فضاء عباس: أي حزن، يبعث ثلج الغربة يا عمة؟

بقلم/فضاء عباس فضل

لا ترى نفسك أمام المرآة، بل ترى صورة بداخلك، الموت يُخرج صورًا لم تكن تراها في مرآتك، أي صور من طفولتي ومكبوتاتي بعث موتك يا عمة؟!
مساحة الصمت الناطق بيني وبينها أكبر من الكلام، خاصة بعد هجرتي القسرية عنها، لغة الإشارة التي تجمعنا لا تحتاج حروف، هي تفهم ما يجول في خاطري دون حاجة لبيان. حين رحل أبي في يونيو 2009م صرت أختار زوايا البيت البعيدة عن عينها، لأنها قادرة على قراءة صمتي وسيماء وجهي المفضوح في قلبها، وهذا هو السبب الذي جعلني أتهرب من الاتصال بها. ما أن أسمع صوتها في لحظات الغربة والضعف، تغرورق عيوني وينحب صوتي، وينقطع الكلام. أعرف أن ذلك يجرح خاطرها، فألوذ بالهروب والانقطاع، كان مخرجي الذي أفقدني إياها كثيراً، كنت أحلم أني سأنهي هذه الحالة بالعودة القريبة لها، لكن القرب استحال بعدًا لا علاج له.
ينتهي غداء يوم الخميس، نرجع فرحين مستبشرين باستقبال عطلة نهاية الأسبوع، رائحة السمك الصافي والرز المشخول والسفرة الطويلة العامرة تنتظر الجميع. لا أطيق الانتظار الطويل، أجلس قرب عمتي (زهرة) ألح عليها أن تبدأ دورة النجاب (سكب الوجبة لي) بذكائها العفوي تحيل لنا بعض المهمات، لتلهينا حتى يكتمل عددنا تقول: قطعي الجح، أحضري الخضار من المطبخ. ينتهي الغداء ولا تنتهي المهمات، هناك دورة غسيل الصحون والمواعين وإعادة كل شيء إلى مكانه.
نتسطح أمام شاشة التلفاز، عمي عيسى ينتظر الساعة الثالثة ظهراً ليزور أباه وأمه في مقبرة الحورة، يستعجل عمتي خديجة في غرفتها، تكون مشغولة بقراءة دعاء القدح على مجموعة من قناني الماء، كلما توفي فرد من العائلة زادت قناني عمتى، حتى إننا كنا نمازحها بعد وفاة خالي (عبدالله زبر) الملقب بالشكر لحلاوة طبعه وحب أمه له، كنا نقول لها إن خالي سيرجع من مقبرة الحورة سباحة للبيت، لكنها لا تكترث لسخريتنا. كانت تقرب شفتيها نحو القناني وكأنها تسر لها بكلمات وفاء خاصة لأحبائها الراحلين، وتقرأ من دعاء القدح”إن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى”.
بحكم العوائل الممتدة والأدوار المتداخل، أنيط بعمتي خديجة القيام برعايتي، فأخذتني بأحضانها طفلة تتفتح الأمومة في كيانها بملامس حواسها، مطبوعة حواسي على أمومة حضن عمتي، لم تغادرني، على الرغم من أنها اضطرت لمغادرتي لدراسة اللغة العربية في جامعة عين شمس بالقاهرة، حينها تسلمتني عمتي رازقية بأحضانها، على أن أرجع سريعاً لعمتي خديجة فترات تواجدها بالبحرين. اشتراك الأمومة بينهما جعلني موضع نزاع، لم يحسم حتى الساعة. صرت ألتزم الصمت بينهما، لأحتفظ بمزيد من جرعات الدلال أكثر. ذلك الدلال جعل عمتي خديجة تفرط في التعويض، صارت تحمل معها الهدايا الكثيرة من مصر، صرت أنتظر قدومها كل عام بمفجآت، مرة تأتي بالجلابيات المصرية الجميلة، ومرة تأتي بحذاء بوت بني محاط بشريط فراء بيج، ومرة تأتي (جِمال) مصنوعة من الخوص.
