته الذّكوريّة الشّرقيّة، وقال: صارخاً: هي أختي! تُعرّف بي! لا أُعرف بها.

في بحثي عن سيرة الحاجة سعدة بنت مزعل، افتتح الابن الأكبر لأخيها (علي المزعل) حديثه عن عمته بالجملة التالية “قائمة بذاتها”. وجدت في الشخصيتين تفردا حقيقيا وقيمومة ذاتية مستقلة في سيرة كل واحد منهما. رحت أُعرّف كلا منهما بالآخر، وأفهم سيرة الأخ والأخت بالإحالة على بعضهما، وفي داخلي أكتم ضحكة ساخرة، وأنا أتخيل الحاج محمد علي غاضبا لشأنيته، والحاجة سعدة تضحك وهي تتذكر طفولته وربما حملها إياه وهي تكبره بما لا يقل عن خمسة عشر عاما.

بعد أن انتهيت من سيرة الحاجية سعدة بنت مزعل، سألتني أم جعفر، صديقة بنت الحاج محمد علي المزعل، متى ستبدأ سيرة أبي؟ قلت لها ضاحكا: هو يُعرف بها، وسيُعرف بسيرتها، فلا داعي أن نكتبها مرتين.

رحل اليوم الحاج محمد علي، لكنه ترك فوق مجاميع مخطوطات أخته النادرة خط يده، وهو يسجل عليها وقفياتها:”هذا الكتاب أوقفته سعدة يوسف مزعل إلى مأتمها الذي في بيتها  وهو مأتم الحسين”. ستُعرف مجاميع هذه المخطوطات به كما سيعرف هو بها. بل أنا اليوم أجد أقرب طريق للتعريف به من جهتي، بأنه الأخ الأصغر للحاجة سعدة بنت مزعل، كما أني كنت أعرفها وأنا أكتب سيرتها بأنها أخت الحاج محمد علي المزعل.

التقيت بالحاج محمد علي في 2007 في مجلسه العامر، كنت أعد ملفا لملحق بروفايل جريدة الوقت، خرجت من الجلسة بصفحة كاملة نشرتها في الجريدة، صارت بعد ذلك معلقة في برواز جميل بالمجلس احتفاء بالمادة التي صارت نواة لسيرة تُعرّف لأول مرة بشكل مكتوب ومكثف بشخصية الحاج.

لفتتي شخصيته القوية وأريحيته التي تسمح له أن يبكي أحيانا من غير سبب سوى أنه تذكر لحظة من لحظات نعم الله عليه وسعة الرزق التي أعطاها له، أحببت فيه هذه الأريحية ولمستها بقوة وأنا أتجول معه على الرغم من كبر سنه في مارس 2014 في لبنان من شمالها لجنوبها برفقة النائب السابق محمد المزعل، ابن أخيه الأكبر الحاج يعقوب وزوج ابنته الذي تربى على يديه حتى فاضت الأبوة أكثر من العمومة فيه. كان يوقفنا لحظات وهو يتطلع إلى السماء ويخاطب الله بامتنان الشاكر، الحنو البذخ الذي كان يظهره ابن الأخ لعمه، حنو أبوة فائضة بالحب والامتنان، ولحظتها ما تمكنت أن أفهمها إلا حين عملت على سيرة الأخت الحاجية سعدة، وعرفت كيف أصر الحاج محمد علي على استرجاع أمانة أخيه بعد موته وأصر على إدخاله مدرسة سترة، وقال جملته التي تنم عن بعد نظره “إذا ظل في (الجزيرة) لن يكون إلاّ نخلاويا أو بحّاراً”.

 في لقائي الأول بالحاج محمد علي، كان يحدثني عن عمله في بابكو وكيف تعلم الحسابات وظل يتمرس فيها مدة 14 عاماً وحين خرج منها في 1964 لم يخرج من الحسابات، التحق بـ(ستاندرد تشارترد بنك)، قال لي تعلمت من تجربة الحسابات حكمتين، الأولى “كل حركة بركة” والثانية “فاز باللذات من كان جسورا”.

