في رثاء الحاج محمد علي المزعل..الحركة والجسارة والدليل

واحدة من الطرائف التي صارت تراثا عزيزا يُتداول في بيت المزعل، أن الحاج محمد علي المزعل ذات يوم وبينما كان يتحدث مع شخص في أحد مجالس البحرين، التحق بهم شخص ثالث صديق للشخص الأول لكن ليس بينه وبين الحاج محمد علي معرفة سابقة، فأراد الأول تعريف الحاج لصاحبه قائلا هذا الحاج محمد علي شقيق الحاجيّةّ الملايّة بنت مزعل، وقبل أن يرحب به الصديق الجديد، غضب الحاج وأخذته الذّكوريّة الشّرقيّة، وقال: صارخاً: هي أختي! تُعرّف بي! لا أُعرف بها.

في بحثي عن سيرة الحاجة سعدة بنت مزعل، افتتح الابن الأكبر لأخيها (علي المزعل) حديثه عن عمته بالجملة التالية “قائمة بذاتها”. وجدت في الشخصيتين تفردا حقيقيا وقيمومة ذاتية مستقلة في سيرة كل واحد منهما. رحت أُعرّف كلا منهما بالآخر، وأفهم سيرة الأخ والأخت بالإحالة على بعضهما، وفي داخلي أكتم ضحكة ساخرة، وأنا أتخيل الحاج محمد علي غاضبا لشأنيته، والحاجة سعدة تضحك وهي تتذكر طفولته وربما حملها إياه وهي تكبره بما لا يقل عن خمسة عشر عاما.

بعد أن انتهيت من سيرة الحاجية سعدة بنت مزعل، سألتني أم جعفر، صديقة بنت الحاج محمد علي المزعل، متى ستبدأ سيرة أبي؟ قلت لها ضاحكا: هو يُعرف بها، وسيُعرف بسيرتها، فلا داعي أن نكتبها مرتين.

رحل اليوم الحاج محمد علي، لكنه ترك فوق مجاميع مخطوطات أخته النادرة خط يده، وهو يسجل عليها وقفياتها:”هذا الكتاب أوقفته سعدة يوسف مزعل إلى مأتمها الذي في بيتها  وهو مأتم الحسين”. ستُعرف مجاميع هذه المخطوطات به كما سيعرف هو بها. بل أنا اليوم أجد أقرب طريق للتعريف به من جهتي، بأنه الأخ الأصغر للحاجة سعدة بنت مزعل، كما أني كنت أعرفها وأنا أكتب سيرتها بأنها أخت الحاج محمد علي المزعل.

التقيت بالحاج محمد علي في 2007 في مجلسه العامر، كنت أعد ملفا لملحق بروفايل جريدة الوقت، خرجت من الجلسة بصفحة كاملة نشرتها في الجريدة، صارت بعد ذلك معلقة في برواز جميل بالمجلس احتفاء بالمادة التي صارت نواة لسيرة تُعرّف لأول مرة بشكل مكتوب ومكثف بشخصية الحاج.

لفتتي شخصيته القوية وأريحيته التي تسمح له أن يبكي أحيانا من غير سبب سوى أنه تذكر لحظة من لحظات نعم الله عليه وسعة الرزق التي أعطاها له، أحببت فيه هذه الأريحية ولمستها بقوة وأنا أتجول معه على الرغم من كبر سنه في مارس 2014 في لبنان من شمالها لجنوبها برفقة النائب السابق محمد المزعل، ابن أخيه الأكبر الحاج يعقوب وزوج ابنته الذي تربى على يديه حتى فاضت الأبوة أكثر من العمومة فيه. كان يوقفنا لحظات وهو يتطلع إلى السماء ويخاطب الله بامتنان الشاكر، الحنو البذخ الذي كان يظهره ابن الأخ لعمه، حنو أبوة فائضة بالحب والامتنان، ولحظتها ما تمكنت أن أفهمها إلا حين عملت على سيرة الأخت الحاجية سعدة، وعرفت كيف أصر الحاج محمد علي على استرجاع أمانة أخيه بعد موته وأصر على إدخاله مدرسة سترة، وقال جملته التي تنم عن بعد نظره “إذا ظل في (الجزيرة) لن يكون إلاّ نخلاويا أو بحّاراً”.