(السنع) هو كلمة السر في تربية عمتي، ما هو السنع في تربيتها؟ أن تتحمل تكالب المسؤوليات وتقوم بمهماتها ولا تتركها، أن تعطي ولا تعرف حد للعطاء، أن ترتدي السواد عاماً كاملاً، لأن جارتهم أم فلان توفت، أن تحرم نفسها من السفر لأن هناك مسؤوليات عائلية لا تستطيع التخلي عنها، أن يكون كل ما لديك منذورًا للآخرين، ألا تقدم نفسك على بنات أخيك وأبنائه، أن تنذر عمرك كله لتربيتهم، ألا ترى لحجي عباس خلفًا يليق بقامته العالية.
(السنع) كما أفهمه الآن في تربية عمتي خديجة، هو صوتها المحمل بنبرة الاعتذار دون خطأ. هو صوتها اللحوح اليومي المفتوح، في كل صلاة وتسبيحة وزيارة، على السماء بالدعاء “يارب يارب …” لي ولزوجي ولباسل ولأماسيل بالعودة للوطن.
منذ رحيلك يا عمة، تزدادين توهجًا وحضورًا في لحظاتي، حين أخلد للنوم تغيبين قليلاً في البداية ثم تعودي بقوة في مناماتي، أستعيد فيها طفولتي معك، وسنواتنا في بيتنا بالمنامة حين كنا نجتمع في عاشوراء الحسين في حوطة بيت المديفع الملاصقة لبيتنا. أراك تتكلمين، أستيقظ لأرد عليك، لكني لا أجدك، ولا أتذكر التفاصيل لكن أتذكر كيف تستعدي مع خالتي خاتون بعد الانتهاء من الطباخ لغسل أواني الطبخ كلها: عشرة قدور تزيد أو تنقص، مشاخيل، صحون، سطامات، ملاليس. كنت تلبسين قفازك الأصفرغالباً، لتحمي يدك الحساسة من الصابون، ورثت عنك هذه الحساسية منذ كنت أتلمس أمومتك براحة يدي.
تعلمت منك إعادة الأشياء إلى مكانها، كنت أراك كيف تحرصين على إعادة كل شيء لمكانه بعد عملية الطبخ الضخمة. (التكفيض) كما نسميه في لهجتنا التي أحب كلمتها، سأطلب من أماسيل تسجلها في ورقتها التي تجمع فيها مفردات لغتنا اليومية، تمنحها هذه الكلمات قدرة على التواصل مع حفيداتك الكثيرات من بنات خالاتها وخيلانها.
دقيقة عمتي، حتى مع دفاتر طالباتها، تحضرهم معها إلى البيت، وتدقق في تصحيحها، وتمعن في قراءة سطور طلابها، حين تعثر علي جملة مبدعة، ترفع صوتها وتقرأ لنا بفخر إبداعات بناتها. تحبهن كثيرا وتعد لهن الهدايا في نهاية كل فصل. كنا نلومها لكثرة عطائها، لكنها لا تكترث، كنا نقيس أفعالها بمعيار الواجب، وهي تقيس أفعالها بمعيار الحب.
عمو لا شيء يشبهك، ولا كلمات تختصرك، هل كان ذلك (الجمل) هديتك رمزاً أتعلم منه الصبر من دونك؟ وهل كان حذاء البوت ذاكرة أتدفأ بها في هذه الغربة التي حرمتني حتى من وداعك؟

