في رثاء موسى النهام، من(دريشة أم كريم) إلى حلقة (السكسبوي): جواااااب

 

رحل اليوم آخر سلالة (دريشة أم كريم)، الجار الطيب موسى النهام، ابن الطيبة جارتنا التي توفيت مطلع 2017، إنه “نسخة في البساطة من أم كريم، الدير فقدت أحد صناع الابتسامة” هكذا اختصر لي الصديق الشاعر سيد سلمان الموسوي، شخصية الفقيد، وجوم كئيب سيطر على قرية الدير أمس، كان صباحًا ثقيلا عليهم، تحدثني أمي في نهاية اليوم البحريني، ومنتصف اليوم الكندي عن هذا الصباح، تقول، كانت زوجة أخيك مختار خارجة لعملها في المستشفى، استوقفها صديق الفقيد على عتبة بيت أم كريم، رأى في لباسها الأبيض بارقة أمل، قال لها لو تساعديني في التأكد من حالة حرجة، فعاينتْ الموت بنفسها، هكذا شاء القدر أن نسدل الستار على آخر أبناء جارتنا الطيبة.

في السنوات الأولى من الهجرة البيروتية، كانت أمي تلوذ به، لتمرير شحنات الوزن الزائد من حبها وحمولاتها المرسلة لي عبر مطار البحرين، تعرف أن الدريشة التي بيننا ستدفع ولد أم كريم، لتمرير ما تريده الجارة، هكذا وجد قلب الأم حيلته لإيصال ما تريد من سمك ومأكولات وحاجيات لابنها المهاجر. صارت قصص الوالدة مع الفقيد مادة للضحك والسرد في البيت، فكل ما مرت شحنة كانت تتمادى في الطلب، ولا يجد الجار الطيب منفذا له للهرب أو التهرب منها.

تختم الوالدة مكالمتها، بتوصية ضرورة كتابة تأبين في حق الجار، فألوذ بالصديق عبدالحسين المتين، لأستكمل منه مأثورات الجار الفقيد، يتنهد تنهيدة الفاقد ويقول: العزيز موسى من مؤسسي حلقة (السكسبوي Six boys) الشهيرة في قرية الدير، لم يغادرها منذ بدايتها في 1982 وحتى رحيله، هو مكتشف رادودها جليل المتين، سمع مرة صوت أذان جميل في مسجد بردان القريب من بيتهم، تتبع الصوت حتى وصل المحراب، فشاهد أخي جليل، أطلق ابتسامته المعروفة: نسيبي، هذا صوت شجي، سأكلم أبوجواد مدن، لتكون رادود الحلقة، وتم الأمر، لم يترك له مجالا ليتردد أو يعتذر.

حين يدخل موسى الموكب، ينقلب الوضع، يصرخ بأعلى صوته: جوااااب، فترتفع أصوات المعزين عالية، يدب الحماس، ولا يعرف يستقر في مكانه، يجوب بين مقدمة الموكب ونهايته، ينظم الصفوف ويشجعها وإذا أحس برودة من أحدهم، يقترب منه بابتسامة بالغة التودد ويقول له: اوووجع، فيدب فيه النشاط، إنه ماسترو الحلقة حين تفقد إيقاع الدق أو الرد.

 قبل عشرة محرم يكثف اتصالاته بأخي جليل، يرسم معه خطة القصائد وسيرها ويحضر معه ما يناسب ذائقة جمهور حلقة (السكسبوي)وهي ذائقة حسينية أصيلة، لا تقبل بالإسقاطات السياسية والتنويعات اللحنية، لذلك يلتحق بها كبار السن، وبحارة الدير، من أمثال: حجي مكي عبدالله مكي، حجي إبراهيم حجي حماد، حجي عبدالله بن كاظم أبو أكبر، حجي عبدالله أبوحسان، حجي رمضان، حجي حسن بن موسى، الحاج علي السليموني. 

كان الأستاذ حسن مكي، من أبرز كتاب القصائد الحسينية، يحضر مجلس بيت المتين من ليلة سابع، يأخذ اللحن من الرادود ويكتب من قريحته، هناك قصيدة للأستاذ حسن يصر الفقيد الحاج موسى على جليل أن (يشيلها) في وفاة النبي، يقول له أنا أعرف أن مزاج المعزين يصعد للأعلى مع هذه القصيدة لو كررتها كل عام، يقول فيها: يا رسول الله بعدك هجموا بدار الوصي، وانكروا ذيك الوصية وقيدوا حيدر علي، يا رسول الله يا رسول الله”. يحدث أحيانا أن يدخل موسى على جليل بقصيدة لملا عطية وهو وسط الحلقة، من غير سابق تنسيق، ويطلب منه أن (يشيلها). في حلقة (السكسبوي) كل شيء عفوي ومرتجل وبسيط وقابل للتداول، ومعروف حين يفقد البحارة مزاجهم من الرادود، يُطلقون نداءهم الشهير (شيل شيل يا جليل)وهناك لا يملك جليل الخيار.