 في لقائي الأول بالحاج محمد علي، كان يحدثني عن عمله في بابكو وكيف تعلم الحسابات وظل يتمرس فيها مدة 14 عاماً وحين خرج منها في 1964 لم يخرج من الحسابات، التحق بـ(ستاندرد تشارترد بنك)، قال لي تعلمت من تجربة الحسابات حكمتين، الأولى “كل حركة بركة” والثانية “فاز باللذات من كان جسورا”.

التحدي ليس أن تتعلم الحكمة، بل أن تحيلها سلوكاً وفعلا ومهارة تتصرف بها، وهذا ما فعله، حين حول مهنة (الدلال) إلى حركة دائمة يجوب فيها البحرين منقبا عن الأراضي ليشتري ويبيع فيها بجسارة استثنائية، حتى صار الجميع يحتكمون إليه في تحريك عجل السوق وتحديد لحظة: بع أو لا تبع.

جسارته في البيع والشراء امتداد لجسارته في تكوين رأيه وموقفه، وهذا لفتني في شخصيته، كنت أتساءل كيف لرجل قروي مثله شديد التدين ومحاط برجال الدين وشديد الاحترام والتعلق بهم، وزوج لابنة أكبر مرجعية دينية بالبحرين (شيخ إبراهيم المبارك) كيف له أن يصبح جسورا في التعامل معهم وتحدي مسلماتهم واختراق سكونهم، يحدوثنه عن الزهد فيحدثهم عن تجارة خديجة، يحذرونه من تعليم البنات، فيفتتح مدرسة، يحدثونه باسم الشرع ويقدمون له عمائمهم ليسكتوه، فيطالبهم بالدليل ويقول لهم لست بحاجة للعمامة بقدر حاجتي لدليل يُريني الطريق الصحيح.

عُرف أبناء الحاج يوسف المزعل بالحركة بصدق والجسارة بدين، بالحركة جالت الحاجية بنت مزعل مجالس البحرين من أقصاها لأقصاها، وبجسارة صوتها وطورها تركت بصمتها الخاصة في مآتم البحرين. 

بسيارته (المرسيدس) السبعينية التي ظلت ترافقه إلى عهد قريب، لا أحد في محيطه الستراوي يملك مثلها حينها، جال الحاج محمد علي  البحرين، السيارة منحته سرعة في الحركة وجسارة في شق طرق لم يطرقها أحد قبله.

لم يكن الهاتف قد انتشر بعد، فكانت نشرة أسعار السوق العقاري يذيعها بسيارته، مقابل فنجان قهوة و10 دنانير. حين طلب أحد التجار من (المزعل) أن يوقف السوق، كان يوقفه، لم يكن له منافس في الدلالة، حين احتج أحد الدلالين الكبار على تفضيل التاجر له، قال له: المزعل صادق وأنت كاذب. ظل المزعل يحكم تدينه في حركته في السوق، فكسب ثقة الكبار.

انفتحت حركة الأراضي، وصار (المزعل) يبيع بسمعته، ويكسب بسمعته، ويدلل بخبرته، صار يطلبه الكبار، ويمنحونه ثقة التقييم ويعترفون له بخبرة لحظة البيع والشراء. كانت تقديراته، يختصرها في (بع) أو (لا تبع)، ولم تخذله يوماً أمام الناس الذين كانوا يجدون فيه جهة تقدير الأرض والعقار.

كان الكبار يقرؤون المستقبل بتقديرات (المزعل) وخبرته في الحركة، لكن الصغار الفقراء لم يكونوا يقرؤون ولا يرون ولا يحلمون بمستقبل. مازال (المزعل) بحسه الديني الحريص على مصلحة من يتوسطه في الدلالة يتذكر بمرارة بالغة القسوة، كيف فرط هؤلاء بمستقبل أراضيهم وأبنائهم، كما فعل أحدهم بدولابه في سار، باعه، ولم يسمع اعتراضاته، ولم يصغ إلى تقدير (لا تبع). فباع، والمفارقة التي أبكت قلب الدلال الجسور الذي صار فيما بعد مقاولا كبيراً يبني الفلل الفخمة، أن مناقصة بناء الدولاب وقعت عليه، وكان أحد العمال قد جاءه يوماً يستحث ذاكرته، فلم يذكره، فقال له: أنا ابن ذاك الذي باع هذا الدولاب يوم قلت له (لا تبع)!!