*مقالة رثائية لروح الفقيدة العمة المربية المعلمة خديجة منصور فضل، توفيت في 28 نوفمبر 2019.

في رثاء العمة خديجة

“عندما يقول أحد إن فلانًا خلف لحجي عباس، أقول لا، لا أحد يخلفه، لا أحد يُشبهه، لا أحد يمكنه أن يحل مقامه أو يحصل على مكانه في قلوبنا. نعم لديه خلف (أبناء) نحبهم، لكن لا أحد يخلفه” خديجة
بالأمس، كان رحيلًا صادمًا مفاجئًا آخر في بيت حجي عباس فضل، تمامًا، كما رحل الحاج عباس بدون مقدمات تهيّئ قلوب أحبته العاشقة لفراقه، رحلت أمس شقيقته الصغرى الأستاذة المربية الفاضلة خديجة منصور فضل (1952-2019) رحلت في شوق إليه، وهي التي تربت على مناقبيته العالية، وأعطت لأبنائه ما أعطاه لها، من حب وتفانٍ من أجل الآخرين، وإنكار للذات يصل إلى حد ظلمها.
تقول منى عباس التي تربت تحت رعاية عمتها خديجة “العمة خديجة هي الحب المعجون بالعطاء والكفاح، من آلة الحياكة إلى مقاعد الجامعة، ومن إعادة السنة الدراسية منازل إلى بعثة المتفوقين، ومن بيت معلمة القرآن (مدينة) إلى الصف الرابع الابتدائي، بتحد شجاع يقف خلفه أخوها الاستثنائي والدي الحاج عباس. عمتي خديجة هي مربيتي الحنونة وقد قادت يدي معها إلى محراب التعليم المقدس في بيتنا”
خديجة واحدة من ثلاث أخوات فضليات للحاج عباس، شكلّن دعامة عاطفية له ولعائلته الصغيرة الكثيرة العدد، ما كان لحجي عباس أن ينذر حياته لخدمة الحسين لولا هذا السند العاطفي من أخواته الثلاث: رازقية، زهرة، خديجة. وهبه الحسين حب الأخوة والتضحية حد الفناء، فتمثلها في علاقته بأخواته الثلاث، وتمثلنها هنّ في علاقتهن به.
ترى شهقة الأخوة تبرق في عيونهم، وتنطق بحب في ألسنتهم، وتستحيل سلوكًا راقيا في أفعالهم. حين كانت خديجة تقول بفم مليان: لا أحد يخلف أخي حجي عباس، إنما كانت تنطق بقلب المجرب المعاين الذي لحظ الأخوة في أدق تفاصيلها وأصعب محنها وأجلى قيمها.
تعلمت الأخوات من أخيهم درس الأم المعطاءة، فاطمة بنت زبر (ت 1973). وجدوا في دمعة أخيهم الحارقة التي لم تتوقف على أمهم سرًا عظيمًا، ما الذي أدركه أخونا الأكبر من أمنا وجعله على هذا القدر من رقاقة القلب وهمل الدمع، كلما سمع قصيدة أو نشيدة أو موالا أو أغنية ورد فيها كلمة الأم؟ كانت بنت زبر، خادمة من خدام الحسين في حسينية العابد المقابلة لبيتهم، ولها زاويتها المعروفة فيها.
تقول فضاء عن عمتها “رحم الله عمتي في جنة الأبدية البيضاء، كل ما فيها أبيض، أُنعش قلبي في رمضان (الغربة) الطويل نهاره، بتذكر (المحلبية) البيضاء التي كانت تعدها لنا في ظهيرة رمضان، لا يشوبها شيء غير خيط الزعفران المبلل بماء الورد، تفترش الصالة بسماط طويل، تصف (الطوس= جمع طاسة) في انتظام جميل، يزيد من جماله القماشة البيضاء الخفيفة وهي تغطيها حتى تبرد قبل أن تدخلها الثلاجة، لتكون رفيقة فطورنا وسحورنا، نحن العائلة الكبيرة التي يزيد عددها على الثلاثين نفرًا. ولحساب شقوة الطفولة تزيد عمتي من عدد (الطوس)، لأنها تعرف أن هناك من سيمارس هوايته في التسريب والسرقة من هنا وهناك”.

