مريم آل ضيف: كتاب " من هو البحريني؟" يجلب الحسرة

HDR_5077

عنوان الكتاب يجلب الحسرة ، نعم من هو البحريني؟!

قرأت سابقًا للكاتبة رملة عبد الحميد عن الدولة الحديثة، وكنت أطمح أن أقرأ عملًا أكثر تفصيًلا عن تاريخ البحرين في تلك الفترة الزمنية الممتدة من 1900 إلى 1930.

هذا الكتاب من أفضل الكتب التي تتحدث عن تاريخ تلك الحقبة، وعن المستعمر البريطاني، وكيف تطور مفهوم الدولة الى مؤسسات وحكومة بعد أن كان حكم قبلي.

تعرض الكتاب لعدة محاور،  منها نظام السخرة، ومشاكل الغوص، والمعتمدين البريطانيين في تلك الفترة، ومحاور القوى التي كانت تحيط بالبحرين، ومدى استخدام الاستراتيجيات التكتيكية للمستعمر التي تندرج تحت جملة (تجارتنا وسلامتكم).

الكتاب يشبع رغبة من يبحث عن تاريخ حقيقي قبل اكتشاف النفط وتأسيس الدولة الحديثة.

رابط الموضوع

لرواية الوهابية التي لا يعرفها محمد بن سلمان

 

photo_2018-05-02_13-00-41

علي العلوي*

ينبغي لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي صرح في حواره الأخير مع «الأتلانتك» أنه لا يعرف أي شيء عن الوهابية، أن يقرأ كتاب «إله التوحش» (2016 ـــ مركز أوال) للباحث والناقد علي الديري. هذا الكتاب يوثق رحلة الوهاب من العينية حتى الدرعي، ثم لقاءه بمحمد بن سعود عام 1745، ويدفع قارئه للتساؤل عن أساس فكرة عبد الوهاب، وعن أهداف دعوته السياسية.

لا يخرج الكتاب عن الرواية الرسمية السعودية المأخوذة من المؤرخيْن: ابن غنام الذي رافق عبد الوهاب في دعوته، وابن بشر الذي وثق قيام الدولتين السعوديتين الأولى والثانية في كتابه «المجد في تاريخ نجد». بحسب الرواية، كانت الدرعية لا تزال حيّاً فقيراً لا يتجاوز عدد منازله السبعين، عند وفود عبد الوهاب إليها. إلا أنها غدت بعد بروز دعوته وتحالفه مع محمد بن سعود، مكاناً يطفح بالبذخ، يزيّن فيه الرجال أسلحتهم بالذهب والفضة.