رحم الله الحاج محمد علي المزعل، ورحم الله شقيقته الحاجة سعدة بنت يوسف، في حركة كل منهما جزء من تاريخنا الاجتماعي وأحداثه، وفي جسارتهما جزء من أسرار التغيير الاجتماعي وتحولاته، لذلك لا عجب أن نُعْرَف بهما معا. 

من فريق المخارقة بالمنامة إلى فريق شرق بالدير … في رثاء مكية بنت حجي صالح اللولو (1944-2020)

مكية صالح محسن الولو

الحاجة مكية صالح محسن الولو (1944-2020)

رحلت أمس في هدوء، كما عاشت حياتها كلها في هدوء، أم جعفر، الحاجة مكية صالح محسن اللولو. سألت أمي: كيف كانت زوجة خالك؟ قالت: لا أحد يسمع صوتها، حتى استثار هدوؤها يوما في مأتم جدتك، بدرية بنت حجي عبدالمحسن المعروفة بتعليقاتها وفكاهتها، فقالت “يا ليت لي صبر أم جعفر، كيف تصبر عن الكلام، ولا مرة سمعتها تتحدث عن أحد، كيف ابتلاني الله بكثرة الكلام؟ وميزها بالصوم عن الكلام؟”.

جاءت في منتصف الخمسينيات، من فريق المخارقة بالمنامة إلى فريق شرق بالدير، زوجة للحاج علي أبوزبون، ولهذه الزيجة حكاية، فقد تزوج الحاج علي في المرة الأولى من مريم وتوفت بعد إنجاب ولده البكر أحمد، وتزوج ثانيا من خديجة وماتت في حملها، فحدث التشاؤم وظن القريبون أنه (فقّاد نسوان). فصار الذهاب بعيداً الخيار الأقرب للحصول على زوجة جديدة. حمل هذه المهمة جدي لأمي الحاج عبدالحسين طرار، فقد كان من القلائل الذين يعملون خارج القرية في سوق المنامة، هناك تعرف الحاج صالح محسن اللولو المولود في الأحساء والمقيم بالمنامة على الحاج عبدالحسين، فسأله البحث عن زوجة لابن عمه وأخ زوجته سلامة سلوم، فوقع الاختيار على مكية بنت حجي صالح، وضع والدها شرطاً واحدا يحفظ به دلال ابنته التي ربت في بيت عزه وغناه: لا تضع على رأسها بيبا، ولا تحمل طشتا. والبيب هو صندوق معدني بعد أن يفرغ من الزيت يستخدم في نقل الماء، والطشت هو إناء معدني دائري تغسل فيه الثياب ويحمل الغسيل بعدها على الرأس.

تستقبل أخت العريس (سلامة سلوم)  العروس القادمة من المنامة، تحيطها بعنايتها ورعايتها، تقع مكية في حب سلامه، تلازمها حيث ما تكون، تحمل سلامة عنها (البيب) و(الطشت) وتترك لها المساهمة في الأعمال الأخرى الأقل مشقة، في بيت العائلة الكبير المفتوح قبل تقسيمه لثلاثة بيوت. 