غمرت خديجة أبناء وبنات أخيها بعطائها غير المحدود، وحين كبر الأبناء، كبر فائض الحب والعطاء الذي بين جنباتها، فمنحته للأحفاد، بعد أن صاروا جيشًا يملأ بيت الجد بالفرح والحركة والضجيج.
يكسر حفيدها باسل صمت الفقد الذي يسيطر على العائلة باسترجاع شيء من شقاوته معها، يقول “عمتي خديجة، كانت أمنا جميعًا، نحن أحفاد أخيها حجي عباس، ظللت أحتفظ بالأظرف المميزة التي تهدينا فيها الدنانير في مناسباتنا التي لا تنتهي، ما زالت موجودة في خزائن غرفتي بالبحرين، كنت أشم فيها محبتها وعاطفتها، والآن صارت ذاكرة لا يمكن التفريط فيها.
في الصف الثاني الإعدادي، وهي تشرح لي بعض دروس اللغة العربية، أكتب لها جملًا ذات طابع سياسي: قتل الشرطي الولد، فتأخذها عاطفة الخوف علي: جوز عن السياسة.لكني لا أجوز، لكأني وجدت في مشاغبة خوفها علي وحبها لي لذة ينبغي استثارتها، حتى صرت في 2011 أيام السلام الوطنية، أسألها: هل لديك كتب عن تاريخ البحرين؟ فترد علي بغضب المحب: عندي ولن أعطيك شيئا منها، فأضحك لشعوري أني وجدت المدخل الذي يُقلقها علي”.

رحم الله المربية العمة خديجة منصور فضل، وأنار سيرتها في قلوب أحفادها، أحفاد أخيها حجي عباس فضل.

في رثاء الدكتور عبد ربه

الدكتور عبدربه عبداللطيف

رحم الله أستاذنا، الدكتور عبد ربه عبد اللطيف عبد ربه، أستاذ اللغة والنحو والصرف بجامعة البحرين (1985-2012). كان بالنسبة لي القنطرة التي عبرت منها من عالم الطبيعة والفيزياء إلى عالم اللغة، على أعتاب درسه كسرت غرور تخصصي في الرياضيات والفيزياء، وجدت في ذكائه وألمعيته ومعرفته العميقة مجالًا آخر لا يقل تميزًا عن المجال الذي جئت منه في المرحلة الثانوية حيث معادلات الضوء والحركة والميكانيكا والجبر واللوغرتمات.
في درس الدكتور عبدربه وجدت ما كان يتحداني في دروس العلوم، أستاذ فذ قادر على أن يريك عمق النظام الذي يحكم تركيب الكلمات، شعرت أنه يُعيدني إلى الفيزياء التي كنت أستمتع بقوانينها المفسرة لانتظام الأشياء وحركتها في الكون.بدأت أقترب من درس اللغة وأتقبل أني طالب في كلية الآداب، فهناك مجال يتحدى عقلي، وهناك قواعد دقيقة تحتاج ألعابًا ذهنية، وهناك أستاذ يشبه معلم الرياضيات حين يقف على حافة السبورة ويتحدانا بكتابة مسألة رياضية معقدة الحل.
كنت أقرأ في عيون أستاذنا عبد ربه هذا البريق الذكي الذي يحمل لمعة خفية من الغرور المحبب، أقرأ ذلك في عيونه حين يطرح مسألة تطلب تحديًا، أحببته أكثر في هذه اللحظات، وجدت في استفزازه ما يُشبع ظمئي وشوقي لخفايا مسائل الطبيعة.
كان يُمعن في إثارة إعجابي بوقوفه مجردًا من أي كتاب، ما اعتاد أن يدخل قاعة الدرس بكتاب، لا يشرح عن نص ولا يتلو عن حاشية. في مقرر النحو (313) الشهير الذي لا يتخطاه الطلبة بسهولة، أردت أن أتحدى طريقته، بتحويل درسه الشفاهي إلى درس مكتوب، لأبطل هذا التميز الذي يجعلنا جميعًا مشدودين لكل كلمة يقولها ولا نجدها في كتاب واحد مجموع، رحت أكتب درسه حتى صار مذكرة جامعية يتداولها الطلبة، أردت أن أجرده من إحدى أدوات تميزه، وما فطنت إلى أنه يريد أن يربي فينا القدرة على أن نكون على نموذجه، نملك القدرة على أن نتجرد من صفحات الكتب ونقف وقفة العالم.
لقد أشبع درس الدكتور عبد ربه عندي الشغف باكتشاف إمكانات النظام النحوي والصرفي في تشكيل الكلمات، أخذني إلى أقاصي النحو، أراني أن إمكانات تفاعل عناصر الطبيعة يُشبه إمكانات تفاعل عناصر الكلام في اللغة، وكلا التفاعلين بحاجة إلى عقل حاذق، أزال بذلك غربتي القاتلة التي عانيت منها في دراسة اللغة، وكسر عندي هذا الغرور الغبي الذي غذته المدرسة حتى صرنا نسلم أن دراسة العلوم أرقى من دراسة الآداب.
بقيت في هذا البرزخ الانتقالي مع دروس الدكتور عبد ربه من مقررات مرحلة البكالوريوس حتى بحث التخرج سجلته معه، وفي مرحلة الماجستير أفضت من معارفه النحوية المدهشة، كان قادرًا أن يجعل من درس (الواو) و(أو) ساحة تحدٍ تكسر غرور أي منا بادعاء امتلاك المعرفة الكاملة بقواعد اللغة ومعرفة أسرار معانيها.
(المتبقي) من درس أستاذي عبد ربه، أخذته معي في رحلتي مع نصوص الأب ونظريات النقد ومفاهيم علوم الإنسان ومدارس علم الاجتماع. (المتبقي) هو أجمل ما يبقى معك من روح ما تعلمته ودرسته وقرأته بعد أن تنسى كل شيء، يبقى في داخلك يشاغب كل شيء ويربط كل شيء يعرض عليك.
على هذا النحو كان درس نحوك يا أستاذنا الكبير، وعلى هذا النحو الفذ سنظل نتذكرك دومًا. لقد تشرفت بالتتلمذ على يديك، رحمك الله وأبقانا في خير علمك.

