يا هلال الدير.. في نعي الدكتور علي هلال

كنا صغاراً نحضر الاحتفالات الدينية في المسجد الغربي بقرية الدير. أستمع إليك بإعجاب شديد، يشدني صوتك الإذاعي الجهور، ولغتك الواضحة المخارج، وكلماتك المعربة، واستعاراتك البلاغية، ما كان ينافس ناصية منصتك عريف آخر. لكأنك كنتَ تقدم خطابا إذاعيا لجمهور ألف نبرات صوتك المميزة.

لم نكن نجرؤ على الاقتراب منك، أوحى لنا مدرسونا في المأتم الذين هم تلامذتك المباشرون، أننا نحتاج أن نرتقي أكثر لنكون في مقام القرب منك. لاحقا فهمت أن كلمة السر تكمن في (العلم) و(الثقافة)، لم تولع بشيء قدر تولعك بالكتب وعالمها وطلب العلم ومراتبه. من يريد الاقتراب منك عليه أن يعرف هذا السر ويعمل على فتحه.

جئت من بيئة شديدة الفقر، في المال والعلم والشهرة، حفرت فيها عميقاً وشققت منها طريقاً، صرت علامة فيه، ولم تنس أبداً أن تأخذ معك أبناء قريتك، كنت تحترق لتدفعهم نحو الطريق، ظللت بكلماتك تنير لنا الدرب، تستفزنا نحو المعرفة، تستحقر كل شيء لا يكون مضاءً بقنديل الكلمات. حقاً لقد كنتَ هلال الدير.

في هذه اللحظات أقرأ كلماتك الأخيرة لي بدموع حارقة، لكأني أفتقد أبوتك الروحية الملهمة، أسترجع تصبيحتك قبل أشهر وأنا أبشرك بقرب صدور كتابي الجديد (بلا هوية.. إسقاط الجنسية كما شرحتها لأماسيل)، فتفتح صباحي بنور كلماتك “أهلا دكتور أبا باسل، صباح الثقافة والتنوير، تلك بشرى في ترقبها”. وأدعوك لمحاضرتي في الصيف الماضي في العراق فتجيبني بلوعة الشوق “يا ليتنا كنا من الحاضرين.. دمت موفقا دكتورنا أبا باسل”.

كم هو حارق لقلبي أني لم أستطع أن أوصل لك هذا الكتاب، بسبب هذا الحظر الذي يمارسه وطني ضد كلماتي التي تهجيت مقاماتها البلاغية تحت منصة أستاذيتك. أسترجع صورك وأنت تحضر في بيتي حيث صالون هيبا الثقافي، حفل تدشين كتابي (نصوص متوحشة) ما كنتُ أنا حينها هناك، لكن صورك وأنت تضم الكتاب أعطتني إحساس الاحتضان، وكأني كنت أسمع تعليقاتك السريعة البديهة وضحكاتك التي تكشف جانبا من شخصيتك الشعبية المحببة.

أتذكر لحظات تحولي الفكرية في بداية عشرينياتي، كنت في مجلسك تحيط بي كتبك، أراجع معك أسئلتي الجامحة لندوة أردت أن أكون فيها فوق منصتك في المسجد الغربي من قريتنا، أردت أن أحاورك حول هواجسي المعرفية الجديدة، لم تجفل من أسئلتي ولم تكبح اندفاعتي، وكنتَ تتبسم وأنا أردد كلمة جديدة تعلمتها (الدوغمائية)، قلت لي هل تريد أن تخرج المعتقدات عن طبيعتها الجامدة، حينها لن تكون معتقداً، ستكون فكرة عابرة، خجلت من نفسي حينها وتعلمت من درسك الضمني ما جعلني أكثر ثقلاً وأنا أقارب معتقدات الآخرين.

أسترجع الآن، بروفايل الشيخ حمزة الأب الآخر الذي تربيت على أخلاقه الروحية الجميلة، حين انتهيت من كتابته “الشيخ حمزة الديري.. سيرة الحُسن الناقص” دفعته إليه، بانتظار أن تصحح شيئا أو تعدل تاريخاً أو معلومة فأنت مرجعنا في تاريخ القرية وتاريخ رجالها، بأدبك الجم كنت تخجلني، بكلمات لا أستطيع أن أكتبها الآن.

وأنا أُحدث باسل في هذه الغربة، كثيراً ما كنت أستمتع وأنا أسرد له سيرتي في القرية وسيرة أساتذتي وفضلهم الكبير في صناعة شخصيتي، كنت أتطلع إلى أن أعرفك به في زيارتنا القادمة للعراق التي عشقها باسل كما عشقتها أنت حتى صارت مهبطاً لروحك المشرقة، أتحسر الآن على رحيلك المبكر، قبل أن أتمكن من تقديمه إليك، باعتباره أحد ثمرات كلمات منصتك البليغة، لقد عشق (السر) الذي أودعته أنت في طفولتنا وربيتنا عليه.

سنبقى أطفالاً دوماً، نتطلع إليك من تحت منصتك، تدوي كلماتك في فضاء أرواحنا، تملأنا بالحماس لملاحقة النور وظلاله، سنكمل كتابة تاريخ الدير، وسندشن منصة هذا التاريخ تحت اسمك هلالاً مكتملاً.

السيد سلمان الموسوي يحاورعلي الديري: (المقدسة) هكذا تحضر الدير في قلبي ولساني

أجرى الحوار: السيد سلمان الموسوي*

للحصول على الحوار بصيغة pdf

ابن القرية الذي تقدّس حبّها في قلبه؛ بيت والده ذو الغرف الكثيرة المفتوحة على هواء البحر، بساتين الطفولة قبل أن يغتالها سراق الأراضي، بحر الدير الذي قضى طفولته في سواحله، مساجد القرية التي كانت وقع خطوات تدينه الأولى، مأتم جدته سلامة الذي كان أول صالون ثقافي ينظمه، أصدقاء الطفولة، خباز جده لأمه حجي طرار، كلّها تشكل حنيناً خاصاً في ذاكرة الدكتور علي أحمد الديري (مواليد 1971).