تضع مكية بكرها جعفر في العام 1957وتكر سبحة الولادات: كريم، فاضل، سلوى، صادق، جميل، كريمة، بشرى، زينب، ياسر، عبدالله. يستقبلهم حضن سلامة معها، يتربون في دلال الأم والعمة، يحفظون لها جميل الرعاية وفائض المحبة، حتى صار العرف الذي أرسته مكية في بيتها ألا يقطع ابن لها أو بنت أمر زواجه قبل الرجوع للعمة، وصار التباهي بينهم بالتسابق على كسب قلب العمة لزوجاتهم وأزواجهم. تقول فاطمة عبدالحميد، وهي إحدى رواد مجلسها: إذا رأينا (سلامة سلوم) قد لبست الثوب الأخضر ذا الكورار الذهبي، عرفنا أنها تستعد للذهاب لخطبة ما، فنشاغبها بالأسئلة والتعليقات وترد علينا بابتساماتها وضحكاتها التي تحاول عبرها تضييع اسم العروس أو المعرس الجديد.

تحضر مكية، مأتم (سلامة) قبل الجميع، تأخذ مكانها بقدر المكانة التي لسلامة في قلبها، وتشارك في مراسيم الإعداد والطبخ. عبر سلامة ومجتمعها النسائي، تمكنت من التأقلم والدخول على أجواء الدير، توطدت علاقتها مع صديقات سلامة: سعدة بنت الحاج عبدالرضا، وزهرة بنت يوسف، واليكة، مريم بنت الحاج عبدالله بن جاسم الملا، والجزيرية أم عيسى. 

بعد أن تم تقسيم البيت الكبير، بقي باب يصل بين سلامة ومكية، وعبره ظل تقليد صحن وجبة الغداء الذي تعده أم جعفر، يصل يوميا إلى سلامة، أغلق الباب فيما بعد لأسباب تتعلق بالتوسع ومتطلبات الأبناء لمزيد من الغرف، لكن ظل الصحن يأخذ مساره اليومي لسلامة حتى آخر يوم في حياتها. ظللتُ أنتظر هذا الصحن بفارغ الصبر حين كنت في المرحلة الثانوية أعيش مع جدتي  في بيتها، وأنام في غرفتها، يأتي الصحن كبيرا ومليئا حتى آخر نفس فيه، نتعاقب عليه أنا وجدتي حتى حبة الرز الأخيرة، اشتهرت صالونة أم جعفر بأنها لا مثيل لها حين تكون معدة بالسمك.

منذ مرضتها الأخيرة وأمي تحدثني عنها في كل مكالمة: لا مثيل لأم جعفر، لعلها اكتسبت فيض عاطفتها من أبيها الرجل الذي أتذكر كلماته حين يُقبل عند الباب عند زيارته لتفقد غاليته: بوي بوي. يقولها بنبرة العطوف المشتاق الحنون. ظلت تأخذني وخالتك خاتون معها للمنامة في محرم ونحن صغار، ننام في بيتهم الكبير، ونشرب من حليب بقرهم الطازج، ونعود في سيارة الخال والفرحة تملأ قلوبنا، ظلت تفعل ذلك معكم أيضا. تحيطكم برعايتها، وتدافع عن شقوتكم أمام خالي حين تملأون المكان بالضجيج وأنتم تسبحون في بركة السباحة في بيتها، بل إنها تحرص على أن تغسل ثيابكم وترسلها مرتبة نظيفة. ما فتر سؤالها عنك وأنت في غربتك، تتفقد أحوالك وتدعو لك بسلامة العودة”.

في صلاة الليل التي اعتادت على القيام بها، تفتح بالدعاء يديها لكل الناس وتخص أصحاب الحاجات، تشبعت روحها بما أودعه والدها فيها من تدين ومحبة للقرآن والناس، يقول ابنها الأصغر عبدالله الذي لازمها طوال عمره “حين فقَدتْ والدتي بصرها في أواخر حياتها، طلبت مني أن أحضر لها القرآن الآلي، ليكون أنيسها”

تحدثني جارتهم في المنامة الأستاذة نجاح المدني”روحها حمامة هدوء، أتذكرها في طفولتي تأتي كل يوم جمعة مع أطفالها من الدير لبيت أبيها، بيت حجي صالح جيراننا الأقرب لقلب جدتي كاظمية، قبل أن تدخل بيتهم تُصبّح على جدتي، يُلفتني صوتها الحنون وصدق قلبها، تختم زيارتها عصرا بتوديع جدتي. كنت أتخيل والدها الحاج صالح اللولو ملاكا يمشي على الأرض، وحين أتاه نداء السماء، رحل إلى كربلاء وتوفي من غير مرض في اليوم الثاني ونال شرف المكانة والمكان هناك”.