تذكر الرواية أيضاً أن الدعوة الوهابية كانت قائمةً على التوحيد والغزو، وأن عبد الوهاب الذي صنّف كل من ادعى معرفة الإسلام والتوحيد قبله «كاذباً ومفترياً»، هو سليلٌ للنبي في رسالته ومسيرته، وحتى في تحمله للأذى ونزول الوحي عليه. لاحقاً، يوضّح الديري في كتابه أن تفسير عبد الوهاب لمفهوم التوحيد يختلف عن تفسيرات غيره من علماء الدين. إذ إن التوحيد لديه يكمن في الاختصام مع عباد الله، قبل أن يختصم الله معهم، وأن الجسر الوحيد الذي يصل المؤمنين بربهم هو الطاعة.
الطاعة هنا، لم تعد طاعةً للخالق فقط، إنّما طاعة لعبد الوهاب والسلطة السياسية المتمثلة بآل سعود. هذه الاستراتيجية، هي التي مكنت عبد الوهاب في غزواته التي وصفها ابن بشر بأنها «أينما سلكت ملكت وأينما حلت فتكت وسفكت»، بعد سنتين من ولادة دعوته.
يسترسل الديري في شرح هذا المفهوم: «قد تبدو مفاهيم الانقياد والاستسلام والطاعة لله من الناحية النظرية صحيحةً ومسلّماً بها في تعريف الإسلام، لكن حين نعاينها في تطبيقها العلمي، فإنها تستحيل إلى استسلام آخر وطاعة أخرى وبراءة أخرى لغير الله، إنها استسلام إلى مفهوم التوحيد كما صاغه محمد بن عبد الوهاب، وطاعة للجهاز التنظيمي الذي أنشأه في دولة الدرعية، وصار في ما بعد جهازاً يحدد مفهوم الإسلام وتطبيقه الصحيح». تأسست الدولة السعودية الأولى (1745-1818) على فتاوى التكفير: فإما أن يكون المرء موحِّداً يغزو، أو كافراً يُغزى. هذا الأمر أنتج تاريخاً أُحادياً، وهوية لا تقبل التعدد. يسأل الديري عن رواية الأطراف الأخرى كالشيعة، الإسماعيليين، والمتصوفين، أو حتى المذاهب السنية المعارضة للدعوة الوهابية. ويعتبر أن الدولة السعودية فشلت في تطوير عقد اجتماعي حتى هذه اللحظة «الذين كانوا أعداء للدعوة وللدولة هم أيضاً أعداء للدعوة وللدولة اليوم، بل إن الذي لا يعتنق عقيدة الدولة في التوحيد هو خارج المواطنة ويقام عليه الحد الشرعي». ومن اللافت أن الديري لم يعتبر الممارسة العنفية التي رافقت تأسيس الدولة السعودية حالةً خاصة، مستدركاً بذلك ما توصّل إليه الكاتب والمؤرخ الفرنسي إرنست رينان حين قال: «وقائع العنف حصلت في بدايات كل التشكيلات السياسية». لكن المختلف في هذه الحالة، هو عدم تخلي المملكة السعودية عن العنف، بل تشريعها له كصيغة للمواطنة عن طريق الوهابية. يقول الباحث في هذا السياق: « لم يعد يكفي قول لا إله إلا الله للتوحيد، ولا الإيمان بذلك، لتكون موحداً، وبالتالي مواطناً يصان دمك وعرضك ومالك عليك أن تنضم إلى جيش الدرعية».
إن استراتيجية عبد الوهاب، على رغم نجاحها، تحمل مفارقة كبيرة. حين كان هذا الداعي يوعز بمحاربة «المشركين» كالحنابلة وغيرهم من طوائف المسلمين، كان أيضاً يطالب بطاعة آل سعود كأنهم «آلهة مفترضة». وقد أكد ذلك الديري عندما ذكر: «هذا ما فعلته الوهابية باسم التوحيد، حولت ولي الأمر وسلطته وأجهزة حكمه إلى خالق، يجب طاعته والامتثال لأمره والقبول بالمعنى الذي يعطيه للدين واعتبرت الخروج عنه أو عليه أو الاختلاف معه هو الكفر ودونه القتل».
مع تعاظم نفوذ آل سعود، أصبحت الوهابية أداة تتحكم بالدين بحسب إرادتهم. وتحولت معها الزعامة إلى دولة، والمشيخة إلى مؤسسات، كما حال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أما هيئة كبار العلماء التي يعينها الملك، فباتت ممثل دين الدولة الشرعي. لذلك بتنا نجد أن المؤسسة الدينية التي تحرّم التقارب بين الأديان مثلاً، هي نفسها التي تبيح التمثيل الدبلوماسي للدول الغربية في السعودية، وتبرر تعاونها مع «جيوش الكفار» في حرب الخليج. وعلى المنوال نفسه، نرى فتاويها حول سياقة المرأة مثلاً تتراقص بين الإجازة والمنع، بحسب ما يقتضيه الموال السياسي.
يتيح لك «إله التوحش» أن تفهم الأدوار ومتغيرات المرحلة، وأن تستوعب الفكرة الوهابية من متنها. في ضوء كل ذلك، ستدرك أن ما يجري الترويج له اليوم في السعودية على أنه إصلاح وعودة للإسلام المعتدل، ليس إلا إعادة تموضع للمؤسسة الدينية الوهابية في السعودية، وتجديد للفتاوى لتتكيف مع المزاج السياسي الجديد وتصبغه بالشرعية. هكذا يصبح نافذاً وواجباً للطاعة، ويكون هو التوحيد ودونه الكفر.
* ناشط بحريني.