الديري الذي اسقطت جنسيته البحرينية بقرار رسمي في 31 يناير 2015، يفتخر بجذوره الضاربة في قريته الدير، ولا يسعده مثل أن يقدّم نفسه من خلالها، ويتمنى العودة لساحاتها يوماً ليؤبن صديقه الشهيد زكريا العشيري الذي كانت آخر جملة وصلته عنه:  “أخشى عليه من الاعتقال”.

كانت الدراسة الحوزوية هي جهة طموحه الأول، قبل أن تأخذه تحولاته الفكرية إلى جهة الفكر والنقد وتحليل الخطاب، وقبل أن يشتغل في تحليل الخطابات الدينية والسياسية. ذهب عميقاً في دراسته الأكاديمية وأنجز عدداً من الكتب بينها كتاب “خارج الطائفة” 2011 ، و”كيف يفكر الفلاسفة؟” 2013، وكتابه الجديد “نصوص التوحش” الذي سيصدر خلال شهر يوليو الحالي..

كيف تكوّنت شخصية علي الديري بين جنبات القرية وكيف نمت، وما هو النابض في ذاكرته عنها، ولماذا يحضر الدفء كلما حضر حديثه عن هذه القرية؟  من هي الشخصيات التي تفاعل معها داخل القرية وأثرت فيه؟ وإلى أين أخذته علاقته بالكتاب والكتابة؟ وأين هو الآن؟ وما مشروعه الكتابي الأخير؟.. هذا ما سيجيب عليه الحوار التالي مع (ابن قريتي) الدكتور علي أحمد الديري.

نتعرف على بطاقتكم الشخصية؟

علي الديري في مكتبة حسن أحمد سلمان، 1994

علي الديري في مكتبة حسن أحمد سلمان، 1994

لا أريد أن أعرف نفسي هنا من زاوية الكاتب أو المثقف. أود أن أقدم نفسي من خلال انتمائي لقريتي؛ فأنا أحب -بين فترة وأخرى- أن أطل على أهل قريتي حيث ذاكرتي الجميلة. كان العزيز أبو حمزة -عبر منتديات الدير-  يمنحني فرصة رائعة لإدارة مناظرات المرشحين البرلمانيين. المناظرة الأخيرة في 2010 وسط الساحة المفتوحة، القريبة من مسجد الخيف بالقرية، ما زالت عالقة أجواؤها في مخيلتي.  أتمنى العودة يوما لساحات القرية العامة، وأؤبن – من هناك – صديقي الشهيد زكريا العشيري.

ابن قرية الدير. لا أعرف امتداداً لعائلتي خارج هذه القرية، بيت حجّي عبدالله من عيسى (توفي  1963) هو بيتنا الكبير.  كان يضم عائلة ابنه حجّي عيسى (توفي في 18سبتمبر 2006)، وابنه جدي حجّي علي (توفي في  1992)، وعائلة ابن بنته آمنة: حجّي عبد الله بن محمد (توفي 1994).

تنوعت الألقاب في هذه العائلة: الشيرازي، مطر، حمندي. الأخير هو لقب الوالد (توفي في أبريل 2009)، الذي عرف به في القرية.  فقد والدته (ملكة) رضيعًا، وربته خالته، التي كانت تدلله وهو طفل وتقول له: أحمد حمندي؛ فصار لقبا عرف به، لكنه بعد أن كبر عُدّ هذا التدليل لا يليق به كرجل كبير، خصوصا أن الوالد معروف بشخصيته الجادة، وعصاميته في العمل، التي ورثها من جده حجّي عبدالله بن عيسى، الذي كان يعمل في تجارة اللؤلؤ. وأذكر هنا حديث والدي المستفيض عن جده، الذي شكل أحد واجهات القرية، ووجهائها في ذلك الوقت.

أنا شخصيا عرفتك من خلال نظارتك في إحدى المسابقات الثقافية؛ إذ كنت مقدما على ما أتذكر، و بعد ذلك قالوا الدكتور علي الديري صاحب المقالات في الصحف!! لمن هم على شاكلتي؛ هلا أوجزت لنا سيرتك الأكاديمية، وأهم المحطات فيها؟

النظارة إحدى علامات المثقف (ههه)، لكنها في الوقت نفسه؛ إحدى علامات عماه.  كثيرًا ما يصاب المثقف بالعجرفة والتعالي؛ فيعثر بما تحت رجله؛ لأنه لا يراه.  لا أنزه نفسي عن هذا العمى، وأجد في النظر إلى الناس، والتعاطي معهم  بصيرة أخرى، تعوضني عن النقص الذي تفضحه نظارتي.

بدأت مسيرتي مع النظارة في السنة النهائية في القسم العلمي بمدرسة الهداية. تحولت نحو المسار الأدبي في الجامعة؛ إذ التحقت بكلية الآداب/ جامعة البحرين، ضمن خطة المسير نحو الحوزة، لكنني أبصرت -بنظارتي- طريقًا آخر بعد تخرجي؛ فالتحقت بالماجستير في الجامعة نفسها، وأخذت شهادة الدبلوم العالي، وناقشت رسالة الماجستير في جامعة القديس يوسف ببيروت، وبعدها ناقشت أطروحة الدكتوراه في القاهرة.

تخصصي الدقيق هو مجال تحليل الخطاب. في الماجستير كنت أحاول أن أقترب من علم أصول الفقه، وأرى أدواته في تحليل الخطاب. وفي الدكتوراه، اقتربت من نصوص الفلسفة القديمة، والتصوف الإسلامي؛ محللًا طريقة بناء الخطاب الفلسفي والصوفي، عبر تحليل المجازات (التشبيهات، الاستعارات، الصور، القصص).