رحم الله مكية، وأسكنها فسيح جناته، كما أسكنتنا منذ كنا أطفالا جنة قلبها.

 

في رثاء موسى النهام، من(دريشة أم كريم) إلى حلقة (السكسبوي): جواااااب

 

رحل اليوم آخر سلالة (دريشة أم كريم)، الجار الطيب موسى النهام، ابن الطيبة جارتنا التي توفيت مطلع 2017، إنه “نسخة في البساطة من أم كريم، الدير فقدت أحد صناع الابتسامة” هكذا اختصر لي الصديق الشاعر سيد سلمان الموسوي، شخصية الفقيد، وجوم كئيب سيطر على قرية الدير أمس، كان صباحًا ثقيلا عليهم، تحدثني أمي في نهاية اليوم البحريني، ومنتصف اليوم الكندي عن هذا الصباح، تقول، كانت زوجة أخيك مختار خارجة لعملها في المستشفى، استوقفها صديق الفقيد على عتبة بيت أم كريم، رأى في لباسها الأبيض بارقة أمل، قال لها لو تساعديني في التأكد من حالة حرجة، فعاينتْ الموت بنفسها، هكذا شاء القدر أن نسدل الستار على آخر أبناء جارتنا الطيبة.

في السنوات الأولى من الهجرة البيروتية، كانت أمي تلوذ به، لتمرير شحنات الوزن الزائد من حبها وحمولاتها المرسلة لي عبر مطار البحرين، تعرف أن الدريشة التي بيننا ستدفع ولد أم كريم، لتمرير ما تريده الجارة، هكذا وجد قلب الأم حيلته لإيصال ما تريد من سمك ومأكولات وحاجيات لابنها المهاجر. صارت قصص الوالدة مع الفقيد مادة للضحك والسرد في البيت، فكل ما مرت شحنة كانت تتمادى في الطلب، ولا يجد الجار الطيب منفذا له للهرب أو التهرب منها.

تختم الوالدة مكالمتها، بتوصية ضرورة كتابة تأبين في حق الجار، فألوذ بالصديق عبدالحسين المتين، لأستكمل منه مأثورات الجار الفقيد، يتنهد تنهيدة الفاقد ويقول: العزيز موسى من مؤسسي حلقة (السكسبوي Six boys) الشهيرة في قرية الدير، لم يغادرها منذ بدايتها في 1982 وحتى رحيله، هو مكتشف رادودها جليل المتين، سمع مرة صوت أذان جميل في مسجد بردان القريب من بيتهم، تتبع الصوت حتى وصل المحراب، فشاهد أخي جليل، أطلق ابتسامته المعروفة: نسيبي، هذا صوت شجي، سأكلم أبوجواد مدن، لتكون رادود الحلقة، وتم الأمر، لم يترك له مجالا ليتردد أو يعتذر.

حين يدخل موسى الموكب، ينقلب الوضع، يصرخ بأعلى صوته: جوااااب، فترتفع أصوات المعزين عالية، يدب الحماس، ولا يعرف يستقر في مكانه، يجوب بين مقدمة الموكب ونهايته، ينظم الصفوف ويشجعها وإذا أحس برودة من أحدهم، يقترب منه بابتسامة بالغة التودد ويقول له: اوووجع، فيدب فيه النشاط، إنه ماسترو الحلقة حين تفقد إيقاع الدق أو الرد.

 قبل عشرة محرم يكثف اتصالاته بأخي جليل، يرسم معه خطة القصائد وسيرها ويحضر معه ما يناسب ذائقة جمهور حلقة (السكسبوي)وهي ذائقة حسينية أصيلة، لا تقبل بالإسقاطات السياسية والتنويعات اللحنية، لذلك يلتحق بها كبار السن، وبحارة الدير، من أمثال: حجي مكي عبدالله مكي، حجي إبراهيم حجي حماد، حجي عبدالله بن كاظم أبو أكبر، حجي عبدالله أبوحسان، حجي رمضان، حجي حسن بن موسى، الحاج علي السليموني. 