في تأبين فاطمة بنت حجي حسن.. لا يحزن من يجلس معها

“لا يحزن من يجلس معها” هكذا كثّفت خالتي خاتون حياة الراحلة فاطمة بنت حجي حسن، إنها مفجرة الضحكات في مجلس سلامة سلوم، رحلت البارحة تاركة حكاياتها، كانت تقول قبل أيام لخالتي وأمي، هل ستحكون عني بعد موتي، كما نحكي الآن عن سلامة سلوم؟! تقولها بمرحها من دون أن تُشعر أحداً بجدية الموت الذي أخذ أطرافاً من أصابعها.

تأتيني أخبار الموت عادة من دون أن تراعي فارق التوقيت، لا شيء ألوذ به غير الحكايات والذكريات، أعود لتسجيلات قديمة،كانت تتحدث فيها عن علاقتها بسلامة وبناتها وبيتها، أسمعها ولا أستطيع أن أغالب الضحك، أقف مستمتعاً وهي تتحدث عني “كنت في غرفة صباح في زواجها ونحن لم نخرج بعد من طفولتنا، وكنت في غرفة ولادتها أيضاً بولدها البكر في المستشفى الأمريكي، طلبت مني سلامة مرافقتها، توليت مهمة تقميط (علي) بما توفر لي من خبرة أشهر مع ابنتي الأولى نادية، فقد جاءت قبل أشهر من ولادة (علي)”.

منذ دخلت بيت سلامة وأنا ابنة أربع سنوات، صرت ابنتها، وصباح وخاتون وسكينة أصبحن أخواتي، ومقالب الطفولة عشناها معاً، نتسابق لتسلم ثياب حجي عبدالحسين طرار زوج سلامة، بعد أن يعود من فرشته بسوق المنامة حيث كان يعمل جزافاً هناك، يتخلص أولاً من ثيابه وبالعادة ينسى أو يترك بعضاً من الربيات فيها، الفائزة هي من تحصل على ثوبه أولاً.ولجرأتي تطلب مني صباح بعض المهمات الخاصة، فحين تجوع، تشير لي لسرقة خبز جدها حجي حسن، فأتسلل وأقتنص الفرصة لآخذ قطعة من خبزه، وحين يلحظني يركض ورائي متوعداً وشاتماً.