 

رابط الموضوع

مثقفون يناقشون كتب الباحث البحريني علي الديري في بيروت

الميادين: نظم مركز أوال للدّراسات والتوثيق حفل توقيع لكتب الباحث والمؤلف البحريني د. علي الديري :”من هو البحريني؟” و”إله التوحش” الصادرين عن المركز، و”بلا هوية” الصادر عن مرآة البحرين، في مكتبة أنطوان في أسواق بيروت بحضور عدد من المثقفين والإعلاميين والنشطاء.

الحفل قدمته الزميلة وفاء العم التي أشارت إلى أنّه “انطلاقًا من الأسئلة التي طرحتها أماسيل، ابنته التي لم تتجاوز الاثني عشر ربيعًا (عند كتابة “بلا هوية”)، استطاع الديري أن يحول مسألة إسقاط الجنسية إلى معالجة لقضية الهوية، من يصنعها ومن يهدمها”. ولفتت إلى أن “أماسيل أخرجت الديري من حالة المفكر إلى الأب ونقلت أسئلتها من فلسفة الكلمات ودلالاتها إلى الأب الذي يبحث عن إجابات يقدمها لابنته ولأبناء المنفيين”.

DSC_4243

وأضافت العم أن “المعضلة الأساسية التي تشهدها البحرين” تكمن في “أن تجد نفسك فجأة بلا هوية، خارج الجماعة، وخارج الوطن”، مضيفة “أن تكون بلا هوية أو أن تُنتَزَع هويتك قسرًا هي بذاتها عملية توحش، سواء كانت تصب في التوحش العقائدي أو في التوحش السّياسي اللّذين نشهدهما، والهدف دائًما هو السّلطة”.

ولفتت العم إلى أن كتب الديري شاهد على مرحلة تحول في مسيرته، من الكتابة الفكرية الجامدة إلى الكتابة الحركية، حيث يمكننا أن نلحظ تغيرًا بين ما قبل انتفاضة العام 2011 وما بعدها، وما قبل المنفى في كندا، وما بعده.

بعدها، تتالت شهادات الحضور، مع الإعلامية نور بكري التي أشارت إلى حادثة لفتتها فقالت “استخدمت مصطلح “بحراني”، باعتبارها النسبة اللغوية إلى البحرين، ولكن الدكتور الديري اعترض، وطلب تعديلها إلى “بحريني”، نظراً إلى الحساسيات التي باتت الكلمة تفرضها”.

DSC_4259

وأضافت أنّه نجد في كتاب “من هو البحريني؟”، “توضيحًا للفرق بين المصطلحين، وكيفية تغيّر دلالات كلمة “بحراني”، لتحمل مضامين سياسية وطائفية وتثير الحساسيات، بعدما كانت تشير إلى السكان الأصليين للبحرين”،  وقالت إنّ “سؤال “من هو البحريني؟”، الذي يجيب عليه الكتاب الأخير للكاتب الذي يقدم إجابات على سؤال يطرح نفسه بقوة هذه الأيام: لماذا يبدو سهلاً إسقاط الجنسية في البحرين؟”

بعدها كانت شهادة رئيس منتدى البحرين لحقوق الإنسان باقر درويش، الذي رأى أن “كتاب “من هو البحريني؟” هو الوسيلة التي استطاع بها الكاتب أن يصفع قرار إسقاط جنسيته”.

DSC_4269

وخلال الجلسة، وجهت الزميلة راميا ابراهيم سؤالها للكاتب د. علي الديري عن الجمهور الذي يوجه إليه هذه الكتب، وعما إذا كان متورطًا في قضية صراع سلطة؟، شارحة أن هذا السؤال بديهي ويطرح نفسه في الأزمة البحرينية بين المعارضة والسّلطة حاليًا.