كان الأستاذ حسن مكي، من أبرز كتاب القصائد الحسينية، يحضر مجلس بيت المتين من ليلة سابع، يأخذ اللحن من الرادود ويكتب من قريحته، هناك قصيدة للأستاذ حسن يصر الفقيد الحاج موسى على جليل أن (يشيلها) في وفاة النبي، يقول له أنا أعرف أن مزاج المعزين يصعد للأعلى مع هذه القصيدة لو كررتها كل عام، يقول فيها: يا رسول الله بعدك هجموا بدار الوصي، وانكروا ذيك الوصية وقيدوا حيدر علي، يا رسول الله يا رسول الله”. يحدث أحيانا أن يدخل موسى على جليل بقصيدة لملا عطية وهو وسط الحلقة، من غير سابق تنسيق، ويطلب منه أن (يشيلها). في حلقة (السكسبوي) كل شيء عفوي ومرتجل وبسيط وقابل للتداول، ومعروف حين يفقد البحارة مزاجهم من الرادود، يُطلقون نداءهم الشهير (شيل شيل يا جليل)وهناك لا يملك جليل الخيار.

خارج الموكب، لنا معه حياة أخرى، مليئة بالحب والظرف، فهو مركب من الضحك والكوميديا والسخرية التي لا تجرح أحدًا. يزورنا غالبا بعد المغربية، يأتي محملا بالرطب والترنج من قبل والدته التي هي بنت عمة والدي، يدخل البيت وصوته يزلزل المكان، ينادي والدتي: نائمون… نائمون،  نسيبتي نسيبتي. ظل هذا الصوت على عادته حتى بعد وفاة أم كريم، يأتينا بالرطب والفرح والمودة.

سنفتقد هذا الصوت، ولن نجد من يستصرخ فينا الحماس بندائه الشهير: جوااااااب.

علي الديري، في رثاء رفيقي البوسطة: حكايات البوسطة المبعثرة

لوحة أحبك يا بوسطة

لوحة أحبك يا بوسطة

خصني رفيقي أحمد البوسطة قبل رحيله عبر إحدى الصديقات المؤتمنات على مسودة من مذكراته تحت عنوان  (شيء من حياتهم وحياتي… حكايات لأوراق مُبعثرة). أتمنى ألا يحدث شيء يعكر العمل على نشرها. سأقف في رثائي على هذا الرحيل المؤلم على فقرتين وضع البوسطة عناوينهما.

الوقفة الأولى القلب المترامي بجدارة

يقول البوسطة: كتب صاحبه  ذات يوم في صفحة (سوق الجنة، جريدة الوقت 2008) غزلاً حميمياً جميلاً بين محبين يختلفان ويتوحدان في فارق الشجن وعشق الحرية، لكنهما قريبان إلى حدٍّ التوحد من الرؤية المشتركة في البياض: “لكل إنسان جنته التي يستريح فيها إلى صوره وتجاربه التي تحكي سيرته وأفكاره. وللبوسطة جنته التي يضنى فيها، رحلته طويلة ومنعرجاتها كثيرة، ويكاد يكون وحيداً دوما في بياضه، تسّود الأشياء حوله، ويبقى مناضلا كي تبقى جنته بيضاء. لا أحد يجيد سخريته الساردة التي تحيل توقيفاته ومنافيه وضياعه في المدن والأوطان جنة ضحك لا تسكت. لا تتوقف حكاياته الحمراء في جنته البيضاء، تفيض دوماً بالسخرية والتجربة” علي الديري،مقدمة سوق الجنة، أحمد البوسطة.

كم أنا فخور يا رفيقي، أنك استعدت مقدمتي في الحديث عنك، سعيد أن أكون صاحبك الذي تتحدث عنه في مذكراتك بكلمات الصحبة والمحبة والعشق والتوحد والقرب.

