معصومة السيد: نخلتا أمي

بقلم السيدة معصومة السيد جواد العلوي

لأمي نخلتان، نخلة العباس القابعة بروحها. تلك النخلة  التي سأل عنها كل من قرأ سيرتك الساحرة #أم السادة#وجعل يبحث عنها وعن سحرها بكربلاء عند ابي الفضل ع. أما الثانية فهي أنت يا أباباسل (نخلة باسقة ضاربة بعمق الارض) وبعمق قلب أمي ولها جذور ممتدة من دير ماما صباح وحجي أحمد وخالة خاتون وقلب الجدة سلوم الى ديه أم السادة،  ميساء منتعشة ترف وترفرف بالعطاءات الفذه وتطرب لروايات ام السادة وأحاديثها وسردها الممتع فتتمايل سعفاتها يمنة ويسرى طربا وأنسا فتبدأ بنقش الجمال وتأريخ الأصالة.

نعم تطرب لحكايات شجر اللوز ورمال سيف الديه والحبولة والبيوت الصغيرة المبنية بأنامل البراءة وتطرب لمرابع طفولة امي ومكية وصديقات طفولتهم ومآتمهم الطفولية وجاراتهم وبنت يوسف والملالي الذين كانوا يقرؤون للخال حجي منصور وتفاصيل  جدتي فاطمة بنت محمد العكري شيف البحاري والبرياني الناطع برائحة حطب دالية الخال حجي منصور ودلة الحليب المزعفر لعزية مكية كل يوم، وتتغنى بعادات الخال حجي منصورالاسبوعية وحظور الجد حجي محمد العكري البدع وبنت كمال وحكاية (سور المضعن)  الذي لم يتمكن منه البدو حينما اختفى جدي الحصيف حجي محمد العكري عن الانظار في العكر بحيلة منه.

وبعدها تنهل _يا نخلة أمي_ من ماء عين الشيوخ لتجود على بني عبد قيس الذين عرفوك وجعلوا يتتبعونك وما تكتب😊جيدا، (ألم تقل لنا؟ بأن النخل عرف أهله) بأحلى الثمار وأروق السرودات.. أما أم السادة يا أبا باسل فحينما تتذكر شيئا كان عليها أن تقوله لك،  فترفع صوتها “أوه نسيت ما قلت لعلي: خالي يقرأ بعد في بيت حجي علي صنقور كل أربعا في المنامة وبيت مرهون في المالجية” 😊 نضحك حينها فرحا بكما فقد كنتما سببا لتأصيل ما أوشك على النسيان بداخلنا من حكايات رائعة وذكريات جميلة.

حقيقة تشربنا معكما  كل ذكريات أمي الغالية ذات الروح المصقولة والضحكات الرائقة الشبابية والذاكرة الطرية والنية الصافية وحفظناها معكم😊 وشعرنا بأننا علينا ان نغني مع الغواصين في عرض البحر حينما يحصلون على دانة كبيرة. فقد سقطت بحضن  أمي دانة كبيرة لم يحصل عليها أي غواص ولم يبتاعها لأي نوخذة ولم تر مثلها في موسوعتها الخاصة بالصدف واللؤلؤ التي تطالعها بين الحين والآخر. حصلنا عليها من طواش الدير عبر القدر وما أحلى هدايا القدر. دانة أفاضت ببريقها علينا جميعا وأكرمتنا بالسرد الممتع والحكايات الرائعة والذوق الأصيل. فأنت دانة أمي يا أبا باسل أنت عينها. فمنذ سيرتها  ونحن متشوقون لسردك التالي أخانا الغالي.

لقد صرت  أثرًا من آثار أم الساده، تترقبك وتترقب أخبارك واتصالاتك، وحين تصلها رسائلك الصوتية، تقول لنا: “سكتو كلكم يتكلم علي”😀 فنضحك معا ونترقب الوالده الغاليه صباح وبرنامج التفسير الرمضاني.