DSC_4272

وأجاب الدكتور الديري بأن “هدفه الأساسي في كتبه كمن في دراسة النّصوص التي أسّست لما يمثل هذا الكل أو الأنا، أي هذا القتل وهذا التّكفير وهذا الهدر لإنسانية الإنسان وحقه في الوجود”، مضيفًا أنها “قضايا تخص الوطن، ولست أستطيع تحديد ما إذا كنت متورطًا في ذلك، غير أني أتحصن بأدوات علوم الإنسان الحديثة من السّقوط في أي فخ طائفي أو معرفي أو عرقي”، موكلًا المهمة إلى التاريخ بالقول: “وكفى بالتاريخ شاهدًا”.

من جانبه رأى الدكتور حسين رحال أنّ “المثقف الملتزم هو الذي يدافع عن قضايا شعبه، وأن صراع المعارضة البحرينية والمثقفين البحرينيين حاليًا هو من أجل البقاء على قيد الحياة والمشاركة الرمزية ضد العنف الرّمزي الذي يُمارس ضدهم، والمتمثل في النفي وإسقاط الجنسية، بعد أن مورس ضدهم العنف المادي”، لافتًا إلى أن “تجربة الديري تبرز أنه على المثقف الملتزم أن يدفع ثمن أي من التزاماته”.

DSC_4238

وأشارت الإعلامية تغريد الزناتي إلى أن هذه الكتب، لا سيما كتاب “من هو البحريني؟” دفعتها إلى التّساءل بشأن مفهوم المواطنة الفكري، لافتة إلى أن “هوية المواطن تقع بين مفهومين: مفهوم المواطنة (أين وُلدنا؟ أين نعيش؟ أين أرضنا؟ أين أهلنا؟) وبين السجلات الرسمية النائمة في أدراج مكاتب الوزارات والحكومات”. وأضافت أنّ “مفهوم المواطنة تحول في البحرين إلى سَند يمتلكه الإنسان بحسب الأفضلية، وبحسب التقلبات السياسية أو المصالح الإقتصادية. هنا مواطنون فقدوا “ورقة الهُوية” لأسبابٍ سياسية، لاختلافات في الآراء والقناعات، وبسبب ممارساتِهم الفكرية. هنا أيضاً من نال “ورقة الهُوية” نفسها لنيل حقوقٍ لم يقُم أصحابُها بواجباتهم أصلاً لاستحقاقها. وكانت الهوية هدية لهم..”

DSC_4290

وقالت نحن “نحمل مسؤولية الإضاءة على أوضاع عامة الشعب، بعيداً عن مالك القوة صاحب الجلالة، بعيداً عن القصة التي يرويها الملك بما يخدم مصالحه وسياسة بطشه”، واستشهدت بقول للكاتب في مقابلة له على قناة الميادين “التعريف القانوني ليس مكتوباً على ورق، بل هو مكتوب بالدم” لتختم “هذا هو البحريني، شخصٌ ينشد الحرية، ويوسّع مجالَها العام بسلميتِه، ويغذي أرضَها بدماء شهدائِه، ويظلُ يحلمُ بوطنٍ حرٍ ومواطنة تحفظُ كرامته”.

وأعربت الدكتورة خولة مطر عن سعادتها “للقدرة البحثية العميقة التي نجدها في كتب الدكتور علي الديري والجهد الذي يسد الفراغات الناقصة في المكتبة البحرينية”،  مضيفة أنّه “حوّل الظّروف الصعبة إلى فرصة، وهو ما نحتاجه سواء في البحرين أو في المنطقة العربية ككل”. وشدّدت على “ضرورة أن يقرأ الجميع هذا الكتاب لأنه يشكل مرحلة مهمة من تاريخ البحرين غير معروفة حتى للبحرينيين أنفسهم”، وختمت بالقول إن “مثل هذه المشاركات ستصنع رجال ونساء المستقبل الذين سيصنعون التراث الحقيقي للبحرين”.