في إحدى المرات قالت صباح نريد أن ننظف المراوح، وبعدها اقترحت أن نبحث عن علبة صباغة رش، لصباغة المراوح، قلت لها عندي واحدة، أحضرتها لكنها كانت قديمة ومتجمدة، فاقترحت عليها أن أتولى تسخينها، لحظات حتى سمعت صوت الانفجار وأنا خارج المطبخ، ولم يتبق شيء من السقف، هربت مسرعة من البيت، ولولا واسطة سلامة ذلك اليوم لتمّ قتلي عقاباً على تصرفاتي الشقية.

سلامة هي من جهزتني ليلة زواجي كواحدة من بناتها، وضعت لي الحناء وجهزت لي الثياب وصبغت شفايفي بالديرمة، حين ولدت قبل ابنتها الكبرى بأشهر مرضت، لكنهم أصروا أن أخرج بابنتي نادية، إلى بيتهم ليفرحوا بأول مولودة في البيت، كانت فرحتي فرحة سلامة وبناتها، وحزني حزنهم. عمّق من صلتي بهم بعد زواجي، أن والدة زوجي الحاجيـة مريم بنت الحاج أحمد صمايل (توفيت ديسمبر1997) هي ملاية مأتم سلامة وهي ملازمة لبيتهم.

لا يتوقف الكلام في مجلس سلامة، أصنع الضحكات على شفاه سلامة من تعليقاتي على الكلام، حين لا أجد شيئاً، أخترع لها قصة، في إحدى المرات، تحدثت لها بتهويل كبير، قلت لها: دييييه ما سمعتين آخر خبر، يقولون الهند هاجمة على بومبي. فتجيبني سلامة: لويه بعد، حسبي الله عليهم. فيضحك الحضور ويعرفون المقلب، سلامة تعلق: حسبي الله عليش ما تجوزين عني.

حين تحضر سلامة بضاعة جديدة، تبدأ في الترويج لها، تتحدث عن أسعارها الرخيصة حين يسألها أحد عنها، باستخدام عبارة مجازية (إلا بلاش). أنا أنتظرها تقول هذه العبارة، وأحملها على الحقيقة، آخذ البضاعة وأهرب، أقول لها أنت قلت ببلاش. اعتادت سلامة على طريقتي معها، وهي لا تملك غير ضحكاتها تعاقبني بها. حين تدخل سلامة مأتمها بمشمر جديد أو ثوب جديد، أعلق عليها، أعرف أنها تستعرض بضاعتها وتعمل لها دعاية وترويج، وأعرف أن تعليقاتي ستلفت الانتباه وتزيد من وقع الدعاية والترويج.

حين تعلمت الخياطة، وصارت معي ماكينة خياطة، قالت لي سلامة قولي لزوجك يُحضر لك قماشاً قطنياً، لتجهيز بسطة (جمع بساط) وثياب المولود، جهزت ثياب نادية قبل ولادتها بيدي، وحين رأت صباح تميزي، صارت كلما أحضرت أمها أقمشة جديدة، طلبت مني أن أخيط لابنتها فاطمة.