خارج الموكب، لنا معه حياة أخرى، مليئة بالحب والظرف، فهو مركب من الضحك والكوميديا والسخرية التي لا تجرح أحدًا. يزورنا غالبا بعد المغربية، يأتي محملا بالرطب والترنج من قبل والدته التي هي بنت عمة والدي، يدخل البيت وصوته يزلزل المكان، ينادي والدتي: نائمون… نائمون،  نسيبتي نسيبتي. ظل هذا الصوت على عادته حتى بعد وفاة أم كريم، يأتينا بالرطب والفرح والمودة.

سنفتقد هذا الصوت، ولن نجد من يستصرخ فينا الحماس بندائه الشهير: جوااااااب.

في رثاء الدكتور عبد ربه

الدكتور عبدربه عبداللطيف

رحم الله أستاذنا، الدكتور عبد ربه عبد اللطيف عبد ربه، أستاذ اللغة والنحو والصرف بجامعة البحرين (1985-2012). كان بالنسبة لي القنطرة التي عبرت منها من عالم الطبيعة والفيزياء إلى عالم اللغة، على أعتاب درسه كسرت غرور تخصصي في الرياضيات والفيزياء، وجدت في ذكائه وألمعيته ومعرفته العميقة مجالًا آخر لا يقل تميزًا عن المجال الذي جئت منه في المرحلة الثانوية حيث معادلات الضوء والحركة والميكانيكا والجبر واللوغرتمات.
في درس الدكتور عبدربه وجدت ما كان يتحداني في دروس العلوم، أستاذ فذ قادر على أن يريك عمق النظام الذي يحكم تركيب الكلمات، شعرت أنه يُعيدني إلى الفيزياء التي كنت أستمتع بقوانينها المفسرة لانتظام الأشياء وحركتها في الكون.بدأت أقترب من درس اللغة وأتقبل أني طالب في كلية الآداب، فهناك مجال يتحدى عقلي، وهناك قواعد دقيقة تحتاج ألعابًا ذهنية، وهناك أستاذ يشبه معلم الرياضيات حين يقف على حافة السبورة ويتحدانا بكتابة مسألة رياضية معقدة الحل.
كنت أقرأ في عيون أستاذنا عبد ربه هذا البريق الذكي الذي يحمل لمعة خفية من الغرور المحبب، أقرأ ذلك في عيونه حين يطرح مسألة تطلب تحديًا، أحببته أكثر في هذه اللحظات، وجدت في استفزازه ما يُشبع ظمئي وشوقي لخفايا مسائل الطبيعة.
كان يُمعن في إثارة إعجابي بوقوفه مجردًا من أي كتاب، ما اعتاد أن يدخل قاعة الدرس بكتاب، لا يشرح عن نص ولا يتلو عن حاشية. في مقرر النحو (313) الشهير الذي لا يتخطاه الطلبة بسهولة، أردت أن أتحدى طريقته، بتحويل درسه الشفاهي إلى درس مكتوب، لأبطل هذا التميز الذي يجعلنا جميعًا مشدودين لكل كلمة يقولها ولا نجدها في كتاب واحد مجموع، رحت أكتب درسه حتى صار مذكرة جامعية يتداولها الطلبة، أردت أن أجرده من إحدى أدوات تميزه، وما فطنت إلى أنه يريد أن يربي فينا القدرة على أن نكون على نموذجه، نملك القدرة على أن نتجرد من صفحات الكتب ونقف وقفة العالم.
لقد أشبع درس الدكتور عبد ربه عندي الشغف باكتشاف إمكانات النظام النحوي والصرفي في تشكيل الكلمات، أخذني إلى أقاصي النحو، أراني أن إمكانات تفاعل عناصر الطبيعة يُشبه إمكانات تفاعل عناصر الكلام في اللغة، وكلا التفاعلين بحاجة إلى عقل حاذق، أزال بذلك غربتي القاتلة التي عانيت منها في دراسة اللغة، وكسر عندي هذا الغرور الغبي الذي غذته المدرسة حتى صرنا نسلم أن دراسة العلوم أرقى من دراسة الآداب.
بقيت في هذا البرزخ الانتقالي مع دروس الدكتور عبد ربه من مقررات مرحلة البكالوريوس حتى بحث التخرج سجلته معه، وفي مرحلة الماجستير أفضت من معارفه النحوية المدهشة، كان قادرًا أن يجعل من درس (الواو) و(أو) ساحة تحدٍ تكسر غرور أي منا بادعاء امتلاك المعرفة الكاملة بقواعد اللغة ومعرفة أسرار معانيها.
(المتبقي) من درس أستاذي عبد ربه، أخذته معي في رحلتي مع نصوص الأب ونظريات النقد ومفاهيم علوم الإنسان ومدارس علم الاجتماع. (المتبقي) هو أجمل ما يبقى معك من روح ما تعلمته ودرسته وقرأته بعد أن تنسى كل شيء، يبقى في داخلك يشاغب كل شيء ويربط كل شيء يعرض عليك.
على هذا النحو كان درس نحوك يا أستاذنا الكبير، وعلى هذا النحو الفذ سنظل نتذكرك دومًا. لقد تشرفت بالتتلمذ على يديك، رحمك الله وأبقانا في خير علمك.