التحدي ليس أن تتعلم الحكمة، بل أن تحيلها سلوكاً وفعلا ومهارة تتصرف بها، وهذا ما فعله، حين حول مهنة (الدلال) إلى حركة دائمة يجوب فيها البحرين منقبا عن الأراضي ليشتري ويبيع فيها بجسارة استثنائية، حتى صار الجميع يحتكمون إليه في تحريك عجل السوق وتحديد لحظة: بع أو لا تبع.

جسارته في البيع والشراء امتداد لجسارته في تكوين رأيه وموقفه، وهذا لفتني في شخصيته، كنت أتساءل كيف لرجل قروي مثله شديد التدين ومحاط برجال الدين وشديد الاحترام والتعلق بهم، وزوج لابنة أكبر مرجعية دينية بالبحرين (شيخ إبراهيم المبارك) كيف له أن يصبح جسورا في التعامل معهم وتحدي مسلماتهم واختراق سكونهم، يحدوثنه عن الزهد فيحدثهم عن تجارة خديجة، يحذرونه من تعليم البنات، فيفتتح مدرسة، يحدثونه باسم الشرع ويقدمون له عمائمهم ليسكتوه، فيطالبهم بالدليل ويقول لهم لست بحاجة للعمامة بقدر حاجتي لدليل يُريني الطريق الصحيح.

عُرف أبناء الحاج يوسف المزعل بالحركة بصدق والجسارة بدين، بالحركة جالت الحاجية بنت مزعل مجالس البحرين من أقصاها لأقصاها، وبجسارة صوتها وطورها تركت بصمتها الخاصة في مآتم البحرين. 

بسيارته (المرسيدس) السبعينية التي ظلت ترافقه إلى عهد قريب، لا أحد في محيطه الستراوي يملك مثلها حينها، جال الحاج محمد علي  البحرين، السيارة منحته سرعة في الحركة وجسارة في شق طرق لم يطرقها أحد قبله.

لم يكن الهاتف قد انتشر بعد، فكانت نشرة أسعار السوق العقاري يذيعها بسيارته، مقابل فنجان قهوة و10 دنانير. حين طلب أحد التجار من (المزعل) أن يوقف السوق، كان يوقفه، لم يكن له منافس في الدلالة، حين احتج أحد الدلالين الكبار على تفضيل التاجر له، قال له: المزعل صادق وأنت كاذب. ظل المزعل يحكم تدينه في حركته في السوق، فكسب ثقة الكبار.

انفتحت حركة الأراضي، وصار (المزعل) يبيع بسمعته، ويكسب بسمعته، ويدلل بخبرته، صار يطلبه الكبار، ويمنحونه ثقة التقييم ويعترفون له بخبرة لحظة البيع والشراء. كانت تقديراته، يختصرها في (بع) أو (لا تبع)، ولم تخذله يوماً أمام الناس الذين كانوا يجدون فيه جهة تقدير الأرض والعقار.

كان الكبار يقرؤون المستقبل بتقديرات (المزعل) وخبرته في الحركة، لكن الصغار الفقراء لم يكونوا يقرؤون ولا يرون ولا يحلمون بمستقبل. مازال (المزعل) بحسه الديني الحريص على مصلحة من يتوسطه في الدلالة يتذكر بمرارة بالغة القسوة، كيف فرط هؤلاء بمستقبل أراضيهم وأبنائهم، كما فعل أحدهم بدولابه في سار، باعه، ولم يسمع اعتراضاته، ولم يصغ إلى تقدير (لا تبع). فباع، والمفارقة التي أبكت قلب الدلال الجسور الذي صار فيما بعد مقاولا كبيراً يبني الفلل الفخمة، أن مناقصة بناء الدولاب وقعت عليه، وكان أحد العمال قد جاءه يوماً يستحث ذاكرته، فلم يذكره، فقال له: أنا ابن ذاك الذي باع هذا الدولاب يوم قلت له (لا تبع)!!