قلت لخالتي خاتون، هل اختلفتم أو افترقتم طوال هذا العمر؟ فأجابتني: لم تحب أحداً قدر حبها لي ولأمك صباح، وحبها لنا امتداد لعشقها لسلامة، رافقتني ونحن بنات خمس سنوات، نجلس عند كلثم بنت الحايي، زوجة جدي، تعلمنا القرآن، فتظهر علامات الشقوة على (فاطمة) فتطلق عليها المعلمة (لغيوه) فنضحك معاً، تتوفى بنت الحايي في العام 1960 فننتقل للحاجية شريفة بنت سيد عبدالله (توفت 2000) لكننا لا نبقى إلا فترة قصيرة، حتى نستقر عند شريفة بنت سيد يوسف، هناك حفظنا القرآن معاً وتعلمنا قراءة وفاة النبي والفخري، فصرنا نقرأ معاً في مأتم سلامة. كانت فاطمة هدية قلب رحمها الله، لكنها لم توفق للذهاب للمدرسة فيما بعد كما حدث معي.

حين يهل محرم، لا أقدم شيئاً على (مربين فاطمة بنت حجي حسن) المميز بليونة رزه ولذاعة فلفله، افتقدته كثيراً بعد 2011، قلت لأمي أريده، أرسلوه مثلجاً، فلا يحلو سواد عاشوراء من دونه، أحطته بعناية شديدة حين وصلني بيروت، وصرت أجلس إليه وكأني أجلس إلى أكلة مقدسة، وأضن به على الآخرين.

رحم الله أم علي، وسقى الله أيامها بالرحمة والذكرى العطرة.