الديري.. لا بد أنك تحب أن تكون لصيقًا بالدير، وهي الأرض التي تعدها مقدسة. مَن مِن الدير كان صديقك؟ ولماذا؟ وهل بنيتم أحلاما بطلتها الدير؟ هل وضعت الدير أمام عينيك، وأنت تبدّل تخصصك؟

المقدسة، هي الصفة الملازمة للدير على لسان زوجتي (أم باسل). أحبتها كثيرا، وأحبت ناسها، وصرت أحب هذه الصفة، وعيشي خارج القرية منذ 2009، زاد من شعوري بدفء هذه الصفة. صداقاتي في القرية تمتد إلى سنوات دروسنا الدينية في المأتم.  أصدرنا أول تجربة صحفية في المأتم الشمالي (صوت المأتم).  كنا في صف الثاني الإعدادي.  كتبناها على ورق A4 بخط الصديق (جميل عبدالله)، وعنوان الغلاف زخرفه لنا الأستاذ عيسى المطوع.  كنت بمثابة رئيس التحرير، وفريق العمل هم أصدقائي: أحمد رمضان، وعقيل أحمد عبدالرضا، وهما الصديقان اللذان بنيت معهما مشروع مكتبة مشتركة، وصداقة مستمرة مدى الحياة.

في المرحلة الثانوية، ستتسع الدائرة لتضم: حسن إبراهيم سلمان، وعلي عبدالرضا، وحسين جاسم، وحسين أحمد عبدالله، ومع هذا الفريق سنكوّن ما يشبه أكاديمية سوبر ستار للخطابة الحسينية.  أحيينا موسمين؛ لإعادة عشرة محرم، وامتدت بنا الجرأة؛ لنقدم مجالس حسينية في مجالس القرية، منها: مجلس بيت حجي جمعة، ومجلس بيت حجي جاسم.  شخصيا لم أتوافر على صوت جميل، لذلك؛ كنت أقدم المحاضرة، وصديقي أحمد رمضان يقدم النعي والمقدمة.  ربما هذا السبب الذي جعل مواسم إحياء العشرة – لاحقا – تأخذ طابع المحاضرات التثقيفية في مأتم جدتي سلامة سلوم.

على الجانب الآخر، نمت صداقتي مع حسن أحمد سلمان، وجعفر الطعان، وأخذت – فيما بعد – طابعا ثقافيا. كنا نلتقي في مكتبة حسن ببيتهم، ونذهب بعيدا في القراءة والنقاش. علاقتي بالشهيد زكريا العشيري كانت تتقاطع بين هذا الفريق، وذاك الفريق. وفي المجمل دروس المأتم المسائية كانت تجمعنا كلنا، وشكل لنا أساتذتنا: أحمد مهدي، وعبدالنبي حميد، وجعفر حميد، وفاضل عباس أفقا تربويا ودينيا وأخلاقيا، وأجد أني ما زلت مدينا لهم. لا أنسى هنا شيخ حمزة الديري، الذي كان الأب الروحي لتربية دروس المأتم.

بما أنك اعترفت بقدسية الدير لديك أنت وزوجكم المصون، من خلال ما أوحت به إجابتكم عن الأسئلة؛ فيما يتعلق بتعيين الشخوص بحذافيرها؛ نسبًا، وذكر بعض صفاتها. من الممكن أن نسألكم عن أبرز الأمكنة، والشخصيات التي وهبت تلكم القداسة للدير في قلبكم، و لماذا؟

مشبعة ذاكرتي بكل شبر في الدير؛ بيتنا الكبير الذي كان أول بيت يبنى من دورين في القرية.  ما زلت أحتفظ بخارطته التي هندسها الوالد؛ الغرف الكثيرة المفتوحة على هواء البحر، والحديقة الداخلية، طلة البحر من على سطحه الواسع، قفص الطيور الكبير في مدخله، وألوان الطيور الغريبة، مكتب الوالد في الطابق الأرضي، والتليفون الأسود، وقرص الأرقام.

بساتين الطفولة قبل أن يغتالها سراق الأراضي، بستان العرادي، والشركة، وتنة، والغربية، وريا، وأم نخيله. بحر الدير الذي قضينا طفولتنا في سواحله، والمشي في جزره ومده. ساحات الصيد (الحبال) المفتوحة للطيور.

مساجد القرية لها وقعها الخاص في قلبي؛ المسجد الوسطي، صلاة الطفولة قبل أن يُجدد بناؤه، وصلاة المراهقة بعد تجديده ودروس (أبو هشام، محمد حسن إبراهيم)، وذكريات أصدقاء صلاة الفجر: حجي حميد بن غانم (ت2003)، وحجي محمد بن علي بن عيسى (ت2012 )، وحجي راشد بن علي بن عيسى (ت2012)، عليهم رحمة الله، مسجد الخيف، صلاة المرور للمقبرة، مسجد بردان الجيرة، وصلاة ما بعد المدرسة، وحلقة درسي لأول مجموعة درستها في القرية. المسجد الغربي، صلاة الجماعة والاحتفالات. مسجد الراهب؛ بدايات الدروس الدينية مع شيخ حمزة الديري، والتعرف على أول مكتبة فيه، بعد مكتبة الوالد.

                            مسجد الراهب بقرية الدير

خباز جدي لأمي حجي طرار، وتنوره الذي غدا صوته جزءا من ذاكرة طفولتي، في غرفة جدتي سلامة  سلوم. كان ظهر الخباز لصيقًا بغرفة نومها، وحين يهدأ صوت التنور، يدير الخباز الإيراني محمد والسيد إذاعة طهران؛ ليأتي صوت نشيدها الوطني الثوري، وبعده أخبار الحرب.

“الفلسفة القديمة”، “الخطاب الصوفي” وتحليل الخطاب؛ نتيجة طالب غيّر مساره العلمي، وتوجه لكلية الآداب؛ تمهيدا للدراسة الحوزوية!!  كان التوجه قويًا، والدافع أقوى،  والنتيجة مغايرة!!  ماذا استجد لتحدث تلكم النقلات الكبيرة بين الثانوية والدكتوراه؟

حدث ما يسمى بلغة المثقفين؛ (التحولات). المكتبة التي استعرت منها أول كتاب في حياتي، في مسجد (الراهب) هي نفسها التي أخذتني لكتب مكتبة (الإرشاد)، ومكتبة (الماحوزي)، والمكتبة (الإسلامية)، والمكتبة (الوطنية) في المنامة.  من هذه المكتبات كونت مكتبتي المشتركة الصغيرة في مجلس الوالد إلى جنب مكتبته (الإخبارية).