أتعرف أبا باسل بأننا حينما نذهب لها  تشرح لنا ما فسرته لها من آيات ك’ ملك اليمين والتناوش’. وتشرح التفسير بكل اندفاع وروية  وحب وتذيل ‘ابو باسل يقول’ بكل حب وفرح. حقيفة أبا باسل ليست امي هي من تمكنت منك ومن قلبك ومن قلمك فحسب ولكنك انت من تمكنت منها ومنا جميعا. أتعرف ما تصنع؟!! تعزل العملات ليوم مجيئك وتضع عليها الرازقي كما تضع الورود على مجاميعها تماما وحينما يذبل تستبدله بغيره فعمر انتظارها إليك هو حد عمر الرازقي حتى يذبل فقط، فقد حددت زمن وصولك بعمر الرازقي الابيض حتى يصفر لترفع يدها وتطلب مجيئك ‘رجعك الله لينا يا خلف جبدي والى بيتك الحليو ابو النخايل..
شكرا لك أبا باسل فقد تضاعف عدد الضيوف والزوار لأمي هذا العام عما سبقه من أعوام 😊تقول (أعرف السبب لكنني أضمره بقلبي 😄.. كتاب علي هو السبب 😀😀وشكرا لفضاء الغالية التي تتكبد العناء معنا لتكتمل السير وتبدو معتقة وعابقة برائحة الوطن والأرض.

 وشكرا لوجودكم بيننا وشكرا لكل الفرح الذي أضفتموه على قلب أمي ومزاجها.

في تأبين فاطمة بنت حجي حسن.. لا يحزن من يجلس معها

“لا يحزن من يجلس معها” هكذا كثّفت خالتي خاتون حياة الراحلة فاطمة بنت حجي حسن، إنها مفجرة الضحكات في مجلس سلامة سلوم، رحلت البارحة تاركة حكاياتها، كانت تقول قبل أيام لخالتي وأمي، هل ستحكون عني بعد موتي، كما نحكي الآن عن سلامة سلوم؟! تقولها بمرحها من دون أن تُشعر أحداً بجدية الموت الذي أخذ أطرافاً من أصابعها.

تأتيني أخبار الموت عادة من دون أن تراعي فارق التوقيت، لا شيء ألوذ به غير الحكايات والذكريات، أعود لتسجيلات قديمة،كانت تتحدث فيها عن علاقتها بسلامة وبناتها وبيتها، أسمعها ولا أستطيع أن أغالب الضحك، أقف مستمتعاً وهي تتحدث عني “كنت في غرفة صباح في زواجها ونحن لم نخرج بعد من طفولتنا، وكنت في غرفة ولادتها أيضاً بولدها البكر في المستشفى الأمريكي، طلبت مني سلامة مرافقتها، توليت مهمة تقميط (علي) بما توفر لي من خبرة أشهر مع ابنتي الأولى نادية، فقد جاءت قبل أشهر من ولادة (علي)”.

منذ دخلت بيت سلامة وأنا ابنة أربع سنوات، صرت ابنتها، وصباح وخاتون وسكينة أصبحن أخواتي، ومقالب الطفولة عشناها معاً، نتسابق لتسلم ثياب حجي عبدالحسين طرار زوج سلامة، بعد أن يعود من فرشته بسوق المنامة حيث كان يعمل جزافاً هناك، يتخلص أولاً من ثيابه وبالعادة ينسى أو يترك بعضاً من الربيات فيها، الفائزة هي من تحصل على ثوبه أولاً.ولجرأتي تطلب مني صباح بعض المهمات الخاصة، فحين تجوع، تشير لي لسرقة خبز جدها حجي حسن، فأتسلل وأقتنص الفرصة لآخذ قطعة من خبزه، وحين يلحظني يركض ورائي متوعداً وشاتماً.

في إحدى المرات قالت صباح نريد أن ننظف المراوح، وبعدها اقترحت أن نبحث عن علبة صباغة رش، لصباغة المراوح، قلت لها عندي واحدة، أحضرتها لكنها كانت قديمة ومتجمدة، فاقترحت عليها أن أتولى تسخينها، لحظات حتى سمعت صوت الانفجار وأنا خارج المطبخ، ولم يتبق شيء من السقف، هربت مسرعة من البيت، ولولا واسطة سلامة ذلك اليوم لتمّ قتلي عقاباً على تصرفاتي الشقية.