DSC_4317

من ناحيته، لفت محمد العصفور إلى أنّ انشداده إلى الكتاب انبعث من “معالجته لهذا التزاحم على حق الوجود الذي همّش البحراني حتى أنتج سؤالاً من هو البحريني، البحريني الذي كان مكان السخرة ومكان العسف من قبل الحاكم ومن قبل محازبيه، وجعل السخرة مظهرا مِن مظاهر طبقنة المجتمع وجعل السكان الأصليين في الدرجة الأخيرة في الوطن”.

DSC_4307

واستحضر العصفور في مداخلته كتاب القبيلة والدولة في البحرين، فقال إنّ “كتاب من هو البحريني يشبه ولا يماثل كتاب القبيلة والدولة، لفؤاد إسحاق الخوري، لكن كتاب خوري كتاب اجتماعي محض، كانت أدوات صاحبه أكاديمية اجتماعية صرفة وليست أدوات متطورة كالتي نملكها اليوم. أما كتاب الدكتور الديري فينطوي على سعة في المعرفة وتنوع في الأدوات، ويقوم على قراءة علمية وثيقة لوثائق الأرشيف البريطاني”.

رابط المقالة على قناة الميادين نت

«نسيج العمامة» أم نسيج وحده؟

4 

نسيج العمامة
حسين المحروس
المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2018

هو نسيج وحده، لا عمامة تشبه عمامته، هادئ تماماً من فرط الاطمئنان، لا تزلزله غير الكتابة، أخلص لها وحدها، اعتبرها أنثاه الوحيدة والأخيرة. النساء في حياته متعددات وهو لهن بقدر ما يهبنه خلوة الكتابة، الدرس الأول الذي يجب أن تتعلمه المرأة الجديدة في عالم السيد هو كيف تدخل عليه وقت الكتابة، أو بالأدق كيف تتركه في خلوة الكتابة، شعاره «الكتابة أحلى عندي من فتاة بكر في ليلة زفافها، أظل أكتب فلا أتوقف حتى يضطرب القلم في يدي. هذه علامة الوقت عندي».

فقد أمه وهو ابن سنتين وستة أشهر، فظل «يحن إليها حنين الشيء إلى نفسه» راح يبحث عنها في مياه ينابيع ماء البحرين الغزيرة، أخذ يلاحق صورتها المتخيلة في الماء المتدفق من عين قصّاري الشهيرة حيث النساء يجلسن على حواف جداول العين يمارسن طقوس الحياة بأشكالها المتعددة، لا بد من أن أمه جليلة بنت علوي القاروني القادمة من نهر الفرات وجدت في هذه الجلسات ما يأنسها ولا بد أنها باحت لماء البحرين بشوقها لماء الفرات، فأخذ سرها معه.

فقد أباه وهو ابن تسع سنين، عاش اليتم مبكراً من الجهتين، ورث نسيج عمامة أبيه، لكنه خرج عليه، هو وحيد أمه وأبيه، ولا بد أن يكون وحيد نسيجه، فقد أعطاه اليتم المبكر حرية أوسع، وأعطته التجربة زمناً أرحب.
ذهب الهند بتوصية من مستشار حكومة البحرين بلجريف، ليعود قاضيا مكان أبيه الذي تولى ثلاث مهمات دفعة واحدة: إدارة أموال القاصرين والأوقاف الجعفرية والقضاء.