استهوتني الدراسات الأكاديمية؛ فلم أعد مولعا بالثقافة الأيديولوجية، ولا بالمعارف المغلقة. عرفت حينها أن المعرفة الحوزوية -على عمقها وثراء تجربتها- لن تحقق رغبتي المعرفية، بل حتى الدراسة الجامعية لن تحققها.  وجدت الأمر في القراءة الحرة، والجهد الذاتي، لكن الحنين إلى الحوزة عاد إليّ مؤخرا، وهو حنين لا يتعلق بحلمي بالعمامة؛ بل يتعلق بطريقة الدراسة نفسها.  الآلية الحوزوية، تتيح لك الذهاب عميقا، وواسعا في الكتب، وهي متحررة من القيود الإدارية، والامتحانات المقننة.  عليك أن تثبت ذاتك بتفوقك المعرفي الذاتي، دون الحاجة إلى شهادة.  كذلك علاقة المدرس بالطلبة متحررة من القيود الجامعية، مع ذلك؛ فإن فضاء المعرفة الجامعية -من حيث الانفتاح- أرحب وأكثر مواكبة للعصر.

ضمن هذا الحنين، زرت حوزة قم في 2013، والتقيت هناك شخصيات علمائية بحرينية، وغير بحرينية، وحضرت حلقة بحث خارج للسيد منير الخباز، وكتبت عن هذه التجربة تحت عنوان (منعطفات قم المقدسة ) التي أثارت تعليقات كثيرة، وظريفة.

 

علي الديري في حل توقيع كتابه (خارج الطائفة) في معرض بيروت الدولي 2011

 

دخلت عالم الصحافة، وتم ترشيحك لنيل الجائزة الأولى عربيا؛ كأفضل صحفي لفرع الثقافة عام 2009

أولا:  كيف دخلت، ومن كان يساندك؟

ثانيا:  ما هي الصحف التي كتبت فيها، بالترتيب، بداية بالأقدم، ومَن مِن الصحفيين تراه الأفضل؟

ثالثا:  كيف تقيم تجربتك الصحفية؛ من حيث الطرح؟

رابعا:  ماذا جنيت من الصحافة؟

في السنة الأولى من تخرجي من جامعة البحرين، فزت  بالمركز الأول بمسابقة كتابة المقالة في صحيفة الأيام، لكن علاقتي بالصحافة لم تبدأ من الأيام، بل بدأت من مجلة المواقف.  كنت أحرر صفحتها الثقافية أسبوعيا، لمدة ثلاث سنوات تقريبا.  في 1998، بدأت علاقتي بالقسم الثقافي لدى جريدة الأيام، حتى بداية تأسيس جريدة الوقت في 2006. كنت أحد المشاركين في تأسيسها. ابتكرنا أنا والفوتوغرافي الروائي حسين المحروس، والكاتبة باسمة القصاب قسما جديدا، أطلقنا عليه (بروفايل)، وهو ملحق أسبوعي من أربع صفحات، وأحد أعداده كان مخصصا لـ (قرية الدير).  كان (بروفايل) تجربة جديدة في الصحافة، وأسلوبا مغايرا في الكتابة عن المجتمع، وثقافته، وتحولاته.  وعلى منوال هذه التجربة كتبت في مايو 2008 تحقيقا من ثلاث حلقات تحت عنوان: (في انتظار تركيا: من يقتل أتاتورك؟) وقد أعلن نادي دبي للصحافة، الذي يمثل الأمانة العامة لجائزة الصحافة العربية عن أسماء المرشحين الثلاثة للفوز بجائزة الصحافة الثقافية، وكنت من بينهم.

لم أعمل ولا يوما صحفياً، بل إنني لم أحب -يوما- العمل الصحفي. كنت أقيم علاقتي بالصحافة عبر الصفحات الثقافية، ومقالات الرأي.  أحب -في الصحافة- مقالات الرأي. أجد في المقالة وسيطا بين ما أقرأه في الكتب والبحوث، وما أعيشه من أحداث وتغيرات.  هذا من جانب، ومن جانب آخر؛ القارئ، والرأي العام، والفضاء المشترك. أشعر بمتعة في كتابة المقالة.  صفحات الرأي تعطي مؤشرا عن حرية الصحافة في أي بلاد، وقد لمست ذلك عمليا في الصحافة البحرينية. تحولت مقالات الصحف البحرينية بعد 14 فبراير، إلى مقالات تحريض، وفتنة، وقتل، ومنافسة في إعلان الولاء للسلطة، والبراءة من منتقديها.  الصحافيون صاروا على دين ملوكهم.

يسجل بلجريف في يومياته، في 19 سبتمبر 1954: كتب سموه، ليقول: أغلقوا (صوت البحرين) إلى أمد غير محدود.  بعد 14 فبراير، كتب أيضا سموه، ليقول: أغلقوا صوت الصحافة إلى أمد غير محدود.  أريد أن أسمع الصحافة التي تردد اسمي فقط.

للعالم الافتراضي سطوته -التي لسعت؛ بسوط التواصل السريع، الحاضر مع الإنسان في كل حين-  التثاقفَ الورقي الذي لا يتاح للناس جميعًا؛ بحكم طبيعته الجامدة، التي تحتاج للسعي الحثيث. منتدى الدير.. ما هو رأيكم فيه؛ من حيث الادارة، والكوادر، والتأثير؟ وهل كُنْتُمْ ضمن الشخصيات المقنعة الساعية للخير من خلال المنتدى؟ هل المنتدى -لو استمر- سيكون مؤسسة كالصندوق مثلا، من حيث القوة المادية؟

يكفي منتدى الدير أنه اقترن باسم شهيد كان شعاره: “أنا إنسان قبل أن أكون شيعيا”. المنتدى اقترن بشهيد، وبسجن، وتعذيب عائلة كاملة، هي عائلة مؤسس الموقع العزيز أبو حمزة (أحمد الديري). في نهاية 2011 قدمتُ ورقة في مركز البدائل في مصر، حول فضاء الانترنت في البحرين والثورة: منتديات وتويتر ومدونات وفيسبوك.