سلامة هي من جهزتني ليلة زواجي كواحدة من بناتها، وضعت لي الحناء وجهزت لي الثياب وصبغت شفايفي بالديرمة، حين ولدت قبل ابنتها الكبرى بأشهر مرضت، لكنهم أصروا أن أخرج بابنتي نادية، إلى بيتهم ليفرحوا بأول مولودة في البيت، كانت فرحتي فرحة سلامة وبناتها، وحزني حزنهم. عمّق من صلتي بهم بعد زواجي، أن والدة زوجي الحاجيـة مريم بنت الحاج أحمد صمايل (توفيت ديسمبر1997) هي ملاية مأتم سلامة وهي ملازمة لبيتهم.

لا يتوقف الكلام في مجلس سلامة، أصنع الضحكات على شفاه سلامة من تعليقاتي على الكلام، حين لا أجد شيئاً، أخترع لها قصة، في إحدى المرات، تحدثت لها بتهويل كبير، قلت لها: دييييه ما سمعتين آخر خبر، يقولون الهند هاجمة على بومبي. فتجيبني سلامة: لويه بعد، حسبي الله عليهم. فيضحك الحضور ويعرفون المقلب، سلامة تعلق: حسبي الله عليش ما تجوزين عني.

حين تحضر سلامة بضاعة جديدة، تبدأ في الترويج لها، تتحدث عن أسعارها الرخيصة حين يسألها أحد عنها، باستخدام عبارة مجازية (إلا بلاش). أنا أنتظرها تقول هذه العبارة، وأحملها على الحقيقة، آخذ البضاعة وأهرب، أقول لها أنت قلت ببلاش. اعتادت سلامة على طريقتي معها، وهي لا تملك غير ضحكاتها تعاقبني بها. حين تدخل سلامة مأتمها بمشمر جديد أو ثوب جديد، أعلق عليها، أعرف أنها تستعرض بضاعتها وتعمل لها دعاية وترويج، وأعرف أن تعليقاتي ستلفت الانتباه وتزيد من وقع الدعاية والترويج.

حين تعلمت الخياطة، وصارت معي ماكينة خياطة، قالت لي سلامة قولي لزوجك يُحضر لك قماشاً قطنياً، لتجهيز بسطة (جمع بساط) وثياب المولود، جهزت ثياب نادية قبل ولادتها بيدي، وحين رأت صباح تميزي، صارت كلما أحضرت أمها أقمشة جديدة، طلبت مني أن أخيط لابنتها فاطمة.

قلت لخالتي خاتون، هل اختلفتم أو افترقتم طوال هذا العمر؟ فأجابتني: لم تحب أحداً قدر حبها لي ولأمك صباح، وحبها لنا امتداد لعشقها لسلامة، رافقتني ونحن بنات خمس سنوات، نجلس عند كلثم بنت الحايي، زوجة جدي، تعلمنا القرآن، فتظهر علامات الشقوة على (فاطمة) فتطلق عليها المعلمة (لغيوه) فنضحك معاً، تتوفى بنت الحايي في العام 1960 فننتقل للحاجية شريفة بنت سيد عبدالله (توفت 2000) لكننا لا نبقى إلا فترة قصيرة، حتى نستقر عند شريفة بنت سيد يوسف، هناك حفظنا القرآن معاً وتعلمنا قراءة وفاة النبي والفخري، فصرنا نقرأ معاً في مأتم سلامة. كانت فاطمة هدية قلب رحمها الله، لكنها لم توفق للذهاب للمدرسة فيما بعد كما حدث معي.

حين يهل محرم، لا أقدم شيئاً على (مربين فاطمة بنت حجي حسن) المميز بليونة رزه ولذاعة فلفله، افتقدته كثيراً بعد 2011، قلت لأمي أريده، أرسلوه مثلجاً، فلا يحلو سواد عاشوراء من دونه، أحطته بعناية شديدة حين وصلني بيروت، وصرت أجلس إليه وكأني أجلس إلى أكلة مقدسة، وأضن به على الآخرين.

رحم الله أم علي، وسقى الله أيامها بالرحمة والذكرى العطرة.