فُتن السيد بمباهج الحياة وألوانها منذ طفولته، حين كان يتسلل من أبيه ليذهب مع ابن شعبان فوق حمارته إلى مدنية المنامة القريبة من بيتهم في بلاد القديم. هناك تعرّف أول مرة على الألوان والحياة بحركتها الدائمة في السوق، كسرت يده في إحدى المرات بعدما سقط الحمار أرضاً وسقط ابن شعبان فوق جسد الصغير، فافتضح أمره عند أبيه، فحظر عليه المنامة وحمارها لكن لم تُكسر رغبته، ظلت تشتعل حتى وجد امتداد سوق المنامة هناك في الهند في «لاكناو» حين وصلها في 1937 طالبا لعلوم آل محمد في حوزتها في مدرسة الواعظين. تعلم من خارج المدرسة الحياة من غير منهج، وتعلم من شيخه شيخ مدرسة الواعظين علي تقي بن أبي الحسن النقوي المنهج من غير حياة. فجمع في عقله وقلبه الحياة والمنهج. عاد البحرين مغموماً بعد سنتين بسبب الحرب العالمية الثانية حاملاً إجازة من شيخه «وإنه لشغفه بالعلم والبحث سيكون من علمائنا المحققين ورجال الدين المصلحين».

عاد مغموماً لأن ما تعلم هناك خارج المنهج لن يجده هنا، لقد تعلم كيف يوثق اللحظة في صورة، اكتشف سحر الضوء ولعبته، فراح يتعلم التصوير والتحميض، وعلى الطريقة الحوزوية راح يُدرّس ما تعلمه ويتعلم ما لا يعرفه، حتى إنه طلب من خادمه هناك أن يعلمه اللغة الانكليزية.

تعلم هناك خارج تقاليد المشايخ البحارنة في الحوزات الشيعية، كيف يركب دراجته النارية ويحرق بها نسيج برستيج رجل الدين، ويوم ضغت عليه الحكومة ليتسلم منصب أبيه في القضاء، وجد منجاته في دراجته، طار بها وسط ساحة المحكمة وأخذ يزمجر حارقاً هذه المرة هيبة رجل القضاء حتى اقتنع الجميع بمساعدة أستاذه الشيخ عبد الحسين الحلي أنه لا يمكن أن يكون قاضياً، فصار يجول بالدراجة نفسها قرى البحرين ومناطقها خطيباً للمنبر الحسيني رادفاً معه صانعه الذي يسقط به مرة ويخالف به قوانين المرور مرة أخرى مسجلاً لقب السيد أبو المخالفات المرورية.

لقد منح هذا السيد بما تعلمه سيرته حواساً، التقطها ناسج السير حسين المحروس، فاقترب منه دون أن يزعج خلوته الكتابية، قال له أريد أن أكتب سيرتك، فرد عليه السيد خذ هذا الكتيب الصغير فيه كل شيء من ترجمتي. قال له المحروس «لا يا سيد أنا أريد أن أكتب سيرتك،السيرة أكثر اتساعاً، في السيرة حركتك في المكان وحركة الزمان فيك».

لقد أبدع المحروس في كتابة حركة السيد في كل مكان مسّته حركته، مكان طفولته فقد جعل من عين قصّاري ماء سيرة، تروي تاريخ السيد وتاريخ بلاد القديم والمنامة والناس الذين عاشوا على ضفاف حركة مائها. وأبدع في كتابة حركة السيد في مكان دراسته في «لانكاو» حيث تفتح على مباهج الحياة، وفي مكان مكتبته حيث عالمه الرحب وعرشه المكين، وفي مكان محبرته حيث طاولته القريبة من الأرض إلى حد جلسته، وفي مكانه في بيت الياسمين حيث الحب فوّاح يدخل من كل مكان كرائحة الياسمين، لقد تتبع حتى حركة السيد في تسمية الأمكنة التي فيها أنفاسه: دار النسيم، دار الأرواح، دار الانشراح، دار المقام، دار السلام، دار البديع.

لقد اقترب كاتب السيرة من السيد كأنه راويتها، فإضافة إلى جلسات الساعة الثامنة التي كانت تجمع كاتب السيرة وصاحبها طوال سنوات، فقد لاحق المحروس حركة السيد في كل مكان وزمان، راح يبحث عن سيرته عند كلّ مصدر: زوجاته، أولاده، أحفاده، أقربائه، تلاميذه الصنّاع، مؤلفاته، دواوين شعره، دفاترها الصغيرة، خطبه المسجلة في أشرطة الكاسيت، مخطوطاته، ألبومات صوره الفوتوغرافية، ملحوظاته بخط يده خلف وأسفل هذه الصور، أصحاب الدكاكين والمحلات التي يعتمد عليها في تمويل منازله الأربعة وحاجياته اليومية كبائع الأغذية، الحلاق، وبائع الخضروات، بائع الأقمشة، وبائع الأحذية.