منتدى الدير، فتح قسما خاصا بثورة 14 فبراير، كما فعلت أغلب المنتديات في معظم مناطق البحرين.  تم إخماد صوت المنتديات، بعد دخول درع الجزيرة؛ ففقدت البحرين مصدرًا مهما من مصادر الفضاء العمومي.

شكل منتدى الدير ساحة نقاش افتراضي، ضمن فضاء القرية، وضمن الحدود الممكنة اجتماعيا.  اضطلع بدور مهم في تشجيع الناس على النقاش العام، وطرح قضاياهم المحلية. أنا مع تشجيع هذه الفضاءات، ومع بقائها حرة دون أن تتحول إلى مؤسسات.

نبقى في “الانترنت”، وانتشار المدونات، وما شكلته من واجب يقوم به المثقف، وهي بمثابة عناوين بها مجالس المثقفين!! ما هو تاريخكم مع المدونات، و كيف ترونها من حيث الحفظ.  أي هل تثقون بها؛ بمعنى الاستغناء عن الورق؟

قبل يومين، كنت أتصفح – صدفة – أرشيفي الإلكتروني.  وجدت صورة لخاطرة كتبتها في 16 سبتمبر 1989 تحت عنوان (القنبلة الخمينية)، وأخرى كتبتها، وأنا في نهاية المرحلة الإعدادية في 13 سبتمبر1986م  تحت عنوان (عاشوراء).  أظن أنني نشرتها على مجلة الحائط، بالمسجد الوسطي في القرية.
في الكتابة؛ تنقلت عبر عدة وسائط، من مجلة الحائط بالمسجد إلى مجلة (صوت المأتم) إلى الصحافة البحرينية لاحقاً، ومنتدى بحرين أونلاين، ثم كتبي بعد ذلك، ومدونة هوامل والفيسبوك وتوتير والانستجرام و….

ما كان لي أن أعثر على ورقة موضوعي الأول في حائط المسجد الوسطي، لولا وسيط الصورة الذي مكنني من الاحتفاظ بقصاصة الورق عمراً مديداً.  أنا أحب جميع الوسائط، وأجدها تخدم الكلمة والرأي.  وكل وسيط يأتي؛ لا يلغي ما قبله؛ بل ليوسع ما قبله، ويضيف له.

“هل كان هيبا مثقفا أم راهبا؟”، “هيبا تلبسني”. نشاط ثقافي بدأ في العام 2009م. كيف نشأ؟  وما هي دوافعه؟  ومن هم أعضاؤه؟  وهل كان هو الأول؟  وكيف سيكون نشاطه المستقبلي؟ ولماذا لم تفكر في إنشاء مثيل له في الدير؟

شعار صالون هيبا الثقافي، 2009

منذ نشاطي في القرية، اعتدت جلسات التثاقف.  مأتم جدتي ربما يكون أول صالون ثقافي، عقدت فيه أنشطة ذات طابع فكري وديني. لاحقا؛ يتطور الأمر في مجلس الصديق حسن أحمد سلمان، مع الصديق جعفر الطعان، وأحيانا معنا الشهيد زكريا العشيري. أتذكر أن كتاب (العدل الإلهي) للشهيد مرتضى مطهري من الكتب، التي عكفنا على مناقشتها، وربما المرة الأولى التي سمعت فيها بالدايلكتك وصراع الأضداد، هي في هذا الصالون، وعلى لسان جعفر الطعان؛ الذي كان مميزا في قراءاته، ودؤوبا في جلده على استكمال الكتب الصعبة، ولعل أحدها الكتاب الفلسفي لعادل ظاهر (الأسس المنطقية للعلمانية).

هناك تجارب لصالونات ثقافية أخرى، لكن ربما يكون (هيبا) هو أكثرها، ليس أهمية؛ بل استمراراً. استمر من 2009 حتى حراك 2011. هو جلسة شهرية؛ لنقاش الكتب الفكرية، حضورها من الأصدقاء وزوجاتهم. أجواؤها فكرية واجتماعية. توقفت بعد مغادرتي البحرين.

في بيروت أصبح لدي (صالون 14 فبراير). خصصته لتاريخ البحرين وإشكالاته. عقدنا فيه أكثر من خمسين جلسة، وأتاح لنا معرفة تاريخنا السياسي بشكل أكثر عمقا، وهو يعمل بنظام المواسم الثقافية، كل موسم يستمر أربعة شهور. عناوين المواسم: إصلاحات 1923 ونشوء الدولة الحديثة، غزو البحرين 1783 حتى بداية القرن العشرين، البحرين في عصر الدولة الصفوية والحركة العلمية، عبدالرحمن الباكر وأحداث الهيئة 1954م.

لا أفكر أن أنشئ صالوناً بالدير المقدسة؛ فالتقديس يجعلك تحب الشيء، أكثر مما يجعلك تختلف حول الشيء، وأنا أريد أن أبقى على هذا الحب المقدس مع قريتي. منذ أن تحول نشاطي من القرية إلى خارجها، قررت ألا أخوض أي معركة فكرية داخل القرية، ليس لأن القرية لا تتحمل الاختلافات الفكرية؛ بل لأنني أحب أن أبقي علاقتي معها، خارج ما أنا خرجت إليه؛ من أفكار، وتحولات.