رحم الله الحاج محمد علي المزعل، ورحم الله شقيقته الحاجة سعدة بنت يوسف، في حركة كل منهما جزء من تاريخنا الاجتماعي وأحداثه، وفي جسارتهما جزء من أسرار التغيير الاجتماعي وتحولاته، لذلك لا عجب أن نُعْرَف بهما معا. 

من فريق المخارقة بالمنامة إلى فريق شرق بالدير … في رثاء مكية بنت حجي صالح اللولو (1944-2020)

مكية صالح محسن الولو

الحاجة مكية صالح محسن الولو (1944-2020)

رحلت أمس في هدوء، كما عاشت حياتها كلها في هدوء، أم جعفر، الحاجة مكية صالح محسن اللولو. سألت أمي: كيف كانت زوجة خالك؟ قالت: لا أحد يسمع صوتها، حتى استثار هدوؤها يوما في مأتم جدتك، بدرية بنت حجي عبدالمحسن المعروفة بتعليقاتها وفكاهتها، فقالت “يا ليت لي صبر أم جعفر، كيف تصبر عن الكلام، ولا مرة سمعتها تتحدث عن أحد، كيف ابتلاني الله بكثرة الكلام؟ وميزها بالصوم عن الكلام؟”.

جاءت في منتصف الخمسينيات، من فريق المخارقة بالمنامة إلى فريق شرق بالدير، زوجة للحاج علي أبوزبون، ولهذه الزيجة حكاية، فقد تزوج الحاج علي في المرة الأولى من مريم وتوفت بعد إنجاب ولده البكر أحمد، وتزوج ثانيا من خديجة وماتت في حملها، فحدث التشاؤم وظن القريبون أنه (فقّاد نسوان). فصار الذهاب بعيداً الخيار الأقرب للحصول على زوجة جديدة. حمل هذه المهمة جدي لأمي الحاج عبدالحسين طرار، فقد كان من القلائل الذين يعملون خارج القرية في سوق المنامة، هناك تعرف الحاج صالح محسن اللولو المولود في الأحساء والمقيم بالمنامة على الحاج عبدالحسين، فسأله البحث عن زوجة لابن عمه وأخ زوجته سلامة سلوم، فوقع الاختيار على مكية بنت حجي صالح، وضع والدها شرطاً واحدا يحفظ به دلال ابنته التي ربت في بيت عزه وغناه: لا تضع على رأسها بيبا، ولا تحمل طشتا. والبيب هو صندوق معدني بعد أن يفرغ من الزيت يستخدم في نقل الماء، والطشت هو إناء معدني دائري تغسل فيه الثياب ويحمل الغسيل بعدها على الرأس.

تستقبل أخت العريس (سلامة سلوم)  العروس القادمة من المنامة، تحيطها بعنايتها ورعايتها، تقع مكية في حب سلامه، تلازمها حيث ما تكون، تحمل سلامة عنها (البيب) و(الطشت) وتترك لها المساهمة في الأعمال الأخرى الأقل مشقة، في بيت العائلة الكبير المفتوح قبل تقسيمه لثلاثة بيوت. 

تضع مكية بكرها جعفر في العام 1957وتكر سبحة الولادات: كريم، فاضل، سلوى، صادق، جميل، كريمة، بشرى، زينب، ياسر، عبدالله. يستقبلهم حضن سلامة معها، يتربون في دلال الأم والعمة، يحفظون لها جميل الرعاية وفائض المحبة، حتى صار العرف الذي أرسته مكية في بيتها ألا يقطع ابن لها أو بنت أمر زواجه قبل الرجوع للعمة، وصار التباهي بينهم بالتسابق على كسب قلب العمة لزوجاتهم وأزواجهم. تقول فاطمة عبدالحميد، وهي إحدى رواد مجلسها: إذا رأينا (سلامة سلوم) قد لبست الثوب الأخضر ذا الكورار الذهبي، عرفنا أنها تستعد للذهاب لخطبة ما، فنشاغبها بالأسئلة والتعليقات وترد علينا بابتساماتها وضحكاتها التي تحاول عبرها تضييع اسم العروس أو المعرس الجديد.