لقد أعيت هذه السيرة كاتبها طوال عقدين من الزمان، لم يزده تفرده المبدع بالسرد والتصوير إلا دهشة أكثر تجاه هذه السيرة «كلما تمادى [السيد] في السرد أخذني إلى ملامح سيرة رجل في أفق غير أفق الذين تصوروه. هذا الشخص المصنوع من هذا السرد أبعد بكثير مما في بالي من نسيج أية صورة».

رابط الموضوع على جريدة الأخبار

لماذا على كل بحريني أن يقرأ هذا الكتاب؟

HDR_5076

*حصة بنت خميس

لماذا على كل بحريني أن يقرأ كتاب (من هو البحريني؟ بناء الدولة وصراع الجماعات السياسية 1904-1929)، للكاتب البحريني المسقطة جنسيته علي أحمد الديري؟

لأن “ما مضى هو في المقدمة”، كما يقول شكسبير في مسرحيته “العاصفة”.

إذا كنت تسأل عن سبب عاصفة الحاضر، فابحث عن سرّ “ما مضى”. سرُّ العاصفة المدوّية التي لا تهدأ حتى تقوم كل عقد من الزمان. لا يمكن العبور إلى الحاضر ولا فهمه أو التعامل معه دون معرفة “ما مضى”.  فكيف إذا بقي الماضي من دون مواجهة تاريخية بين أطراف النزاع، وكيف إذا ظلّ عالقاً من دون اعتراف ومصالحة. وكيف إذا هو “لم يمضِ” إلاّ زمنياً فقط، وكيف إذا بقي الحاضر يكرر الماضي بأشكال مختلفة. كل ذلك يجعله في مقدمة الحاضر، لا خلف التاريخ. فهو أول ما يُرى، وأول ما تُعرف به العاصفة وتُقرأ، وهو ما يفسّر كل ما يحدث في الحاضر.

“من هو البحريني؟” كتاب يُقدم التاريخ الذي نجهله في الفترة بين عامي 1904 و1929، يقوله لا على لسان ذاكرة شفاهية متناقلة معرّضة للنسيان أو التضخيم، ولا وفق روايات نشكك أن خيالاً جمعياً مشحوناً صاغها بتحامل، بل عبر أرشيف ضخم للوثائق البريطانية، الأرشيف الذي وثّق كل ذلك التاريخ بتفاصيله الدقيقة، فيما الإمبراطوية الكبرى آنذاك، تعمل بحزم على إصلاح الأوضاع الداخلية لمستعمرتها الصغيرة، المشتعلة بالاضطرابات، حماية لمصالحها (بريطانيا)، وضماناً لأمن تجارتها، وشعارها “تجارتنا وسلامتكم”، تجارة بريطانيا ومصالحها وسلامة حكام المشايخ الخليجية.

إنه يضعنا في سياق السلطة السياسية الإقطاعية الحاكمة في ذلك الوقت (عهد عيسى بن علي)، وصعوبات إصلاحها، والتحول من مرحلة ما أسمته الوثائق بـ”اللاحكم”، إلى تأسيس إدارات الدولة من القضاء والبلديات، وإصلاح الميناء، وإعادة تنظيم قسم الجمارك، وإصلاح أمن السوق، وإنشاء قوة شرطة نظامية بدل الفادوية، وتعيين مستشار مالي للحاكم، والعمل على وضع موازنة الدولة وترشيد الإنفاق، وإصلاح المحاكم، والإصلاحات المتعلقة بصيد اللؤلؤ، ومسح الأراضي، والأشغال العامة، والتعليم.