 لم يمنعك فارق التجربة والجيل والخلفية الثقافية أن تُجسّر المسافة وتعبرها، أحب فيك هذا العبور المبدع، ويذكرني باحتفائك بكتابي (مجازات بها نرى) ذلك الكتاب الذي تحدثت أنا فيه عن المجاز والعبور عبر الاستعارات والحكايات في الخطاب السياسي، العبور من الفكرة إلى واقع الناس السياسي.

 أحب قلبك المترامي بجدارة يا صديقي، إنه قادر أن يمتد ويعبر ويجمع المحبة والمعرفة والثقافة في موقف واحد يعبر عن الإنسان الذي ظل فيك حتى آخر رمق.

لوحة أحبك يا بوسطة

لوحة أحبك يا بوسطة

الوقفة الثانية اسمي لا أحد

يقول البوسطة “صون المبدأ من عدمه يتلخص في مواجهة كلمتين عن الراحلين: أما أن تسمعي يا ابنتي كلمة “مسكين مات وكان طيباً”، أو “يستاهل الموت هذا العفن ابن العفنة!”، إذن، اخترت أن أصون مبادئي. قال هذا الكلام ودمعة كبيرة سقطت من عينيه، اعتقد لوهلة بأنها ستبلل الكون كله، لكنها بللت خده فقط”

ليت تسمع الآن يا رفيقي، ما نقوله عنك: مات عنيدا على الحق، مات شامخ الرأس، مات صائنا النفس، مات محبًا للحرية، مات واقفا بعز. لقد صنتنا أكثر مما صنت نفسك، حفظت شرف الكلمة، وشرف المثقف، وشرف الصحفي، وشرف القلم، وشرف البحريني. 

كلنا ممثلون فيك، كلنا نقول، مات حامل شرفنا وموقفنا وكلمتنا، أنت أمة يا رفيقي، و”أبناء العفنة” الذين دنسوا شرف كلمتنا عفطة عنز. دمعتك يا صديق بللت كوننا كله، رايات محبتك مبللة بدموع عشاقك ومحبيك على امتداد وسائل التواصل كلها.

أكتب الآن يا رفيقي صبيحة اليوم الثاني لرحيلك، أفتش في الصحف التي احتربت فيها من أجل شرف كلمتك وموقفك، ولا أرى صورة تذكرك ولا كلمة ترثيك ولا سطرا يؤبنك، كأنك (لا أحد)، ألا عميت عين لا تبكي فقدك يا رفيقي، وخابت صحافة لا تُقدس اسمك وموقفك وسيرتك.

 

لماذا تكتب سير الملايات ومعلمات القرآن؟

أتعثر أحيانًا في الإجابة على هذا السؤال، ربما بسبب شدة وضوح جوابه في قلبي وعقلي، أو كما يقال في التعبير التقليدي “توضيح الواضحات من المعضلات”.

هذه محاولة لصياغة إجابة أظنني لن أكون راضيًا كثيراً عنها، وربما لا تكون مقنعة للسائل الذي يريد إجابة تشبه الإجابة على سؤال: ما هي آثار الإصابة بفيروس كورونا؟ 

تشدني السمات الشخصية للملايات ومعلمات القرآن، لم أشتغل على سيرة إحداهن من دون أن أقع في حبها، حب شخصياتهن الحقيقية والمفهومية، الحقيقية كما عاشوها وتفاعلوا بها في مجتمعهم، والمفهومية كما عاشوا وتفاعلوا في مخيلتي. وجدتهم قويات قياديات مفعمات بالحب والعاطفة، لديهم فائض من الحماس لممارسة فنونهن في القراءة الحسينية وتعليم القرآن وتمكين (لوليدات) من إتقان القراءة واكتساب مهاراتها التمثيلية. 

أحببت كثيراً شغفهم بالكلمات، يقدسن الخط المرسوم باليد، كريمات في عطائهن لكنّهن ضنونات بمخطوطاتهم، يلاحقن النسّاخين لإنجاز مجاميعهم. أحببت مصطلح (مجموع) حين عرفت أن الملايات يطلقنه على كتبهم. المجموع مخطوط يجمع مجموعة أشعار أو مرويات أو سرديات حول حكاية أو شخصية أو حادثة.  