تحضر مكية، مأتم (سلامة) قبل الجميع، تأخذ مكانها بقدر المكانة التي لسلامة في قلبها، وتشارك في مراسيم الإعداد والطبخ. عبر سلامة ومجتمعها النسائي، تمكنت من التأقلم والدخول على أجواء الدير، توطدت علاقتها مع صديقات سلامة: سعدة بنت الحاج عبدالرضا، وزهرة بنت يوسف، واليكة، مريم بنت الحاج عبدالله بن جاسم الملا، والجزيرية أم عيسى. 

بعد أن تم تقسيم البيت الكبير، بقي باب يصل بين سلامة ومكية، وعبره ظل تقليد صحن وجبة الغداء الذي تعده أم جعفر، يصل يوميا إلى سلامة، أغلق الباب فيما بعد لأسباب تتعلق بالتوسع ومتطلبات الأبناء لمزيد من الغرف، لكن ظل الصحن يأخذ مساره اليومي لسلامة حتى آخر يوم في حياتها. ظللتُ أنتظر هذا الصحن بفارغ الصبر حين كنت في المرحلة الثانوية أعيش مع جدتي  في بيتها، وأنام في غرفتها، يأتي الصحن كبيرا ومليئا حتى آخر نفس فيه، نتعاقب عليه أنا وجدتي حتى حبة الرز الأخيرة، اشتهرت صالونة أم جعفر بأنها لا مثيل لها حين تكون معدة بالسمك.

منذ مرضتها الأخيرة وأمي تحدثني عنها في كل مكالمة: لا مثيل لأم جعفر، لعلها اكتسبت فيض عاطفتها من أبيها الرجل الذي أتذكر كلماته حين يُقبل عند الباب عند زيارته لتفقد غاليته: بوي بوي. يقولها بنبرة العطوف المشتاق الحنون. ظلت تأخذني وخالتك خاتون معها للمنامة في محرم ونحن صغار، ننام في بيتهم الكبير، ونشرب من حليب بقرهم الطازج، ونعود في سيارة الخال والفرحة تملأ قلوبنا، ظلت تفعل ذلك معكم أيضا. تحيطكم برعايتها، وتدافع عن شقوتكم أمام خالي حين تملأون المكان بالضجيج وأنتم تسبحون في بركة السباحة في بيتها، بل إنها تحرص على أن تغسل ثيابكم وترسلها مرتبة نظيفة. ما فتر سؤالها عنك وأنت في غربتك، تتفقد أحوالك وتدعو لك بسلامة العودة”.

في صلاة الليل التي اعتادت على القيام بها، تفتح بالدعاء يديها لكل الناس وتخص أصحاب الحاجات، تشبعت روحها بما أودعه والدها فيها من تدين ومحبة للقرآن والناس، يقول ابنها الأصغر عبدالله الذي لازمها طوال عمره “حين فقَدتْ والدتي بصرها في أواخر حياتها، طلبت مني أن أحضر لها القرآن الآلي، ليكون أنيسها”

تحدثني جارتهم في المنامة الأستاذة نجاح المدني”روحها حمامة هدوء، أتذكرها في طفولتي تأتي كل يوم جمعة مع أطفالها من الدير لبيت أبيها، بيت حجي صالح جيراننا الأقرب لقلب جدتي كاظمية، قبل أن تدخل بيتهم تُصبّح على جدتي، يُلفتني صوتها الحنون وصدق قلبها، تختم زيارتها عصرا بتوديع جدتي. كنت أتخيل والدها الحاج صالح اللولو ملاكا يمشي على الأرض، وحين أتاه نداء السماء، رحل إلى كربلاء وتوفي من غير مرض في اليوم الثاني ونال شرف المكانة والمكان هناك”.

رحم الله مكية، وأسكنها فسيح جناته، كما أسكنتنا منذ كنا أطفالا جنة قلبها.