إنها مرحلة الصراع من أجل تمكين الدولة من تكوين شخصيتها القانونية، ومحاولة فصل شخصية الدولة الاعتبارية عن شخصية الحاكم، وفصل جيب الدولة عن جيب الحاكم، وسلطة الدولة عن سلطة الحاكم. كيف فُرضت الإصلاحات السياسية في عام 1923 بالقوة وبموجب ما عبّرت عنه الوثائق البريطانية بـ”الإذعان” والامتثال للقرارات البريطانية، وليس برغبة الحاكم لمدة نصف قرن، عيسى بن علي، في الإصلاح.

يضعنا الكتاب في سياق ممانعات الإصلاح ومقاومتها، أسمتها الوثائق بـ”المكائد السياسية” التي مارستها المجموعات الممانعة للإصلاحات، وسعيها المستميت لإفشالها. تلك المجموعات التي وجدت في الإصلاحات إضراراً بنفوذها وسلطتها، وضياعاً لامتيازاتها التجارية والاقتصادية التي كانت تنعم بها دون مساءلة أو عقاب.

يأخذنا الكتاب إلى سؤال يبدو بدهياً تماماً: “من هو البحريني؟”، لكنّ ولادته لم تكن كذلك، بل محاطة بصراعات سياسية مريرة وطويلة. كيف ولدت شخصية البحريني القانونية؟ كيف أصبح له جواز سفر في عام 1929؟ يأخذنا الكتاب إلى الصراعات التي خاضتها القوى السياسية ليولد هذا البحريني، ليكون هناك قانون يسمّيه ويعطيه هوية ويحميه، إلى العرائض التي واجهت المظالم لتنشأ عدالة قانونية، ويتم الاعتراف بأبناء الوطن بشراً متساوين يخضعون لقانون واحد، ومحكمة واحدة وحكومة واحدة وشخصية اعتبارية واحدة. الإصلاحات التي لم يكن بدّ منها بعد أن وجدت بريطانيا أن الأمر وصل إلى حد ما أسمته بـ”الفضيحة”، فكان ذلك ملزماً لها بالمضي في إصلاحات تعطي (البحريني) حقاً وتمنع عنه ظلماً.

إننا أمام تفاصيل متأنية تروي كل هذه “المقدّمة”، لا بتناول تاريخي جاف، بل بطريقة روائية سلسة، تشعر معها وكأنك أمام مشاهد حيّة لفيلم متحرّك أكثر إثارة من سيناريو متخيّل، وأحداث أكثر إدهاشاً في كثير من الأحيان.

“ما مضى هو في المقدمة”، لقد نُقشت هذه المقولة على أحد مجسمات متحف الأرشيف الوطني الأميركي. فأرشيف كل دولة هو مقدّمة لحاضرها، وهو سرّ تقدّمها أيضاً. ومقدّمة الكتاب تقول أهم ما فيه، بل كل ما فيه. لقد صارت “مقدمة” ابن خلدون كتاباً لوحدها، وصارت أشهر من مؤلّفه الضخم الذي كتبها تقديماً له.

يمكن القول تجاوزاً، أن كتاب “من هو البحريني” بمثابة “مقدمة” مكثّفة، غنية، لأجزاء الأرشيف البريطاني الستة الضخمة المترجمة والصادرة مؤخراً عن مركز أوال للدراسات والبحوث. أقول تجاوزاً، لأن الكتاب يحفر عميقاً في قراءته لهذه الوثائق، وفي تناول إرهاصات الإصلاح وبناء الدولة خلال تلك الفترة، وفي الوقوف عند صراعات الجماعات السياسية ومواقفها تجاه تلك الإصلاحات. إنه الكتاب التي يحتاجه كل بحريني لمعرفة تاريخه الغائب، وهو مقدمته لفهم واقعه الحاضر. باختصار: ما مضى، تجدونه في هذه المقدمة.

الميادين: رابط الموضوع