“وخير جليس في الأنام كتابُ” بعيدًا عن الناس.  يحتاج المفكر لخلوة مع نفسه، أو مع كتاب يستريح معه من عناء القضايا الكبرى، وتكون بمثابة الاستجمام الفكري، وراحة الأعصاب، التي يستعيد معها المفكر نشاطه. مع أي الكتب ترتاح وتحس بأنك تستلقي على شاطئ البحر، و لا تريد النهوض! كم ساعة تقرأ وما هي خطتك للقراءة اليومية؟ هل تقرأ الكتاب أكثر من مرة؟ أي كتاب علقت فيه ولم تخرج منه؟ بماذا تنصحنا عند القراءة؟

الكتب -غالباً- ترتبط عندي بالصخب. ليس صخب الأفكار فقط، بل حتى الصخب الخارجي؛ فأنا لا أحب القراءة، ولا الكتابة في هدوء. كتب كثيرة قرأتها أثناء التنقل في المواصلات العامة. أتذكر قراءاتي في باص الجامعة، في رحلته الطويلة من منطقة الصخير إلى الدير، وأتذكر عناوين الكتب التي رافقتني في باص 4 الشهير بين الضاحية والحمرا في بيروت، وأحتفظ ببعض آثار المقاهي التي قرأت فيها وكتبت فيها.  أحب أن أسمع حركة الناس، وأنا أقرأ أو أكتب. ليست لدي ساعات محددة للقراءة، ولا أحمل معي الكتب لغرفة النوم، ولا الحمام، لكنني أطمئن كثيرا حين يكون الكتاب معي في أي مشوار طويل.

في كل مرحلة من حياتي أتعلق بكتاب لفترة ما، وأتجاوزه بعد مرحلة.  لفترة تعلقت بكتاب دستغيب “القلب السليم” وفي أخرى بكتاب محمد باقر الصدر “أئمة أهل البيت تعدد أدوار ووحدة هدف”، ومرة بكتاب عادل الأديب “الائمة الاثنا عشر دراسة تحليلية”. بعد ذلك وجدت في كتاب علي شريعتي (التشيع العلوي والتشيع الصفوي) أفقًا جديدا في القراءة. لاحقاً وقع علي كالمطرقة كتاب محمد أركون “الفكر الإسلامي .. نقد واجتهاد”، ولا أنسى هنا كتاب نيتشه “زرادشت”. على مستوى التراث، تعلقت بكتاب ابن عربي “فصوص الحِكَم” و”الفتوحات المكية”.  لقد أعدت بناء مكتبتي التي كانت ثلاثة رفوف في مجلس الوالد أكثر من أربع مرات، في أماكن مختلفة، لن تكون آخرها هنا في شقتي بالضاحية، بحي الأميركان.

مثّل لي كل كتاب من هذه الكتب؛ حقلا أو بستانا معرفيا. قضيت فيه حقبة ثقافية جميلة. كنت أرى الأشياء من خلال الكتب التي أقرأها. حالياً صار الكتاب يساعدني في رؤية الواقع وتحولاته، لكنني لا أعتمد كليا عليه، في فهم ما يجري.

“سلامة سلوم”، هو عربون المحبة بيني وبين ابن “ديرتي”، الذي لم يحالفني الحظ للقائه، وهو كتاب بمثابة إبراز الهوية، والانتماء للأرض. وما هو جديدك بعد كتبك الخمسة التي كان آخرها ” كيف يفكر الفلاسفة “؟

كتاب “جدتي سلامة سلوم” بمثابة تحية إلى جدتي، وجيلها، وتحية إلى قريتي؛ حيث تكونت سيرتي من خلالها، وخلال مأتمها، ومجلسها، ونساء القرية الطيبات.

كتابي الجديد هو “نصوص متوحشة.. التكفير من سنة السلاجقة إلى سلفية ابن تيمية”.  وفيه أقارب نصوص التكفير؛ كنصوص سياسية لا فقهية.

في هذا الكتاب أحاول قراءة نصوص التكفير قراءة تاريخية، في ثلاث بيئات سياسية، استخدمتْ التكفير ضد أعدائها: بيئة السلطة السلجوقية (القرن الخامس الهجري)، من خلال نصوص الغزالي، وبيئة سلطة الموحدين (القرن السادس الهجري) من خلال نصوص ابن تومرت، وبيئة سلطة المماليك (القرن الثامن الهجري) من خلال نصوص ابن تيمية.

يتغذى التكفير – الذي تستخدمه داعش اليوم وأخواتها – من هذه النصوص. على سبيل المثال تغذي هذه النصوص منظر داعش الشرعي (تركي البنعلي) الذي وجدت صورته إلى جانب صورتي في الصفحة الأولى، في الصحف المحلية، تحت عنوان واحد هو: قائمة المسقطة جنسياتهم.

كنت أتساءل في مقدمة الكتاب: ما الذي يجمعني به؟  ولماذا هو يشرع قتلي؟  ومن الذي يشرع له ذلك؟ وما علاقته بهذه النصوص التكفيرية التقتيلية؟

المحيط الذي يجمعنا بمن نحب، وما نحب، وبمن نكره، وما نكره، يترك أثره في النفس والعقل والجسم… في كلام موجز:  ماذا يعني – بالنسبة لك – كل مما يأتي من أسماء على حدة:

1. مسجد “بردان”

أشتاق لسجادتي هناك، وصوت أذان الحاج حسن حسين وقت الفجر.
2. الحاجة صباح “أم علي”

تكسرني دمعتها، ولا أكبر في حضنها، الذي يشهق بي؛ حنانا، وشوقا، وكلمات متصلة بالسماء.

3. جريدة الوقت.

الرفقة الجميلة، والحلم بصحافة وطنية،وملحق بروفايل الفريد.
4. الشهيد زكريا العشيري

ما زالت جملته الأخيرة قبل اعتقاله تبكيني ” الله يحفظ دكتور علي منهم، أخشى عليه من الاعتقال”.
5. أماسيل وباسل

أعز ما يُطلب. لا أدري كيف سيرويان قصة غيابي عنهما. أحفظ لحظات الوداع المشحونة بالدمع، في كل مرة يغادراني ذاهبين دوني للوطن.
6. أرسطو طاليس

فهمت من خلاله (التكفير الأعوج) لكني مدين لأستاذه سقراط أكثر؛ فقد تعلمت منه الحوار، وتوليد المفاهيم، دون قوانين المنطق الأرسطي الصارمة.
7. دوار اللؤلؤة

أبدع البحرينيون في صناعته. جعلوا منه معمارا مخلدا في التاريخ، كمسلات الفراعنة وأهرامهم.  أخرجوه من الجغرافيا، بعد أن هدمته السلطة، وأدخلوه التاريخ بعد أن صار رمزهم.
8. خباز طرّار

قرص الخبز الساخن، وجبن المثلثات الذهبي اللذيذ، وذكرى جدي حجي عبدالحسين طرار، وفريق دكان سيد حميد.
9.لبنان

ما زالت جغرافيا الجبال الخضراء المسكونة تثير دهشتي فيه. أحب صعود جباله، وأحب حضن ضاحيته التي منحتني (كل شي).