علي أحمد الديري: في رثاء السيدة عصوم

أخواتي في زيارة السيد معصومة في أيامها الأخيرة

توفيت أمس، آخر صديقات جدتي سلامة سلوم في حلقتها الضيقة في الدير،عصوم، الاسم المدلل يبقى محبباً في التداول في ثقافتنا المحلية، تكبر النساء ولا يغادرن دلال أسمائهن.
أختي معصومة وجدة أمي سيدة معصومة، وزوجة ابن خالي معصومة، وكلهن قريبات من القلب في العائلة، لكن حين تقول لي إمي: تسلم عليك عصوم وتسأل عنك، أعرف مباشرة أنها السيدة معصومة بنت سيد عبد الله سيد هاشم.
أسمع صوت سلامها الرخيم الحنون يضرب في قلبي. تعزيني بالأمس أمي، وهي لا تدري بأنها تزيد وجع فقدها في قلبي: كانت تحبك وكأنك سيد من أبنائها السادة. وتضيف: رحم الله أم السادة، لقد أعطاها الله من بر الأبناء، على قدر صفاء قلبها، كانوا يحملونها على أكف قلوبهم، من غير ملل ولا جزع، طوال فترة مرضها الذي أقعدها لأكثر من عشر سنوات، بل إنهم أخذوها لزيارة الإمام الرضا بمشهد المقدسة وهي على حمّالتها، لتهدأ روحها المشتاقة لأهل البيت.
ربطتني صداقة طفولة بابنها السيد إبراهيم، كان صورة من أمه في طيبته وأخلاقه وصفاء قلبه، كان من دوننا حين تقع عينه على كسرة خبز في الطريق يأخذها بحنو بالغ ويقبلها ويرفعها على إحدى الجدران كي لا تطأها الأقدام، إنه احترام للنعمة لا أشك أن أمه السيدة معصومة قد أودعته في معتقده وسلوكه، فصار علامة في أخلاقه.
عدت لرسالتها الصوتية الأخيرة لي في العيد الماضي “هلا ومرحبا يا بوي، شحوالك، حيا الله شيخ علي، حيا الله شيخ علي، يواليك يا بويي العافية وطولة العمر” كانت تظنني على الهاتف معها، وتنتظر ردي عليها. لم يسمح فارق التوقيت بيننا أن أسمعها ردي في الوقت نفسه لتطيب نفسها المشتاقة لكل شيء يذكرها بصديقة عمرها سلامة سلوم، فالأكيد أن تضاعف محبتها لي تأتي من جهة ما احتفاء بسلامة. تخبرني أختي فاطمة أنها يستحيل أن تنسى ذكر سلامة في أي زيارة تذهب إليها، كأنها تعالج قلبها باستعادة حكاياتها معها، فقد شكّلت ثلاثيا خاصاً جمع بينها وبين شقيقتها بتول وصديقتهم سلامة. كبروا وما كبرت عادت الطفولة وبراءتها فيهم، لا تشتهي الواحدة منهم ثوباً وإلا أحبت أيكون لصديقتيها مثله، حتى حين كبر سيد محمد ابن بتول وصار يعمل بالخارج، أخذت تشترط عليه ألا يأتيها بثوب مفرد، لا قلب لها أن تلبس ثوباً لا تلبس مثله سلامة وعصوم.
ظلت ترسل لي هداياها ولم يقعد المرض حواسها عن تفقدي، ولم تمنعها مغادرتي للوطن طوال هذه السنوات من وصلي، وكأنها تشمّ فيّ رائحة سلامة. حين وصلتني هديتها (تولة) العود الفاخرة، صرت أستخدمها بحرص بالغ في شتاء بيروت وصنعت على وقع رائحتها العابقة ذاكرة جميلة، وانتقلت معي للشتاء الكندي القارص تدفئني بحميميتها. في زيارتها قبل الأخيرة، كانت متألمة حين اعتذرت لها أمي عن قبول هديتها لي، قالت لها غير مسموح أن نرسل له شيئاً بعد أن صار في كندا، لم يعد الأمر كما هو حين كان في بيروت.
تحكي لي خالتي خاتون عن وعيها بهذه العلاقة الحميمة بين أمها والشقيقتين عصوم وبتول، تقول وعيت على الدنيا، وكأني أراهم يعيشون معنا في البيت، يترددون على مجلس أمي ومأتمها طوال اليوم، هكذا كانت تفعل عصوم وبتول وأمهم مريوم بنت حجي عبد الله البابور، وأختهم غير الشقيقة شروف التي أصبحت ملاية رئيسية في مأتم جدتك.
تضيف الخالة خاتون التي تتلمذت على صوت (شروف) وملايات مأتم أمها، وقُدّر لها أن تكون في الدفعة الأولى لبنات الدير الملتحقات بالمدرسة وسط معارضة اجتماعية واسعة: وُلدت في اليوم نفسه الذي أنجبت فيه عصوم ابنتها الكبيرة فاطمة سيد حميد سيد موسى (أم حسين)، وأكملنا بصداقتنا صداقة الأمهات وصداقة العمات أيضاً فقد كانت عمة أمي (بنت الحايي) صديقة عمة عصوم (هاشمية سيد هاشم)، لقد أتاحت الجيرة القريبة إلى حد تلاصق البيوت أن تمتد علاقاتنا الاجتماعية عميقا.
أذكر من هذه الطفولة جماليات تفوق الوصف، لقد أطلقت شيخة جدة فاطمة لأبيها على فاطمة لقب (المشمومة) لفرط محبتها لها وتدليعها، وجدت تشابهاً بين قصر فاطمة وجمالها ورائحتها الزاكية، حتى غدا الاسم المحبب بيننا لفاطمة هو (المشمومة). أما أنا فقد كان خباز والدي يصنع حلوى مميزة، وتدليعاً لي فقد أطلق عليها اسمي (صرة الخاتون).
ما انقطعت (عصوم) عن مأتم سلامة حتى وهي على كرسيها المتحرك، تغالب مرضها لتتحمل مشقة الحضور، وحين وجدت في سنواتها الأخيرة أن المرض ألزمها الاستلقاء على الفراش، صارت ترسل تبرعاتها للمأتم في كل المناسبات.
تلفتني أمي وهي تحكي عن بيت سيد حميد سيد موسى زوج عصوم، إلى أني مدين في حياتي لهم، فقد كان سيد عيسى (الضرير) الأخ الشقيق لسيد حميد، هو من تعتمد عليه سلامة سلوم لتوفير الأضحيات صعبة الشروط، فهو من يعرف كيف يُحضر لك الطُمطم الأسود والديك الصحيح ليفدي حياتك من تهديدات (التابعة) التي دوماً تهددني بأخذ أعز ما أملك، وما كان غيرك.