شدني شعار الملاية سعدة بنت مزعل (1915-1998) “كتبي حجاب صوني” تردده باستمرار، لا تقبل أن ينزع أحد كتاباً من كتبها، تعتبره كأنه ينزع حجابها أو يُفقدها أحد مصادر قوتها وتميزها، بهذا الشعار وضعت حداً صارماً لحرمة كتبها، ولتأكيد هذا الحد تكتب على الصفحة الأولى ديباجة تملكها “أوقفته سعدة بنت يوسف مزعل إلى المأتم الذي يخصها في بيتها”.

لقد أنارت الكلمات مجاميع الملايات وشخصياتهم ومآتمهم وتجمعاتهم النسائية قبل أن يصل نور التعليم الحديث، العتمة بددتها هذه الشخصيات قبل أن تبددها المدارس، لذلك نحن بحاجة لرواية هذه السير والاحتفاظ بما تركته لنا من مخطوطات وتاريخ شفاهي، إنها تحكي التاريخ الاجتماعي من منظور النساء.

أشرت إلى ذلك في مقدمة سيرة عمة والدي (تقية بنت حجي عبدالله بن عيسى 1919-2018) قلت: في القرية نساء قويات صنعن فرادة خاصة تستحق أن تروى، وأنا أستمع لشهادات الرجال الذين تتلمذوا على يد المعلمة تقية لاحظت الإعجاب والإكبار التي تركته هذه الشخصية النسائية في نفوسهم. يفخرون أنهم تعلموا عندها. لاحظت كيف يسرد الرجل تاريخ إعجابه بما صنعته المرأة في عقله وروحه. لم يكونوا يتحدثون عن سيرة حب نسائية بل تحدثوا عن سيرة تكوين ثقافية. شخصيات نساء الدير وغيرها من المناطق في قلب تاريخ القرية ولم يعشن على الهامش، ولابد أن ينصفهن السرد ويعطيهن حيزاً مميزاً في تاريخ القرية.

لفتتني معلمة القرآن الملاية أم السادة، إلى مقطع من الزيارة الجامعة “وآثاركم في الآثار” أذهلتني من طريقة تفاعلها مع هذا النص وتأويلها له وتسييله في كلامها. رحت أفهم كتابتي لسير الملايات من خلال هذا النص، وجدت أني أقتفي آثارهم في التاريخ والهوية والمجتمع وتقاليده الثقافية. الآثار عادة لا تكون واضحة المعالم، تحتاج إلى إنصات عميق، تحتاج إلى رهافة في الحس ورقة في المقاربة، كي تكتشف ما وراءها. وكي تقدم السيرة آثار هؤلاء الملايات نحتاج أن نبتعد عن الأحكام الحادة والقاسية، أذكر أحد الأصدقاء قال لي: هؤلاء كانوا في زمن الظلام والجهل والثقافة التي يمثلونها هي مجموعة من الخرافات. قلت له لو سمعك أحد علماء الانثروبولوجيا المهتمين بدراسة ثقافة الإنسان لانتحر أو غرس قلمه في عينك لتفتح بصيرتك على آثارهن فيك وفي جيلك وهويتك. 

ذكرني جوابه، بموقفي من ملايات مأتم جدتي، كنت أراهم بقايا التخلف ويجب إزالتهم وإلقاء مجاميعهن الخرافية في مزبلة الجهل، ما كنت قادرًا على الإنصات لآثارهم، ولم أملك رهافة الحس في تقدير علاقتهم بالأوراق والكلمات والكتب في زمن يُحرم على المرأة الذهاب للمدرسة وقبل ذلك في زمن لا توجد فيه مدرسة. لذلك أنا أكتب سير الملايات اليوم كنوع من الاعتذار لملايات مأتم جدتي: الحاجية مريوم، والحاجية صفوي، والحاجية شروف. وأفتخر بما تركنه من مخطوطات تحمل آثار جيلهم وآثار الأجيال التي سبقتهم.

أنا أكتب هذه السير، بحثًا عن آثار تُرى بالبصيرة لا بالبصر.