10. الصالونات الثقافية

سأظل أحب إعادة تأسيسها في كل نقلة وتحول. لن أتوقف عن تكوين صداقاتي فيها. صداقاتي مع الأفكار، والكلمات، والأشخاص الذي يشاركونني غوايتها.

*سيد سلمان الموسوي، ناشط مهتم بتوثيق تاريخ قرية الدير، ويعمل عبر حسابه في الإنستجرام على نشر كل ما يتعلق بتاريخ القرية ووثائقها.

جعفر السويدي أرشيف الدير

سفرة الحاج علي النير (1917-1985) في قرية الدير، تصوير جعفر السويدي

 

“من يملك الصورة يملك الدليل” بهذه الجملة كان جعفر السويدي يفتتح سيرته التي هي سيرة أرشيفه الذي حفظ فيه وجوه قرية الدير طوال الخمس والثلاثين سنة الماضية.

أرشيفه هو الشاهد الأكثر دلالة على ما كانت عليه القرية وما كان في القرية. يحتفظ به ويتحفظ عليه حد الحرص المبالغ فيه، يبدو كمن يملك وحده دليلاً على حياة أو موت، ويخشى عليه من الضياع، كي لا يضيع الشاهد الذي سيروي لمن سيأتي بعده هذه الحياة أو الموت. كان يحدّق في جوه القرية وهي على وشك أن تغادر حياتها القديمة إلى حياة جديدة، أراد لهذه الحياة الجديدة أن تكون بذاكرة ضوؤها متوهج الصور.

كيف كوّن جعفر السويدي دليله؟ وما الوجوه التي يدل عليها؟ وما قيمة هذا الدليل للقرية اليوم؟

يروي من دون أن تسعفه ذاكرته على تذكر أرقام السنوات “كنا خمسة أصدقاء تجمعنا القرية والمدرسة، أنا وسلمان هلال وشريف السيد حسن وعلي داوود وعباس جعفر أحمد، قررنا أن يدفع كل منا يومياً 25فلساً من مصروفه الشخصي من أجل شراء كاميرا تصوير ضوئي. حين بلغ رأس المال 800فلس ذهبنا إلى استوديو المحرق للأفلام الملونة، ومن هناك امتلكنا لأول مرة كاميرا تصوير ب800فلس.ظللنا نجمع 25فلساً من أجل شراء أفلام الأسود والأبيض وتحميضها.صورنا طفولتنا الشقية وظلت الكاميرا تنتقل بيننا والصور كذلك، وفيما كان زمن الهواية ينتهي في نفوس أعضاء شركة كاميرا 800فلس، تفردت أنا بينهم باستمرار هوى الصورة في روحي، فرحت أمعن في هواها.

حين بدأت الألوان تفصل تقاسيم الصورة، لم أجد شركة أكون من خلالها رأس مال يمكنني من شراء كاميرا ملونة، ولأني كنت أذهب بعيدا في شغفي بالصورة وهي تؤرشف الوجوه وحياتها في القرية، فقد استعنت بكاميرات الأصدقاء، كاميرا حسن عيسى، وإبراهيم عباس سلمان. كانا كريمين معي، وأنا مدين لهما بهذا الكرم. لقد بدأت صوري الملونة من عدستيهما، بدأت أأرشيف ألوان القرية. صارت صوري ملونة على الرغم من أن القرية كانت ذات لون واحد، لكنك حين تلوّن الواحد تبدو أكثر استجابة لضوء الشمس.

بعد شركة 800فلس وبعد عصر الاستعارات، صارت لي كاميرا خاصة، إنها كاميرا (ألمبس) ذات الفيلم المزدوج، إنها تمكنك من أن تجعل فيلم 36صورة فيلم 72 صورة. اشتريتها في نهاية السبعينيات وبدأت رحلتي المستقلة في أرشفة تاريخ الناس في قرية الدير.

لم تكن الكاميرا هي المشكلة الوحيدة في إنجاز هذا الأرشيف، فالكاميرا لا تشتغل في ضوء الشمس وحده، لكنها تشتغل في ضوء الثقافة أيضاً، وهو ضوء لا يمكنك أن تتجاهل تأثيره في صورتك، بل هو الذي يتحكم في وجودها وعدمها. كان ضوء ثقافة القرية في ذلك الوقت، يجد في ضوء الكاميرا انتهاكاً لمحرم، كما كان يجد في صوت الميكرفون انتهاكاً لمحرم، إنها الثقافة الإخبارية التي أرسى الشيخ إبراهيم المبارك تقاليدها في القرية.

عليك أن تخفي ضوء كاميرتك وإلا أحرقه ضوء الثقافة، إنه أقوى من أي ضوء، يتحكم في ما تصوره وما لا تصوره، وفي ما يستحق التصوير وما لا يستحق التصوير وفي الحدود التي يمكنك أن تصلها بضوء كاميرتك، ويتحكم في ما يمكنك أن تعرضه من صور اختلستها كاميرتك على حين غفلة.

كنت أجد في وجوه كبار السن صورة القرية الأكثر تهديداً بالنسيان، وجوههم دليل القرية، الدليل الذي يمكنه أن يخبرنا عن الذين مرُّوا من هنا. كانت هذه الوجوه هي الأكثر ممانعة، فهي الوجوه التي يشع منها ضوء ثقافة القرية كأقوى ما يمكن. لذلك لم يكن ضوء كاميراتي يلقط طبقات ضوء وجوههم إلا على وجل وخوف. كنت أكمن لهم خلف الجدران وخلف النخيل وخلف وجوه الشباب، كنت أرقب رجلي أكثر مما أرقب عدستي، لأن الصورة تحتاج إلى رجلي أكثر، فما ينتظرني هو الفرار بأقصى سرعة ممكنة من موقع التصوير كي لا يكتشف وجه مضاء بثقافة المنع ضوءك فينالك النَصَب.

لن تجد في أي صورة من صور وجوه أرشيفي، وجهاً ينظر في عدستي، ولا جسداً يتهيأ لجسد كاميراتي، جميعهم لا ينظرون بل يتهجسون طريقهم. هذا ما يجعل التصوير مغامرة محفوفة ليس بوجوه الناس، بل بوجوه المخاطرة، الوجه لا يسلمك ضوءه الخاص في ثقافة تتحفظ على بصيص ضوء يأتي من غير جهة الشمس.

في المغامرة يكون الوقت مفتوحاً على التوقع، لا تدري متى ستحين اللحظة المناسبة التي تمكن ضوءك من التقاط حركة ضوء الوجه. في مغامرتي لتصوير الحاج حسن علي كاظم، بقيت ساعتين أترقب خروجه من المسجد ظهراً حيث يكون الممر الذي يسلكه خالياً من المارة والوشاة، كنت أتحين لحظة توحده في الممر ظهراً، ظللت أرقب المكان طوال هاتين الساعتين وأنا بين تهيئة الكاميرا وبين إخفائها وبين الخوف والقلق. وبين التعويل على ضعف بصره والحذر من قوة بصيرته. مازالت الصورة تأرشف ليس فقط وجهه الأبيض المشوب بحمرة جميلة، بل ما زالت تحتفظ بأرشيف حالتي لحظة تصويره. لذلك فأرشيف الصورة يحتفظ بضوء الوجوه وضوء ثقافتها.إنها دليل على الضوء وثقافته.

المغامرة الأكثر إثارة كانت تصوير خالي الذي كان بمثابة الوالد حجي علي النير وزوجته وقطته فوق سفرة الغداء. لا شارع هنا أتخفى فيه، إذا كانت  الكاميرا تأثم مرة بانتهاكها ضوء الوجه فإنها تأثم مرتين حين تنتهك ضوء وجه امرأة أو شيئاً من جسدها مهما كان هذا الشيء قد بالغ في تستره.كانت الألفة التي تجعل من القطة تأكل على السفرة نفسها التي يأكل عليها خالي وزوجته مثيرة لضوء كاميراتي، وجدت فيها بحسي الأرشيفي أنها ستكون دليلاً على ألفة هذه الحياة التي توشك أن تتحول إلى ألفة أخرى ربما لا يجتمع فيها اثنان على مائدة واحدة، فضلاً عن أن تجتمع معهم قطة وديعة.

وجدت أن الاختباء أسفل سرير غرفتهما قبل الغداء بمدة سيمكنني من التقاط الصورة من مسافة أكثر ألفة لسفرتهم. كان الجو صيفاً وحين ضرب ضوء الفلاش عيونهم علق خالي: يا سبحان الله ما هذا البرق في الصيف. أغراني تعليقه بأن آخذ أكثر من صورة لمائدتهم التي لم تكن تعرف البرق بقدر ما كانت تعرف السكينة.

كان خالي الصديق المقرب جداً من شيخ حسين ومن ثقافته الإخبارية المحافظة. وهذا ما ضاعف من مغامرة تصويره.

كانت وجوه كبار السن هي الوجوه هي الأكثر استعصاء على التصوير، أما وجوه النساء فقد كانت خارج الضوء.حين بدأت المدارس تفتح ضوءها للجيل الجديد، صارت الصورة تأتيني، صرت معروفاً في القرية أنني أحتفظ بالصور الشخصية والتي كانت في حينها غير الملونة، كان ضوء المدارس يلتقط ضوء الوجوه الشابة من غير حاجة إلى مغامرة. لم أكن أذهب أنا لهذه الوجوه، كنت أضعها في أرشيفي في ألبوم خاص، كما كنت أضع صور وجوه كبار السن في ألبوم خاص. كل ألبوم يحكي ضوء جيل مختلف.

لقد لاحقت بكاميرتي ألمبس آخر ما تبقى من وجوه القرية: الأعراس القديمة حين كانت فرق الغناء الشعبي والليوه جزءا أصيلاً من الحفل، وبساتين القرية قبل أن ينالها التصحر والغزو العمراني، وسواحل القرية قبل أن يصادرها الدفان، وبعضا من عيون القرية، وجزيرة خصيفة قبل أن تتحول إلى قاعدة عسكرية، والألعاب الشعبية، ومساجد القرية ومآتمها ومقبرتها وعمرانها، وبدايات صحوتها الدينية.

لقد كانت وجوه الناس كلها في أرشيفي، وهذا كان مصدر قلق وخوف بالنسبة لي دوماً خصوصا  حين تشتد الأحداث السياسية وما يرافقها من إجراءات أمنية، حتى إني اضطررت في إحدى السنوات إلى دفن جزء من أرشيفي تحت الأرض خوفاً عليه وعلى وجوه الناس التي فيه، من أن ينالها ظلام لا ضوء بعده.

في بداية الثمانينيات حين بدأت الكاميرا ترصد الحركة، استعنتُ بكاميرا فيديو وسجلت ثلاثة أفلام وثائقية، الأول عن الألعاب الشعبية في القرية، والثاني مقابلات مع من تبقى من رجالات الغوص، والثالث عن رحلة مع بحارة قرية الدير، صورت فيها عملية جمع الطحالب (الحشيش) وتجهيزه وإيصاله إلى السفينة، ثم عملية الإبحار التي تستغرق 14ساعة، وما يبذل فيها من عمل وجهد بأيدي بحرينية خالصة.

   * من ملحق بروفايل جريدة الوقت